Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة طه - الآية 97

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ ۖ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّن تُخْلَفَهُ ۖ وَانظُرْ إِلَىٰ إِلَٰهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا ۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (97) (طه) mp3
أَيْ قَالَ لَهُ مُوسَى فَاذْهَبْ أَيْ مِنْ بَيْننَا


أَيْ لَا أُمَسّ وَلَا أَمَسّ طُول الْحَيَاة . فَنَفَاهُ مُوسَى عَنْ قَوْمه وَأَمَرَ بَنِي إِسْرَائِيل أَلَّا يُخَالِطُوهُ وَلَا يَقْرَبُوهُ وَلَا يُكَلِّمُوهُ عُقُوبَة لَهُ . قَالَ الشَّاعِر : تَمِيم كَرَهْطِ السَّامِرِيّ وَقَوْله أَلَا لَا يُرِيد السَّامِرِيّ مِسَاسَا قَالَ الْحَسَن جَعَلَ اللَّه عُقُوبَة السَّامِرِيّ أَلَّا يُمَاسّ النَّاس وَلَا يُمَاسُّوهُ عُقُوبَة لَهُ وَلِمَنْ كَانَ مِنْهُ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ; وَكَأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ شَدَّدَ عَلَيْهِ الْمِحْنَة , بِأَنْ جَعَلَهُ لَا يُمَاسّ أَحَدًا وَلَا يُمَكَّن مِنْ أَنْ يَمَسّهُ أَحَد , وَجَعَلَ ذَلِكَ عُقُوبَة لَهُ فِي الدُّنْيَا . وَيُقَال : ابْتُلِيَ بِالْوَسْوَاسِ وَأَصْل الْوَسْوَاس مِنْ ذَلِكَ الْوَقْت . وَقَالَ قَتَادَة : بَقَايَاهُمْ إِلَى الْيَوْم يَقُولُونَ ذَلِكَ - لَا مِسَاس - وَإِنْ مَسَّ وَاحِد مِنْ غَيْرهمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حُمَّ كِلَاهُمَا فِي الْوَقْت . وَيُقَال : إِنَّ مُوسَى هَمَّ بِقَتْلِ السَّامِرِيّ , فَقَالَ اللَّه تَعَالَى لَهُ : لَا تَقْتُلهُ فَإِنَّهُ سَخِيّ . وَيُقَال لَمَّا قَالَ لَهُ مُوسَى : " فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَك فِي الْحَيَاة أَنْ تَقُول لَا مِسَاس " خَافَ فَهَرَبَ فَجَعَلَ يَهِيم فِي الْبَرِيَّة مَعَ السِّبَاع وَالْوَحْشِيّ , لَا يَجِد أَحَدًا مِنْ النَّاس يَمَسّهُ حَتَّى صَارَ كَالْقَائِلِ لَا مِسَاس ; لِبُعْدِهِ عَنْ النَّاس وَبُعْد النَّاس عَنْهُ ; كَمَا قَالَ الشَّاعِر : حَمَّال رَايَات بِهَا قَنَاعِسَا حَتَّى تَقُول الْأَزْد لَا مَسَابِسَا مَسْأَلَة : هَذِهِ الْآيَة أَصْل فِي نَفْي أَهْل الْبِدَع وَالْمَعَاصِي وَهِجْرَانهمْ وَأَلَّا يُخَالَطُوا , وَقَدْ فَعَلَ النَّبِيّ صَلِّي اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ بِكَعْبِ بْن مَالِك وَالثَّلَاثَة الَّذِينَ خُلِّفُوا . وَمَنْ اِلْتَجَأَ إِلَى الْحَرَم وَعَلَيْهِ قُتِلَ وَلَا يُقْتَل عِنْد بَعْض الْفُقَهَاء , وَلَكِنْ لَا يُعَامَل وَلَا يُبَايَع وَلَا يُشَارَى , وَهُوَ إِرْهَاق إِلَى الْخُرُوج . وَمِنْ هَذَا الْقَبِيل التَّغْرِيب فِي حَدّ الزِّنَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ جَمِيع هَذَا كُلّه فِي مَوْضِعه , فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهِ . وَالْحَمْد لِلَّهِ وَحْده . وَقَالَ هَارُون الْقَارِئ : وَلُغَة الْعَرَب لَا مَسَاسِ بِكَسْرِ السِّين وَفَتْح الْمِيم , وَقَدْ تَكَلَّمَ النَّحْوِيُّونَ فِيهِ ; فَقَالَ سِيبَوَيْهِ : هُوَ مَبْنِيّ عَلَى الْكَسْر كَمَا يُقَال اِضْرِبِ الرَّجُل . وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق : لَا مِسَاس نَفْي وَكُسِرَتْ السِّين لِأَنَّ الْكَسْرَة مِنْ عَلَامَة التَّأْنِيث ; تَقُول فَعَلْت يَا اِمْرَأَة . قَالَ النَّحَّاس وَسَمِعْت عَلِيّ بْن سُلَيْمَان يَقُول سَمِعْت مُحَمَّد بْن يَزِيد يَقُول : إِذَا اِعْتَلَّ الشَّيْء مِنْ ثَلَاث جِهَات وَجَبَ أَنْ يُبْنَى , وَإِذَا اِعْتَلَّ مِنْ جِهَتَيْنِ وَجَبَ أَلَّا يَنْصَرِف ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بَعْد تَرْك الصَّرْف إِلَّا الْبِنَاء ; فَمِسَاس وَدِرَاك اِعْتَلَّ مِنْ ثَلَاث جِهَات : مِنْهَا أَنَّهُ مَعْدُول , وَمِنْهَا أَنَّهُ مُؤَنَّث , وَأَنَّهُ مَعْرِفَة ; فَلَمَّا وَجَبَ الْبِنَاء فِيهِ وَكَانَتْ الْأَلِف قَبْل السِّين سَاكِنَة كُسِرَتْ السِّين لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ ; كَمَا تَقُول اِضْرِبِ الرَّجُل . وَرَأَيْت أَبَا إِسْحَاق يَذْهَب إِلَى أَنَّ هَذَا الْقَوْل خَطَأ , وَأَلْزَم أَبَا الْعَبَّاس إِذَا سَمَّى أَمْرَأَة بِفِرْعَوْن يَبْنِيه , وَهَذَا لَا يَقُولهُ أَحَد . وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ فِي الصِّحَاح : وَأَمَّا قَوْل الْعَرَب لَا مَسَاس مِثَال قَطَام فَإِنَّمَا بُنِيَ عَلَى الْكَسْر لِأَنَّهُ مَعْدُول عَنْ الْمَصْدَر وَهُوَ الْمَسّ . وَقَرَأَ أَبُو حَيْوَة " لَا مَسَاس " .



يَعْنِي يَوْم الْقِيَامَة . وَالْمَوْعِد مَصْدَر ; أَيْ إِنَّ لَك وَعْدًا لِعَذَابِك . وَقَرَأَ اِبْن كَثِير وَأَبُو عَمْرو " تُخْلِفَهُ " بِكَسْرِ اللَّام وَلَهُ مَعْنَيَانِ : أَحَدهمَا : سَتَأْتِيهِ وَلَنْ تَجِدهُ مُخْلَفًا ; كَمَا تَقُول : أَحْمَدْته أَيْ وَجَدْته مَحْمُودًا . وَالثَّانِي : عَلَى التَّهْدِيد أَيْ لَا بُدّ لَك مِنْ أَنْ تَصِير إِلَيْهِ . وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِ اللَّام ; بِمَعْنَى : إِنَّ اللَّه لَنْ يُخْلِفك إِيَّاهُ .



أَيْ دُمْت وَأَقَمْت عَلَيْهِ , وَأَصْله ظَلَلْت ; قَالَ : خَلَا أَنَّ الْعِتَاق مِنْ الْمَطَايَا أَحْسَنَ بِهِ فَهُنَّ أَلِيه شُوش أَيْ أَحْسَن . وَكَذَلِكَ قَرَأَ الْأَعْمَش بِلَامَيْنِ عَلَى الْأَصْل . وَفِي قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود " ظِلْت " بِكَسْرِ الظَّاء . يُقَال : ظَلَلْت أَفْعَل كَذَا إِذَا فَعَلْته نَهَارًا وَظَلْت وَظِلْت ; فَمَنْ قَالَ : ظَلْت حَذَفَ اللَّام الْأُولَى تَخْفِيفًا ; وَمَنْ قَالَ ظِلْت أَلْقَى حَرَكَة اللَّام عَلَى الظَّاء . " عَاكِفًا " أَيْ مُلَازِمًا .



قِرَاءَة الْعَامَّة بِضَمِّ النُّون وَشَدّ الرَّاء مِنْ حَرَّقَ يُحَرِّق . وَقَرَأَ الْحَسَن وَغَيْره بِضَمِّ النُّون وَسُكُون الْحَاء وَتَخْفِيف الرَّاء مِنْ أَحْرَقَهُ يُحْرِقهُ . وَقَرَأَ عَلِيّ وَابْن عَبَّاس وَأَبُو جَعْفَر وَابْن مُحَيْصِن وَأَشْهَب الْعُقَيْلِيّ " لَنَحْرُقَنَّهُ " بِفَتْحِ النُّون وَضَمّ الرَّاء خَفِيفَة , مِنْ حَرَقْت الشَّيْء أُحْرِقهُ حَرْقًا بَرَدَته وَحَكَكْت بَعْضه بِبَعْضٍ , وَمِنْهُ قَوْلهمْ : حَرَقَ نَابَهُ يُحْرِقهُ وَيَحْرُقهُ أَيْ سَحَقَهُ حَتَّى سَمِعَ لَهُ صَرِيف ; فَمَعْنَى هَذِهِ الْقِرَاءَة لَنُبَرِّدَنَّهُ بِالْمَبَارِدِ , وَيُقَال لِلْمِبْرَدِ الْمِحْرَق . وَالْقِرَاءَتَانِ الْأُولَيَانِ مَعْنَاهُمَا الْحَرْق بِالنَّارِ . وَقَدْ يُمْكِن جَمْع ذَلِكَ فِيهِ ; قَالَ السُّدِّيّ : ذَبَحَ الْعِجْل فَسَالَ مِنْهُ كَمَا يَسِيل مِنْ الْعِجْل إِذَا ذُبِحَ , ثُمَّ بَرَدَ عِظَامه بِالْمِبْرَد حَرَقَهُ وَفِي حَرْف اِبْن مَسْعُود " لَنَذْبَحَنَّهُ ثُمَّ لَنَحْرُقَنَّهُ " وَاللَّحْم وَالدَّم إِذَا أُحْرِقَا صَارَا رَمَادًا فَيُمْكِن تَذْرِيَته فِي الْيَمّ فَأَمَّا الذَّهَب فَلَا يَصِير رَمَادًا وَقِيلَ عَرَفَ مُوسَى مَا صَيَّرَ بِهِ الذَّهَب رَمَادًا , وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ آيَاته .



وَمَعْنَى " لَنَنْسِفَنَّهُ " لَنُطَيِّرَنَّهُ . وَقَرَأَ أَبُو رَجَاء " لَنَنْسِفَنَّهُ " بِضَمِّ السِّين لُغَتَانِ , وَالنَّسْف نَفْض الشَّيْء لِيَذْهَب بِهِ الرِّيح وَهُوَ التَّذْرِيَة , وَالْمِنْسَف مَا يُنْسَف بِهِ الطَّعَام ; وَهُوَ شَيْء مُتَصَوِّب الصَّدْر أَعْلَاهُ مُرْتَفِع , وَالنُّسَافَة مَا يَسْقُط مِنْهُ ; يُقَال : اِعْزِلْ النُّسَافَة وَكُلْ مِنْ الْخَالِص . وَيُقَال : أَتَانَا فُلَان كَأَنَّ لِحْيَته مِنْسَف ; حَكَاهُ أَبُو نَصْر أَحْمَد بْن حَاتِم . وَالْمِنْسَفَة آلَة يُقْلِع بِهَا الْبِنَاء , وَنَسَفْت الْبِنَاء نَسْفًا قَلَعْته , وَنَسَفَ الْبَعِير الْكَلَأ يَنْسِفهُ بِالْكَسْرِ إِذَا اِقْتَلَعَهُ بِأَصْلِهِ , وَانْتَسَفْت الشَّيْء اِقْتَلَعْته ; عَنْ أَبِي زَيْد .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • التنصير مفهومه وأهدافه ووسائله وسبل مواجهته

    التنصير ظاهرة متجددة ومتطورة في آن واحد. وتطورها يأتي في تعديل الأهداف، وفي توسيع الوسائل ومراجعتها بين حين وآخر، تبعا لتعديل الأهداف، ومن ذلك اتخاذ الأساليب العصرية الحديثة في تحقيق الأهداف المعدلة، حسب البيئات والانتماءات التي يتوجه إليها التنصير، حتى وصلت هذه الظاهرة عند البعض، إلى أنها أضحت علما له مؤسساته التعليمية ومناهجه ودراساته ونظرياته. وفي هذا الكتاب بيان مفهوم التنصير ووسائله وسبل مواجهته.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/117114

    التحميل:

  • صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم

    صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم: ما من عبادة إلا ولها صفة وكيفية; قد تكفل الله - سبحانه - ببيانها; أو بينها رسوله - صلى الله عليه وسلم -; وقد حجَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد هجرته إلى المدينة حجة واحدة; وهي التي سميت بـحجة الوداع; لأنه ودع فيها الناس; وفي هذه الحجة بين النبي - صلى الله عليه وسلم - للأمة مناسك الحج; فقال - صلى الله عليه وسلم -: «خذوا عنّي مناسككم»; وفي هذا الكتاب بيان لصفة حجة النبي - صلى الله عليه وسلم -.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/316728

    التحميل:

  • البراهين الموضحات في نظم كشف الشبهات

    كشف الشبهات : رسالة نفيسة كتبها الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - وهي عبارة عن سلسلة شبهات للمشركين وتفنيدها وإبطالها، وفيها بيان توحيد العبادة وتوحيد الألوهية الذي هو حق الله على العباد، وفيها بيان الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية والعبادة، وقد نظمها الشيخ محمد الطيب الأنصاري المتوفي سنة (1363هـ) - رحمه الله تعالى - بإشارة من الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ المتوفي سنة (1378هـ) - رحمه الله تعالى -، وقد طبع هذا النظم سنة (1357هـ) في مطبعة المدينة المنورة باسم " البراهين الموضحات نظم الشيخ محمد الطيب الأنصاري لكشف الشبهات " وأعيد نشره سنة (1413هـ) في دار لينة للنشر والتوزيع بالمدينة المنورة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/295354

    التحميل:

  • بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار

    بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار : من تأمل هذا الكتاب على اختصاره ووضوحه رآه مشتملا من جميع العلوم النافعة على: علم التوحيد، والأصول، والعقائد، وعلم السير والسلوك إلى الله، وعلم الأخلاق والآداب الدينية، والدنيوية، والطبية وعلم الفقه والأحكام في كل أبواب الفقه: من عبادات ومعاملات، وأنكحة، وغيرها وبيان حكمها، ومأخذها وأصولها وقواعدها، وعلوم الإصلاحات المتنوعة والمواضيع النافعة، والتوجيهات إلى جلب المنافع الخاصة والعامة، الدينية والدنيوية، ودفع المضار. وهي كلها مأخوذة ومستفادة من كلماته - صلوات الله وسلامه عليه - حيث اختير فيه شرح أجمع الأحاديث وأنفعها، كما ستراه. وذلك كله من فضل الله ورحمته . . والله هو المحمود وحده.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/79493

    التحميل:

  • الأمان الثاني [ الاستغفار ]

    الأمان الثاني [ الاستغفار ]: رسالةٌ وضعها المؤلف - حفظه الله - بيَّن فيها أن الله قد وهبَ هذه الأمةَ أمانان ذهب أحدهما وبقي الآخر، وهما: وجود النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وقد تُوفِّي، والاستغفار، وهذا هو الباقي. وقد عرَّف الاستغفار لغةً واصطلاحًا، وأورد الأدلة من الكتاب والسنة على فضل الاستغفار وآدابه وكيفيته وأهميته ووجوبه.

    الناشر: موقع صيد الفوائد www.saaid.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/354906

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة