Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الأنبياء - الآية 63

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ (63) (الأنبياء) mp3
فَقَالَ لَهُمْ إِبْرَاهِيم عَلَى جِهَة الِاحْتِجَاج عَلَيْهِمْ : " بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرهمْ هَذَا " . أَيْ إِنَّهُ غَارَ وَغَضِبَ مِنْ أَنْ يُعْبَد هُوَ وَيُعْبَد الصِّغَار مَعَهُ فَفَعَلَ هَذَا بِهَا لِذَلِكَ , إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ فَاسْأَلُوهُمْ . فَعَلَّقَ فِعْل الْكَبِير بِنُطْقِ الْآخَرِينَ ; تَنْبِيهًا لَهُمْ عَلَى فَسَاد اِعْتِقَادهمْ . كَأَنَّهُ قَالَ : بَلْ هُوَ الْفَاعِل إِنْ نَطَقَ هَؤُلَاءِ . وَفِي الْكَلَام تَقْدِيم عَلَى هَذَا التَّأْوِيل فِي قَوْله : " فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ " . وَقِيلَ : أَرَادَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرهمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ . بَيَّنَ أَنَّ مَنْ لَا يَتَكَلَّم وَلَا يَعْلَم لَا يَسْتَحِقّ أَنْ يُعْبَد . وَكَانَ قَوْله مِنْ الْمَعَارِيض , وَفِي الْمَعَارِيض مَنْدُوحَة عَنْ الْكَذِب . أَيْ سَلُوهُمْ إِنْ نَطَقُوا فَإِنَّهُمْ يُصَدِّقُونَ , وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا يَنْطِقُونَ فَلَيْسَ هُوَ الْفَاعِل . وَفِي ضَمِنَ هَذَا الْكَلَام اِعْتِرَاف بِأَنَّهُ هُوَ الْفَاعِل وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح لِأَنَّهُ عَدَّدَهُ عَلَى نَفْسه , فَدَلَّ أَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَج التَّعْرِيض . وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ وَيَتَّخِذُونَهُمْ آلِهَة مِنْ دُون اللَّه , كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ : " يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُد مَا لَا يَسْمَع وَلَا يُبْصِر " [ مَرْيَم : 42 ] - الْآيَة - فَقَالَ إِبْرَاهِيم : " بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرهمْ هَذَا " لِيَقُولُوا إِنَّهُمْ لَا يَنْطِقُونَ وَلَا يَنْفَعُونَ وَلَا يَضُرُّونَ ; فَيَقُول دَلَّهُمْ فَلِمَ تَعْبُدُونَهُمْ ؟ فَتَقُوم عَلَيْهِمْ الْحُجَّة مِنْهُمْ , وَلِهَذَا يَجُوز عِنْد الْأُمَّة فَرْض الْبَاطِل مَعَ الْخَصْم حَتَّى يَرْجِع إِلَى الْحَقّ مِنْ ذَات نَفْسه ; فَإِنَّهُ أَقْرَب فِي الْحُجَّة وَأَقْطَع لِلشُّبْهَةِ , كَمَا قَالَ لِقَوْمِهِ : " هَذَا رَبِّي " وَهَذِهِ أُخْتِي وَ " إِنِّي سَقِيم " وَ " بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرهمْ هَذَا " وَقَرَأَ اِبْن السَّمَيْقَع " بَلْ فَعَلَّهُ " بِتَشْدِيدِ اللَّام بِمَعْنَى فَلَعَلَّ الْفَاعِل كَبِيرهمْ . وَقَالَ الْكِسَائِيّ : الْوَقْف عِنْد قَوْله : " بَلْ فَعَلَهُ " أَيْ فَعَلَهُ مَنْ فَعَلَهُ ; ثُمَّ يَبْتَدِئ " كَبِيرهمْ هَذَا " . وَقِيلَ : أَيْ لَمْ يُنْكِرُونَ أَنْ يَكُون فَعَلَهُ كَبِيرهمْ ؟ فَهَذَا إِلْزَام بِلَفْظِ الْخَبَر . أَيْ مَنْ اِعْتَقَدَ عِبَادَتهَا يَلْزَمهُ أَنْ يُثْبِت لَهَا فِعْلًا ; وَالْمَعْنَى : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرهمْ فِيمَا يَلْزَمكُمْ .

رَوَى الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَمْ يَكْذِب إِبْرَاهِيم النَّبِيّ فِي شَيْء قَطُّ إِلَّا فِي ثَلَاث : " إِنِّي سَقِيم " [ الصَّافَّات : 89 ] وَقَوْله لِسَارَةَ أُخْتِي وَقَوْله " بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرهمْ " ) لَفْظ التِّرْمِذِيّ . وَقَالَ : حَدِيث حَسَن صَحِيح . وَوَقَعَ فِي الْإِسْرَاء فِي صَحِيح مُسْلِم , مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فِي قِصَّة إِبْرَاهِيم قَالَ : وَذَكَرَ قَوْله فِي الْكَوْكَب " هَذَا رَبِّي " . فَعَلَى هَذَا تَكُون الْكِذْبَات أَرْبَعًا إِلَّا أَنَّ الرَّسُول قَدْ نَفَى تِلْكَ بِقَوْلِهِ : ( لَمْ يَكْذِب إِبْرَاهِيم النَّبِيّ قَطُّ إِلَّا فِي ثَلَاث كِذْبَات ثِنْتَيْنِ فِي ذَات اللَّه قَوْله : " إِنِّي سَقِيم " [ الصَّافَّات : 89 ] وَقَوْله : " بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرهمْ " وَوَاحِدَة فِي شَأْن سَارَة ) الْحَدِيث لَفْظ مُسْلِم . وَإِنَّمَا لَمْ يَعُدّ عَلَيْهِ قَوْله فِي الْكَوْكَب : " هَذَا رَبِّي " [ الْأَنْعَام : 78 ] كِذْبَة وَهِيَ دَاخِلَة فِي الْكَذِب ; لِأَنَّهُ - وَاَللَّه أَعْلَم - كَانَ حِين قَالَ ذَلِكَ فِي حَال الطُّفُولَة , وَلَيْسَتْ حَالَة تَكْلِيف . أَوْ قَالَ لِقَوْمِهِ مُسْتَفْهِمًا لَهُمْ عَلَى جِهَة التَّوْبِيخ الْإِنْكَار , وَحُذِفَتْ هَمْزَة الِاسْتِفْهَام . أَوْ عَلَى طَرِيق الِاحْتِجَاج عَلَى قَوْمه : تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ مَا يَتَغَيَّر لَا يَصْلُح لِلرُّبُوبِيَّةِ . وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْوُجُوه كُلّهَا فِي " الْأَنْعَام " مُبَيَّنَة وَالْحَمْد لِلَّهِ .

قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ : فِي هَذَا الْحَدِيث نُكْتَة عُظْمَى تَقْصِم الظَّهْر , وَهِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ : ( لَمْ يَكْذِب إِبْرَاهِيم إِلَّا فِي ثَلَاث كِذْبَات ثِنْتَيْنِ مَا حَلَّ بِهِمَا عَنْ دِين اللَّه وَهُمَا قَوْله " إِنِّي سَقِيم " [ الصَّافَّات : 89 ] وَقَوْله " بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرهمْ " وَلَمْ يَعُدّ [ قَوْله ] هَذِهِ أُخْتِي فِي ذَات اللَّه تَعَالَى وَإِنْ كَانَ دَفَعَ بِهَا مَكْرُوهًا , وَلَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَام فِيهَا حَظّ مِنْ صِيَانَة فِرَاشه وَحِمَايَة أَهْله , لَمْ يَجْعَلهَا فِي ذَات اللَّه ; وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُجْعَل فِي جَنْب اللَّه وَذَاته إِلَّا الْعَمَل الْخَالِص مِنْ شَوَائِب الدُّنْيَا , وَالْمَعَارِيض الَّتِي تَرْجِع إِلَى النَّفْس إِذَا خَلَصَتْ لِلدِّينِ كَانَتْ لِلَّهِ سُبْحَانه , كَمَا قَالَ : " أَلَا لِلَّهِ الدِّين الْخَالِص " [ الزُّمَر : 3 ] . وَهَذَا لَوْ صَدَرَ مِنَّا لَكَانَ لِلَّهِ , لَكِنْ مَنْزِلَة إِبْرَاهِيم اِقْتَضَتْ هَذَا . وَاَللَّه أَعْلَم .

قَالَ عُلَمَاؤُنَا : الْكَذِب هُوَ الْإِخْبَار عَنْ الشَّيْء بِخِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ . وَالْأَظْهَر أَنَّ قَوْل إِبْرَاهِيم فِيمَا أَخْبَرَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ مِنْ الْمَعَارِيض , وَإِنْ كَانَتْ مَعَارِيض وَحَسَنَات وَحُجَجًا فِي الْخَلْق وَدَلَالَات , لَكِنَّهَا أَثَّرَتْ فِي الرُّتْبَة , وَخَفَضَتْ عَنْ مُحَمَّد الْمَنْزِلَة , وَاسْتَحْيَا مِنْهَا قَائِلهَا , عَلَى مَا وَرَدَ فِي حَدِيث الشَّفَاعَة ; فَإِنَّ الْأَنْبِيَاء مِمَّا لَا يُشْفِق مِنْهُ غَيْرهمْ إِجْلَالًا لِلَّهِ ; فَإِنَّ الَّذِي كَانَ يَلِيق بِمَرْتَبَتِهِ فِي النُّبُوَّة وَالْخُلَّة , أَنْ يَصْدَع بِالْحَقِّ وَيُصَرِّح بِالْأَمْرِ كَيْفَمَا كَانَ , وَلَكِنَّهُ رُخِّصَ لَهُ فَقَبِلَ الرُّخْصَة فَكَانَ مَا كَانَ مِنْ الْقِصَّة ; وَالْقِصَّة جَاءَ فِي حَدِيث الشَّفَاعَة ( إِنَّمَا اِتَّخَذْت خَلِيلًا مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ ) بِنَصَبِ وَرَاء فِيهِمَا عَلَى الْبِنَاء كَخَمْسَةَ عَشَر , وَكَمَا قَالُوا جَارِي بَيْت بَيْت . وَوَقَعَ فِي بَعْض نُسَخ مُسْلِم ( مِنْ وَرَاء مِنْ وَرَاء ) بِإِعَادَةِ مِنْ , وَحِينَئِذٍ لَا يَجُوز الْبِنَاء عَلَى الْفَتْح , وَإِنَّمَا يُبْنَى كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا عَلَى الضَّمّ ; لِأَنَّهُ قَطَعَ عَنْ الْإِضَافَة وَنَوَى الْمُضَاف كَقَبْلُ وَبَعْد , وَإِنْ لَمْ يُنْوَ الْمُضَاف أُعْرِبَ وَنُوِّنَ غَيْر أَنَّ وَرَاء لَا يَنْصَرِف ; لِأَنَّ أَلِفه لِلتَّأْنِيثِ ; لِأَنَّهُمْ قَالُوا فِي تَصْغِيرهَا وُرَيَّة ; قَالَ الْجَوْهَرِيّ : وَهِيَ شَاذَّة . فَعَلَى هَذَا يَصِحّ الْفَتْح فِيهِمَا مَعَ وُجُود " مَنْ " فِيهِمَا . وَالْمَعْنَى إِنِّي كُنْت خَلِيلًا مُتَأَخِّرًا عَنْ غَيْرِي . وَيُسْتَفَاد مِنْ هَذَا أَنَّ الْخُلَّة لَمْ تَصِحّ بِكَمَالِهَا إِلَّا لِمَنْ صَحَّ لَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْم الْمَقَام الْمَحْمُود كَمَا تَقَدَّمَ . وَهُوَ نَبِيّنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين

    عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين : يتناول ابن القيم موضوع محدد هو الصبر وأقسامه؛ المحمود منه والمذموم. وما ورد في الصبر في القرآن الكريم، وفي السنة النبوية الشريفة، وفي أقوال الصحابة والتابعين. وقد عمد إلى ربط الصبر بكل أمر من أمور الحياة فيذكر الصبر الجميل والورع الكاذب ويضرب الأمثال من الحديث النبوي الشريف على الدنيا وتمثيل حقيقتها ببيان قصرها وطول ما قبلها وما بعدها.. إلى ما هنالك من أمور بحثها في أسلوب شيق وممتع لا يخلو من إسقاطات على الواقع المعاصر.

    المدقق/المراجع: إسماعيل بن غازي مرحبا

    الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/265622

    التحميل:

  • 100 فائدة من سورة يوسف

    100 فائدة من سورة يوسف: بحث قيم يشرح فيه الشيخ محمد بن صالح المنجد حفظه الله سورة يوسف، مبينًا الدروس والعبر والأحكام منها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/44756

    التحميل:

  • كيفية دعوة الملحدين إلى الله تعالى في ضوء الكتاب والسنة

    كيفية دعوة الملحدين إلى الله تعالى في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف: «فهذه رسالة مختصرة في كيفية دعوة الملحدين إلى الله تعالى، بيَّنتُ فيها بإيجاز الأساليبَ والطرقَ في كيفية دعوتهم إلى اللَّه تعالى».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/338049

    التحميل:

  • سؤال وجواب حول فقه الواقع

    سؤال وجواب حول فقه الواقع : هذه رسالة ضمنها المؤلف جواباً على سؤال وَرَدَ إلَيَّه حولَ ما يُسمى بـ (( فقه ِ الواقع )) وحُكمهِ ، ومَدى حاجةِ المُسلمينَ إليهِ ، مَعَ بيان ِ صورَتِهِ الشرعيَّةِ الصَّحيحة .

    الناشر: دار الجلالين للنشر والتوزيع - الرياض - السعودية

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/46134

    التحميل:

  • المنح الإلهية في إقامة الحجة على البشرية

    المنح الإلهية في إقامة الحجة على البشرية : يتكون هذا الكتاب من فصلين: الأول: المنح الإلهية وأثرها في إقامة الحجة على البشرية. الثاني: مشاهد من الإعجاز العلمي في القرآن والسنة النبوية.

    الناشر: الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة http://www.eajaz.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/193682

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة