Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الأنبياء - الآية 98

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98) (الأنبياء) mp3
فِيهِ أَرْبَع مَسَائِل : الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ " قَالَ اِبْن عَبَّاس : آيَة لَا يَسْأَلنِي النَّاس عَنْهَا ! لَا أَدْرِي أَعَرَفُوهَا فَلَمْ يَسْأَلُوا عَنْهَا , أَوْ جَهِلُوهَا فَلَا يَسْأَلُونَ عَنْهَا ; فَقِيلَ : وَمَا هِيَ ؟ قَالَ : " إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُون اللَّه حَصَب جَهَنَّم أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ " لَمَّا أُنْزِلَتْ شَقَّ عَلَى كُفَّار قُرَيْش , وَقَالُوا : شَتَمَ آلِهَتنَا , وَأَتَوْا اِبْن الزِّبَعْرَى وَأَخْبَرُوهُ , فَقَالَ : لَوْ حَضَرْته لَرَدَدْت عَلَيْهِ . قَالُوا : وَمَا كُنْت تَقُول ؟ قَالَ : كُنْت أَقُول لَهُ : هَذَا الْمَسِيح تَعْبُدهُ النَّصَارَى و الْيَهُود تَعْبُد عُزَيْرًا أَفَهُمَا مِنْ حَصَب جَهَنَّم ؟ فَعَجِبَت قُرَيْش مِنْ مَقَالَته , وَرَأَوْا أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ خُصِمَ ; فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : " إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ " [ الْأَنْبِيَاء : 101 ] وَفِيهِ نَزَلَ " وَلَمَّا ضُرِبَ اِبْن مَرْيَم مَثَلًا " [ الزُّخْرُف : 57 ] يَعْنِي اِبْن الزِّبَعْرَى " إِذَا قَوْمك مِنْهُ يَصِدُّونَ " [ الزُّخْرُف : 57 ] بِكَسْرِ الصَّاد ; أَيْ يَضِجُّونَ ; وَسَيَأْتِي .

الثَّانِيَة : هَذِهِ الْآيَة أَصْل الْقَوْل بِالْعُمُومِ وَأَنَّ لَهُ صِيَغًا مَخْصُوصَة , خِلَافًا لِمَنْ قَالَ : لَيْسَتْ لَهُ صِيغَة مَوْضُوعَة لِلدَّلَالَةِ عَلَيْهِ , وَهُوَ بَاطِل بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَة وَغَيْرهَا ; فَهَذَا عَبْد اللَّه بْن الزِّبَعْرَى قَدْ فَهِمَ " مَا " فِي جَاهِلِيَّته جَمِيع مَنْ عُبِدَ , وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ قُرَيْش وَهُمْ الْعَرَب الْفُصَحَاء , وَاللُّسْن الْبُلَغَاء , وَلَوْ لَمْ تَكُنْ لِلْعُمُومِ لَمَا صَحَّ أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْهَا , وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ فَهِيَ لِلْعُمُومِ وَهَذَا وَاضِح .

الثَّالِثَة : قِرَاءَة الْعَامَّة بِالصَّادِ الْمُهْمَلَة أَيْ إِنَّكُمْ يَا مَعْشَر الْكُفَّار وَالْأَوْثَان الَّتِي تَعْبُدُونَهَا مِنْ دُون اللَّه وَقُود جَهَنَّم ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس . وَقَالَ مُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَقَتَادَة : حَطَبهَا . وَقَرَأَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَعَائِشَة رِضْوَان اللَّه عَلَيْهِمَا " حَطَب جَهَنَّم " بِالطَّاءِ . وَقَرَأَ اِبْن عَبَّاس " حَضَب " بِالضَّادِ الْمُعْجَمَة ; قَالَ الْفَرَّاء : يُرِيد الْحَصَب . قَالَ : وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ الْحَضَب فِي لُغَة أَهْل الْيَمَن الْحَطَب , وَكُلّ مَا هَيَّجْت بِهِ النَّار وَأَوْقَدْتهَا بِهِ فَهُوَ حَضَب ; ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيّ . وَالْمَوْقِد مِحْضَب . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي قَوْله تَعَالَى : " حَصَب جَهَنَّم " كُلّ مَا أَلْقَيْته فِي النَّار فَقَدْ حَصَبْتَهَا بِهِ . وَيَظْهَر مِنْ هَذِهِ الْآيَة أَنَّ النَّاس مِنْ الْكُفَّار وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ الْأَصْنَام حَطَب لِجَهَنَّمَ . وَنَظِير هَذِهِ الْآيَة قَوْله تَعَالَى : " فَاتَّقُوا النَّار الَّتِي وَقُودهَا النَّاس وَالْحِجَارَة " [ الْبَقَرَة : 24 ] . وَقِيلَ : إِنَّ الْمُرَاد بِالْحِجَارَةِ حِجَارَة الْكِبْرِيت ; عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " وَأَنَّ النَّار لَا تَكُون عَلَى الْأَصْنَام عَذَابًا وَلَا عُقُوبَة ; لِأَنَّهَا لَمْ تُذْنِب , وَلَكِنْ تَكُون عَذَابًا عَلَى مَنْ عَبَدَهَا : أَوَّل شَيْء بِالْحَسْرَةِ , ثُمَّ تُجْمَع عَلَى النَّار فَتَكُون نَارهَا أَشَدّ مِنْ كُلّ نَار , ثُمَّ يُعَذَّبُونَ بِهَا . وَقِيلَ : تُحْمَى فَتُلْصَق بِهِمْ زِيَادَة فِي تَعْذِيبهمْ وَقِيلَ : إِنَّمَا جُعِلَتْ فِي النَّار تَبْكِيتًا لِعِبَادَتِهِمْ .

الرَّابِعَة : قَوْله تَعَالَى : " أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ " أَيْ فِيهَا دَاخِلُونَ . وَالْخِطَاب لِلْمُشْرِكِينَ عَبَدَة الْأَصْنَام ; أَيْ أَنْتُمْ وَارِدُوهَا مَعَ الْأَصْنَام . وَيَجُوز أَنْ يُقَال : الْخِطَاب لِلْأَصْنَامِ وَعَبَدَتهَا ; لِأَنَّ الْأَصْنَام وَإِنْ كَانَتْ جَمَادَات فَقَدْ يُخْبَر عَنْهَا بِكِنَايَاتِ الْآدَمِيِّينَ . وَقَالَ الْعُلَمَاء : لَا يَدْخُل فِي هَذَا عِيسَى وَلَا عُزَيْر وَلَا الْمَلَائِكَة صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّ " مَا " لِغَيْرِ الْآدَمِيِّينَ . فَلَوْ أَرَادَ ذَلِكَ لَقَالَ : " وَمَنْ " . قَالَ الزَّجَّاج : وَلِأَنَّ الْمُخَاطَبِينَ بِهَذِهِ الْآيَة مُشْرِكُو مَكَّة دُون غَيْرهمْ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • إيمان المشركين وتصديقهم بالله في ضوء قوله تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون}

    إيمان المشركين وتصديقهم بالله: قال المؤلف: «فهذا بحثٌ مختصرٌ في دراسة معنى قول الله تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} [يوسف: 106] أحببتُ المشاركة في جمع ما ذكره أهل العلم حول هذه الآية لمسيس الحاجة إلى بيان ما فيها من تقرير التوحيد وأنواعه، والرد على المشركين، والرد على من يجعل الغاية في التوحيد هو الإقرار بالربوبية».

    الناشر: الجمعية العلمية السعودية لعلوم العقيدة والأديان والفرق والمذاهب www.aqeeda.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/331932

    التحميل:

  • آداب التثاؤب والعطاس

    آداب التثاؤب والعطاس : فالإِسلام رسم للمسلم طريقًا يسير عليه في جميع شئون الحياة، عظيمها وصغيرها، جليلها ودقيقها؛ ومن ذلك: أرشد العاطس والمتثائب إلى آداب يفعلها مصلحة له ولغيره، وحذره مما فيه مضرة عليه أو على غيره. وفي هذه الرسالة بيان بعض هذه الآداب؛ لجهل كثير من المسلمين بأكثرها فكم مرة سمع إذا عطس الرجل وحمد الله وقيل له: يرحمك الله لم يعلم ما يقول فيرد بقوله: شكرًا! بل البعض يجهل ما يقول عند العطاس، وكيف يشمت العاطس. وأما التثاؤب فقلَّ من الناس من يكون فيه على نهج النبي - صلى الله عليه وسلم - فكم من متثائب بقي فمه مفتوحًا بل البعض يخرج صوتًا مع تثاؤبه، وفي هذا تفويت الأجر العظيم من الله تعالى على المسلم؛ لترك سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

    الناشر: دار الصميعي للنشر والتوزيع - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/275305

    التحميل:

  • لماذا تزوج النبي محمد عائشة وهي طفلة؟

    يندهش أغلب الغربيين من زواج نبي الإسلام من عائشة ذات التسع سنوات بينما تجاوز هو سن الخمسين. ويصف كثير من الغربيين هذا الزواج بالاغتصاب وكثير من الاستنكار؛ بل يتعمد كثير منهم تصوير نبي الإسلام بصورة الرجل المكبوت جنسيًّا والمعتدي على الصغيرات ويعتبرون أن هذه هي الصورة الحقيقة للإسلام والمسلمين. وقد تجاهل هؤلاء رواج مثل ذلك الزواج وكونه أمرًا طبيعيّا في تلك الحقبة الزمنية و لا يستوجب النقد. والظاهر أن هؤلاء النقاد لم يهتموا بنقد ظاهرة الزواج المبكر لفتيات في التاسعة برجال تجاوزوا الخمسين بقدر اهتمامهم وحرصهم على نقد نبي الإسلام والتحريض ضده وتشويه صورته، مما يقلل من مصداقيتهم ويكشف الغطاء عن تظاهرهم بالإنسانية والدفاع عن “حقوق المرأة“. ولو كان قصد هؤلاء النقاد استنكار مثل هذا الزواج لتحدثوا عنه كظاهرة عامة حدثت قبل ظهور الإسلام واستمرت بعده ولما ركزوا على فرد واحد وصوروه كأنه هو مخترع هذا الزواج وأول من قام به أو الوحيد الذي قام به. فمحمد - صلى الله عليه وسلم - ولد في مجتمع تعود على مثل هذا الزواج وتزوج كما تزوج غيره من أبناء مجتمعه؛ بل إن غير المؤمنين برسالته والذين طالما حاربوه وحاولوا قتله لم يستعملوا زواجه بعائشة من أجل تشويه صورته والتحريض ضده؛ لأن ذلك كان أمرًا عاديًّا في ذلك الزمن، ولأنهم هم أنفسهم كانوا يتزوجون بفتيات في سن مبكرة. وفي هذا الكتيب ردٌّ على الشبهات المُثارة حول هذا الموضوع.

    الناشر: موقع رسول الله http://www.rasoulallah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/323898

    التحميل:

  • أحكام المسلم الجديد

    هذا الكتاب في بيان أحكام المسلم الجديد، وقد ألفه المؤلف على طريقة السؤال والجواب، وجمع 133 سؤالا ً في ذلك، منوعة لكثير من المسائل والأحكام، ومجيبا ً عليها بالتفصيل والإلمام.

    الناشر: موقع صيد الفوائد www.saaid.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/291717

    التحميل:

  • الوسطية في ضوء القرآن الكريم

    الوسطية في ضوء القرآن الكريم: قال الشيخ - حفظه الله - في مقدمة الكاب: «وجدتُ أنّ القرآن الكريم، قد رسم لنا منهج الوسطية في شتَّى جوانبه، أصولاً وفروعًا، عقيدةً وعبادةً، خُلقًا وسلوكًا، تصوُّرًا وعملاً، ولقد جاء هذا المنهج من خلال القرآن الكريم في أساليب عدَّة، تصريحًا وإيماءً، مفصَّلا ومجملا، خبرًا وإنشاءً، أمرًا ونهيًا. واقتناعًا منِّي بأهميَّة هذا الموضوع، ومسيس الحاجة إليه، فقد عزمتُ على الكتابة فيه، وهذا يقتضي أن أعيش مع كتاب الله متأمِّلا لآياته، متفكِّرًا في دلالاته، مستوعبًا لما كتبه المفسِّرون حول تقرير القرآن لمنهج الوسطيَّة».

    الناشر: موقع المسلم http://www.almoslim.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/337299

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة