Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الأنبياء - الآية 104

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ۚ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ۚ وَعْدًا عَلَيْنَا ۚ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (104) (الأنبياء) mp3
قَرَأَ أَبُو جَعْفَر بْن الْقَعْقَاع وَشَيْبَة بْن نِصَاح وَالْأَعْرَج وَالزُّهْرِيّ " تُطْوَى " بِتَاءٍ مَضْمُومَة " السَّمَاء " رَفْعًا عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله . مُجَاهِد " يَطْوِي " عَلَى مَعْنَى يَطْوِي اللَّه السَّمَاء . الْبَاقُونَ " نَطْوِي " بِنُونِ الْعَظَمَة . وَانْتِصَاب " يَوْم " عَلَى الْبَدَل مِنْ الْهَاء الْمَحْذُوفَة فِي الصِّلَة ; التَّقْدِير : الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَهُ يَوْم نَطْوِي السَّمَاء . أَوْ يَكُون مَنْصُوبًا بِ " نُعِيد " مِنْ قَوْله " كَمَا بَدَأْنَا أَوَّل خَلْق نُعِيدهُ " . أَوْ بِقَوْلِهِ : " لَا يَحْزُنهُمْ " أَيْ لَا يَحْزُنهُمْ الْفَزَع الْأَكْبَر فِي الْيَوْم الَّذِي نَطْوِي فِيهِ السَّمَاء . أَوْ عَلَى إِضْمَار وَاذْكُرْ , وَأَرَادَ بِالسَّمَاءِ الْجِنْس ; دَلِيله : " وَالسَّمَوَات مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ " [ الزُّمَر : 67 ] . " كَطَيِّ السِّجِلّ لِلْكِتَابِ " قَالَ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد : أَيْ كَطَيِّ الصَّحِيفَة عَلَى مَا فِيهَا ; فَاللَّام بِمَعْنَى " عَلَى " . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا اِسْم كَاتِب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ ; لِأَنَّ كُتَّاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْرُوفُونَ لَيْسَ هَذَا مِنْهُمْ , وَلَا فِي أَصْحَابه مَنْ اِسْمه السِّجِلّ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا وَابْن عُمَر وَالسُّدِّيّ : " السِّجِلّ " مَلَك , وَهُوَ الَّذِي يَطْوِي كُتُب بَنِي آدَم إِذَا رُفِعَتْ إِلَيْهِ . وَيُقَال : إِنَّهُ فِي السَّمَاء الثَّالِثَة , تُرْفَع إِلَيْهِ أَعْمَال الْعِبَاد , يَرْفَعهَا إِلَيْهِ الْحَفَظَة الْمُوَكَّلُونَ بِالْخَلْقِ فِي كُلّ خَمِيس وَاثْنَيْنِ , وَكَانَ مِنْ أَعْوَانه فِيمَا ذَكَرُوا هَارُوت وَمَارُوت . وَالسِّجِلّ الصَّكّ , وَهُوَ اِسْم مُشْتَقّ مِنْ السِّجَالَة وَهِيَ الْكِتَابَة ; وَأَصْلهَا مِنْ السَّجْل وَهُوَ الدَّلْو ; تَقُول : سَاجَلْت الرَّجُل إِذَا نَزَعْت دَلْوًا وَنَزَعَ دَلْوًا , ثُمَّ اُسْتُعِيرَتْ فَسُمِّيَتْ الْمُكَاتَبَة وَالْمُرَاجَعَة مُسَاجَلَة . وَقَدْ سَجَّلَ الْحَاكِم تَسْجِيلًا . وَقَالَ الْفَضْل بْن الْعَبَّاس بْن عُتْبَة بْن أَبِي لَهَب : مَنْ يُسَاجِلنِي يُسَاجِل مَاجِدًا يَمْلَأ الدَّلْو إِلَى عَقْد الْكَرَب ثُمَّ بُنِيَ هَذَا الِاسْم عَلَى فِعِلّ مِثْل حِمِرّ وَطِمِرّ وَبِلِيّ . وَقَرَأَ أَبُو زُرْعَة بْن عَمْرو بْن جَرِير " كَطَيِّ السُّجُلّ " بِضَمِّ السِّين وَالْجِيم وَتَشْدِيد اللَّام . وَقَرَأَ الْأَعْمَش وَطَلْحَة " كَطَيِّ السِّجِلّ " بِفَتْحِ السِّين وَإِسْكَان الْجِيم وَتَخْفِيف اللَّام . قَالَ النَّحَّاس : وَالْمَعْنَى وَاحِد إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَالتَّمَام عِنْد قَوْله : " لِلْكِتَابِ " . وَالطَّيّ فِي هَذِهِ الْآيَة يَحْتَمِل مَعْنَيَيْنِ : أَحَدهمَا : الدَّرْج الَّذِي هُوَ ضِدّ النَّشْر , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَالسَّمَوَات مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ " [ الزُّمَر : 67 ] . وَالثَّانِي : الْإِخْفَاء وَالتَّعْمِيَة وَالْمَحْو ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى يَمْحُو وَيَطْمِس رُسُومهَا وَيُكَدِّر نُجُومهَا . قَالَ اللَّه تَعَالَى : " إِذَا الشَّمْس كُوِّرَتْ . وَإِذَا النُّجُوم اِنْكَدَرَتْ " [ التَّكْوِير : 1 - 2 ] " وَإِذَا السَّمَاء كُشِطَتْ " [ التَّكْوِير : 11 ] . " لِلْكِتَابِ " وَتَمَّ الْكَلَام . وَقِرَاءَة الْأَعْمَش وَحَفْص وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ وَيَحْيَى وَخَلَف : " لِلْكُتُبِ " جَمْعًا ثُمَّ اِسْتَأْنَفَ الْكَلَام فَقَالَ : " كَمَا بَدَأْنَا أَوَّل خَلْق نُعِيدهُ " أَيْ نَحْشُرهُمْ حُفَاة عُرَاة غُرْلًا كَمَا بُدِئُوا فِي الْبُطُون . وَرَوَى النَّسَائِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( يُحْشَر النَّاس يَوْم الْقِيَامَة عُرَاة غُرْلًا أَوَّل الْخَلْق يُكْسَى يَوْم الْقِيَامَة إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام - ثُمَّ قَرَأَ - " كَمَا بَدَأْنَا أَوَّل خَلْق نُعِيدهُ " أَخْرَجَهُ مُسْلِم أَيْضًا عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : قَامَ فِينَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَوْعِظَةٍ فَقَالَ : ( يَأَيُّهَا النَّاس إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ إِلَى اللَّه حُفَاة عُرَاة غُرْلًا " كَمَا بَدَأْنَا أَوَّل خَلْق نُعِيدهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ " أَلَا وَإِنَّ أَوَّل الْخَلَائِق يُكْسَى يَوْم الْقِيَامَة إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام ) وَذَكَرَ الْحَدِيث . وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْبَاب فِي كِتَاب " التَّذْكِرَة " مُسْتَوْفًى . وَذَكَرَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ سَلَمَة بْن كُهَيْل عَنْ أَبِي الزَّعْرَاء عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود قَالَ : يُرْسِل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مَاء مِنْ تَحْت الْعَرْش كَمَنِيِّ الرِّجَال فَتَنْبُت مِنْهُ لُحْمَانُهُمْ وَجُسْمَانهمْ كَمَا تَنْبُت الْأَرْض بِالثَّرَى . وَقَرَأَ " كَمَا بَدَأْنَا أَوَّل خَلْق نُعِيدهُ " . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : الْمَعْنَى . نُهْلِك كُلّ شَيْء وَنُفْنِيه كَمَا كَانَ أَوَّل مَرَّة ; وَعَلَى هَذَا فَالْكَلَام مُتَّصِل بِقَوْلِهِ : " يَوْم نَطْوِي السَّمَاء " أَيْ نَطْوِيهَا فَنُعِيدهَا إِلَى الْهَلَاك وَالْفَنَاء فَلَا تَكُون شَيْئًا . وَقِيلَ : نُفْنِي السَّمَاء ثُمَّ نُعِيدهَا مَرَّة أُخْرَى بَعْد طَيّهَا وَزَوَالهَا ; كَقَوْلِهِ : " يَوْم تُبَدَّل الْأَرْض غَيْر الْأَرْض وَالسَّمَوَات " [ إِبْرَاهِيم : 48 ] وَالْقَوْل الْأَوَّل أَصَحّ وَهُوَ نَظِير قَوْله : " وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّل مَرَّة " [ الْأَنْعَام : 94 ] وَقَوْله عَزَّ وَجَلَّ : " وَعُرِضُوا عَلَى رَبّك صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّل مَرَّة " " وَعْدًا " نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَر ; أَيْ وَعَدْنَا وَعْدًا " عَلَيْنَا " إِنْجَازه وَالْوَفَاء بِهِ أَيْ مِنْ الْبَعْث وَالْإِعَادَة فَفِي الْكَلَام حَذْف . ثُمَّ أَكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ " قَالَ الزَّجَّاج : مَعْنَى " إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ " إِنَّا كُنَّا قَادِرِينَ عَلَى مَا نَشَاء . وَقِيلَ " إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ " أَيْ مَا وَعَدْنَاكُمْ وَهُوَ كَمَا قَالَ : " كَانَ وَعْده مَفْعُولًا " [ الْمُزَّمِّل : 18 ] . وَقِيلَ : " كَانَ " لِلْإِخْبَارِ بِمَا سَبَقَ مِنْ قَضَائِهِ . وَقِيلَ : صِلَة .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الوافي في اختصار شرح عقيدة أبي جعفر الطحاوي

    العقيدة الطحاوية : متن مختصر صنفه العالم المحدِّث: أبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي، المتوفى سنة 321هـ، وهي عقيدةٌ موافقة في جُلِّ مباحثها لما يعتقده أهل الحديث والأثر، أهل السنة والجماعة، وقد ذَكَرَ عددٌ من أهل العلم أنَّ أتْبَاعَ أئمة المذاهب الأربعة ارتضوها؛ وذلك لأنها اشتملت على أصول الاعتقاد المُتَّفَقِ عليه بين أهل العلم، وذلك في الإجمال لأنَّ ثَمَّ مواضع اُنتُقِدَت عليه، وقد قام بشرحها معالي الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ - أثابه الله -، وقام باختصاره الشيخ مهدي بن عماش الشمري - أثابه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172706

    التحميل:

  • كيف تنظم وقتك في رمضان؟

    كيف تنظم وقتك في رمضان؟: فإن رمضان فرصة سانحة ومجال واسع يتقرب فيه العبد إلى الله تعالى بأنواع القربات والطاعات، ولذا فينبغي على المسلم أن يكون أحرص الخلق على استثمار وقته فيما يرضي ربه - سبحانه - ... من أجل ذلك رأينا أن نجمع لك - أخي المسلم - هذا البحث النافع - إن شاء الله تعالى - حول استثمار الوقت وتنظيمه، فدار الحديث حول إدارة الوقت في رمضان ووضع الجداول الزمنية لقضاء رمضان، وكذلك البرنامج الخاص للمرأة المسلمة وكذلك برنامج خاص للمرأة الحائض.

    الناشر: موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/364324

    التحميل:

  • محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم

    تحتوي هذه الرسالة على تعريف مختصر بسيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - من حيث التعريف بنسبه ومولده ونشأته وبعض صفاته وآدابه وأخلاقه، مع ذكر بعض أقوال المستشرقين، ثم بيان بعض الأدلة الدالة على رسالته ونبوته، وماتقتضيه الشهادة بأن محمداً رسول الله.

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2186

    التحميل:

  • أحكام الحج والأضحية

    أحكام الحج والأضحية: رسالة مختصرة في أحكام الحج، وبيان الواجبات والمستحبات والمكروهات والمحرمات في هذه الشعيرة، مع التنبيه على بعض الأخطاء التي تقع من بعض المسلمين.

    الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/341902

    التحميل:

  • أبناؤنا والصلاة

    أبناؤنا والصلاة: قال الكاتب: «فإنَّ الأولاد هم زهرة الحياة الدنيا، وفي صلاحهم قرَّة عين للوالدين، وإنَّ من المؤسف خلوُّ مساجدنا من أبناء المسلمين، فقلَّ أن تجد بين المصلين من هم في ريعان الشباب!.. وهذا والله يُنذر بشرٍّ مستطير، وفسادٍ في التربية، وضعف لأمَّة الإسلام إذا شبَّ هؤلاء المتخلِّفون عن الطوق!.. فإذا لم يُصلُّوا اليوم فمتى إذًا يقيموا الصلاة مع جماعة المسلمين؟!». وفي هذه المقالة نصائح مُوجَّهة إلى كل أبٍ وأمٍّ لتربية أبنائهم على حب الصلاة والإقبال عليها بالأُسوة الحسنة.

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/345927

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة