Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الأنبياء - الآية 87

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) (الأنبياء) mp3
أَيْ وَاذْكُرْ " ذَا النُّون " وَهُوَ لَقَب لِيُونُسَ بْن مَتَّى لِابْتِلَاعِ النُّون إِيَّاهُ . وَالنُّون الْحُوت . وَفِي حَدِيث عُثْمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ رَأَى صَبِيًّا مَلِيحًا فَقَالَ : دَسِّمُوا نُونَته كَيْ لَا تُصِيبهُ الْعَيْن . رَوَى ثَعْلَب عَنْ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : النُّونَة النُّقْبَة الَّتِي تَكُون فِي ذَقْن الصَّبِيّ الصَّغِير , وَمَعْنَى دَسِّمُوا سَوِّدُوا .



قَالَ الْحَسَن وَالشَّعْبِيّ وَسَعِيد بْن جُبَيْر : مُغَاضِبًا لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ . وَاخْتَارَهُ الطَّبَرِيّ وَالْقُتَبِيّ وَاسْتَحْسَنَهُ الْمَهْدَوِيّ , وَرُوِيَ عَنْ اِبْن مَسْعُود . وَقَالَ النَّحَّاس : وَرُبَّمَا أَنْكَرَ هَذَا مَنْ لَا يَعْرِف اللُّغَة وَهُوَ قَوْل صَحِيح . وَالْمَعْنَى : مُغَاضِبًا مِنْ أَجْل رَبّه , كَمَا تَقُول : غَضِبْت لَك أَيْ مِنْ أَجْلك . وَالْمُؤْمِن يَغْضَب لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا عُصِيَ . وَأَكْثَر أَهْل اللُّغَة يَذْهَب إِلَى أَنَّ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَةَ : ( اِشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاء ) مِنْ هَذَا . وَبَالَغَ الْقُتَبِيّ فِي نُصْرَة هَذَا الْقَوْل . وَفِي الْخَبَر فِي وَصْف يُونُس : إِنَّهُ كَانَ ضَيِّق الصَّدْر فَلَمَّا حَمَلَ أَعْبَاء النُّبُوَّة تَفَسَّخَ تَحْتهَا تَفَسُّخ الرُّبُع تَحْت الْحِمْل الثَّقِيل , فَمَضَى عَلَى وَجْهه مُضِيّ الْآبِق النَّادّ . وَهَذِهِ الْمُغَاضَبَة كَانَتْ صَغِيرَة . وَلَمْ يَغْضَب عَلَى اللَّه وَلَكِنْ غَضِبَ لِلَّهِ إِذْ رَفَعَ الْعَذَاب عَنْهُمْ . وَقَالَ اِبْن مَسْعُود : أَبَقَ مِنْ رَبّه أَيْ مِنْ أَمْر رَبّه حَتَّى أَمَرَهُ بِالْعَوْدِ إِلَيْهِمْ بَعْد رَفْع الْعَذَاب عَنْهُمْ . فَإِنَّهُ كَانَ يَتَوَعَّد قَوْمه بِنُزُولِ الْعَذَاب فِي وَقْت مَعْلُوم , وَخَرَجَ مِنْ عِنْدهمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْت , فَأَظَلَّهُمْ الْعَذَاب فَتَضَرَّعُوا فَرُفِعَ عَنْهُمْ وَلَمْ يَعْلَم يُونُس بِتَوْبَتِهِمْ ; فَلِذَلِكَ ذَهَبَ مُغَاضِبًا وَكَانَ مِنْ حَقّه أَلَّا يَذْهَب إِلَّا بِإِذْنٍ مُحَدَّد . وَقَالَ الْحَسَن : أَمَرَهُ اللَّه تَعَالَى بِالْمَسِيرِ إِلَى قَوْمه فَسَأَلَ أَنْ يُنْظَر لِيَتَأَهَّبَ , فَأَعْجَلَهُ اللَّه حَتَّى سَأَلَ أَنْ يَأْخُذ نَعْلًا لِيَلْبَسهَا فَلَمْ يُنْظَر , وَقِيلَ لَهُ : الْأَمْر أَعْجَل مِنْ ذَلِكَ - وَكَانَ فِي خُلُقه ضِيق - فَخَرَجَ مُغَاضِبًا لِرَبِّهِ , فَهَذَا قَوْل وَقَوْل النَّحَّاس أَحْسَن مَا قِيلَ فِي تَأْوِيله . أَيْ خَرَجَ مُغَاضِبًا مِنْ أَجْل رَبّه , أَيْ غَضِبَ عَلَى قَوْمه مِنْ أَجْل كُفْرهمْ بِرَبِّهِ . وَقِيلَ : إِنَّهُ غَاضَبَ قَوْمه حِين طَالَ عَلَيْهِ أَمْرهمْ وَتَعَنُّتهمْ فَذَهَبَ فَارًّا بِنَفْسِهِ , وَلَمْ يَصْبِر عَلَى أَذَاهُمْ وَقَدْ كَانَ اللَّه أَمَرَهُ بِمُلَازَمَتِهِمْ وَالدُّعَاء , فَكَانَ ذَنْبه خُرُوجه مِنْ بَيْنهمْ مِنْ غَيْر إِذْن مِنْ اللَّه . رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَالضَّحَّاك , وَأَنَّ يُونُس كَانَ شَابًّا وَلَمْ يَحْمِل أَثْقَال النُّبُوَّة ; وَلِهَذَا قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوت " [ الْقَلَم : 48 ] . وَعَنْ الضَّحَّاك أَيْضًا خَرَجَ مُغَاضِبًا لِقَوْمِهِ ; لِأَنَّ قَوْمه لَمَّا لَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ وَهُوَ رَسُول مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ كَفَرُوا بِهَذَا فَوَجَبَ أَنْ يُغَاضِبَهُمْ , وَعَلَى كُلّ أَحَد أَنْ يُغَاضِب مَنْ عَصَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . وَقَالَتْ فِرْقَة مِنْهُمْ الْأَخْفَش : إِنَّمَا خَرَجَ مُغَاضِبًا لِلْمَلِكِ الَّذِي كَانَ عَلَى قَوْمه . قَالَ اِبْن عَبَّاس : أَرَادَ شعيا النَّبِيّ وَالْمَلِك الَّذِي كَانَ فِي وَقْته اِسْمه حزقيا أَنْ يَبْعَثُوا يُونُس إِلَى مَلِك نِينَوَى , وَكَانَ غَزَا بَنِي إِسْرَائِيل وَسَبَى الْكَثِير مِنْهُمْ لِيُكَلِّمهُ حَتَّى يُرْسِل مَعَهُ بَنِي إِسْرَائِيل , وَكَانَ الْأَنْبِيَاء فِي ذَلِكَ الزَّمَان يُوحَى إِلَيْهِمْ , وَالْأَمْر وَالسِّيَاسَة إِلَى مَلِك قَدْ اِخْتَارُوهُ , فَيَعْمَل عَلَى وَحْي ذَلِكَ النَّبِيّ , وَكَانَ أَوْحَى اللَّه لشعيا : أَنْ قُلْ لحزقيا الْمَلِك أَنْ يَخْتَار نَبِيًّا قَوِيًّا أَمِينًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل فَيَبْعَثهُ إِلَى أَهْل نِينَوَى فَيَأْمُرهُمْ بِالتَّخْلِيَةِ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيل فَإِنِّي مُلْقٍ فِي قُلُوب مُلُوكهمْ وَجَبَابِرَتهمْ التَّخْلِيَة عَنْهُمْ . فَقَالَ يُونُس لشعيا : هَلْ أَمَرَك اللَّه بِإِخْرَاجِي ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : فَهَلْ سَمَّانِي لَك ؟ قَالَ : لَا . قَالَ فَهَاهُنَا أَنْبِيَاء أُمَنَاء أَقْوِيَاء . فَأَلَحُّوا عَلَيْهِ فَخَرَجَ مُغَاضِبًا لِلنَّبِيِّ الْمَلِك وَقَوْمه , فَأَتَى بَحْر الرُّوم وَكَانَ مِنْ قِصَّته مَا كَانَ ; فَابْتُلِيَ بِبَطْنِ الْحُوت لِتَرْكِهِ أَمْر شعيا ; وَلِهَذَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : " فَالْتَقَمَهُ الْحُوت وَهُوَ مُلِيم " [ الصَّافَّات : 142 ] وَالْمُلِيم مِنْ فِعْل مَا يُلَام عَلَيْهِ . وَكَانَ مَا فَعَلَهُ إِمَّا صَغِيرَة أَوْ تَرْك الْأَوْلَى . وَقِيلَ : خَرَجَ وَلَمْ يَكُنْ نَبِيًّا فِي ذَلِكَ الْوَقْت وَلَكِنْ أَمَرَهُ مَلِك مِنْ مُلُوك بَنِي إِسْرَائِيل أَنْ يَأْتِي نِينَوَى ; لِيَدْعُوَ أَهْلهَا بِأَمْرِ شعيا فَأَنِفَ أَنْ يَكُون ذَهَابه إِلَيْهِمْ بِأَمْرِ أَحَد غَيْر اللَّه , فَخَرَجَ مُغَاضِبًا لِلْمَلِكِ ; فَلَمَّا نَجَا مِنْ بَطْن الْحُوت بَعَثَهُ اللَّه إِلَى قَوْمه فَدَعَاهُمْ وَآمَنُوا بِهِ . وَقَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَالْأَظْهَر أَنَّ هَذِهِ الْمُغَاضَبَة كَانَتْ بَعْد إِرْسَال اللَّه تَعَالَى إِيَّاهُ , وَبَعْد رَفْع الْعَذَاب عَنْ الْقَوْم بَعْدَمَا أَظَلَّهُمْ ; فَإِنَّهُ كَرِهَ رَفْع الْعَذَاب عَنْهُمْ . قُلْت : هَذَا أَحْسَن مَا قِيلَ فِيهِ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي " وَالصَّافَّات " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَقِيلَ : إِنَّهُ كَانَ مِنْ أَخْلَاق قَوْمه قَتْل مَنْ جَرَّبُوا عَلَيْهِ الْكَذِب فَخَشِيَ أَنْ يُقْتَل فَغَضِبَ , وَخَرَجَ فَارًّا عَلَى وَجْهه حَتَّى رَكِبَ فِي سَفِينَة فَسَكَنَتْ وَلَمْ تَجْرِ . فَقَالَ أَهْلهَا : أَفِيكُمْ آبِق ؟ فَقَالَ : أَنَا هُوَ . وَكَانَ مِنْ قِصَّته مَا كَانَ , وَابْتُلِيَ بِبَطْنِ الْحُوت تَمْحِيصًا مِنْ الصَّغِيرَة كَمَا قَالَ فِي أَهْل أُحُد : " حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ " [ آل عِمْرَان : 152 ] إِلَى قَوْله : " وَلِيُمَحِّصَ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا " [ آل عِمْرَان : 141 ] فَمَعَاصِي الْأَنْبِيَاء مَغْفُورَة , وَلَكِنْ قَدْ يَجْرِي تَمْحِيص وَيَتَضَمَّن ذَلِكَ زَجْرًا عَنْ الْمُعَاوَدَة . وَقَوْل رَابِع : إِنَّهُ لَمْ يُغَاضِب رَبّه , وَلَا قَوْمه , وَلَا الْمَلِك , وَأَنَّهُ مِنْ قَوْلهمْ غَضِبَ إِذَا أَنِفَ . وَفَاعِل قَدْ يَكُون مِنْ وَاحِد ; فَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَمَّا وَعَدَ قَوْمه بِالْعَذَابِ وَخَرَجَ عَنْهُمْ تَابُوا وَكُشِفَ عَنْهُمْ الْعَذَاب , فَلَمَّا رَجَعَ وَعَلِمَ أَنَّهُمْ لَمْ يَهْلِكُوا أَنِفَ مِنْ ذَلِكَ فَخَرَجَ آبِقًا . وَيُنْشَد هَذَا الْبَيْت : وَأَغْضَب أَنْ تُهْجَى تَمِيم بِدَارِمٍ أَيْ أَنِفَ . وَهَذَا فِيهِ نَظَر ; فَإِنَّهُ يُقَال لِصَاحِبِ هَذَا الْقَوْل : إِنَّ تِلْكَ الْمُغَاضَبَة وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْأَنَفَة , فَالْأَنَفَة لَا بُدّ أَنْ يُخَالِطهَا الْغَضَب وَذَلِكَ الْغَضَب وَإِنْ دَقَّ عَلَى مَنْ كَانَ ؟ ! وَأَنْتَ تَقُول لَمْ يَغْضَب عَلَى رَبّه وَلَا عَلَى قَوْمه ! .



قِيلَ : مَعْنَاهُ اسْتَنْزَلَهُ إِبْلِيس وَوَقَعَ فِي ظَنّه إِمْكَان أَلَّا يَقْدِر اللَّه عَلَيْهِ بِمُعَاقَبَتِهِ . وَهَذَا قَوْل مَرْدُود مَرْغُوب عَنْهُ ; لِأَنَّهُ كُفْر . رُوِيَ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر حَكَاهُ عَنْهُ الْمَهْدَوِيّ , وَالثَّعْلَبِيّ عَنْ الْحَسَن . وَذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيّ وَقَالَ عَطَاء وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَكَثِير مِنْ الْعُلَمَاء مَعْنَاهُ : فَظَنَّ أَنْ لَنْ نُضَيِّق عَلَيْهِ . قَالَ الْحَسَن : هُوَ مِنْ قَوْله تَعَالَى : " اللَّه يَبْسُط الرِّزْق لِمَنْ يَشَاء وَيَقْدِر " [ الرَّعْد : 26 ] أَيْ يُضَيِّق . وَقَوْله " وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقه " [ الطَّلَاق : 7 ] . قُلْت : وَهَذَا الْأَشْبَه بِقَوْلِ سَعِيد وَالْحَسَن . وَقَدَرَ وَقُدِرَ وَقَتَرَ وَقُتِرَ بِمَعْنًى , أَيْ ضُيِّقَ وَهُوَ قَوْل اِبْن عَبَّاس فِيمَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ وَالْمَهْدَوِيّ . وَقِيلَ : هُوَ مِنْ الْقَدْر الَّذِي هُوَ الْقَضَاء وَالْحُكْم ; أَيْ فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْضِي عَلَيْهِ بِالْعُقُوبَةِ ; قَالَهُ قَتَادَة وَمُجَاهِد وَالْفَرَّاء . مَأْخُوذ مِنْ الْقَدْر وَهُوَ الْحُكْم دُون الْقُدْرَة وَالِاسْتِطَاعَة . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الْعَبَّاس أَحْمَد بْن يَحْيَى ثَعْلَب , أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِر عَلَيْهِ " هُوَ مِنْ التَّقْدِير لَيْسَ مِنْ الْقُدْرَة , يُقَال مِنْهُ : قَدَرَ اللَّه لَك الْخَيْر يَقْدِرهُ قَدْرًا , بِمَعْنَى قَدَرَ اللَّه لَك الْخَيْر . وَأَنْشَدَ ثَعْلَب : فَلَيْسَتْ عَشِيَّات اللَّوَى بِرَوَاجِعَ لَنَا أَبَدًا مَا أَوْرَقَ السِّلْم النَّضْر وَلَا عَائِد ذَاكَ الزَّمَان الَّذِي مَضَى تَبَارَكَتْ مَا تَقْدِر يَقَع وَلَك الشُّكْر يَعْنِي مَا تَقْدِرهُ وَتَقْضِي بِهِ يَقَع . وَعَلَى هَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ الْعُلَمَاء . وَقَرَأَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز وَالزُّهْرِيّ : " فَظَنَّ أَنْ لَنْ نُقَدِّر عَلَيْهِ " بِضَمِّ النُّون وَتَشْدِيد الدَّال مِنْ التَّقْدِير . وَحَكَى هَذِهِ الْقِرَاءَة الْمَاوَرْدِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَقَرَأَ عُبَيْد بْن عُمَيْر وَقَتَادَة وَالْأَعْرَج : " أَنْ لَنْ يُقَدَّر عَلَيْهِ " بِضَمِّ الْيَاء مُشَدَّدًا عَلَى , الْفِعْل الْمَجْهُول . وَقَرَأَ يَعْقُوب وَعَبْد اللَّه بْن أَبِي إِسْحَاق وَالْحَسَن وَابْن عَبَّاس أَيْضًا " يُقْدَر عَلَيْهِ " بِيَاءٍ مَضْمُومَة وَفَتْح الدَّال مُخَفَّفًا عَلَى الْفِعْل الْمَجْهُول . وَعَنْ الْحَسَن أَيْضًا " فَظَنَّ أَنْ لَنْ يَقْدِر عَلَيْهِ " . الْبَاقُونَ " نَقْدِر " بِفَتْحِ النُّون وَكَسْر الدَّال وَكُلّه بِمَعْنَى التَّقْدِير . قُلْت : وَهَذَانِ التَّأْوِيلَانِ تَأَوَّلَهُمَا الْعُلَمَاء فِي قَوْل الرَّجُل الَّذِي لَمْ يَعْمَل خَيْرًا قَطُّ لِأَهْلِهِ إِذَا مَاتَ فَحَرَقُوهُ ( فَوَاَللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّه عَلَيَّ ) الْحَدِيث فَعَلَى التَّأْوِيل الْأَوَّل يَكُون تَقْدِيره : وَاَللَّه لَئِنْ ضَيَّقَ اللَّه عَلَيَّ وَبَالَغَ فِي مُحَاسَبَتِي وَجَزَائِي عَلَى ذُنُوبِي لَيَكُونَنَّ ذَلِكَ , ثُمَّ أَمَرَ أَنْ يُحْرَق بِإِفْرَاطِ خَوْفه . وَعَلَى التَّأْوِيل الثَّانِي : أَيْ لَئِنْ كَانَ سَبَقَ فِي قَدَر اللَّه وَقَضَائِهِ أَنْ يُعَذِّب كُلّ ذِي جُرْم عَلَى جُرْمه لَيُعَذِّبَنِّي اللَّه عَلَى إِجْرَامِي وَذُنُوبِي عَذَابًا لَا يُعَذِّبهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ غَيْرِي . وَحَدِيثه خَرَّجَهُ الْأَئِمَّة فِي الْمُوَطَّأ وَغَيْره . وَالرَّجُل كَانَ مُؤْمِنًا مُوَحِّدًا . وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْض طُرُقه ( لَمْ يَعْمَل خَيْرًا إِلَّا التَّوْحِيد ) وَقَدْ قَالَ حِين قَالَ اللَّه تَعَالَى : لِمَ فَعَلْت هَذَا ؟ قَالَ : مِنْ خَشْيَتك يَا رَبّ . وَالْخَشْيَة لَا تَكُون إِلَّا لِمُؤْمِنٍ مُصَدِّق ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " إِنَّمَا يَخْشَى اللَّه مِنْ عِبَاده الْعُلَمَاء " . [ فَاطِر : 28 ] . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى " فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِر عَلَيْهِ " الِاسْتِفْهَام وَتَقْدِيره : أَفَظَنَّ , فَحُذِفَ أَلِف الِاسْتِفْهَام إِيجَازًا ; وَهُوَ قَوْل سُلَيْمَان " أَبُو " الْمُعْتَمِر . وَحَكَى الْقَاضِي مُنْذِر بْن سَعِيد : أَنَّ بَعْضهمْ قَرَأَ " أَفَظَنَّ " بِالْأَلِفِ .



فِيهِ مَسْأَلَتَانِ : الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " فَنَادَى فِي الظُّلُمَات " اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي جَمْع الظُّلُمَات مَا الْمُرَاد بِهِ , فَقَالَتْ فِرْقَة مِنْهُمْ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة : ظُلْمَة اللَّيْل , وَظُلْمَة الْبَحْر , وَظُلْمَة الْحُوت . وَذَكَرَ اِبْن أَبِي الدُّنْيَا حَدَّثَنَا يُوسُف بْن مُوسَى حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيل عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ عَمْرو بْن مَيْمُون قَالَ حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود فِي بَيْت الْمَال قَالَ : لَمَّا اِبْتَلَعَ الْحُوت يُونُس عَلَيْهِ السَّلَام أَهْوَى بِهِ إِلَى قَرَار الْأَرْض , فَسَمِعَ يُونُس تَسْبِيح الْحَصَى فَنَادَى فِي الظُّلُمَات ظُلُمَات ثَلَاث : ظُلْمَة بَطْن الْحُوت , وَظُلْمَة اللَّيْل , وَظُلْمَة الْبَحْر " أَنْ لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانك إِنِّي كُنْت مِنْ الظَّالِمِينَ " " فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيم " [ الصَّافَّات : 145 ] كَهَيْئَةِ الْفَرْخ الْمَمْعُوط الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ رِيش . وَقَالَتْ فِرْقَة مِنْهُمْ سَالِم بْن أَبِي الْجَعْد : ظُلْمَة الْبَحْر , وَظُلْمَة حُوت اِلْتَقَمَ الْحُوت الْأَوَّل . وَيَصِحّ أَنْ يُعَبَّر بِالظُّلُمَاتِ عَنْ جَوْف الْحُوت الْأَوَّل فَقَطْ ; كَمَا قَالَ : " فِي غَيَابَة الْجُبّ " [ يُوسُف : 10 ] وَفِي كُلّ جِهَاته ظُلْمَة فَجَمْعهَا سَائِغ . وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيّ : أَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يُعَبَّر بِالظُّلُمَاتِ عَنْ ظُلْمَة الْخَطِيئَة , و ظُلْمَة الشِّدَّة , وَظُلْمَة الْوَحْدَة . وَرُوِيَ : أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَوْحَى إِلَى الْحُوت : " لَا تُؤْذِ مِنْهُ شَعْرَة فَإِنِّي جَعَلْت بَطْنك سِجْنه وَلَمْ أَجْعَلهُ طَعَامك " وَرُوِيَ : أَنَّ يُونُس عَلَيْهِ السَّلَام سَجَدَ فِي جَوْف الْحُوت حِين سَمِعَ تَسْبِيح الْحِيتَان فِي قَعْر الْبَحْر . وَذَكَرَ اِبْن أَبِي الدُّنْيَا حَدَّثَنَا الْعَبَّاس بْن يَزِيد الْعَبْدِيّ حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن إِدْرِيس حَدَّثَنَا جَعْفَر بْن سُلَيْمَان عَنْ عَوْف عَنْ سَعِيد بْن أَبِي الْحَسَن قَالَ : لَمَّا اِلْتَقَمَ الْحُوت يُونُس عَلَيْهِ السَّلَام ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ فَطَوَّلَ رِجْلَيْهِ فَإِذَا هُوَ لَمْ يَمُتْ فَقَامَ إِلَى عَادَته يُصَلِّي فَقَالَ فِي دُعَائِهِ : " وَاِتَّخَذْت لَك مَسْجِدًا حَيْثُ لَمْ يَتَّخِذهُ أَحَد " . وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي : قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُس بْن مَتَّى ) الْمَعْنَى فَإِنِّي لَمْ أَكُنْ وَأَنَا فِي سِدْرَة الْمُنْتَهَى بِأَقْرَبَ إِلَى اللَّه مِنْهُ , وَهُوَ فِي قَعْر الْبَحْر فِي بَطْن الْحُوت . وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْبَارِي سُبْحَانه وَتَعَالَى لَيْسَ فِي جِهَة . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي " الْبَقَرَة " وَ " الْأَعْرَافِ " . " أَنْ لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانك إِنِّي كُنْت مِنْ الظَّالِمِينَ " يُرِيد فِيمَا خَالَفَ فِيهِ مِنْ تَرْك مُدَاوَمَة قَوْمه وَالصَّبْر عَلَيْهِمْ وَقِيلَ : فِي الْخُرُوج مِنْ غَيْر أَنْ يُؤْذَن لَهُ . وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ اللَّه عُقُوبَة ; لِأَنَّ الْأَنْبِيَاء لَا يَجُوز أَنْ يُعَاقَبُوا , وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ تَمْحِيصًا . وَقَدْ يُؤَدَّب مَنْ لَا يَسْتَحِقّ الْعِقَاب كَالصِّبْيَانِ ; ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ . وَقِيلَ : مِنْ الظَّالِمِينَ فِي دُعَائِي عَلَى قَوْمِي بِالْعَذَابِ . وَقَدْ دَعَا نُوح عَلَى قَوْمه فَلَمْ يُؤَاخَذ . وَقَالَ الْوَاسِطِيّ فِي مَعْنَاهُ : نَزَّهَ رَبّه عَنْ الظُّلْم وَأَضَافَ الظُّلْم إِلَى نَفْسه اِعْتِرَافًا وَاسْتِحْقَاقًا . وَمِثْل هَذَا قَوْل آدَم وَحَوَّاء : " رَبّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسنَا " [ الْأَعْرَاف : 23 ] إِذْ كَانَا السَّبَب فِي وَضْعهمَا أَنْفُسهمَا فِي غَيْر الْمَوْضِع الَّذِي أُنْزِلَا فِيهِ .

الثَّانِيَة : رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( دُعَاء ذِي النُّون فِي بَطْن الْحُوت " لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانك إِنِّي كُنْت مِنْ الظَّالِمِينَ " لَمْ يَدْعُ بِهِ رَجُل مُسْلِم فِي شَيْء قَطُّ إِلَّا اُسْتُجِيبَ لَهُ ) وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ اِسْم اللَّه الْأَعْظَم . وَرَوَاهُ سَعْد عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَفِي الْخَبَر : فِي هَذِهِ الْآيَة شَرَطَ اللَّه لِمَنْ دَعَاهُ أَنْ يُجِيبهُ كَمَا أَجَابَهُ وَيُنْجِيه كَمَا أَنْجَاهُ , وَهُوَ قَوْله : " وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ " وَلَيْسَ هَاهُنَا صَرِيح دُعَاء وَهُوَ وَإِنَّمَا هُوَ مَضْمُون قَوْله : " إِنِّي كُنْت مِنْ الظَّالِمِينَ " فَاعْتَرَفَ بِالظُّلْمِ فَكَانَ تَلْوِيحًا .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الرسالة التدمرية

    الرسالة التدمرية : تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع، لشيخ الإسلام ابن تيمية المتوفي سنة (827هـ) - رحمه الله تعالى -، - سبب كتابتها ما ذكره شيخ الإسلام في مقدمتها بقوله: " أما بعد: فقد سألني من تعينت إجابتهم أن أكتب لهم مضمون ما سمعوه مني في بعض المجالس من الكلام في التوحيد والصفات وفي الشرع والقدر. - جعل كلامه في هذه الرسالة مبنياً على أصلين: الأصل الأول: توحيد الصفات، قدم له مقدمة ثم ذكر أصلين شريفين ومثلين مضروبين وخاتمة جامعة اشتملت على سبع قواعد يتبين بها ما قرره في مقدمة هذا الأصل. الأصل الثاني: توحيد العبادة المتضمن للإيمان بالشرع والقدر جميعاً. - والذين سألوا الشيخ أن يكتب لهم مضمون ما سمعوا منه من أهل تدمر - فيما يظهر - وتدمر بلدة من بلدان الشام من أعمال حمص، وهذا وجه نسبة الرسالة إليها.

    الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/272963

    التحميل:

  • الوسطية في ضوء القرآن الكريم

    الوسطية في ضوء القرآن الكريم: قال الشيخ - حفظه الله - في مقدمة الكاب: «وجدتُ أنّ القرآن الكريم، قد رسم لنا منهج الوسطية في شتَّى جوانبه، أصولاً وفروعًا، عقيدةً وعبادةً، خُلقًا وسلوكًا، تصوُّرًا وعملاً، ولقد جاء هذا المنهج من خلال القرآن الكريم في أساليب عدَّة، تصريحًا وإيماءً، مفصَّلا ومجملا، خبرًا وإنشاءً، أمرًا ونهيًا. واقتناعًا منِّي بأهميَّة هذا الموضوع، ومسيس الحاجة إليه، فقد عزمتُ على الكتابة فيه، وهذا يقتضي أن أعيش مع كتاب الله متأمِّلا لآياته، متفكِّرًا في دلالاته، مستوعبًا لما كتبه المفسِّرون حول تقرير القرآن لمنهج الوسطيَّة».

    الناشر: موقع المسلم http://www.almoslim.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/337299

    التحميل:

  • الطريق إلى الإمتياز

    الطريق إلى الإمتياز : فإن الطريق إلى الامتياز في النجاح الدراسي هو منهج له أسس وقواعد قاسمها المشترك دائمًا هو الجد والاجتهاد والطموح والمثابرة. وبقليل من التنظيم الحازم، وكثير من الجد المتواصل يستطيع الطالب – أي طالب – أن ينال مراده ويظفر بمبتغاه. فما هو الطريق إلى نيل الامتياز؟ ....

    الناشر: موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/265569

    التحميل:

  • حكم صيام يوم السبت في غير الفريضة

    حكم صيام يوم السبت في غير الفريضة : في هذه الرسالة تخريج حديث النهي عن صوم يوم السبت، ومن ثم الحكم عليه، ثم ذكر الأحاديث المعارضة له، مع ذكر أقوال العلماء في هذه المسألة، وبيان القول الراجح.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net - دار التوحيد للنشر بالرياض

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/167462

    التحميل:

  • صحيح مسلم

    صحيح مسلم: في هذه الصفحة نسخة الكترونية مفهرسة، تتميز بسهولة التصفح والوصول إلى الحديث من كتاب صحيح مسلم والذي يلي صحيحَ البخاري في الصحة، وقد اعتنى مسلمٌ - رحمه الله - بترتيبه، فقام بجمع الأحاديث المتعلقة بموضوع واحد فأثبتها في موضع واحد، ولَم يُكرِّر شيئاً منها في مواضع أخرى، إلاَّ في أحاديث قليلة بالنسبة لحجم الكتاب، ولَم يضع لكتابه أبواباً، وهو في حكم المُبوَّب؛ لجمعه الأحاديث في الموضوع الواحد في موضع واحد. قال النووي في مقدمة شرحه لصحيح مسلم: " ومن حقق نظره في صحيح مسلم - رحمه الله - واطلع على ما أودعه في أسانيده وترتيبه وحسن سياقه وبديع طريقته من نفائس التحقيق وجواهر التدقيق وأنواع الورع والاحتياط والتحري في الرواية وتلخيص الطرق واختصارها وضبط متفرقها وانتشارها وكثرة إطلاعه واتساع روايته وغير ذلك مما فيه من المحاسن والأعجوبات واللطائف الظاهرات والخفيَّات علم أنَّه إمام لا يلحقه من بَعُد عصره وقل من يساويه بل يدانيه من أهل وقته ودهره، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ". وقال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب: " قلت: حصل لمسلم في كتابه حظ عظيم مفرط لم يحصل لأحد مثله ٍ بحيث أن بعض الناس كان يفضله على صحيح محمد بن إسماعيل وذلك لما اختص به من جمع الطرق وجودة السياق والمحافظة على أداء الألفاظ من غير تقطيع ولا رواية بمعنى وقد نسج على منواله خلق من النيسابوريين فلم يبلغوا شأوه وحفظت منهم أكثر من عشرين إماما ممن صنف المستخرج على مسلم، فسبحان المعطي الوهاب ".

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/140676

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة