Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة النور - الآية 22

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (22) (النور) mp3
الْمَشْهُور مِنْ الرِّوَايَات أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي قِصَّة أَبِي بَكْر بْن أَبِي قُحَافَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَمِسْطَح بْن أُثَاثَة. وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ اِبْن بِنْت خَالَته وَكَانَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ الْبَدْرِيِّينَ الْمَسَاكِين . وَهُوَ مِسْطَح بْن أُثَاثَة بْن عَبَّاد بْن الْمُطَّلِب بْن عَبْد مَنَافٍ . وَقِيلَ : اِسْمه عَوْف , وَمِسْطَح لَقَب . وَكَانَ أَبُو بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ يُنْفِق عَلَيْهِ لِمَسْكَنَتِهِ وَقَرَابَته ; فَلَمَّا وَقَعَ أَمْر الْإِفْك وَقَالَ فِيهِ مِسْطَح مَا قَالَ , حَلَفَ أَبُو بَكْر أَلَّا يُنْفِق عَلَيْهِ وَلَا يَنْفَعهُ بِنَافِعَةٍ أَبَدًا , فَجَاءَ مِسْطَح فَاعْتَذَرَ وَقَالَ : إِنَّمَا كُنْت أَغْشَى مَجَالِس حَسَّان فَأَسْمَع وَلَا أَقُول . فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْر : لَقَدْ ضَحِكْت وَشَارَكْت فِيمَا قِيلَ ; وَمَرَّ عَلَى يَمِينه , فَنَزَلَتْ الْآيَة . وَقَالَ الضَّحَّاك وَابْن عَبَّاس : إِنَّ جَمَاعَة مِنْ الْمُؤْمِنِينَ قَطَعُوا مَنَافِعهمْ عَنْ كُلّ مَنْ قَالَ فِي الْإِفْك وَقَالُوا : وَاَللَّه لَا نَصِل مَنْ تَكَلَّمَ فِي شَأْن عَائِشَة ; فَنَزَلَتْ الْآيَة فِي جَمِيعهمْ . وَالْأَوَّل أَصَحّ ; غَيْر أَنَّ الْآيَة تَتَنَاوَل الْأُمَّة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة بِأَلَّا يَغْتَاظ ذُو فَضْل وَسَعَة فَيَحْلِف أَلَّا يَنْفَع فِي هَذِهِ صِفَته غَابِر الدَّهْر . رُوِيَ فِي الصَّحِيح أَنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمَّا أَنْزَلَ : " إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَة مِنْكُمْ " الْعَشْر آيَات , قَالَ أَبُو بَكْر وَكَانَ يُنْفِق عَلَى مِسْطَح لِقَرَابَتِهِ وَفَقْره : وَاَللَّه لَا أُنْفِق عَلَيْهِ شَيْئًا أَبَدًا بَعْد الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ ; فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : " وَلَا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْل مِنْكُمْ وَالسَّعَة " إِلَى قَوْله " أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِر اللَّه لَكُمْ " . قَالَ عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك : هَذِهِ أَرْجَى آيَة فِي كِتَاب اللَّه تَعَالَى ; فَقَالَ أَبُو بَكْر : وَاَللَّه إِنِّي لَأُحِبّ أَنْ يَغْفِر اللَّه لِي ; فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَح النَّفَقَة الَّتِي كَانَ يُنْفِق عَلَيْهِ وَقَالَ : لَا أَنْزِعهَا مِنْهُ أَبَدًا .

قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : هَذِهِ أَرْجَى آيَة فِي كِتَاب اللَّه تَعَالَى , مِنْ حَيْثُ لُطْف اللَّه بِالْقَذَفَةِ الْعُصَاة بِهَذَا اللَّفْظ . وَقِيلَ . أَرْجَى آيَة فِي كِتَاب اللَّه عَزَّ وَجَلَّ قَوْله تَعَالَى : " وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنْ اللَّه فَضْلًا كَبِيرًا " [ الْأَحْزَاب : 47 ] . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي آيَة أُخْرَى : " وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات فِي رَوْضَات الْجَنَّات لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْد رَبّهمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْل الْكَبِير " [ الشُّورَى : 22 ] ; فَشَرَحَ الْفَضْل الْكَبِير فِي هَذِهِ الْآيَة , وَبَشَّرَ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ فِي تِلْكَ . وَمِنْ آيَات الرَّجَاء قَوْله تَعَالَى : " قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسهمْ " [ الزُّمَر : 53 ] . وَقَوْله تَعَالَى : " اللَّه لَطِيف بِعِبَادِهِ " [ الشُّورَى : 19 ] . وَقَالَ بَعْضهمْ : أَرْجَى آيَة فِي كِتَاب اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " وَلَسَوْفَ يُعْطِيك رَبّك فَتَرْضَى " [ الضُّحَى : 5 ] ; وَذَلِكَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَرْضَى بِبَقَاءِ أَحَد مِنْ أُمَّته فِي النَّار .

فِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى أَنَّ الْقَذْف وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا لَا يُحْبِط الْأَعْمَال ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى وَصَفَ مِسْطَحًا بَعْد قَوْله بِالْهِجْرَةِ وَالْإِيمَان ; وَكَذَلِكَ سَائِر الْكَبَائِر ; وَلَا يُحْبِط الْأَعْمَال غَيْر الشِّرْك بِاَللَّهِ , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " لَئِنْ أَشْرَكْت لَيَحْبَطَنَّ عَمَلك " [ الزُّمَر : 65 ] .

مَنْ حَلَفَ عَلَى شَيْء لَا يَفْعَلهُ فَرَأَى فِعْله أَوْلَى مِنْهُ أَتَاهُ وَكَفَّرَ عَنْ يَمِينه , أَوْ كَفَّرَ عَنْ يَمِينه وَأَتَاهُ ; كَمَا تَقَدَّمَ فِي " الْمَائِدَة " . وَرَأَى الْفُقَهَاء أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَلَّا يَفْعَل سُنَّة مِنْ السُّنَن أَوْ مَنْدُوبًا وَأَبَّدَ ذَلِكَ أَنَّهَا جُرْحَة فِي شَهَادَته ; ذَكَرَهُ الْبَاجِيّ فِي الْمُنْتَقَى.

" وَلَا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْل " " وَلَا يَأْتَلِ " مَعْنَاهُ يَحْلِف ; وَزْنهَا يَفْتَعِل , مِنْ الْأَلِيَّة وَهِيَ الْيَمِين ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ " وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة ". وَقَالَتْ فِرْقَة : مَعْنَاهُ يُقَصِّر ; مِنْ قَوْلك : أَلَوْت فِي كَذَا إِذَا قَصَّرْت فِيهِ ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا " [ آل عِمْرَان : 118 ] .

" أَنْ تُؤْتُوا " أَيْ أَلَّا يُؤْتُوا , فَحُذِفَ " لَا " ; كَقَوْلِ الْقَائِل : فَقُلْت يَمِين اللَّه أَبْرَح قَاعِدًا ذَكَرَهُ الزَّجَّاج . وَعَلَى قَوْل أَبِي عُبَيْدَة لَا حَاجَة إِلَى إِضْمَار " لَا " . " وَلْيَعْفُوا " مِنْ عَفَا الرَّبْع أَيْ دَرَسَ , فَهُوَ مَحْو الذَّنْب حَتَّى يَعْفُو كَمَا يَعْفُو أَثَر الرَّبْع .



تَمْثِيل وَحُجَّة أَيْ كَمَا تُحِبُّونَ عَفْو اللَّه عَنْ ذُنُوبكُمْ فَكَذَلِكَ اِغْفِرُوا لِمَنْ دُونكُمْ ; وَيُنْظَر إِلَى هَذَا الْمَعْنَى قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( مَنْ لَا يَرْحَم لَا يُرْحَم ) .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • العلم والتربية والتعليم

    العلم والتربية والتعليم : في هذه الرسالة بيان طرق التعلم وأسباب فهم الدروس وتربية الأبناء كما يجب أن تكون وبيان مسئولية المدرس وكونه تحمل مسئولية كبرى وأمانة عظمى سيسأل عنها أمام الله يوم القيامة نحو طلبته وبيان واجب الآباء نحو الأبناء من التربية والقدوة الحسنة والتعليم النافع والكلام الطيب والأدب الحسن. وبيان مسئولية الطالب تجاه مدرسية وزملائه ووالديه بالبر والإحسان والأدب والأخلاق الطيبة. كما اشتملت هذه الرسالة على الحث على اختيار الجليس الصالح المطيع لله ورسوله والقائم بحقوق الله وحقوق عباده حيث إن المرء معتبر بقرينه وسوف يكون على دين خليله فلينظر من يخالل.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209117

    التحميل:

  • منتقى الأذكار

    منتقى الأذكار: رسالة مختصرة في فضل الذكر والدعاء، ووسائل الإجابة، وبعض الأدعية المأثورة، وقد قدم لها فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين - رحمه الله -.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/166511

    التحميل:

  • آداب زيارة المسجد النبوي والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم

    هذه الرسالة تبين بعض آداب زيارة المسجد النبوي والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/250753

    التحميل:

  • تدارك بقية العمر في تدبر سورة النصر

    تدارك بقية العمر في تدبر سورة النصر: بيَّن المؤلف في هذا الكتاب عِظَم قدر هذه السورة؛ حيث إنها تسمى سورة التوديع؛ لأنها نزلت آخر سور القرآن، وكانت إنباءً بقرب أجل النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومنذ نزولها والنبي - صلى الله يُكثِر من الاستغفار امتثالاً لأمر ربه - جل وعلا -، لذا وجبت العناية بها وتدبر معانيها وكلام أهل العلم في تفسيرها.

    الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/314993

    التحميل:

  • الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وجهوده في توضيح العقيدة

    الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وجهوده في توضيح العقيدة: دراسة علمية لجهود الشيخ الإمام عبد الرحمن بن ناصر السعدي - رحمه الله - في توضيح وتأصيل العقيدة الإسلامية الصحيحة، من خلال كتبه ومؤلَّفاته الكثيرة في ذلك؛ ومنها: «تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنَّان»، ومختصره: «تيسير اللطيف المنَّان»، وشرح كتاب التوحيد، وغير ذلك من كتبه ورسائله - رحمه الله -.

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/344682

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة