Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة النور - الآية 37

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) (النور) mp3
وَخَصَّهُمْ بِالذِّكْرِ دَلَّ عَلَى أَنَّ النِّسَاء لَا حَظّ لَهُنَّ فِي الْمَسَاجِد ; إِذْ لَا جُمْعَة عَلَيْهِنَّ وَلَا جَمَاعَة , وَأَنَّ صَلَاتهنَّ فِي بُيُوتهنَّ أَفْضَل . رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ عَبْد اللَّه رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( صَلَاة الْمَرْأَة فِي بَيْتهَا أَفْضَل مِنْ صَلَاتهَا فِي حُجْرَتهَا وَصَلَاتهَا فِي مَخْدَعهَا أَفْضَل مِنْ صَلَاتهَا فِي بَيْتهَا ).


أَيْ لَا تَشْغَلهُمْ .



خَصَّ التِّجَارَة بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا أَعْظَم مَا يَشْتَغِل بِهَا الْإِنْسَان عَنْ الصَّلَاة . فَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ كُرِّرَ ذِكْر الْبَيْع وَالتِّجَارَة تَشْمَلهُ. قِيلَ لَهُ : أَرَادَ بِالتِّجَارَةِ الشِّرَاء لِقَوْلِهِ : " وَلَا بَيْع " . نَظِيره قَوْله تَعَالَى : " وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَة أَوْ لَهْوًا اِنْفَضُّوا إِلَيْهَا " [ الْجُمْعَة : 11 ] قَالَهُ الْوَاقِدِيّ. وَقَالَ الْكَلْبِيّ : التُّجَّار هُمْ الْجُلَّاب الْمُسَافِرُونَ , وَالْبَاعَة هُمْ الْمُقِيمُونَ . " عَنْ ذِكْر اللَّه " اُخْتُلِفَ فِي تَأْوِيله ; فَقَالَ عَطَاء : يَعْنِي حُضُور الصَّلَاة ; وَقَالَهُ اِبْن عَبَّاس , وَقَالَ : الْمَكْتُوبَة. وَقِيلَ عَنْ الْأَذَان ; ذَكَرَهُ يَحْيَى بْن سَلَّام . وَقِيلَ : عَنْ ذِكْره بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى ; أَيْ يُوَحِّدُونَهُ وَيُمَجِّدُونَهُ . وَالْآيَة نَزَلَتْ فِي أَهْل الْأَسْوَاق ; قَالَهُ اِبْن عُمَر. قَالَ سَالِم : جَازَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر بِالسُّوقِ وَقَدْ أَغْلَقُوا حَوَانِيتهمْ وَقَامُوا لِيُصَلُّوا فِي جَمَاعَة فَقَالَ : فِيهِمْ نَزَلَتْ : " رِجَال لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَة وَلَا بَيْع " الْآيَة . وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هُمْ الَّذِينَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْض يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْل اللَّه. وَقِيلَ : إِنَّ رَجُلَيْنِ كَانَا فِي عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَحَدهمَا بَيَّاعًا فَإِذَا سَمِعَ النِّدَاء بِالصَّلَاةِ فَإِنْ كَانَ الْمِيزَان بِيَدِهِ طَرَحَهُ وَلَا يَضَعهُ وَضْعًا , وَإِنْ كَانَ بِالْأَرْضِ لَمْ يَرْفَعهُ . وَكَانَ الْآخَر قَيْنًا يَعْمَل السُّيُوف لِلتِّجَارَةِ , فَكَانَ إِذَا كَانَتْ مِطْرَقَته عَلَى السِّنْدَان أَبْقَاهَا مَوْضُوعَة , وَإِنْ كَانَ قَدْ رَفَعَهَا أَلْقَاهَا مِنْ وَرَاء ظَهْره إِذَا سَمِعَ الْأَذَان ; فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى هَذَا ثَنَاء عَلَيْهِمَا وَعَلَى كُلّ مَنْ اِقْتَدَى بِهِمَا .



هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ " عَنْ ذِكْر اللَّه " غَيْر الصَّلَاة ; لِأَنَّهُ يَكُون تَكْرَارًا . يُقَال : أَقَامَ الصَّلَاة إِقَامَة , وَالْأَصْل إِقْوَامًا فَقُلِبَتْ حَرَكَة الْوَاو عَلَى الْقَاف فَانْقَلَبَتْ الْوَاو أَلِفًا وَبَعْدهَا أَلِف سَاكِنَة فَحُذِفَتْ إِحْدَاهُمَا , وَأُثْبِتَتْ الْهَاء لِئَلَّا تَحْذِفهَا فَتُجْحِف , فَلَمَّا أُضِيفَتْ قَامَ الْمُضَاف مَقَام الْهَاء فَجَازَ حَذْفهَا , وَإِنْ لَمْ تُضَفْ لَمْ يَجُزْ حَذْفهَا ; أَلَا تَرَى أَنَّك تَقُول : وَعَدَ عِدَة , وَوَزَنَ زِنَة , فَلَا يَجُوز حَذْف الْهَاء , لِأَنَّك قَدْ حَذَفْت وَاوًا ; لِأَنَّ الْأَصْل وَعَدَ وِعْدَة , وَوَزَنَ وِزْنَة , فَإِنْ أَضَفْت حُذِفَتْ الْهَاء , وَأَنْشَدَ الْفَرَّاء : إِنَّ الْخَلِيط أَجَدُّوا الْبَيْن فَانْجَرَدُوا وَأَخْلَفُوك عِدَ الْأَمْر الَّذِي وَعَدُوا يُرِيد عِدَة , فَحَذَفَ الْهَاء لَمَّا أَضَافَ . وَرُوِيَ مِنْ حَدِيث أَنَس قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَأْتِي اللَّه يَوْم الْقِيَامَة بِمَسَاجِدِ الدُّنْيَا كَأَنَّهَا نُجُب بِيض قَوَائِمهَا مِنْ الْعَنْبَر وَأَعْنَاقهَا مِنْ الزَّعْفَرَان وَرُءُوسهَا مِنْ الْمِسْك وَأَزِمَّتهَا مِنْ الزَّبَرْجَد الْأَخْضَر وَقِوَامهَا وَالْمُؤَذِّنُونَ فِيهَا يَقُودُونَهَا وَأَئِمَّتهَا يَسُوقُونَهَا وَعُمَّارهَا مُتَعَلِّقُونَ بِهَا فَتَجُوز عَرَصَات الْقِيَامَة كَالْبَرْقِ الْخَاطِف فَيَقُول أَهْل الْمَوْقِف هَؤُلَاءِ مَلَائِكَة مُقَرَّبُونَ أَوْ أَنْبِيَاء مُرْسَلُونَ فَيُنَادَى مَا هَؤُلَاءِ بِمَلَائِكَةٍ وَلَا أَنْبِيَاء وَلَكِنَّهُمْ أَهْل الْمَسَاجِد وَالْمُحَافِظُونَ عَلَى الصَّلَوَات مِنْ أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) . وَعَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : ( يَأْتِي عَلَى النَّاس زَمَان لَا يَبْقَى مِنْ الْإِسْلَام إِلَّا اِسْمه , وَلَا مِنْ الْقُرْآن إِلَّا رَسْمه , يُعَمِّرُونَ مَسَاجِدهمْ وَهِيَ مِنْ ذِكْر اللَّه خَرَاب , شَرّ أَهْل ذَلِكَ الزَّمَن عُلَمَاؤُهُمْ , مِنْهُمْ تَخْرُج الْفِتْنَة وَإِلَيْهِمْ تَعُود ) يَعْنِي أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ وَلَا يَعْمَلُونَ بِوَاجِبَاتِ مَا عَلِمُوا .


قِيلَ : الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة ; قَالَهُ الْحَسَن . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : الزَّكَاة هُنَا طَاعَة اللَّه تَعَالَى وَالْإِخْلَاص ; إِذْ لَيْسَ لِكُلِّ مُؤْمِن مَال .


يَعْنِي يَوْم الْقِيَامَة .


يَعْنِي مِنْ هَوْله وَحَذَر الْهَلَاك . وَالتَّقَلُّب التَّحَوُّل , وَالْمُرَاد قُلُوب الْكُفَّار وَأَبْصَارهمْ . فَتَقَلُّب الْقُلُوب اِنْتِزَاعهَا مِنْ أَمَاكِنهَا إِلَى الْحَنَاجِر , فَلَا هِيَ تَرْجِع إِلَى أَمَاكِنهَا وَلَا هِيَ تَخْرُج . وَأَمَّا تَقَلُّب الْأَبْصَار فَالزَّرَق بَعْد الْكَحَل وَالْعَمَى بَعْد الْبَصَر . وَقِيلَ : تَتَقَلَّب الْقُلُوب بَيْن الطَّمَع فِي النَّجَاة وَالْخَوْف مِنْ الْهَلَاك , وَالْأَبْصَار تَنْظُر مِنْ أَيّ نَاحِيَة يُعْطَوْنَ كُتُبهمْ , وَإِلَى أَيّ نَاحِيَة يُؤْخَذ بِهِمْ . وَقِيلَ : إِنَّ قُلُوب الشَّاكِّينَ تَتَحَوَّل عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ الشَّكّ , وَكَذَلِكَ أَبْصَارهمْ لِرُؤْيَتِهِمْ الْيَقِين ; وَذَلِكَ مِثْل قَوْله تَعَالَى : " فَكَشَفْنَا عَنْك غِطَاءَك فَبَصَرك الْيَوْم حَدِيد " [ ق : 22 ] فَمَا كَانَ يَرَاهُ فِي الدُّنْيَا غَيًّا يَرَاهُ رَشَدًا ; إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْفَعهُمْ فِي الْآخِرَة . وَقِيلَ : تُقَلَّب عَلَى جَمْر جَهَنَّم , كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " يَوْم تُقَلَّب وُجُوههمْ فِي النَّار " [ الْأَحْزَاب : 66 ] , " وَنُقَلِّب أَفْئِدَتهمْ وَأَبْصَارهمْ " [ الْأَنْعَام : 110 ] . فِي قَوْل مَنْ جَعَلَ الْمَعْنَى تَقَلُّبهَا عَلَى لَهَب النَّار. وَقِيلَ : تُقَلَّب بِأَنْ تَلْفَحهَا النَّار مَرَّة وَتُنْضِجهَا مَرَّة . وَقِيلَ إِنَّ تَقَلُّب الْقُلُوب وَجَيْبهَا , وَتَقَلُّب الْأَبْصَار النَّظَر بِهَا إِلَى نَوَاحِي الْأَهْوَال .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • دليل الحاج والمعتمر وزائر مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم

    دليل الحاج والمعتمر وزائر مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم: دليل موجز يحتوي على ما تيسر من أحكام الحج والعمرة.

    الناشر: هيئة التوعية الإسلامية في الحج

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/111040

    التحميل:

  • حقيقة الصيام

    رسالة (حقيقة الصيام) لشيخ الإسلام ابن تيمية تجد فيها كثيراً من مسائله واختياراته، في معرفة أحكام الصيام -الركن الإسلامي العظيم- من الكتاب الكريم والسنة المطهرة. خرج أحاديثها: محمد ناصر الدين الألباني، وحققها: زهير الشاويش.

    المدقق/المراجع: محمد ناصر الدين الألباني

    الناشر: المكتب الإسلامي للطباعة والنشر

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/273066

    التحميل:

  • رسالتان موجزتان في الزكاة والصيام

    رسالتان موجزتان في الزكاة والصيام : هذا الكتيب يحتوي على رسالتين وهما: الرسالة الأولى : في بحوث هامة حول الزكاة. الرسالة الثانية : في فضل الصيام رمضان وقيامه مع بيان أحكام مهمة قد تخفى على بعض الناس.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/231263

    التحميل:

  • منهج أهل السنة في توحيد الأمة

    منهج أهل السنة في توحيد الأمة: قال المصنف - حفظه الله -: «فإن موضوع هذه الرسالة موضوعٌ عظيمٌ، وكبيرٌ جدًّا، وكل مسلمٍ يتطلَّعُ غايةَ التطلُّع إلى تحقيق هذا المطلَب الجليل وهذا الهدف العظيم، وهو: توحيد كلمة المسلمين وجمعُ صفِّهم، ولمُّ شعَثِهم وجمعُهم على كلمةٍ سواء، لا شكَّ أن كلَّ مسلمٍ يتطلَّعُ إلى تحقيق هذا الأمر والقيام به، ولكن للقيام بهذا المطلب نجد في الساحة حلولاً كثيرةً، وآراءً متفرقة، واتجاهاتٍ مُتباينة في تحديد العلاج الناجح والسبيل الأقوم في جمع كلمة المسلمين ولمِّ صفِّهم وجمع شتاتهم».

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/344680

    التحميل:

  • شرح لمعة الاعتقاد [ خالد المصلح ]

    لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد : رسالة مختصرة للعلامة ابن قدامة المقدسي - رحمه الله - بين فيها عقيدة أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات، والقدر، واليوم الآخر، وما يجب تجاه الصحابة، والموقف من أهل البدع، وقد قام عدد من أهل العلم بشرحها ومنهم الشيخ خالد بن عبد الله المصلح - حفظه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/313423

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة