Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة النور - الآية 40

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ۚ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ۗ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ (40) (النور) mp3
ضَرَبَ تَعَالَى مَثَلًا آخَر لِلْكُفَّارِ أَيْ أَعْمَالهمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ أَوْ كَظُلُمَاتٍ . قَالَ الزَّجَّاج : إِنْ شِئْت مَثِّلْ بِالسَّرَابِ وَإِنْ شِئْت مَثِّلْ بِالظُّلُمَاتِ فَ " أَوْ " لِلْإِبَاحَةِ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْقَوْل فِي " أَوْ كَصَيِّبٍ " [ الْبَقَرَة : 19 ] . وَقَالَ الْجُرْجَانِيّ : الْآيَة الْأُولَى فِي ذِكْر أَعْمَال الْكُفَّار , وَالثَّانِيَة فِي ذِكْر كُفْرهمْ وَنُسِّقَ الْكُفْر عَلَى أَعْمَالهمْ لِأَنَّ الْكُفْر أَيْضًا مِنْ أَعْمَالهمْ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : " يُخْرِجهُمْ مِنْ الظُّلُمَات إِلَى النُّور " [ الْبَقَرَة : 257 ] أَيْ مِنْ الْكُفْر إِلَى الْإِيمَان وَقَالَ أَبُو عَلِيّ : " أَوْ كَظُلُمَاتٍ " أَوْ كَذِي ظُلُمَات ; وَدَلَّ عَلَى هَذَا الْمُضَاف قَوْله تَعَالَى : " إِذَا أَخْرَجَ يَده " فَالْكِنَايَة تَعُود إِلَى الْمُضَاف الْمَحْذُوف. قَالَ الْقُشَيْرِيّ : فَعِنْد الزَّجَّاج التَّمْثِيل وَقَعَ لِأَعْمَالِ الْكُفَّار , وَعِنْد الْجُرْجَانِيّ لِكُفْرِ الْكَافِر , وَعِنْد أَبِي عَلِيّ لِلْكَافِرِ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس فِي رِوَايَة : هَذَا مِثْل قَلْب الْكَافِر . " فِي بَحْر لُجِّيّ " قِيلَ : هُوَ مَنْسُوب اللُّجَّة , وَهُوَ الَّذِي لَا يُدْرَك قَعْره . وَاللُّجَّة مُعْظَم الْمَاء , وَالْجَمْع لُجَج . وَالْتَجَّ الْبَحْر إِذَا تَلَاطَمَتْ أَمْوَاجه ; وَمِنْهُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ أَنَّهُ قَالَ : ( مَنْ رَكِبَ الْبَحْر إِذَا اِلْتَجَّ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّة ) . وَالْتَجَّ الْأَمْر إِذَا عَظُمَ وَاخْتَلَطَ. وَقَوْله تَعَالَى : " حَسِبَتْهُ لُجَّة " [ النَّمْل : 44 ] أَيْ مَا لَهُ عُمْق. وَلَجَّجَتْ السَّفِينَة أَيْ خَاضَتْ اللُّجَّة ( بِضَمِّ اللَّام ) . فَأَمَّا اللَّجَّة ( بِفَتْحِ اللَّام ) فَأَصْوَات النَّاس يَقُول : سَمِعْت لَجَّة النَّاس ; أَيْ أَصْوَاتهمْ وَصَخَبهمْ . قَالَ أَبُو النَّجْم : فِي لَجَّة أَمْسِكْ فُلَانًا عَنْ فُلِ وَالْتَجَّتْ الْأَصْوَات أَيْ اِخْتَلَطَتْ وَعَظُمَتْ .



أَيْ يَعْلُو ذَلِكَ الْبَحْر اللُّجِّيّ مَوْج . " مِنْ فَوْقه مَوْج " أَيْ مِنْ فَوْق الْمَوْج مَوْج , وَمِنْ فَوْق هَذَا الْمَوْج الثَّانِي سَحَاب ; فَيَجْتَمِع خَوْف الْمَوْج وَخَوْف الرِّيح وَخَوْف السَّحَاب . وَقِيلَ : الْمَعْنَى يَغْشَاهُ مَوْج مِنْ بَعْده مَوْج ; فَيَكُون الْمَعْنَى : الْمَوْج يَتْبَع بَعْضه بَعْضًا حَتَّى كَأَنَّ بَعْضه فَوْق بَعْض , وَهُوَ أَخْوَف مَا يَكُون إِذَا تَوَالَى مَوْجه وَتَقَارَبَ , وَمِنْ فَوْق هَذَا الْمَوْج سَحَاب. وَهُوَ أَعْظَم لِلْخَوْفِ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا : أَنَّهُ قَدْ غَطَّى النُّجُوم الَّتِي يُهْتَدَى بِهَا . الثَّانِي : الرِّيح الَّتِي تَنْشَأ مَعَ السَّحَاب وَالْمَطَر الَّذِي يَنْزِل مِنْهُ .



قَرَأَ اِبْن مُحَيْصِن وَالْبَزِّيّ عَنْ اِبْن كَثِير " سَحَاب ظُلُمَات " بِالْإِضَافَةِ وَالْخَفْض . قُنْبُل " سَحَاب " مُنَوَّنًا " ظُلُمَات " بِالْجَرِّ وَالتَّنْوِين . الْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِين . قَالَ الْمَهْدَوِيّ : مَنْ قَرَأَ " مِنْ فَوْقه سَحَاب ظُلُمَات " بِالْإِضَافَةِ فَلِأَنَّ السَّحَاب يَرْتَفِع وَقْت هَذِهِ الظُّلُمَات فَأُضِيفَ إِلَيْهَا ; كَمَا يُقَال : سَحَاب رَحْمَة , إِذَا اِرْتَفَعَ فِي وَقْت الْمَطَر . وَمَنْ قَرَأَ " سَحَاب ظُلُمَات " جَرَّ " ظُلُمَات " عَلَى التَّأْكِيد لِ " ظُلُمَات " الْأُولَى أَوْ الْبَدَل مِنْهَا . وَ " سَحَاب " اِبْتِدَاء وَ " مِنْ فَوْقه " الْخَبَر . وَمَنْ قَرَأَ " سَحَاب ظُلُمَات " فَظُلُمَات خَبَر اِبْتِدَاء مَحْذُوف ; التَّقْدِير : هِيَ ظُلُمَات أَوْ هَذِهِ ظُلُمَات . قَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ : " مِنْ فَوْقه مَوْج " غَيْر تَامّ ; لِأَنَّ قَوْله " مِنْ فَوْقه سَحَاب " صِلَة لِلْمَوْجِ , وَالْوَقْف عَلَى قَوْله " مِنْ فَوْقه سَحَاب " حَسَن ثُمَّ تَبْتَدِئ " ظُلُمَات بَعْضهَا فَوْق بَعْض " عَلَى مَعْنَى هِيَ ظُلُمَات بَعْضهَا فَوْق بَعْض . وَرُوِيَ عَنْ أَهْل مَكَّة أَنَّهُمْ قَرَءُوا " ظُلُمَات " عَلَى مَعْنَى أَوْ كَظُلُمَاتِ ظُلُمَات بَعْضهَا فَوْق بَعْض ; فَعَلَى هَذَا الْمَذْهَب لَا يَحْسُن الْوَقْف عَلَى السَّحَاب. ثُمَّ قِيلَ : الْمُرَاد بِهَذِهِ الظُّلُمَات ظُلْمَة السَّحَاب وَظُلْمَة الْمَوْج وَظُلْمَة اللَّيْل وَظُلْمَة الْبَحْر ; فَلَا يُبْصِر مَنْ كَانَ فِي هَذِهِ الظُّلُمَات شَيْئًا وَلَا كَوْكَبًا . وَقِيلَ : الْمُرَاد بِالظُّلُمَاتِ الشَّدَائِد ; أَيْ شَدَائِد بَعْضهَا فَوْق بَعْض. وَقِيلَ : أَرَادَ بِالظُّلُمَاتِ أَعْمَال الْكَافِر , وَبِالْبَحْرِ اللُّجِّيّ قَلْبه , وَبِالْمَوْجِ فَوْق الْمَوْج مَا يَغْشَى قَلْبه مِنْ الْجَهْل وَالشَّكّ وَالْحَيْرَة , وَبِالسَّحَابِ الرَّيْن وَالْخَتْم وَالطَّبْع عَلَى قَلْبه . رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره ; أَيْ لَا يُبْصِر بِقَلْبِهِ نُور الْإِيمَان , كَمَا أَنَّ صَاحِب الظُّلُمَات فِي الْبَحْر إِذَا أَخْرَجَ يَده لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا . وَقَالَ أُبَيّ بْن كَعْب : الْكَافِر يَتَقَلَّب فِي خَمْس مِنْ الظُّلُمَات : كَلَامه ظُلْمَة , وَعَمَله ظُلْمَة , وَمُدْخَله ظُلْمَة , وَمَخْرَجه ظُلْمَة , وَمَصِيره يَوْم الْقِيَامَة إِلَى الظُّلُمَات فِي النَّار وَبِئْسَ الْمَصِير.


يَعْنِي النَّاظِر .



أَيْ مِنْ شِدَّة الظُّلُمَات . قَالَ الزَّجَّاج وَأَبُو عُبَيْدَة : الْمَعْنَى لَمْ يَرَهَا وَلَمْ يَكَدْ ; وَهُوَ مَعْنَى قَوْل الْحَسَن . وَمَعْنَى " لَمْ يَكَدْ " لَمْ يَطْمَع أَنْ يَرَاهَا. وَقَالَ الْفَرَّاء : كَادَ صِلَة , أَيْ لَمْ يَرَهَا ; كَمَا تَقُول : مَا كِدْت أَعْرِفهُ . وَقَالَ الْمُبَرِّد : يَعْنِي لَمْ يَرَهَا إِلَّا مِنْ بَعْد الْجَهْد ; كَمَا تَقُول : مَا كِدْت أَرَاك مِنْ الظُّلْمَة , وَقَدْ رَآهُ بَعْد يَأْس وَشِدَّة . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ قَرُبَ مِنْ الرُّؤْيَة وَلَمْ يَرَ كَمَا يُقَال : كَادَ الْعَرُوس يَكُون أَمِيرًا وَكَادَ النَّعَام يَطِير , وَكَادَ الْمُنْتَعِل يَكُون رَاكِبًا . النَّحَّاس : وَأَصَحّ الْأَقْوَال فِي هَذَا أَنَّ الْمَعْنَى لَمْ يُقَارِب رُؤْيَتهَا , فَإِذَا لَمْ يُقَارِب رُؤْيَتهَا فَلَمْ يَرَهَا رُؤْيَة بَعِيدَة وَلَا قَرِيبَة .



نُورًا يَهْتَدِي بِهِ حِين أَظْلَمَتْ عَلَيْهِ الْأُمُور . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : أَيْ مَنْ لَمْ يَجْعَل اللَّه لَهُ دِينًا فَمَا لَهُ مِنْ دِين , وَمَنْ لَمْ يَجْعَل اللَّه لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ يَوْم الْقِيَامَة لَمْ يَهْتَدِ إِلَى الْجَنَّة ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَيَجْعَل لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ " [ الْحَدِيد : 28 ]. وَقَالَ الزَّجَّاج : ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا وَالْمَعْنَى : مَنْ لَمْ يَهْدِهِ اللَّه لَمْ يَهْتَدِ . وَقَالَ مُقَاتِل بْن سُلَيْمَان : نَزَلَتْ فِي عُتْبَة بْن رَبِيعَة , كَانَ يَلْتَمِس الدِّين فِي الْجَاهِلِيَّة , وَلَبِسَ الْمُسُوح , ثُمَّ كَفَرَ فِي الْإِسْلَام . الْمَاوَرْدِيّ : فِي شَيْبَة بْن رَبِيعَة , وَكَانَ يَتَرَهَّب فِي الْجَاهِلِيَّة وَيَلْبَس الصُّوف وَيَطْلُب الدِّين , فَكَفَرَ فِي الْإِسْلَام . قُلْت : وَكِلَاهُمَا مَاتَ كَافِرًا , فَلَا يَبْعُد أَنْ يَكُونَا هُمَا الْمُرَاد بِالْآيَةِ وَغَيْرهمَا . وَقَدْ قِيلَ : نَزَلَتْ فِي عَبْد اللَّه بْن جَحْش , وَكَانَ أَسْلَمَ وَهَاجَرَ إِلَى أَرْض الْحَبَشَة ثُمَّ تَنَصَّرَ بَعْد إِسْلَامه . وَذَكَرَ الثَّعْلَبِيّ : وَقَالَ أَنَس قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّه تَعَالَى خَلَقَنِي مِنْ نُور وَخَلَقَ أَبَا بَكْر مِنْ نُورِي وَخَلَقَ عُمَر وَعَائِشَة مِنْ نُور أَبِي بَكْر وَخَلَقَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أُمَّتِي مِنْ نُور عُمَر وَخَلَقَ الْمُؤْمِنَات مِنْ أُمَّتِي مِنْ نُور عَائِشَة فَمَنْ لَمْ يُحِبَّنِي وَيُحِبّ أَبَا بَكْر وَعُمَر وَعَائِشَة فَمَا لَهُ مِنْ نُور ) . فَنَزَلَتْ " وَمَنْ لَمْ يَجْعَل اللَّه لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُور " .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الرواة الثقات

    الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الرواة الثقات : كتاب مشتمل على معرفة من صح أنه خلط في عمره من الرواة الثقات في الكتب الستة وغيرها وهو مؤلف وجيز وعلم غزير ينبغي أن يعتني به من له اعتناء بحديث سيد المرسلين وسند المتقدمين والمتأخرين.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141402

    التحميل:

  • جوامع الدعاء

    جوامع الدعاء: تحتوي هذه الرسالة على خمسة فصول بعد المقدمة وهي: الأول: في حق الدعاء وفضله. الثاني: في شروط الدعاء وآدابه. الثالث: في أحوال مختصة بالإجابة. الرابع: في أدعية مختارة من القرآن الكريم. الخامس: في أدعية مختارة من السنة المطهرة. - قدم لهذه الرسالة فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين - حفظه الله -.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/166513

    التحميل:

  • حتى تكون أسعد الناس

    حتى تكون أسعد الناس: فهذا كتاب خفيف لطيف اختصرت فيه مؤلفات وعصرت فيه مصنفات, وسميته: (حتى تكون أسعد الناس)، وجعلته في قواعد لعلك تكررها وتطالب نفسك بتنفيذها والعمل بها, وقد اخترت كثيرًا من كلماته من كتابي (لا تحزن) وعشرات الكتب غيره في السعادة.

    الناشر: موقع صيد الفوائد www.saaid.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/324354

    التحميل:

  • بناء الأجيال

    -

    الناشر: مجلة البيان http://www.albayan-magazine.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205816

    التحميل:

  • رسالتان في فتنة الدجال ويأجوج ومأجوج

    رسالتان في فتنة الدجال ويأجوج ومأجوج : عالج فيها قضية عقدية مهمة، من أشراط الساعة، وعلامات النبوة، عظَّم النبي صلّى الله عليه وسلّم شأنها، وحذَّر أمته من خطرها، ألا وهي «فتنة المسيح الدجال». - تحقيق وتعليق : الشيخ أحمد بن عبد الرحمن بن عثمان القاضي - أثابه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205543

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة