Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة المؤمنون - الآية 18

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ ۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (18) (المؤمنون) mp3
فِيهِ أَرْبَع مَسَائِل : الْأُولَى : هَذِهِ الْآيَة مِنْ نِعَم اللَّه تَعَالَى عَلَى خَلْقه وَمِمَّا اِمْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ ; وَمِنْ أَعْظَم الْمِنَن الْمَاء الَّذِي هُوَ حَيَاة الْأَبَدَانِ وَنَمَاء الْحَيَوَان. وَالْمَاء الْمُنَزَّل مِنْ السَّمَاء عَلَى قِسْمَيْنِ : هَذَا الَّذِي ذَكَرَ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى وَأَخْبَرَ بِأَنَّهُ اِسْتَوْدَعَهُ فِي الْأَرْض , وَجَعَلَهُ فِيهَا مُخْتَزَنًا لِسَقْيِ النَّاس يَجِدُونَهُ عِنْد الْحَاجَة إِلَيْهِ ; وَهُوَ مَاء الْأَنْهَار وَالْعُيُون وَمَا يُسْتَخْرَج مِنْ الْآبَار . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ الْأَنْهَار الْأَرْبَعَة : سَيْحَان وَجَيْحَان وَنِيل مِصْر وَالْفُرَات . وَقَالَ مُجَاهِد : لَيْسَ فِي الْأَرْض مَاء إِلَّا وَهُوَ مِنْ السَّمَاء . وَهَذَا لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقه , وَإِلَّا فَالْأُجَاج ثَابِت فِي الْأَرْض , فَيُمْكِن أَنْ يُقَيَّد قَوْله بِالْمَاءِ الْعَذْب , وَلَا مَحَالَة أَنَّ اللَّه تَعَالَى قَدْ جُعِلَ فِي الْأَرْض مَاء وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاء مَاء. وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ قَوْله " وَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاء مَاء " إِشَارَة إِلَى الْمَاء الْعَذْب , وَأَنَّ أَصْله مِنْ الْبَحْر , رَفَعَهُ اللَّه تَعَالَى بِلُطْفِهِ وَحُسْن تَقْدِيره مِنْ الْبَحْر إِلَى السَّمَاء , حَتَّى طَابَ بِذَلِكَ الرَّفْع وَالتَّصْعِيد ; ثُمَّ أَنْزَلَهُ إِلَى الْأَرْض لِيُنْتَفَع بِهِ , وَلَوْ كَانَ الْأَمْر إِلَى مَاء الْبَحْر لَمَا اِنْتَفَعَ بِهِ مِنْ مُلُوحَته .

الثَّانِيَة : قَوْله تَعَالَى : " بِقَدَرٍ " أَيْ عَلَى مِقْدَار مُصْلِح , لِأَنَّهُ لَوْ كَثُرَ أَهْلَكَ ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلَّا عِنْدنَا خَزَائِنه وَمَا نُنَزِّلهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُوم " الْحِجْر : 21 ] . " وَإِنَّا عَلَى ذَهَاب بِهِ لَقَادِرُونَ " يَعْنِي الْمَاء الْمُخْتَزِن . وَهَذَا تَهْدِيد وَوَعِيد ; أَيْ فِي قُدْرَتنَا إِذْهَابه وَتَغْوِيره , وَيَهْلِك النَّاس بِالْعَطَشِ وَتَهْلِك مَوَاشِيهمْ ; وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا " أَيْ غَائِرًا " فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِين " [ الْمُلْك : 30 ].

الثَّالِثَة : ذَكَرَ النَّحَّاس : قُرِئَ عَلَى أَبِي يَعْقُوب إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم بْن يُونُس عَنْ جَامِع بْن سَوَادَة قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيد بْن سَابِق قَالَ حَدَّثَنَا مَسْلَمَة بْن عَلِيّ عَنْ مُقَاتِل بْن حَيَّان عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( أَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مِنْ الْجَنَّة إِلَى الْأَرْض خَمْسَة أَنْهَار سَيْحُون وَهُوَ نَهْر الْهِنْد وَجَيْحُون وَهُوَ نَهْر بَلْخ وَدِجْلَة وَالْفُرَات وَهُمَا نَهْرَا الْعِرَاق وَالنِّيل وَهُوَ نَهْر مِصْر أَنْزَلَهَا اللَّه تَعَالَى مِنْ عَيْن وَاحِدَة مِنْ عُيُون الْجَنَّة فِي أَسْفَل دَرَجَة مِنْ دَرَجَاتهَا عَلَى جَنَاحَيْ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَاسْتَوْدَعَهَا الْجِبَال وَأَجْرَاهَا فِي الْأَرْض وَجَعَلَ فِيهَا مَنَافِع لِلنَّاسِ فِي أَصْنَاف مَعَايِشهمْ وَذَلِكَ قَوْله جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " وَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْض " فَإِذَا كَانَ عِنْد خُرُوج يَأْجُوج وَمَأْجُوج أَرْسَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ جِبْرِيل فَرَفَعَ مِنْ الْأَرْض الْقُرْآن وَالْعِلْم وَجَمِيع الْأَنْهَار الْخَمْسَة فَيَرْفَع ذَلِكَ إِلَى السَّمَاء فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : " وَإِنَّا عَلَى ذَهَاب بِهِ لَقَادِرُونَ " فَإِذَا رُفِعَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاء مِنْ الْأَرْض فَقَدَ أَهْلهَا خَيْر الدِّين وَالدُّنْيَا ) .

الرَّابِعَة : كُلّ مَا نَزَلَ مِنْ السَّمَاء مُخْتَزَنًا كَانَ أَوْ غَيْر مُخْتَزَن فَهُوَ طَاهِر مُطَهَّر يُغْتَسَل بِهِ وَيُتَوَضَّأ مِنْهُ ; عَلَى مَا يَأْتِي فِي " الْفُرْقَان " بَيَانه .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • تطهير الاعتقاد من أدران الإلحاد

    تطهير الاعتقاد من أدران الإلحاد: مؤَلَّفٌ فيه بيان ما يجب علمه من أصول قواعد الدين، وبيان لما يجب اجتنابه من اتخاذ الأنداد، والتحذير من الاعتقاد في القبور والأحياء.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1909

    التحميل:

  • شرح القواعد الأربع [ البراك ]

    القواعد الأربع: رسالة مختصرة كتبها الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - وقد اشتملت على تقرير ومعرفة قواعد التوحيد، وقواعد الشرك، ومسألة الحكم على أهل الشرك، والشفاعة المنفية والشفاعة المثبتة، وقد حرص عدد كبير من أهل لعلم على شرحها وتوضيح معانيها، ومن هؤلاء فضيلة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك - أثابه الله - وفي هذه الصفحة نسخة pdf من هذا الشرح الذي أعد أصله اللجنة العلمية بشبكة نور الإسلام.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2416

    التحميل:

  • الرائد في تجويد القرآن

    الرائد في تجويد القرآن: قال المُصنِّف - رحمه الله -: «ولا يزالُ المُسلمون على مدى العصور والدهور يتَسَابقون إلى اكتِسابِ شرفِ خدمةِ هذا الكتابِ المَجيدِ تعليمًا، وتدوينًا، وتسجيلاً. ولقد كان من نعم الله عليَّ أن أكون ضمنَ من أوقَفوا حياتَهم على دراسةِ علوم القرآن الكريم. وإن هذا الجهد المُتواضِع الذي بذَلتُه في كتابي هذا: «الرائد في تجويد القرآن»، أرجو أن يكون في موضعِ القَبول».

    الناشر: موقع الدكتور محمد محيسن http://www.mehesen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/384393

    التحميل:

  • النافلة في الأحاديث الموضوعة والباطلة

    النافلة في الأحاديث الموضوعة والباطلة: قال المؤلف: «هو عبارة عن أحاديث مختلفات في معناها ومرامها، كنت أُسأل عنها، فأضطر إلى تحقيق القول فيها، فإن كان صحيحًا أو ضعيفًا احتفظت به في (مضبطة) عندي. ثم راودتني نفسي أن أجمع الضعيف وحده. فصرت كلما حققت حديثًا ألحقته بما سبق لي تحقيقه، وجعلت ألحق ما أجده من زيادات مناسبة، فأضعها في موضعها حتى تجمع لديَّ - وقتها - أكثر من خمسمائة حديث، كنت أتوخى أن لا يكون قد سبقني إليها شيخنا، حافظ الوقت ناصر الدين الألباني في كتابه (سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة)».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2096

    التحميل:

  • شرح العقيدة الواسطية في ضوء الكتاب والسنة

    العقيدة الواسطية : رسالة نفيسة لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ذكر فيها جمهور مسائل أصول الدين، ومنهج أهل السنة والجماعة في مصادر التلقي التي يعتمدون عليها في العقائد؛ لذا احتلت مكانة كبيرة بين علماء أهل السنة وطلبة العلم، لما لها من مميزات عدة من حيث اختصار ألفاظها ودقة معانيها وسهولة أسلوبها، وأيضاً ما تميزت به من جمع أدلة أصول الدين العقلية والنقلية؛ لذلك حرص العلماء وطلبة العلم على شرحها وبيان معانيها، ومن هذه الشروح شرح فضيلة الشيخ سعيد القحطاني - حفظه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/193641

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة