Muslim Library

تفسير الطبري - سورة الحج - الآية 2

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2) (الحج) mp3
وَقَوْله تَعَالَى : { يَوْم تَرَوْنَهَا } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : يَوْم تَرَوْنَ أَيّهَا النَّاس زَلْزَلَة السَّاعَة تَذْهَل مِنْ عِظَمهَا كُلّ مُرْضِعَة مَوْلُود عَمَّا أَرْضَعَتْ . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { تَذْهَل } تَنْسَى وَتَتْرُك مِنْ شِدَّة كَرْبهَا , يُقَال : ذَهَلْت عَنْ كَذَا أَذْهَلَ عَنْهُ ذُهُولًا وَذَهِلْت أَيْضًا , وَهِيَ قَلِيلَة , وَالْفَصِيح : الْفَتْح فِي الْهَاء , فَأَمَّا فِي الْمُسْتَقْبَل فَالْهَاء مَفْتُوحَة فِي اللُّغَتَيْنِ , لَمْ يُسْمَع غَيْر ذَلِكَ ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : صَحَا قَلْبه يَا عَزَّ أَوْ كَادَ يَذْهَل فَأَمَّا إِذَا أُرِيدَ أَنَّ الْهَوْل أَنْسَاهُ وَسَلَاهُ , قُلْت : أَذْهَلَهُ هَذَا الْأَمْر عَنْ كَذَا يُذْهِلهُ إِذْهَالًا . وَفِي إِثْبَات الْهَاء فِي قَوْله : { كُلّ مُرْضِعَة } اخْتِلَاف بَيْن أَهْل الْعَرَبِيَّة وَكَانَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفِيِّينَ يَقُول : إِذَا أُثْبِتَتِ الْهَاء فِي الْمُرْضِعَة فَإِنَّمَا يُرَاد أُمّ الصَّبِيّ الْمُرْضِع , وَإِذَا أُسْقِطَتْ فَإِنَّهُ يُرَاد الْمَرْأَة الَّتِي مَعَهَا صَبِيّ تُرْضِعهُ ; لِأَنَّهُ أُرِيدَ الْفِعْل بِهَا . قَالُوا : وَلَوْ أُرِيدَ بِهَا الصِّفَة فِيمَا يُرَى لَقَالَ مُرْضِع . قَالَ : وَكَذَلِكَ كُلّ مُفْعِل أَوْ فَاعِل يَكُون لِلْأُنْثَى وَلَا يَكُون لِلذَّكَرِ , فَهُوَ بِغَيْرِ هَاء , نَحْو : مُقْرِب , وَمُوقِر , وَمُشْدِن , وَحَامِل , وَحَائِض . قَالَ أَبُو جَعْفَر . وَهَذَا الْقَوْل عِنْدِي أَوْلَى بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْعَرَب مِنْ شَأْنهَا إِسْقَاط هَاء التَّأْنِيث مِنْ كُلّ فَاعِل وَمُفْعِل إِذَا وَصَفُوا الْمُؤَنَّث بِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُذَكَّرِ فِيهِ حَظّ , فَإِذَا أَرَادُوا الْخَبَر عَنْهَا أَنَّهَا سَتَفْعَلُهُ وَلَمْ تَفْعَلهُ , أَثْبَتُوا هَاء التَّأْنِيث لِيُفَرِّقُوا بَيْن الصِّفَة وَالْفِعْل . مِنْهُ قَوْل الْأَعْشَى فِيمَا هُوَ وَاقِع وَلَمْ يَكُنْ وَقَعَ قَبْل : أَيَا جَارَتَا بِينِي فَإِنَّك طَالِقه كَذَاك أُمُور النَّاس غَادٍ وَطَارِقه وَأَمَّا فِيمَا هُوَ صِفَة , نَحْو قَوْل امْرِئِ الْقَيْس : فَمِثْلك حُبْلَى قَدْ طَرَقْت وَمُرْضِع فَأَلْهَيْتهَا عَنْ ذِي ثَمَائِم مُحْوِل وَرُبَّمَا أَثْبَتُوا الْهَاء فِي الْحَالَتَيْنِ وَرُبَّمَا أَسْقَطُوهُمَا فِيهِمَا ; غَيْر أَنَّ الْفَصِيح مِنْ كَلَامهمْ مَا وَصَفْت . فَتَأْوِيل الْكَلَام إِذَنْ : يَوْم تَرَوْنَ أَيّهَا النَّاس زَلْزَلَة السَّاعَة , تَنْسَى وَتَتْرُك كُلّ وَالِدَة مَوْلُود تُرْضِع وَلَدهَا عَمَّا أَرْضَعَتْ . كَمَا : 18837 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { يَوْم تَرَوْنَهَا تَذْهَل كُلّ مُرْضِعَة عَمَّا أَرْضَعَتْ } قَالَ : تَتْرُك وَلَدهَا لِلْكَرْبِ الَّذِي نَزَلَ بِهَا . 18838 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ أَبِي بَكْر , عَنِ الْحَسَن : { تَذْهَل كُلّ مُرْضِعَة عَمَّا أَرْضَعَتْ } قَالَ : ذَهِلَتْ عَنْ أَوْلَادهَا بِغَيْرِ فِطَام . { وَتَضَع كُلّ ذَات حَمْل حَمْلهَا } قَالَ : أَلْقَتِ الْحَوَامِل مَا فِي بُطُونهَا لِغَيْرِ تَمَام . { وَتَضَع كُلّ ذَات حَمْل حَمْلهَا } يَقُول : وَتُسْقِط كُلّ حَامِل مِنْ شِدَّة كَرْب ذَلِكَ حَمْلهَا .


وَقَوْله : { وَتَرَى النَّاس سُكَارَى } قَرَأَتْ قُرَّاء الْأَمْصَار { وَتَرَى النَّاس سُكَارَى } عَلَى وَجْه الْخِطَاب لِلْوَاحِدِ , كَأَنَّهُ قَالَ : وَتَرَى يَا مُحَمَّد النَّاس سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي زُرْعَة بْن عَمْرو بْن جَرِير : " وَتُرَى النَّاس " بِضَمِّ التَّاء وَنَصْب " النَّاس " , مِنْ قَوْل الْقَائِل : أُرِيت تُرَى , الَّتِي تَطْلُب الِاسْم وَالْفِعْل , كَظَنَّ وَأَخَوَاتهَا . وَالصَّوَاب مِنَ الْقِرَاءَة فِي ذَلِكَ عِنْدنَا مَا عَلَيْهِ قُرَّاء الْأَمْصَار , لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنَ الْقُرَّاء وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { سُكَارَى } فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة وَبَعْض أَهْل الْكُوفَة : { سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى } . وَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْكُوفَة : " وَتَرَى النَّاس سَكْرَى وَمَا هُمْ بِسَكْرَى " . وَالصَّوَاب مِنَ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدنَا , أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قِرَاءَة الْأَمْصَار , مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب الصَّوَاب . وَمَعْنَى الْكَلَام : وَتَرَى النَّاس يَا مُحَمَّد مِنْ عَظِيم مَا نَزَلَ بِهِمْ مِنَ الْكَرْب وَشِدَّته سُكَارَى مِنَ الْفَزَع وَمَا هُمْ بِسُكَارَى مِنْ شُرْب الْخَمْر . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18839 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ أَبِي بَكْر , عَنِ الْحَسَن : { وَتَرَى النَّاس سُكَارَى } مِنَ الْخَوْف , { وَمَا هُمْ بِسُكَارَى } مِنَ الشَّرَاب . 18840 - قَالَ ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , قَوْله : { وَمَا هُمْ بِسُكَارَى } قَالَ : مَا هُمْ بِسُكَارَى مِنَ الشَّرَاب ; { وَلَكِنَّ عَذَاب اللَّه شَدِيد } . 18841 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَتَرَى النَّاس سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى } قَالَ : مَا شَرِبُوا خَمْرًا .


يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَكِنَّهُمْ صَارُوا سُكَارَى مِنْ خَوْف عَذَاب اللَّه عِنْد مُعَايَنَتهمْ مَا عَايَنُوا مِنْ كَرْب ذَلِكَ وَعَظِيم هَوْله , مَعَ عِلْمهمْ بِشِدَّةِ عَذَاب اللَّه .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • شرح حديث سيد الاستغفار

    شرح حديث سيد الاستغفار: إن موضوع الاستغفار - طلب مغفرة الذنوب - من أهم الموضوعات التي ينبغي أن يعتنِيَ بها المسلم في حياته، وأن يُوليها اهتمامَه الكبير وعنايتَه الفائقة، وقد جاء في كتاب الله - جل وعلا - وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - نصوصٌ كثيرةٌ في الحثِّ على الاستغفار والأمر به، وبيان فضله وفضل أهلهالمُلازِمين له. وقد جاءت هذه الرسالة جامعةٌ لهذه الأدلة العظيمة، مُبيِّنة لما تحويه من معانٍ جليلة.

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/344684

    التحميل:

  • مفتاح الأفكار للتأهب لدار القرار

    مفتاح الأفكار للتأهب لدار القرار: قال المؤلف - رحمه الله -: « فإني لما نظرت في غفلتي عن اكتساب الزاد المبلغ ليوم المعاد ورأيت أوقاتي قد ضاعت فيما لا ينفعني في معادي ورأيت استعصاء نفسي عما يؤنسني في رمسي لا سيما والشيطان والدنيا والهوى معها ظهير. فعزمت - إن شاء الله تعالى - على أن أجمع في هذا الكتاب ما تيسر من المواعظ والنصائح والخطب والحكم والأحكام والفوائد والقواعد والآداب وفضائل الأخلاق المستمدة من الكتاب والسنة ومن كلام العلماء الأوائل والأواخر المستمد منهما ما أرجو من الله العلي أن يستغني به الواعظ والخطيب والمرشد وغيرهم راجيا من الله - الحي القيوم ذي الجلال والإكرام الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد القوي العزيز الرءوف الرحيم اللطيف الخبير - أن ينفع به وأن يأجر من يطبعه وقفا لله تعالى أو يعين على طباعته أو يتسبب لها وسميته « مفتاح الأفكار للتأهب لدار القرار ».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2684

    التحميل:

  • ثلاثون وصية نبوية للعروسين ليلة الزفاف

    ثلاثون وصية نبوية للعروسين ليلة الزفاف : جمع هذا الكتاب (32) وصية من وصايا النبي - صلى الله عليه وسلم - المتعلقة بآداب الزفاف والوليمة والجماع، مع الإشارة إجمالاً إلى مراعاة الحقوق وحسن العشرة الزوجية، كما تضمنت الوصايا ذكر بعض أحكام الزينة والطهارة المرتبطة بالموضوعات المذكورة.

    الناشر: موقع معرفة الله http://knowingallah.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/55378

    التحميل:

  • الغناء والمعازف في ضوء الكتاب والسنة وآثار الصحابة رضي الله عنهم

    الغناء والمعازف في ضوء الكتاب والسنة وآثار الصحابة رضي الله عنهم: كتب الشيخ - حفظه الله - هذه الرسالة ردَّاً على من أجاز الغناء وأباحه، وقد بيّن فيها بالأدلّة من الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة، وأعلام التابعين، والأئمة الأربعة، وغيرهم من أهل العلم المحققين تحريم الأغاني والمعازف، كما بيّن ما يجوز من الغناء المباح، وقد قسم هذه الرسالة إلى المباحث الآتية: المبحث الأول: مفهوم الغناء والمعازف. المبحث الثاني: تحريم القول على اللَّه بغير علم. المبحث الثالث: تحريم الغناء بالكتاب والسنة، وأقوال الصحابة. المبحث الرابع: الوعيد الشديد لأهل الغناء والمعازف. المبحث الخامس: أسماء الغناء والمعازف وآلات اللهو. المبحث السادس: مسائل مهمة في الغناء والمعازف والمزامير. المبحث السابع: أضرار الغناء ومفاسده. المبحث الثامن: ما يباح من الغناء. المبحث التاسع: الردُّ على من ضعّف أحاديث الغناء. المبحث العاشر: الفتاوى المحققة في الأغاني والمعازف، وآلات اللهو.

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/320108

    التحميل:

  • طهور المسلم في ضوء الكتاب والسنة

    طهور المسلم في ضوء الكتاب والسنة: رسالة مختصرة في مفهوم، وفضائل، وآداب، وأحكام الطهارة التي هي شطر الإيمان، ومفتاح الصلاة، بيّن فيها المصنف - حفظه الله - كل ما يحتاجه المسلم في طهارته ونظافته ونزاهته.

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1926

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة