Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الحج - الآية 30

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ ۗ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ۖ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) (الحج) mp3
" ذَلِكَ " يَحْتَمِل أَنْ يَكُون فِي مَوْضِع رَفْع بِتَقْدِيرِ : فَرْضكُمْ ذَلِكَ , أَوْ الْوَاجِب ذَلِكَ . وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون فِي مَوْضِع نَصْب بِتَقْدِيرِ : اِمْتَثِلُوا ذَلِكَ ; وَنَحْو هَذِهِ الْإِشَارَة الْبَلِيغَة قَوْل زُهَيْر : هَذَا وَلَيْسَ كَمَنْ يَعْيَا بِخُطَّتِهِ وَسْط النَّدِيّ إِذَا مَا قَائِل نَطَقَا وَالْحُرُمَات الْمَقْصُودَة هُنَا هِيَ أَفْعَال الْحَجّ الْمُشَار إِلَيْهَا فِي قَوْله : " ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثهمْ وَلْيُوفُوا نُذُورهمْ " وَيَدْخُل فِي ذَلِكَ تَعْظِيم الْمَوَاضِع ; قَالَهُ اِبْن زَيْد وَغَيْره . وَيَجْمَع ذَلِكَ أَنْ تَقُول : الْحُرُمَات اِمْتِثَال الْأَمْر مِنْ فَرَائِضه وَسُنَنه .


أَيْ التَّعْظِيم خَيْر لَهُ عِنْد رَبّه مِنْ التَّهَاوُن بِشَيْءٍ مِنْهَا . وَقِيلَ : ذَلِكَ التَّعْظِيم خَيْر مِنْ خَيْرَاته يَنْتَفِع بِهِ , وَلَيْسَتْ لِلتَّفْضِيلِ وَإِنَّمَا هِيَ عِدَة بِخَيْرٍ .


أَنْ تَأْكُلُوهَا ; وَهِيَ الْإِبِل وَالْبَقَر وَالْغَنَم .



أَيْ فِي الْكِتَاب مِنْ الْمُحَرَّمَات ; وَهِيَ الْمَيْتَة وَالْمَوْقُوذَة وَأَخَوَاتهَا . وَلِهَذَا اِتِّصَال بِأَمْرِ الْحَجّ ; فَإِنَّ فِي الْحَجّ الذَّبْح , فَبَيَّنَ مَا يَحِلّ ذَبْحه وَأَكْل لَحْمه . وَقِيلَ : " إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ " غَيْر مَحِلِّي الصَّيْد وَأَنْتُمْ حُرُم .



الرِّجْس : الشَّيْء الْقَذِر . الْوَثَن : التِّمْثَال مِنْ خَشَب أَوْ حَدِيد أَوْ ذَهَب أَوْ فِضَّة وَنَحْوهَا , وَكَانَتْ الْعَرَب تَنْصِبهَا وَتَعْبُدهَا . وَالنَّصَارَى تَنْصِب الصَّلِيب وَتَعْبُدهُ وَتُعَظِّمهُ فَهُوَ كَالتِّمْثَالِ أَيْضًا . وَقَالَ عَدِيّ بْن حَاتِم : أَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي عُنُقِي صَلِيب مِنْ ذَهَب فَقَالَ : ( أَلْقِ هَذَا الْوَثَن عَنْك ) أَيْ الصَّلِيب ; وَأَصْله مِنْ وَثَنَ الشَّيْء أَيْ أَقَامَ فِي مَقَامه . وَسُمِّيَ الصَّنَم وَثَنًا لِأَنَّهُ يُنْصَب وَيُرْكَز فِي مَكَان فَلَا يُبْرَح عَنْهُ . يُرِيد اِجْتَنِبُوا عِبَادَة الْأَوْثَان , رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَابْن جُرَيْج . وَسَمَّاهَا رِجْسًا لِأَنَّهَا سَبَب الرِّجْز وَهُوَ الْعَذَاب . وَقِيلَ : وَصَفَهَا بِالرِّجْسِ , وَالرِّجْس النِّجْس فَهِيَ نَجِسَة حُكْمًا . وَلَيْسَتْ النَّجَاسَة وَصْفًا ذَاتِيًّا لِلْأَعْيَانِ وَإِنَّمَا هِيَ وَصْف شَرْعِيّ مِنْ أَحْكَام الْإِيمَان , فَلَا تُزَال إِلَّا بِالْإِيمَانِ كَمَا لَا تَجُوز الطَّهَارَة إِلَّا بِالْمَاءِ .

" مِنْ " فِي قَوْله : " مِنْ الْأَوْثَان " قِيلَ : إِنَّهَا لِبَيَانِ الْجِنْس , فَيَقَع نَهْيه عَنْ رِجْس الْأَوْثَان فَقَطْ , وَيَبْقَى سَائِر الْأَرْجَاس نَهْيهَا فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع . وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون لِابْتِدَاءِ الْغَايَة ; فَكَأَنَّهُ نَهَاهُمْ عَنْ الرِّجْس عَامًّا ثُمَّ عَيَّنَ لَهُمْ مَبْدَأَهُ الَّذِي مِنْهُ يَلْحَقهُمْ ; إِذْ عِبَادَة الْوَثَن جَامِعَة لِكُلِّ فَسَاد وَرِجْس . وَمَنْ قَالَ إِنَّ " مِنْ " لِلتَّبْعِيضِ , قَلَبَ مَعْنَى الْآيَة وَأَفْسَدَهُ .



وَالزُّور : الْبَاطِل وَالْكَذِب . وَسُمِّيَ زُورًا لِأَنَّهُ أَمْيَل عَنْ الْحَقّ ; وَمِنْهُ " تَزَاوَر عَنْ كَهْفهمْ " , [ الْكَهْف : 17 ] , وَمَدِينَة زَوْرَاء ; أَيْ مَائِلَة . وَكُلّ مَا عَدَا الْحَقّ فَهُوَ كَذِب وَبَاطِل وَزُور . وَفِي الْخَبَر أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام قَامَ خَطِيبًا فَقَالَ : ( عَدَلَتْ شَهَادَة الزُّور الشِّرْك بِاَللَّهِ ) قَالَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا . يَعْنِي أَنَّهَا قَدْ جُمِعَتْ مَعَ عِبَادَة الْوَثَن فِي النَّهْي عَنْهَا .

هَذِهِ الْآيَة تَضَمَّنَتْ الْوَعِيد عَلَى الشَّهَادَة بِالزُّورِ , وَيَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ إِذَا عَثَرَ عَلَى الشَّاهِد بِالزُّورِ أَنْ يُعَزِّرهُ وَيُنَادِي عَلَيْهِ لِيَعْرِف لِئَلَّا يَغْتَرّ بِشَهَادَتِهِ أَحَد . وَيَخْتَلِف الْحُكْم فِي شَهَادَته إِذَا تَابَ ; فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْل الْعَدَالَة الْمَشْهُور بِهَا الْمُبْرِز فِيهَا لَمْ تُقْبَل ; لِأَنَّهُ لَا سَبِيل إِلَى عِلْم حَاله فِي التَّوْبَة ; إِذْ لَا يَسْتَطِيع أَنْ يَفْعَل مِنْ الْقُرُبَات أَكْثَر مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ . وَإِنْ كَانَ دُون ذَلِكَ فَشَمَّرَ فِي الْعِبَادَة وَزَادَتْ حَاله فِي التُّقَى قَبْل شَهَادَته . وَفِي الصَّحِيح عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( إِنَّ مِنْ أَكْبَر الْكَبَائِر الْإِشْرَاك بِاَللَّهِ وَعُقُوق الْوَالِدَيْنِ وَشَهَادَة الزُّور وَقَوْل الزُّور ) . وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَمَا زَالَ يُكَرِّرهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • مقدمات للنهوض بالعمل الدعوي

    قال المؤلف: إن قضية الدعوة إلى الله تعالى ليست شأنا خاصا لفئة محدودة من الناس، ولكنها من القضايا المركزية لهذه الأمة، فنحن أمة رسالتها الأساسية في هذه الحياة هداية الخلق ونشر ألعام الحق والعدل والخير، وتعبيد الناس لقيوم السماوات والأرض، كما ان إصلاح المجتمعات الإسلامية وتخليصها من حالة الوهن والغثائية من الهموم العامة لمعظم أبناء أمة الإسلام على اختلاف طبقاتهم وأوضاعهم.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/380518

    التحميل:

  • الصبر وأثره في حياة المسلم

    الصبر وأثره في حياة المسلم : في هذه الرسالة بيان أصول نافعة جامعة في مسائل المصائب والمحن، ثم بيان منزلة الصبر وأسبابه.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209120

    التحميل:

  • مفسدات القلوب [ الغفلة ]

    الغفلة داء عظيم; ومرض كبير; يفسد على المرء دينه ودنياه; قال ابن القيم رحمه الله: ( إن مجالس الذكر مجالس الملائكة; ومجالس اللغو والغفلة مجالس الشياطين; فيتخير العبد أعجبهما إليه; وأولاهما به; فهو مع أهله في الدنيا والآخرة ).

    الناشر: موقع الشيخ محمد صالح المنجد www.almunajjid.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/340011

    التحميل:

  • الأسئلة والأجوبة الفقهية المقرونة بالأدلة الشرعية

    الأسئلة والأجوبة الفقهية المقرونة بالأدلة الشرعية: كتاب لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن محمد السلمان - رحمه الله - شرح فيه الأبواب الفقهية على طريقة السؤال والجواب.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2586

    التحميل:

  • فتاوى في التوحيد

    فتاوى متنوعة في التوحيد للشيخ الجبرين - رحمه الله - قام بجمعها الشيخ حمد بن إبراهيم الحريقي - جزاه الله خيرًا -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/260337

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة