Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الحج - الآية 37

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ ۗ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37) (الحج) mp3
قَالَ اِبْن عَبَّاس : ( كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يُضَرِّجُونَ الْبَيْت بِدِمَاءِ الْبُدْن , فَأَرَادَ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ ) فَنَزَلَتْ الْآيَة . وَالنَّيْل لَا يَتَعَلَّق بِالْبَارِئِ تَعَالَى , وَلَكِنَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ تَعْبِيرًا مَجَازِيًّا عَنْ الْقَبُول , الْمَعْنَى : لَنْ يَصِل إِلَيْهِ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : لَنْ يَصْعَد إِلَيْهِ . اِبْن عِيسَى : لَنْ يَقْبَل لُحُومهَا وَلَا دِمَاءَهَا , وَلَكِنْ يَصِل إِلَيْهِ التَّقْوَى مِنْكُمْ ; أَيْ مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهه , فَذَلِكَ الَّذِي يَقْبَلهُ وَيُرْفَع إِلَيْهِ وَيَسْمَعهُ وَيُثِيب عَلَيْهِ ; وَمِنْهُ الْحَدِيث ( إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ ) . وَالْقِرَاءَة " لَنْ يَنَال اللَّه " وَ " يَنَالهُ " بِالْيَاءِ فِيهِمَا . وَعَنْ يَعْقُوب بِالتَّاءِ فِيهِمَا , نَظَرًا إِلَى اللُّحُوم .



مِنْهُ سُبْحَانه عَلَيْنَا بِتَذْلِيلِهَا وَتَمْكِيننَا مِنْ تَصْرِيفهَا وَهِيَ أَعْظَم مِنَّا أَبَدَانَا وَأَقْوَى مِنَّا أَعْضَاء , ذَلِكَ لِيَعْلَم الْعَبْد أَنَّ الْأُمُور لَيْسَتْ عَلَى مَا تَظْهَر إِلَى الْعَبْد مِنْ التَّدْبِير , وَإِنَّمَا هِيَ بِحَسَبِ مَا يُرِيدهَا الْعَزِيز الْقَدِير , فَيَغْلِب الصَّغِير الْكَبِير لِيَعْلَم الْخَلْق أَنَّ الْغَالِب هُوَ اللَّه الْوَاحِد الْقَهَّار فَوْق عِبَاده .



ذَكَرَ سُبْحَانه ذِكْر اِسْمه عَلَيْهَا مِنْ الْآيَة قَبْلهَا فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِل : " فَاذْكُرُوا اِسْم اللَّه عَلَيْهَا " , وَذَكَرَ هُنَا التَّكْبِير . وَكَانَ اِبْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا يَجْمَع بَيْنهمَا إِذَا نَحَرَ هَدْيه فَيَقُول : بِاسْمِ اللَّه وَاَللَّه أَكْبَر ; وَهَذَا مِنْ فِقْهه رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَفِي الصَّحِيح عَنْ أَنَس قَالَ : ضَحَّى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ . قَالَ : وَرَأَيْته يَذْبَحهَا بِيَدِهِ , وَرَأَيْته وَاضِعًا قَدَمه عَلَى صِفَاحهمَا , وَسَمَّى وَكَبَّرَ . وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي هَذَا ; فَقَالَ أَبُو ثَوْر : التَّسْمِيَة مُتَعَيِّنَة كَالتَّكْبِيرِ فِي الصَّلَاة ; وَكَافَّة الْعُلَمَاء عَلَى اِسْتِحْبَاب ذَلِكَ . فَلَوْ قَالَ ذَكَرًا أَخَّرَ فِيهِ اِسْم مِنْ أَسْمَاء اللَّه تَعَالَى وَأَرَادَ بِهِ التَّسْمِيَة جَازَ . وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : اللَّه أَكْبَر فَقَطْ , أَوْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه ; قَالَ اِبْن حَبِيب . فَلَوْ لَمْ يُرِدْ التَّسْمِيَة لَمْ يُجْزِ عَنْ التَّسْمِيَة وَلَا تُؤْكَل ; قَالَ الشَّافِعِيّ وَمُحَمَّد بْن الْحَسَن . وَكَرِهَ كَافَّة الْعُلَمَاء مِنْ أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ الصَّلَاة عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْد التَّسْمِيَة فِي الذَّبْح أَوْ ذِكْره , وَقَالُوا : لَا يُذْكَر هُنَا إِلَّا اللَّه وَحْده . وَأَجَازَ الشَّافِعِيّ الصَّلَاة عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ ذِكْره , وَقَالُوا : لَا يُذْكَر هُنَا إِلَّا اللَّه وَحْده . وَأَجَازَ الشَّافِعِيّ الصَّلَاة عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْد الذَّبْح .

ذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى أَنَّ قَوْل الْمُضَحِّي : اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي ; جَائِز . وَكَرِهَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَة ; وَالْحُجَّة عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الصَّحِيح عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا , وَفِيهِ : ثُمَّ قَالَ ( بِاسْمِ اللَّه اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّد وَآل مُحَمَّد وَمِنْ أُمَّة مُحَمَّد ) ثُمَّ ضَحَّى بِهِ . وَاسْتَحَبَّ بَعْضهمْ أَنْ يَقُول ذَلِكَ بِنَصِّ الْآيَة " رَبّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّك أَنْتَ السَّمِيع الْعَلِيم " [ الْبَقَرَة : 127 ] . وَكَرِهَ مَالِك قَوْلهمْ : اللَّهُمَّ مِنْك وَإِلَيْك , وَقَالَ : هَذِهِ بِدْعَة . وَأَجَازَ ذَلِكَ اِبْن حَبِيب مِنْ أَصْحَابنَا وَالْحَسَن , وَالْحُجَّة لَهُمَا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه قَالَ : ذَبَحَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم الذَّبْح كَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ مَوْجُوءَيْنِ أَمْلَحَيْنِ , فَلَمَّا وَجَّهَهُمَا قَالَ : ( إِنِّي وَجَّهْت وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَات وَالْأَرْض حَنِيفًا - وَقَرَأَ إِلَى قَوْله : وَأَنَا أَوَّل الْمُسْلِمِينَ - اللَّهُمَّ مِنْك وَلَك عَنْ مُحَمَّد وَأُمَّته بِاسْمِ اللَّه وَاَللَّه أَكْبَر ) ثُمَّ ذَبَحَ . فَلَعَلَّ مَالِكًا لَمْ يَبْلُغهُ هَذَا الْخَبَر , أَوْ لَمْ يَصِحّ عِنْده , أَوْ رَأَى الْعَمَل يُخَالِفهُ . وَعَلَى هَذَا يَدُلّ قَوْله : إِنَّهُ بِدْعَة . وَاَللَّه أَعْلَم .


رُوِيَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة ; حَسْبَمَا تَقَدَّمَ فِي الْآيَة الَّتِي قَبْلهَا . فَأَمَّا ظَاهِر اللَّفْظ فَيَقْتَضِي الْعُمُوم فِي كُلّ مُحْسِن .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • شروط الدعاء وموانع الإجابة في ضوء الكتاب والسنة

    شروط الدعاء وموانع الإجابة في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في شروط الدعاء وموانع إجابته، أخذتها وأفردتها من كتابي «الذكر والدعاء والعلاج بالرقى»، وزِدتُ عليها فوائد مهمة يحتاجها المسلم في دعائه، ورتبتها على النحو الآتي: الفصل الأول: مفهوم الدعاء، وأنواعه. الفصل الثاني: فضل الدعاء. الفصل الثالث: شروط الدعاء، وموانع الإجابة. الفصل الرابع: آداب الدعاء، وأحوال وأوقات الإجابة. الفصل الخامس: عناية الأنبياء بالدعاء، واستجابة الله لهم. الفصل السادس: الدعوات المستجابات. الفصل السابع: أهم ما يسأل العبد ربه».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1932

    التحميل:

  • كيف تنمي أموالك؟

    كيف تنمي أموالك؟ : يحتوي هذا الكتاب على فصلين، وهما: الأول: فضائل الصدقة. الثاني: رسائل إلى المتصدقين.

    الناشر: مجلة البيان http://www.albayan-magazine.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205806

    التحميل:

  • جوانب من سيرة الإمام عبد العزيز بن باز

    جوانب من سيرة الإمام عبد العزيز بن باز : هذه الرواية تمثل صورة صادقة لحياة سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز - رحمه الله - فهي تصور أخلاقه وعلمه، وعبادته، ودعابته، وحاله في الصحة، والمرض، والحضر، والسفر، ومواقفه الرائعة، وقصصه المؤثرة، وأياديه البيضاء، وأعماله الجليلة، ومآثره الخالدة، ومنهجه في التعامل مع الناس على اختلاف طبقاتهم. كما أنها تحتوي على أخبار، وإملاءات، ومكاتبات نادرة تلقي الضوء على جوانب مضيئة من تلك السيرة الغراء.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172561

    التحميل:

  • فتح رب البرية بتلخيص الحموية

    الفتوى الحموية الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى : رسالة عظيمة في تقرير مذهب السلف في صفات الله - جل وعلا - كتبها سنة (698هـ) جواباً لسؤال ورد عليه من حماة هو: « ما قول السادة الفقهاء أئمة الدين في آيات الصفات كقوله تعالى: ﴿ الرحمن على العرش استوى ﴾ وقوله ( ثم استوى على العرش ) وقوله تعالى: ﴿ ثم استوى إلى السماء وهي دخان ﴾ إلى غير ذلك من الآيات، وأحاديث الصفات كقوله - صلى الله عليه وسلم - { إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن } وقوله - صلى الله عليه وسلم - { يضع الجبار قدمه في النار } إلى غير ذلك، وما قالت العلماء فيه، وابسطوا القول في ذلك مأجورين إن شاء الله تعالى ».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/322215

    التحميل:

  • أسباب الرحمة

    أسباب الرحمة : فقد تنوعت رحمة الله بعبده في جميع المجالات من حين كونه نطفة في بطن أمه وحتى يموت بل حتى يدخل الجنة أو النار، ولما كانت رحمة الله تعالى بخلقه بهذه المنزلة العالية رأيت أن أجمع فيها رسالة لأذكر إخواني المسلمين برحمة الله المتنوعة ليحمدوه عليها ويشكروه فيزيدهم من فضله وكرمه وإحسانه فذكرت ما تيسر من أسباب رحمة الله المتنوعة بخلقه بأدلتها من الكتاب العزيز والسنة المطهرة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/208991

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة