Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة المؤمنون - الآية 27

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ ۙ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ ۖ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ۖ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ (27) (المؤمنون) mp3
أَيْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِ رُسُلًا مِنْ السَّمَاء



أَيْ اِعْمَلْ السَّفِينَة لِتَرْكَبَهَا أَنْتَ وَمَنْ آمَنَ مَعَك . " بِأَعْيُنِنَا " أَيْ بِمَرْأَى مِنَّا وَحَيْثُ نَرَاك. وَقَالَ الرَّبِيع بْن أَنَس : بِحِفْظِنَا إِيَّاكَ حِفْظ مَنْ يَرَاك . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا : ( بِحِرَاسَتِنَا ) ; وَالْمَعْنَى وَاحِد ; فَعَبَّرَ عَنْ الرُّؤْيَة بِالْأَعْيُنِ ; لِأَنَّ الرُّؤْيَة تَكُون بِهَا . وَيَكُون جَمْع الْأَعْيُن لِلْعَظَمَةِ لَا لِلتَّكْثِيرِ ; كَمَا قَالَ تَعَالَى : " فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ " [ الْمُرْسَلَات : 23 ] " فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ " " وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ " [ الذَّارِيَات : 47 ]. وَقَدْ يَرْجِع مَعْنَى الْأَعْيُن فِي هَذِهِ الْآيَة وَغَيْرهَا إِلَى مَعْنَى عَيْن ; كَمَا قَالَ : " وَلِتُصْنَع عَلَى عَيْنِي " وَذَلِكَ كُلّه عِبَارَة عَنْ الْإِدْرَاك وَالْإِحَاطَة , وَهُوَ سُبْحَانه مُنَزَّه عَنْ الْحَوَاسّ وَالتَّشْبِيه وَالتَّكْيِيف ; لَا رَبّ غَيْره . وَقِيلَ : الْمَعْنَى " بِأَعْيُنِنَا " أَيْ بِأَعْيُنِ مَلَائِكَتنَا الَّذِينَ جَعَلْنَاهُمْ عُيُونًا عَلَى حِفْظك وَمَعُونَتك ; فَيَكُون الْجَمْع عَلَى هَذَا التَّكْثِير عَلَى بَابه . وَقِيلَ : " بِأَعْيُنِنَا " أَيْ بِعِلْمِنَا ; قَالَهُ مُقَاتِل : وَقَالَ الضَّحَّاك وَسُفْيَان : " بِأَعْيُنِنَا " بِأَمْرِنَا . وَقِيلَ : بِوَحْيِنَا . وَقِيلَ : بِمَعُونَتِنَا لَك عَلَى صُنْعهَا. " وَوَحْينَا " أَيْ عَلَى مَا أَوْحَيْنَا إِلَيْك , مِنْ صَنْعَتهَا .




اُخْتُلِفَ فِي التَّنُّور عَلَى أَقْوَال سَبْعَة :

الْأَوَّل : أَنَّهُ وَجْه الْأَرْض , وَالْعَرَب تُسَمِّي وَجْه الْأَرْض تَنُّورًا ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَعِكْرِمَة وَالزُّهْرِيّ وَابْن عُيَيْنَة ; وَذَلِكَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : إِذَا رَأَيْت الْمَاء عَلَى وَجْه الْأَرْض فَارْكَبْ أَنْتَ وَمَنْ مَعَك .

الثَّانِي : أَنَّهُ تَنُّور الْخُبْز الَّذِي يُخْبَز فِيهِ ; وَكَانَ تَنُّورًا مِنْ حِجَارَة ; وَكَانَ لِحَوَّاءَ حَتَّى صَارَ لِنُوحٍ ; فَقِيلَ لَهُ : إِذَا رَأَيْت الْمَاء يَفُور مِنْ التَّنُّور فَارْكَبْ أَنْتَ وَأَصْحَابك . وَأَنْبَعَ اللَّه الْمَاء مِنْ التَّنُّور , فَعَلِمَتْ بِهِ اِمْرَأَته فَقَالَتْ : يَا نُوح فَارَ الْمَاء مِنْ التَّنُّور ; فَقَالَ : جَاءَ وَعْد رَبِّي حَقًّا . هَذَا قَوْل الْحَسَن ; وَقَالَ مُجَاهِد وَعَطِيَّة عَنْ اِبْن عَبَّاس.

الثَّالِث : أَنَّهُ مَوْضِع اِجْتِمَاع الْمَاء فِي السَّفِينَة ; عَنْ الْحَسَن أَيْضًا .

الرَّابِع : أَنَّهُ طُلُوع الْفَجْر , وَنُور الصُّبْح ; مِنْ قَوْلهمْ : نَوَّرَ الْفَجْر تَنْوِيرًا ; قَالَهُ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ.

الْخَامِس : أَنَّهُ مَسْجِد الْكُوفَة ; قَالَهُ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب أَيْضًا ; وَقَالَ مُجَاهِد . قَالَ مُجَاهِد : كَانَ نَاحِيَة التَّنُّور بِالْكُوفَةِ . وَقَالَ : اِتَّخَذَ نُوح السَّفِينَة فِي جَوْف مَسْجِد الْكُوفَة , وَكَانَ التَّنُّور عَلَى يَمِين الدَّاخِل مِمَّا يَلِي كِنْدَة . وَكَانَ فَوَرَان الْمَاء مِنْهُ عَلَمًا لِنُوحٍ , وَدَلِيلًا عَلَى هَلَاك قَوْمه . قَالَ الشَّاعِر وَهُوَ أُمَيَّة : فَارَ تَنُّورهمْ وَجَاشَ بِمَاءٍ صَارَ فَوْق الْجِبَال حَتَّى عَلَاهَا

السَّادِس : أَنَّهُ أَعَالِي الْأَرْض , وَالْمَوَاضِع الْمُرْتَفِعَة مِنْهَا ; قَالَهُ قَتَادَة .

السَّابِع : أَنَّهُ الْعَيْن الَّتِي بِالْجَزِيرَةِ " عَيْن الْوَرْدَة " رَوَاهُ عِكْرِمَة. وَقَالَ مُقَاتِل : كَانَ ذَلِكَ تَنُّور آدَم , وَإِنَّمَا كَانَ بِالشَّامِ بِمَوْضِعٍ يُقَال لَهُ : " عَيْن وَرْدَة " وَقَالَ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا : ( فَارَ تَنُّور آدَم بِالْهِنْدِ ) . قَالَ النَّحَّاس : وَهَذِهِ الْأَقْوَال لَيْسَتْ بِمُتَنَاقِضَةٍ ; لِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَخْبَرَنَا أَنَّ الْمَاء جَاءَ مِنْ السَّمَاء وَالْأَرْض ; قَالَ : " فَفَتَحْنَا أَبْوَاب السَّمَاء بِمَاءٍ مُنْهَمِر. وَفَجَّرْنَا الْأَرْض عُيُونًا " [ الْقَمَر : 11 - 12 ] . فَهَذِهِ الْأَقْوَال تَجْتَمِع فِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَلَامَة. وَالْفَوَرَان الْغَلَيَان. وَالتَّنُّور اِسْم أَعْجَمِيّ عَرَّبَتْهُ الْعَرَب , وَهُوَ عَلَى بِنَاء فَعُّول ; لِأَنَّ أَصْل بِنَائِهِ تَنَّر , وَلَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب نُون قَبْل رَاءٍ . وَقِيلَ : مَعْنَى " فَارَ التَّنُّور " التَّمْثِيل لِحُضُورِ الْعَذَاب ; كَقَوْلِهِمْ : حَمِيَ الْوَطِيس إِذَا اِشْتَدَّتْ الْحَرْب. وَالْوَطِيس التَّنُّور . وَيُقَال : فَارَتْ قِدْر الْقَوْم إِذَا اِشْتَدَّ حَرْبهمْ ; قَالَ شَاعِرهمْ : تَرَكْتُمْ قِدْركُمْ لَا شَيْء فِيهَا وَقِدْر الْقَوْم حَامِيَة تَفُور


أَيْ أَدْخِلْ فِيهَا وَاجْعَلْ فِيهَا ; يُقَال : سَلَكْته فِي كَذَا وَأَسْلَكْته فِيهِ فِي كَذَا وَأَسْلَكْته فِيهِ إِذَا أَدْخَلْته . قَالَ عَبْد مَنَاف بْن رَبْع الْهُذَلِيّ : حَتَّى إِذَا أَسَلَكُوهُمْ فِي قُتَائِدَة شَلًّا كَمَا تَطْرُد الْجَمَّالَة الشُّرُدَا


قَرَأَ حَفْص " مِنْ كُلّ " بِالتَّنْوِينِ , الْبَاقُونَ بِالْإِضَافَةِ ; وَقَدْ ذُكِرَ . وَقَالَ الْحَسَن : لَمْ يَحْمِل نُوح فِي السَّفِينَة إِلَّا مَا يَلِد وَيَبِيض , فَأَمَّا الْبَقّ وَالذُّبَاب وَالدُّود فَلَمْ يَحْمِل شَيْئًا مِنْهَا , وَإِنَّمَا خَرَجَ مِنْ الطِّين. وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِي السَّفِينَة وَالْكَلَام فِيهَا مُسْتَوْفًى , وَالْحَمْد لِلَّهِ.
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • أخطاء عقدية

    جمع المؤلف في هذه الرسالة الأخطاء العقدية التي تقع من المسلمين، وقسمها إلى أربع مجموعات: الأولى: أخطاء في قضايا عامة. الثانية: أخطاء تتعلق بأنواع من الشركيات ونحوها. الثالثة: أخطاء تتعلق بالرقى والتمائم. الرابعة: أخطاء تتعلق بالألفاظ ونحوها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/260199

    التحميل:

  • شرح كشف الشبهات [ عبد العزيز الراجحي ]

    كشف الشبهات : رسالة نفيسة كتبها الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - وهي عبارة عن سلسلة شبهات للمشركين وتفنيدها وإبطالها، وفيها بيان توحيد العبادة وتوحيد الألوهية الذي هو حق الله على العباد، وفيها بيان الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية والعبادة، وقد قام عدد من أهل العلم بشرحها وبيان مقاصدها، وفي هذه الصفحة تفريغ لدروس فضيلة الشيخ عبد العزيز الراجحي - حفظه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/305090

    التحميل:

  • أنواع التصنيف المتعلقة بتفسير القرآن الكريم

    أنواع التصنيف المتعلقة بتفسير القرآن الكريم : لقد تنافس العلماء في التصنيف فيما يتعلق بكتاب الله، فخرج بذلك كتب كثيرة تخدم من يريد تفسير كتاب الله، ويستعين بها على فهمه. وهذه الكتب لا حصر لأفرادها لكثرتها. لكن كان من الممكن حصر موضوعاتها التي تطرقت إليها، من غريب ومشكل ومبهم وحُكم، وغيرها. وهذا الكتاب يتعلق بأنواع الكتب التي صنفت من أجل خدمة تفسير كتاب الله تعالى.

    الناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع www.aljawzi.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/291771

    التحميل:

  • الكذب

    الكذب: قال المصنف - حفظه الله -: «فإن من سبر أحوال غالب الناس اليوم ، وجد بضاعتهم في الحديث «الكذب»، وهم يرون أن هذا من الذكاء والدهاء وحسن الصنيع، بل ومن مميزات الشخصية المقتدرة. ولقد نتج عن هذا الأمر عدم الثقة بالناس حتى إن البعض لا يثق بأقرب الناس إليه، لأن الكذب ديدنه ومغالطة الأمور طريقته. وهذا الكتيب هو الثالث من «رسائل التوبة» يتحدث عن الكذب: أدلة تحريمه، وأسبابه، وعلاجه. وفيه مباحث لطيفة».

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/345925

    التحميل:

  • جهود خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز في دعم الأقليات الإسلامية

    جهود خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز في دعم الأقليات الإسلامية: قدم له معالي الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ - حفظه الله تعالى -، وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، والمشرف العام على مركز البحوث والدراسات الإسلامية. والدكتور: مساعد بن إبراهيم الحديثي، المدير العام لمركز البحوث والدراسات الإسلامية.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/110919

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة