Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الحج - الآية 28

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28) (الحج) mp3
أَيْ أَذِّنْ بِالْحَجِّ يَأْتُوك رِجَالًا وَرُكْبَانًا لِيَشْهَدُوا ; أَيْ لِيَحْضُرُوا . وَالشُّهُود الْحُضُور .



أَيْ الْمَنَاسِك , كَعَرَفَاتٍ وَالْمَشْعَر الْحَرَام . وَقِيلَ الْمَغْفِرَة . وَقِيلَ التِّجَارَة . وَقِيلَ هُوَ عُمُوم ; أَيْ لِيَحْضُرُوا مَنَافِع لَهُمْ , أَيْ مَا يُرْضِي اللَّه تَعَالَى مِنْ أَمْر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ; قَالَ مُجَاهِد وَعَطَاء وَاخْتَارَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ ; فَإِنَّهُ يَجْمَع ذَلِكَ كُلّه مِنْ نُسُك وَتِجَارَة وَمَغْفِرَة وَمَنْفَعَة دُنْيَا وَأُخْرَى . وَلَا خِلَاف فِي أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : " لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاح أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبّكُمْ " [ الْبَقَرَة : 198 ] التِّجَارَة .



قَدْ مَضَى فِي " الْبَقَرَة " الْكَلَام فِي الْأَيَّام الْمَعْلُومَات وَالْمَعْدُودَات . وَالْمُرَاد بِذِكْرِ اِسْم اللَّه ذِكْر التَّسْمِيَة عِنْد الذَّبْح وَالنَّحْر ; مِثْل قَوْلك : بِاسْمِ اللَّه وَاَللَّه أَكْبَر , اللَّهُمَّ مِنْك وَلَك . وَمِثْل قَوْلك عِنْد الذَّبْح " إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي " [ الْأَنْعَام : 162 ] الْآيَة . وَكَانَ الْكُفَّار يَذْبَحُونَ عَلَى أَسْمَاء أَصْنَامهمْ , فَبَيَّنَ الرَّبّ أَنَّ الْوَاجِب الذَّبْح عَلَى اِسْم اللَّه ; وَقَدْ مَضَى فِي " الْأَنْعَام " .

وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي وَقْت الذَّبْح يَوْم النَّحْر ; فَقَالَ مَالِك رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : بَعْد صَلَاة الْإِمَام وَذَبْحه ; إِلَّا أَنْ يُؤَخِّر تَأْخِيرًا يَتَعَدَّى فِيهِ فَيَسْقُط الِاقْتِدَاء بِهِ . وَرَاعَى أَبُو حَنِيفَة الْفَرَاغ مِنْ الصَّلَاة دُون ذَبْح . وَالشَّافِعِيّ دُخُول وَقْت الصَّلَاة وَمِقْدَار مَا تُوقَع فِيهِ مَعَ الْخُطْبَتَيْنِ ; فَاعْتُبِرَ الْوَقْت دُون الصَّلَاة , هَذِهِ رِوَايَة الْمُزَنِيّ عَنْهُ , وَهُوَ قَوْل الطَّبَرِيّ . وَذَكَرَ الرَّبِيع عَنْ الْبُوَيْطِيّ قَالَ قَالَ الشَّافِعِيّ : وَلَا يَذْبَح أَحَد حَتَّى يَذْبَح الْإِمَام إِلَّا أَنْ يَكُون مِمَّنْ لَا يَذْبَح , فَإِذَا صَلَّى وَفَرَغَ مِنْ الْخُطْبَة حَلَّ الذَّبْح . وَهَذَا كَقَوْلِ مَالِك . وَقَالَ أَحْمَد : إِذَا اِنْصَرَفَ الْإِمَام فَاذْبَحْ . وَهُوَ قَوْل إِبْرَاهِيم . وَأَصَحّ هَذِهِ الْأَقْوَال قَوْل مَالِك ; لِحَدِيثِ جَابِر بْن عَبْد اللَّه قَالَ : صَلَّى بِنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم النَّحْر بِالْمَدِينَةِ , فَتَقَدَّمَ رِجَال فَنَحَرُوا وَظَنُّوا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَحَرَ , فَأَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ كَانَ نَحَرَ أَنْ يُعِيد بِنَحْرٍ آخَر , وَلَا يَنْحَرُوا حَتَّى يَنْحَر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَّجَهُ مُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ : وَفِي الْبَاب عَنْ جَابِر وَجُنْدُب وَأَنَس وَعُوَيْمِر بْن أَشْقَر وَابْن عُمَر وَأَبِي زَيْد الْأَنْصَارِيّ , وَهَذَا حَدِيث حَسَن صَحِيح , وَالْعَمَل عَلَى هَذَا عِنْد أَهْل الْعِلْم أَلَّا يُضَحَّى بِالْمِصْرِ حَتَّى يُصَلِّي الْإِمَام . وَقَدْ اِحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَة بِحَدِيثِ الْبَرَاء , وَفِيهِ : ( وَمَنْ ذَبَحَ بَعْد الصَّلَاة فَقَدْ تَمَّ نُسُكه وَأَصَابَ سُنَّة الْمُسْلِمِينَ ) . خَرَّجَهُ مُسْلِم أَيْضًا . فَعَلَّقَ الذَّبْح عَلَى الصَّلَاة وَلَمْ يَذْكُر الذَّبْح , وَحَدِيث جَابِر يُقَيِّدهُ . وَكَذَلِكَ حَدِيث الْبَرَاء أَيْضًا , قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَوَّل مَا نَبْدَأ بِهِ فِي يَوْمنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّي ثُمَّ نَرْجِع فَنَنْحَر فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتنَا ) الْحَدِيث . وَقَالَ أَبُو عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ : لَا أَعْلَم خِلَافًا بَيْن الْعُلَمَاء أَنَّ مَنْ ذَبَحَ قَبْل الصَّلَاة وَكَانَ مِنْ أَهْل الْمِصْر أَنَّهُ غَيْر مُضَحٍّ ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( مَنْ ذَبَحَ قَبْل الصَّلَاة فَتِلْكَ شَاة لَحْم ) .

وَأَمَّا أَهْل الْبَوَادِي وَمَنْ لَا إِمَام لَهُ فَمَشْهُور مَذْهَب مَالِك يُتَحَرَّى وَقْت ذَبْح الْإِمَام , أَوْ أَقْرَب الْأَئِمَّة إِلَيْهِ . وَقَالَ رَبِيعَة وَعَطَاء فِيمَنْ لَا إِمَام لَهُ : إِنْ ذَبَحَ قَبْل طُلُوع الشَّمْس لَمْ يَجْزِهِ , وَيَجْزِيه إِنْ ذَبَحَ بَعْده . وَقَالَ أَهْل الرَّأْي : يَجْزِيهِمْ مِنْ بَعْد الْفَجْر . وَهُوَ قَوْل اِبْن الْمُبَارَك , ذَكَرَهُ عَنْهُ التِّرْمِذِيّ . وَتَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَيَذْكُرُوا اِسْم اللَّه فِي أَيَّام مَعْلُومَات عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَة الْأَنْعَام " , فَأَضَافَ النَّحْر إِلَى الْيَوْم . وَهَلْ الْيَوْم مِنْ طُلُوع الْفَجْر أَوْ مِنْ طُلُوع الشَّمْس , قَوْلَانِ . وَلَا خِلَاف أَنَّهُ لَا يَجْزِي ذَبْح الْأُضْحِيَّة قَبْل طُلُوع الْفَجْر مِنْ يَوْم النَّحْر .

وَاخْتَلَفُوا كَمْ أَيَّام النَّحْر ؟ فَقَالَ مَالِك : ثَلَاثَة , يَوْم النَّحْر وَيَوْمَانِ بَعْده . وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَة وَالثَّوْرِيّ وَأَحْمَد بْن حَنْبَل , وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَأَنَس بْن مَالِك مِنْ غَيْر اِخْتِلَاف عَنْهُمَا . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : أَرْبَعَة , يَوْم النَّحْر وَثَلَاثَة بَعْده . وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيّ , وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَابْن عَبَّاس وَابْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ , وَرُوِيَ عَنْهُمْ أَيْضًا مِثْل قَوْل مَالِك وَأَحْمَد . وَقِيلَ : ( هُوَ يَوْم النَّحْر خَاصَّة وَهُوَ الْعَاشِر مِنْ ذِي الْحِجَّة ) ; وَرُوِيَ عَنْ اِبْن سِيرِينَ . وَعَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر وَجَابِر بْن زَيْد أَنَّهُمَا قَالَا : النَّحْر فِي الْأَمْصَار يَوْم وَاحِد وَفِي مِنًى ثَلَاثَة أَيَّام . وَعَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ فِي ذَلِكَ ثَلَاث رِوَايَات : إِحْدَاهَا كَمَا قَالَ مَالِك , وَالثَّانِيَة كَمَا قَالَ الشَّافِعِيّ , وَالثَّالِثَة إِلَى آخِر يَوْم مِنْ ذِي الْحِجَّة ; فَإِذَا أَهَلَّ هِلَال الْمُحَرَّم فَلَا أَضْحَى . قُلْت : وَهُوَ قَوْل سُلَيْمَان بْن يَسَار وَأَبِي سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن , وَرَوَيَا حَدِيثًا مُرْسَلًا مَرْفُوعًا خَرَّجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ : الضَّحَايَا إِلَى هِلَال ذِي الْحِجَّة ; وَلَمْ يَصِحّ , وَدَلِيلنَا قَوْله تَعَالَى : " فِي أَيَّام مَعْلُومَات " الْآيَة , وَهَذَا جَمْع قِلَّة ; لَكِنَّ الْمُتَيَقَّن مِنْهُ الثَّلَاثَة , وَمَا بَعْد الثَّلَاثَة غَيْر مُتَيَقَّن فَلَا يُعْمَل بِهِ . قَالَ أَبُو عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ يَوْم النَّحْر يَوْم أَضْحَى , وَأَجْمَعُوا أَنْ لَا أَضْحَى بَعْد اِنْسِلَاخ ذِي الْحِجَّة , وَلَا يَصِحّ عِنْدِي فِي هَذِهِ إِلَّا قَوْلَانِ : أَحَدهمَا : قَوْل مَالِك وَالْكُوفِيِّينَ . وَالْآخَر : قَوْل الشَّافِعِيّ وَالشَّامِيِّينَ ; وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ مَرْوِيَّانِ عَنْ الصَّحَابَة فَلَا مَعْنَى لِلِاشْتِغَالِ بِمَا خَالَفَهُمَا ; لِأَنَّ مَا خَالَفَهُمَا لَا أَصْل لَهُ فِي السُّنَّة وَلَا فِي قَوْل الصَّحَابَة , وَمَا خَرَجَ عَنْ هَذَيْنِ فَمَتْرُوك لَهُمَا . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ قَتَادَة قَوْل سَادِس , وَهُوَ أَنَّ الْأَضْحَى يَوْم النَّحْر وَسِتَّة أَيَّام بَعْده ; وَهَذَا أَيْضًا خَارِج عَنْ قَوْل الصَّحَابَة فَلَا مَعْنَى لَهُ .

وَاخْتَلَفُوا فِي لَيَالِي النَّحْر هَلْ تَدْخُل مَعَ الْأَيَّام فَيَجُوز فِيهَا الذَّبْح أَوْ لَا ; فَرُوِيَ عَنْ مَالِك فِي الْمَشْهُور أَنَّهَا لَا تَدْخُل فَلَا يَجُوز الذَّبْح بِاللَّيْلِ . وَعَلَيْهِ جُمْهُور أَصْحَابه وَأَصْحَاب الرَّأْي ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَيَذْكُرُوا اِسْم اللَّه فِي أَيَّام " فَذَكَرَ الْأَيَّام , وَذِكْر الْأَيَّام دَلِيل عَلَى أَنَّ الذَّبْح فِي اللَّيْل لَا يَجُوز . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر : اللَّيَالِي دَاخِلَة فِي الْأَيَّام وَيَجْزِي الذَّبْح فِيهَا . وَرُوِيَ عَنْ مَالِك وَأَشْهَب نَحْوه , وَلِأَشْهَبَ تَفْرِيق بَيْن الْهَدْي وَالضَّحِيَّة , فَأَجَازَ الْهَدْي لَيْلًا وَلَمْ يُجِزْ الضَّحِيَّة لَيْلًا . قَوْله تَعَالَى : " عَلَى مَا رَزَقَهُمْ " أَيْ عَلَى ذَبْح مَا رَزَقَهُمْ . " مِنْ بَهِيمَة الْأَنْعَام " وَالْأَنْعَام هُنَا الْإِبِل وَالْبَقَر وَالْغَنَم . وَبَهِيمَة الْأَنْعَام هِيَ الْأَنْعَام , فَهُوَ كَقَوْلِك صَلَاة الْأُولَى , وَمَسْجِد الْجَامِع .



أَمْر مَعْنَاهُ النَّدْب عِنْد الْجُمْهُور . وَيُسْتَحَبّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْكُل مِنْ هَدْيه وَأُضْحِيَّته وَأَنْ يَتَصَدَّق بِالْأَكْثَرِ , مَعَ تَجْوِيزهمْ الصَّدَقَة بِالْكُلِّ وَأَكْل الْكُلّ . وَشَذَّتْ طَائِفَة فَأَوْجَبَتْ الْأَكْل وَالْإِطْعَام بِظَاهِرِ الْآيَة . وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( فَكُلُوا وَادَّخِرُوا وَتَصَدَّقُوا ) . قَالَ إِلْكِيَا : قَوْله تَعَالَى : " فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا " يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز بَيْع جَمِيعه وَلَا التَّصَدُّق بِجَمِيعِهِ .

دِمَاء الْكَفَّارَات لَا يَأْكُل مِنْهَا أَصْحَابهَا . وَمَشْهُور مَذْهَب مَالِك رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَأْكُل مِنْ ثَلَاث : جَزَاء الصَّيْد , وَنَذْر الْمَسَاكِين وَفِدْيَة الْأَذَى , وَيَأْكُل مِمَّا سِوَى ذَلِكَ إِذَا بَلَغَ مَحِلّه وَاجِبًا كَانَ أَوْ تَطَوُّعًا , وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَة مِنْ السَّلَف وَفُقَهَاء الْأَمْصَار .

فَإِنْ أَكَلَ مِمَّا مُنِعَ مِنْهُ فَهَلْ يَغْرَم قَدْر مَا أَكَلَ أَوْ يَغْرَم هَدْيًا كَامِلًا ; قَوْلَانِ فِي مَذْهَبنَا , وَبِالْأَوَّلِ قَالَ اِبْن الْمَاجِشُونِ . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهُوَ الْحَقّ , لَا شَيْء عَلَيْهِ غَيْره . وَكَذَلِكَ لَوْ نَذَرَ هَدْيًا لِلْمَسَاكِينِ فَيَأْكُل مِنْهُ بَعْد أَنْ بَلَغَ مَحِلّه لَا يَغْرَم إِلَّا مَا أَكَلَ - خِلَافًا لِلْمُدَوَّنَةِ - لِأَنَّ النَّحْر قَدْ وَقَعَ , وَالتَّعَدِّي إِنَّمَا هُوَ عَلَى اللَّحْم , فَيَغْرَم قَدْر مَا تَعَدَّى فِيهِ . قَوْله تَعَالَى : " وَلْيُوفُوا نُذُورهمْ " يَدُلّ عَلَى وُجُوب إِخْرَاج النَّذْر إِنْ كَانَ دَمًا أَوْ هَدْيًا أَوْ غَيْره , وَيَدُلّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ النَّذْر لَا يَجُوز أَنْ يَأْكُل مِنْهُ وَفَاء بِالنَّذْرِ , وَكَذَلِكَ جَزَاء الصَّيْد وَفِدْيَة الْأَذَى ; لِأَنَّ الْمَطْلُوب أَنْ يَأْتِي بِهِ كَامِلًا مِنْ غَيْر نَقْص لَحْم وَلَا غَيْره , فَإِنْ أَكَلَ مِنْ ذَلِكَ كَانَ عَلَيْهِ هَدْي كَامِل . وَاَللَّه أَعْلَم .

هَلْ يَغْرَم قِيمَة اللَّحْم أَوْ يَغْرَم طَعَامًا ; فَفِي كِتَاب مُحَمَّد عَنْ عَبْد الْمَلِك أَنَّهُ يَغْرَم طَعَامًا . وَالْأَوَّل أَصَحّ ; لِأَنَّ الطَّعَام إِنَّمَا هُوَ فِي مُقَابَلَة الْهَدْي كُلّه عِنْد تَعَذُّره عِبَادَة , وَلَيْسَ حُكْم التَّعَدِّي حُكْم الْعِبَادَة .

فَإِنْ عَطِبَ مِنْ هَذَا الْهَدْي الْمَضْمُون الَّذِي هُوَ جَزَاء الصَّيْد وَفِدْيَة الْأَذَى وَنَذْر الْمَسَاكِين شَيْء قَبْل مَحِلّه أَكَلَ مِنْهُ صَاحِبه وَأَطْعَمَ مِنْهُ الْأَغْنِيَاء وَالْفُقَرَاء وَمَنْ أَحَبَّ , وَلَا يَبِيع مِنْ لَحْمه وَلَا جِلْده وَلَا مِنْ قَلَائِده شَيْئًا . قَالَ إِسْمَاعِيل بْن إِسْحَاق : لِأَنَّ الْهَدْي الْمَضْمُون إِذَا عَطِبَ قَبْل أَنْ يَبْلُغ مَحِلّه كَانَ عَلَيْهِ بَدَله , وَلِذَلِكَ جَازَ أَنْ يَأْكُل مِنْهُ صَاحِبه وَيُطْعِم . فَإِذَا عَطِبَ الْهَدْي التَّطَوُّع قَبْل أَنْ يَبْلُغ مَحِلّه لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْكُل مِنْهُ وَلَا يُطْعِم ; لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ بَدَله خِيفَ أَنْ يَفْعَل ذَلِكَ بِالْهَدْيِ وَيَنْحَر مِنْ غَيْر أَنْ يَعْطَب , فَاحْتِيطَ عَلَى النَّاس , وَبِذَلِكَ مَضَى الْعَمَل . وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ نَاجِيَة الْأَسْلَمِيّ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مَعَهُ بِهَدْيٍ وَقَالَ : ( إِنْ عَطِبَ مِنْهَا شَيْء فَانْحَرْهُ ثُمَّ اُصْبُغْ نَعْله فِي دَمه ثُمَّ خَلِّ بَيْنه وَبَيْن النَّاس ) . وَبِهَذَا الْحَدِيث قَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ فِي أَحَد قَوْلَيْهِ , وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَأَصْحَاب الرَّأْي وَمَنْ اِتَّبَعَهُمْ فِي الْهَدْي التَّطَوُّع : لَا يَأْكُل مِنْهَا سَائِقهَا شَيْئًا , وَيُخَلَّى بَيْنهَا وَبَيْن النَّاس يَأْكُلُونَهَا . وَفِي صَحِيح مُسْلِم : ( وَلَا تَأْكُل مِنْهَا أَنْتَ وَلَا أَحَد مِنْ أَهْل رُفْقَتك ) . وَبِظَاهِرِ هَذَا النَّهْي قَالَ اِبْن عَبَّاس وَالشَّافِعِيّ فِي قَوْله الْآخَر , وَاخْتَارَهُ اِبْن الْمُنْذِر , فَقَالَا : لَا يَأْكُل مِنْهَا وَلَا أَحَد مِنْ أَهْل رُفْقَته . قَالَ أَبُو عُمَر : قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام ( وَلَا يَأْكُل مِنْهَا أَحَد وَلَا أَحَد مِنْ أَهْل رُفْقَتك ) لَا يُوجَد إِلَّا فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس . وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي حَدِيث هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ نَاجِيَة . وَهُوَ عِنْدنَا أَصَحّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس , وَعَلَيْهِ الْعَمَل عِنْد الْفُقَهَاء . وَيَدْخُل فِي قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( خَلِّ بَيْنهَا وَبَيْن النَّاس ) أَهْل رُفْقَته وَغَيْرهمْ . وَقَالَ الشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر : مَا كَانَ مِنْ الْهَدْي أَصْله وَاجِبًا فَلَا يَأْكُل مِنْهُ , وَمَا كَانَ تَطَوُّعًا وَنُسُكًا أَكَلَ مِنْهُ وَأَهْدَى وَادَّخَرَ وَتَصَدَّقَ . وَالْمُتْعَة وَالْقُرْآن عِنْده نُسُك . وَنَحْوه مَذْهَب الْأَوْزَاعِيّ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه : يَأْكُل مِنْ هَدْي الْمُتْعَة وَالتَّطَوُّع , وَلَا يَأْكُل مِمَّا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا وَجَبَ بِحُكْمِ الْإِحْرَام . وَحُكِيَ عَنْ مَالِك : لَا يَأْكُل مِنْ دَم الْفَسَاد . وَعَلَى قِيَاس هَذَا لَا يَأْكُل مِنْ دَم الْجَبْر ; كَقَوْلِ الشَّافِعِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ . تَمَسَّكَ مَالِك بِأَنَّ جَزَاء الصَّيْد جَعَلَهُ اللَّه لِلْمَسَاكِينِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " أَوْ كَفَّارَة طَعَام مَسَاكِين " [ الْمَائِدَة : 95 ] . وَقَالَ فِي فِدْيَة الْأَذَى : " فَفِدْيَة مِنْ صِيَام أَوْ صَدَقَة أَوْ نُسُك " [ الْبَقَرَة : 196 ] . وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِكَعْبِ بْن عُجْرَة : ( أَطْعِمْ سِتَّة مَسَاكِين مُدَّيْنِ لِكُلِّ مِسْكَيْنِ أَوْ صُمْ ثَلَاثَة أَيَّام أَوْ اُنْسُكْ شَاة ) . وَنَذْر الْمَسَاكِين مُصَرَّح بِهِ , وَأَمَّا غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْهَدَايَا فَهُوَ بَاقٍ عَلَى أَصْل قَوْله : " وَالْبُدْن جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِر اللَّه " إِلَى قَوْله " فَكُلُوا مِنْهَا " [ الْحَجّ : 36 ] . وَقَدْ أَكَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ مِنْ الْهَدْي الَّذِي جَاءَ بِهِ وَشَرِبَا مِنْ مَرَقه . وَكَانَ عَلَيْهِ السَّلَام قَارِنًا فِي أَصَحّ الْأَقْوَال وَالرِّوَايَات ; فَكَانَ هَدْيه عَلَى هَذَا وَاجِبًا , فَمَا تَعَلَّقَ بِهِ أَبُو حَنِيفَة غَيْر صَحِيح . وَاَللَّه أَعْلَم . وَإِنَّمَا أَذِنَ اللَّه سُبْحَانه مِنْ الْأَكْل مِنْ الْهَدَايَا لِأَجْلِ أَنَّ الْعَرَب كَانَتْ لَا تَرَى أَنْ تَأْكُل مِنْ نُسُكهَا , فَأَمَرَ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمُخَالَفَتِهِمْ ; فَلَا جَرَم كَذَلِكَ شَرَعَ وَبَلَّغَ , وَكَذَلِكَ فَعَلَ حِين أَهْدَى وَأَحْرَمَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

" فَكُلُوا مِنْهَا " قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : قَوْله تَعَالَى : " فَكُلُوا مِنْهَا " نَاسِخ لِفِعْلِهِمْ , لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُحَرِّمُونَ لُحُوم الضَّحَايَا عَلَى أَنْفُسهمْ وَلَا يَأْكُلُونَ مِنْهَا - كَمَا قُلْنَاهُ فِي الْهَدَايَا - فَنَسَخَ اللَّه ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : " فَكُلُوا مِنْهَا " وَبِقَوْلِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ ضَحَّى فَلْيَأْكُلْ مِنْ أُضْحِيَّته ) وَلِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام أَكَلَ مِنْ أُضْحِيَّته وَهَدْيه . وَقَالَ الزُّهْرِيّ : مِنْ السُّنَّة أَنْ تَأْكُل أَوَّلًا مِنْ الْكَبِد .

ذَهَبَ أَكْثَر الْعُلَمَاء إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبّ أَنْ يَتَصَدَّق بِالثُّلُثِ وَيُطْعِم الثُّلُث وَيَأْكُل هُوَ وَأَهْله الثُّلُث . وَقَالَ اِبْن الْقَاسِم عَنْ مَالِك : لَيْسَ عِنْدنَا فِي الضَّحَايَا قَسْم مَعْلُوم مَوْصُوف . قَالَ مَالِك فِي حَدِيثه : وَبَلَغَنِي عَنْ اِبْن مَسْعُود , وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْعَمَل . رَوَى الصَّحِيح وَأَبُو دَاوُد قَالَ : ضَحَّى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَاةٍ ثُمَّ قَالَ : ( يَا ثَوْبَان , أَصْلِحْ لَحْم هَذِهِ الشَّاة ) قَالَ : فَمَا زِلْت أُطْعِمهُ مِنْهَا حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَة . وَهَذَا نَصّ فِي الْفَرْض . وَاخْتَلَفَ قَوْل الشَّافِعِيّ ; فَمَرَّة قَالَ : يَأْكُل النِّصْف وَيَتَصَدَّق بِالنِّصْفِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِس الْفَقِير " فَذَكَرَ شَخْصَيْنِ . وَقَالَ مَرَّة : يَأْكُل ثُلُثًا وَيُهْدِي ثُلُثًا وَيُطْعِم ثُلُثًا , لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِع وَالْمُعْتَرّ " [ الْحَجّ : 36 ] فَذَكَرَ ثَلَاثَة .

الْمُسَافِر يُخَاطَب بِالْأُضْحِيَّةِ كَمَا يُخَاطَب بِهَا الْحَاضِر ; إِذْ الْأَصْل عُمُوم الْخِطَاب بِهَا , وَهُوَ قَوْل كَافَّة الْعُلَمَاء . وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَة وَالنَّخَعِيّ , وَرُوِيَ عَنْ عَلِيّ ; وَالْحَدِيث حُجَّة عَلَيْهِمْ . وَاسْتَثْنَى مَالِك مِنْ الْمُسَافِرِينَ الْحَاجّ بِمِنًى , فَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ أُضْحِيَّة , وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيّ . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْخَلِيفَتَيْنِ أَبِي بَكْر وَعُمَر وَجَمَاعَة مِنْ السَّلَف رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ ; لِأَنَّ الْحَاجّ إِنَّمَا هُوَ مُخَاطَب فِي الْأَصْل بِالْهَدْيِ . فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُضَحِّي جَعَلَهُ هَدْيًا , وَالنَّاس غَيْر الْحَاجّ إِنَّمَا أُمِرُوا بِالْأُضْحِيَّةِ لِيَتَشَبَّهُوا بِأَهْلِ مِنًى فَيَحْصُل لَهُمْ حَظّ مِنْ أَجْرهمْ .

اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الِادِّخَار عَلَى أَرْبَعَة أَقْوَال . رُوِيَ عَنْ عَلِيّ وَابْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا مِنْ وَجْه صَحِيح أَنَّهُ لَا يُدَّخَر مِنْ الضَّحَايَا بَعْد ثَلَاث . وَرَوَيَاهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَسَيَأْتِي . وَقَالَتْ جَمَاعَة : مَا رُوِيَ مِنْ النَّهْي عَنْ الِادِّخَار مَنْسُوخ ; فَيَدَّخِر إِلَى أَيّ وَقْت أَحَبّ . وَبِهِ قَالَ أَبُو سَعِيد الْخُدْرِيّ وَبُرَيْدَة الْأَسْلَمِيّ , وَقَالَتْ فِرْقَة : يَجُوز الْأَكْل مِنْهَا مُطْلَقًا . وَقَالَتْ طَائِفَة : إِنْ كَانَتْ بِالنَّاسِ حَاجَة إِلَيْهَا فَلَا يُدَّخَر , لِأَنَّ النَّهْي إِنَّمَا كَانَ لِعِلَّةٍ وَهِيَ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْل الدَّافَّة الَّتِي دَفَّتْ ) وَلَمَّا اِرْتَفَعَتْ اِرْتَفَعَ الْمَنْع الْمُتَقَدِّم لِارْتِفَاعِ مُوجِبه , لَا لِأَنَّهُ مَنْسُوخ . وَتَنْشَأ هُنَا مَسْأَلَة أُصُولِيَّة وَهِيَ :

وَهِيَ الْفَرْق بَيْن رَفْع الْحُكْم بِالنَّسْخِ وَرَفْعه لِارْتِفَاعِ عِلَّته . اِعْلَمْ أَنَّ الْمَرْفُوع بِالنَّسْخِ لَا يُحْكَم بِهِ أَبَدًا , وَالْمَرْفُوع لِارْتِفَاعِ عِلَّته يَعُود الْحُكْم لِعَوْدِ الْعِلَّة ; فَلَوْ قَدِمَ عَلَى أَهْل بَلْدَة نَاس مُحْتَاجُونَ فِي زَمَان الْأَضْحَى ; وَلَمْ يَكُنْ عِنْد أَهْل ذَلِكَ الْبَلَد سَعَة يَسُدُّونَ بِهَا فَاقَتهمْ إِلَّا الضَّحَايَا لِتَعَيُّنِ عَلَيْهِمْ أَلَّا يَدَّخِرُوهَا فَوْق ثَلَاث كَمَا فَعَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي هَذَا الْبَاب بِالْمَنْعِ وَالْإِبَاحَة صِحَاح ثَابِتَة . وَقَدْ جَاءَ الْمَنْع وَالْإِبَاحَة مَعًا ; كَمَا هُوَ مَنْصُوص فِي حَدِيث عَائِشَة وَسَلَمَة بْن الْأَكْوَع وَأَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ رَوَاهَا الصَّحِيح . وَرَوَى الصَّحِيح عَنْ أَبِي عُبَيْد مَوْلَى اِبْن أَزْهَر أَنَّهُ شَهِدَ الْعِيد مَعَ عُمَر بْن الْخَطَّاب قَالَ : ثُمَّ صَلَّيْت الْعِيد مَعَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ; قَالَ : فَصَلَّى لَنَا قَبْل الْخُطْبَة ثُمَّ خَطَبَ النَّاس فَقَالَ : إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَهَاكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا لُحُوم نُسُككُمْ فَوْق ثَلَاث لَيَالٍ فَلَا تَأْكُلُوهَا . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَهَى أَنْ تُؤْكَل لُحُوم الْأَضَاحِيّ فَوْق ثَلَاث . قَالَ سَالِم : فَكَانَ اِبْن عُمَر لَا يَأْكُل لُحُوم الْأَضَاحِيّ فَوْق ثَلَاث . وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ نُبَيْشَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّا كُنَّا نَهَيْنَاكُمْ عَنْ لُحُومهَا فَوْق ثَلَاث لِكَيْ تَسَعكُمْ جَاءَ اللَّه بِالسَّعَةِ فَكُلُوا وَادَّخِرُوا وَاتَّجِرُوا إِلَّا أَنَّ هَذِهِ الْأَيَّام أَيَّام أَكْل وَشُرْب وَذِكْر لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَر النَّحَّاس : وَهَذَا الْقَوْل أَحْسَن مَا قِيلَ فِي هَذَا حَتَّى تَتَّفِق الْأَحَادِيث وَلَا تَتَضَادّ , وَيَكُون قَوْل أَمِير الْمُؤْمِنِينَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَعُثْمَان مَحْصُور , لِأَنَّ النَّاس كَانُوا فِي شِدَّة مُحْتَاجِينَ , فَفَعَلَ كَمَا فَعَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين قَدِمَتْ الدَّافَّة . وَالدَّلِيل عَلَى هَذَا مَا حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن شَرِيك قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَد قَالَ حَدَّثَنَا لَيْث قَالَ حَدَّثَنِي الْحَارِث بْن يَعْقُوب عَنْ يَزِيد بْن أَبِي يَزِيد عَنْ اِمْرَأَته أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا عَنْ لُحُوم الْأَضَاحِيّ فَقَالَتْ : قَدِمَ عَلَيْنَا عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب مِنْ سَفَر فَقَدَّمْنَا إِلَيْهِ مِنْهُ , فَأَبَى أَنْ يَأْكُل حَتَّى يَسْأَل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَسَأَلَهُ فَقَالَ : " كُلْ مِنْ ذِي الْحِجَّة إِلَى ذِي الْحِجَّة " . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : مَنْ قَالَ بِالنَّهْيِ عَنْ الِادِّخَار بَعْد ثَلَاث لَمْ يَسْمَع الرُّخْصَة . وَمَنْ قَالَ بِالرُّخْصَةِ مُطْلَقًا لَمْ يَسْمَع النَّهْي عَنْ الِادِّخَار . وَمَنْ قَالَ بِالنَّهْيِ وَالرُّخْصَة سَمِعَهُمَا جَمِيعًا فَعَمِلَ بِمُقْتَضَاهُمَا . وَاَللَّه أَعْلَم . وَسَيَأْتِي فِي سُورَة " الْكَوْثَر " الِاخْتِلَاف فِي وُجُوب الْأُضْحِيَّة وَنَدْبِيَّتِهَا وَأَنَّهَا نَاسِخَة لِكُلِّ ذَبْح تَقَدَّمَ , إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .

قَوْله تَعَالَى : " وَأَطْعِمُوا الْبَائِس الْفَقِير " " الْفَقِير " مِنْ صِفَة الْبَائِس , وَهُوَ الَّذِي نَالَهُ الْبُؤْس وَشِدَّة الْفَقْر ; يُقَال : بَئِسَ يَبْأَس بَأْسًا إِذَا اِفْتَقَرَ ; فَهُوَ بَائِس . وَقَدْ يُسْتَعْمَل فِيمَنْ نَزَلَتْ بِهِ نَازِلَة دَهْر وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيرًا ; وَمِنْهُ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( لَكِنْ الْبَائِس سَعْد بْن خَوْلَة ) . وَيُقَال : رَجُل بَئِيس أَيْ شَدِيد . وَقَدْ بَؤُسَ يَبْؤُس بَأْسًا إِذْ اِشْتَدَّ ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيس " [ الْأَعْرَاف : 165 ] أَيْ شَدِيد . وَكُلَّمَا كَانَ التَّصَدُّق بِلَحْمِ الْأُضْحِيَّة أَكْثَر كَانَ الْأَجْر أَوْفَر . وَفِي الْقَدْر الَّذِي يَجُوز أَكْله خِلَاف قَدْ ذَكَرْنَاهُ ; فَقِيلَ النِّصْف ; لِقَوْلِهِ : " فَكُلُوا " , " وَأَطْعِمُوا " وَقِيلَ الثُّلُثَانِ ; لِقَوْلِهِ : ( أَلَا فَكُلُوا وَادَّخِرُوا وَاتَّجِرُوا ) أَيْ اُطْلُبُوا الْأَجْر بِالْإِطْعَامِ . وَاخْتُلِفَ فِي الْأَكْل وَالْإِطْعَام ; فَقِيلَ وَاجِبَانِ . وَقِيلَ مُسْتَحَبَّانِ . وَقِيلَ بِالْفَرْقِ بَيْن الْأَكْل وَالْإِطْعَام ; فَالْأَكْل مُسْتَحَبّ وَالْإِطْعَام وَاجِب ; وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • منهج الإمام الترمذي في أحكامه على الأحاديث في كتابه «السنن»

    منهج الإمام الترمذي في أحكامه على الأحاديث في كتابه «السنن»: اقتبس الشيخ - حفظه الله - هذا المبحث من شرحه لحديث جابر - رضي الله عنه - في صفة حجة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو يتضمن الكلام عن أحكام الإمام الترمذي - رحمه الله - التي يُعقِّب بها كل حديثٍ من أحاديثه؛ كقوله: حسن صحيح، أو حسن غريب، أو غير ذلك من أحكامه، فقسمه الشيخ إلى أربعة أقسام.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/314982

    التحميل:

  • قيام الليل في ضوء الكتاب والسنة

    قيام الليل في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنِّف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في «قيام الليل» أوضحت فيها: مفهوم التهجد، وفضل قيام الليل، وأفضل أوقاته، وعدد ركعاته، وآداب قيام الليل، والأسباب المعينة عليه، وبيّنت مفهوم صلاة التراويح، وحكمها، وفضلها، ووقتها، وعدد ركعاتها، ومشروعية الجماعة فيها، ثم أوضحت الوتر، وحكمه، وفضله، ووقته، وأنواعه، وعدده، والقراءة فيه، والقنوت في الوتر، والدعاء بعد السلام من الوتر، وأن الوتر من صلاة الليل وهو آخره، وحكم قضاء سنة الوتر لمن نام عنها أونسيها، وكل مسألة قرنتها بدليلها».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1919

    التحميل:

  • وأصلحنا له زوجه

    وأصلحنا له زوجه: قال المصنف - حفظه الله -: «فإن من سعادة المرء في هذه الدنيا أن يرزق زوجة تؤانسه وتحادثه، تكون سكنًا له ويكون سكنًا لها، يجري بينهما من المودة والمحبة ما يؤمل كل منهما أن تكون الجنة دار الخلد والاجتماع. وهذه الرسالة إلى الزوجة طيبة المنبت التي ترجو لقاء الله - عز وجل - وتبحث عن سعادة الدنيا والآخرة».

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/208982

    التحميل:

  • السيرة النبوية لابن هشام

    السيرة النبوية لابن هشام : هذا الكتاب من أوائل كتب السيرة، وأكثرها انتشاراً، اختصره المصنف من سيرة ابن اسحاق بعد أن نقحها وحذف من أشعارها جملة مما لا تعلق له بالسيرة، ونظراً لمكانة هذا الكتاب؛ فقد حرصنا على توفير نسخة مصورة من إصدار دار الصحابة للتراث بطنطا، وهذه النسخة تحتوي على مجلد للفهارس؛ حتى يسهل الوصول إلى المعلومة.

    المدقق/المراجع: مجدي فتحي السيد

    الناشر: دار الصحابة للتراث بطنطا

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/57662

    التحميل:

  • القول السديد في الرد على من أنكر تقسيم التوحيد

    القول السديد في الرد على من أنكر تقسيم التوحيد: كتابٌ ردَّ فيه المؤلف - حفظه الله - على أحد حاملي ألوية البدع في هذا الزمان; حيث أنكر هذا الرجل تقسيم العلماء التوحيد إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية; وتوحيد الألوهية; وتوحيد الأسماء والصفات; فبيَّن المؤلف منهج الرجل ووزن كلامه بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة وأقوال السلف الصالح. - قدم للكتاب: الشيخ العلامة صالح بن فوزان آل فوزان - حفظه الله تعالى -.

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/316765

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة