Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة طه - الآية 86

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا ۚ أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي (86) (طه) mp3
لَمْ يَنْصَرِف " غَضْبَان " لِأَنَّ مُؤَنَّثه غَضْبَى , وَلِأَنَّ الْأَلِف وَالنُّون فِيهِ بِمَنْزِلَةِ أَلِفَيْ التَّأْنِيث فِي قَوْلك حَمْرَاء . وَهُوَ نُصِبَ عَلَى الْحَال . و " أَسِفًا " شَدِيد الْغَضَب . قَالَ أَبُو الدَّرْدَاء : الْأَسَف مَنْزِلَة وَرَاء الْغَضَب أَشَدّ مِنْ ذَلِكَ . وَهُوَ أَسِف وَأَسِيف وَأَسْفَان وَأَسُوف . وَالْأَسِيف أَيْضًا الْحَزِين . اِبْن عَبَّاس وَالسُّدِّيّ : رَجَعَ حَزِينًا مِنْ صَنِيع قَوْمه . وَقَالَ الطَّبَرِيّ : أَخْبَرَهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ قَبْل رُجُوعه أَنَّهُمْ قَدْ فُتِنُوا بِالْعِجْلِ ; فَلِذَلِكَ رَجَعَ وَهُوَ غَضْبَان . اِبْن الْعَرَبِيّ : وَكَانَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ أَعْظَم النَّاس غَضَبًا , لَكِنَّهُ كَانَ سَرِيع الْفَيْئَة ; فَتِلْكَ بِتِلْكَ . قَالَ اِبْن الْقَاسِم : سَمِعْت مَالِكًا يَقُول : كَانَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام إِذَا غَضِبَ طَلَعَ الدُّخَان مِنْ قَلَنْسُوَته , وَرَفَعَ شَعْر بَدَنه جُبَّته . وَذَلِكَ أَنَّ الْغَضَب جَمْرَة تَتَوَقَّد فِي الْقَلْب . وَلِأَجْلِهِ أَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ غَضِبَ أَنْ يَضْطَجِع . فَإِنْ لَمْ يَذْهَب غَضَبه اِغْتَسَلَ ; فَيُخْمِدهَا اِضْطِجَاعه وَيُطْفِئهَا اِغْتِسَاله . وَسُرْعَة غَضَبه كَانَ سَبَبًا لِصَكِّهِ مَلَك الْمَوْت فَفَقَأَ عَيْنه . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْمَائِدَة " مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي هَذَا . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم : وَإِنَّمَا اِسْتَجَازَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَلِيم اللَّه ; كَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ مَنْ اِجْتَرَأَ عَلَيْهِ أَوْ مَدّ إِلَيْهِ يَدًا بِأَذًى فَقَدْ عَظُمَ الْخَطْب فِيهِ . أَلَا تَرَى أَنَّهُ اِحْتَجَّ عَلَيْهِ فَقَالَ : مِنْ أَيْنَ تَنْزِع رُوحِي ؟ أَمِنْ فَمِي وَقَدْ نَاجَيْت بِهِ رَبِّي ! أَمْ مِنْ سَمْعِي وَقَدْ سَمِعْت بِهِ كَلَام رَبِّي ! أَمْ مِنْ يَدِي وَقَدْ قَبَضْت مِنْهُ الْأَلْوَاح ! أَمْ مِنْ قَدَمِي وَقَدْ قُمْت بَيْن يَدَيْهِ أُكَلِّمهُ بِالطُّورِ ! أَمْ مِنْ عَيْنِي وَقَدْ أَشْرَقَ وَجْهِيَ لِنُورِهِ . فَرَجَعَ إِلَى رَبّه مُفْحَمًا . وَفِي مُصَنَّف أَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي ذَرّ قَالَ : إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَنَا : ( إِذَا غَضِبَ أَحَدكُمْ وَهُوَ قَائِم فَلْيَجْلِسْ فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَب وَإِلَّا فَلْيَضْطَجِعْ ) . وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ أَبِي وَائِل الْقَاصّ قَالَ : دَخَلْنَا عَلَى عُرْوَة بْن مُحَمَّد السَّعْدِيّ فَكَلَّمَهُ رَجُل فَأَغْضَبَهُ ; فَقَامَ ثُمَّ رَجَعَ وَقَدْ تَوَضَّأَ , فَقَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَطِيَّة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ الْغَضَب مِنْ الشَّيْطَان وَإِنَّ الشَّيْطَان خُلِقَ مِنْ النَّار وَإِنَّمَا تُطْفَأ النَّار بِالْمَاءِ فَإِذَا غَضِبَ أَحَدكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ ) .



وَعَدَهُمْ عَزَّ وَجَلَّ الْجَنَّة إِذَا أَقَامُوا عَلَى طَاعَته , وَوَعَدَهُمْ أَنَّهُ يُسْمِعهُمْ كَلَامه , فِي التَّوْرَاة عَلَى لِسَان مُوسَى ; لِيَعْمَلُوا بِمَا فِيهَا فَيَسْتَحِقُّوا ثَوَاب عَمَلهمْ . وَقِيلَ : وَعَدَهُمْ النَّصْر وَالظَّفَر . وَقِيلَ : وَعْده قَوْله : " وَإِنِّي لَغَفَّار لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ " الْآيَة .


أَيْ أَفَنَسِيتُمْ ; كَمَا قِيلَ ; وَالشَّيْء قَدْ يُنْسَى لِطُولِ الْعَهْد .


"يَحِلّ " أَيْ يَجِب وَيَنْزِل . وَالْغَضَب الْعُقُوبَة وَالنِّقْمَة . وَالْمَعْنَى أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَفْعَلُوا فِعْلًا يَكُون سَبَب حُلُول غَضَب اللَّه بِكُمْ ; لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَطْلُب غَضَب اللَّه , بَلْ قَدْ يَرْتَكِب مَا يَكُون سَبَبًا لِلْغَضَبِ .


لِأَنَّهُمْ وَعَدُوهُ أَنْ يُقِيمُوا عَلَى طَاعَة اللَّه عَزَّ وَجَلَّ إِلَى أَنْ يَرْجِع إِلَيْهِمْ مِنْ الطُّور . وَقِيلَ : وَعَدَهُمْ عَلَى أَثَره لِلْمِيقَاتِ فَتَوَقَّفُوا .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الأوصاف الحميدة للمرأة المسلمة الرشيدة

    الأوصاف الحميدة للمرأة المسلمة الرشيدة : جمعت في هذه الرسالة أوصاف المرأة المحمودة لتتصف بها وتفوز بها فلا تتشبه بالرجال ولا بالكفار.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209137

    التحميل:

  • كتاب الكبائر للشيخ محمد بن عبد الوهاب

    الكبائر : فهذا كتاب الكبائر للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - ذكر فيه جملة كبيرة من الكبائر معتمدا في ذلك على كلام الله - سبحانه وتعالى - وأحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو يذكر عنوان الباب ثم يبدأ بقول الله - سبحانه وتعالى - ثم يذكر حديثا أو أكثر في الاستدلال على أن هذا الفعل كبيرة وربما يذكر بعض أقوال السلف في ذلك.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/264146

    التحميل:

  • شرح ستة مواضع من السيرة

    شرح ستة مواضع من السيرة: قال المؤلف - رحمه الله -: «تأمل - رحمك الله - ستة مواضع من السيرة، وافهمها فهمًا حسنًا، لعل الله ان يفهمك دين الأنبياء لتتبعه ودين المشركين لتتركه، فإن أكثر من يدعي الدين ويعد من الموحدين لا يفهم الستة كما ينبغي».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1877

    التحميل:

  • أصول في التفسير

    أصول في التفسير: قال المصنف - رحمه الله -: «فإن من المهم في كل فنٍّ أن يتعلمَ المرءُ من أصوله ما يكون عونًا له على فهمه وتخريجه على تلك الأصول؛ ليكونَ علمه مبنيًّا على أُسس قوية ودعائم راسخة. ومن أجلِّ فنون العلم - بل هو أجلُّها وأشرفها -: علم التفسير الذي هو تبيين معاني كلام الله - عز وجل -، وقد وضع له أهلُ العلم أصولاً كما وضعوا لعلم الحديث أصولاً، ولعلم الفقه أصولاً. وقد كنتُ كتبتُ من هذا العلم ما تيسَّر لطلاب المعاهد العلمية في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، فطلب مني بعضُ الناس أن أُفرِدها في رسالة؛ ليكون ذلك أيسر وأجمع، فأجبتُه إلى ذلك».

    الناشر: موقع الشيخ محمد بن صالح العثيمين http://www.ibnothaimeen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/349282

    التحميل:

  • مدخل لتفسير التحرير والتنوير لابن عاشور

    مدخل لتفسير التحرير والتنوير لابن عاشور .

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172559

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة