Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة طه - الآية 44

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ (44) (طه) mp3
دَلِيل عَلَى جَوَاز الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر , وَأَنَّ ذَلِكَ يَكُون بِاللَّيِّنِ مِنْ الْقَوْل لِمَنْ مَعَهُ الْقُوَّة , وَضُمِنَتْ لَهُ الْعِصْمَة , أَلَا تَرَاهُ قَالَ : " فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا " وَقَالَ : " لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَع وَأَرَى " [ طَه : 46 ] فَكَيْفَ بِنَا فَنَحْنُ أَوْلَى بِذَلِكَ . وَحِينَئِذٍ يَحْصُل الْآمِر وَالنَّاهِي عَلَى مَرْغُوبه , وَيَظْفَر بِمَطْلُوبِهِ ; وَهَذَا وَاضِح .

وَاخْتَلَفَ النَّاس فِي مَعْنَى قَوْله ( لَيِّنًا ) فَقَالَتْ فِرْقَة مِنْهُمْ الْكَلْبِيّ وَعِكْرِمَة : مَعْنَاهُ كَنِّيَاهُ ; وَقَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَالسُّدِّيّ . ثُمَّ قِيلَ : وَكُنْيَته أَبُو الْعَبَّاس . وَقِيلَ : أَبُو الْوَلِيد . وَقِيلَ : أَبُو مُرَّة ; فَعَلَى هَذَا الْقَوْل تَكْنِيَة الْكَافِر جَائِزَة إِذَا كَانَ وَجِيهًا ذَا شَرَف وَطُمِعَ بِإِسْلَامِهِ . وَقَدْ يَجُوز ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يُطْمَع بِإِسْلَامِهِ , لِأَنَّ الطَّمَع لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ تُوجِب عَمَلًا . وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيم قَوْم فَأَكْرِمُوهُ ) وَلَمْ يَقُلْ وَإِنْ طَمِعْتُمْ فِي إِسْلَامه , وَمِنْ الْإِكْرَام دُعَاؤُهُ بِالْكُنْيَةِ . وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِصَفْوَان بْن أُمَيَّة : ( اِنْزِلْ أَبَا وَهْب ) فَكَنَّاهُ . وَقَالَ لِسَعْدٍ : ( أَلَمْ تَسْمَع مَا يَقُول أَبُو حُبَاب ) يَعْنِي عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ . وَرُوِيَ فِي الْإِسْرَائِيلِيَّات أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام قَامَ عَلَى بَاب فِرْعَوْن سَنَة , لَا يَجِد رَسُولًا يُبَلِّغ كَلَامًا حَتَّى خَرَجَ . فَجَرَى لَهُ مَا قَضَى اللَّه مِنْ ذَلِكَ , وَكَانَ ذَلِكَ تَسْلِيَة لِمَنْ جَاءَ بَعْده مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي سِيرَتهمْ مَعَ الظَّالِمِينَ , وَرَبّك أَعْلَم بِالْمُهْتَدِينَ . وَقِيلَ قَالَ لَهُ مُوسَى تُؤْمِنْ بِمَا جِئْت بِهِ , وَتَعْبُدْ رَبّ الْعَالَمِينَ ; عَلَى أَنَّ لَك شَبَابًا لَا يَهْرَم إِلَى الْمَوْت , وَمُلْكًا لَا يُنْزَع مِنْك إِلَى الْمَوْت , وَيُنْسَأ فِي أَجَلك أَرْبَعمِائَةِ سَنَة , فَإِذَا مُتّ دَخَلْت الْجَنَّة . فَهَذَا الْقَوْل اللَّيِّن . وَقَالَ اِبْن مَسْعُود الْقَوْل اللَّيِّن قَوْله تَعَالَى " فَقُلْ هَلْ لَك إِلَى أَنْ تَزَكَّى . وَأَهْدِيك إِلَى رَبّك فَتَخْشَى " [ النَّازِعَات : 18 - 19 ] . وَقَدْ قِيلَ إِنَّ الْقَوْل اللَّيِّن قَوْل مُوسَى : يَا فِرْعَوْن إِنَّا رَسُولَا رَبّك رَبّ الْعَالَمِينَ . فَسَمَّاهُ بِهَذَا الِاسْم لِأَنَّهُ أَحَبّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُ مِمَّا قِيلَ لَهُ , كَمَا يُسَمَّى عِنْدنَا الْمَلِك وَنَحْوه . قُلْت : الْقَوْل اللَّيِّن هُوَ الْقَوْل الَّذِي لَا خُشُونَة فِيهِ ; يُقَال : لَانَ الشَّيْء يَلِين لَيْنًا ; وَشَيْء لَيِّن وَلَيْن مُخَفَّف مِنْهُ ; وَالْجَمْع أَلْيِنَاء . فَإِذَا كَانَ مُوسَى أُمِرَ بِأَنْ يَقُول لِفِرْعَوْن قَوْلًا لَيِّنًا , فَمَنْ دُونه أَحْرَى بِأَنْ يَقْتَدِي بِذَلِكَ فِي خِطَابه , وَأَمْره بِالْمَعْرُوفِ فِي كَلَامه . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى " وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا " [ الْبَقَرَة : 83 ] . عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " بَيَانه وَالْحَمْد لِلَّهِ .




مَعْنَاهُ : عَلَى رَجَائِكُمَا وَطَمَعكُمَا ; فَالتَّوَقُّع فِيهَا إِنَّمَا هُوَ رَاجِع إِلَى جِهَة الْبَشَر ; قَالَهُ كُبَرَاء النَّحْوِيِّينَ : سِيبَوَيْهِ وَغَيْره . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّل " الْبَقَرَة "

قَالَ الزَّجَّاج : " لَعَلَّ " لَفْظَة طَمَع وَتَرَجٍّ فَخَاطَبَهُمْ بِمَا يَعْقِلُونَ . وَقِيلَ " لَعَلَّ " هَاهُنَا بِمَعْنَى الِاسْتِفْهَام , وَالْمَعْنَى فَانْظُرْ هَلْ يَتَذَكَّر . وَقِيلَ : هَلْ بِمَعْنَى كَيْ . وَقِيلَ : هُوَ إِخْبَار مِنْ اللَّه تَعَالَى عَنْ قَوْل هَارُون لِمُوسَى لَعَلَّهُ يَتَذَكَّر أَوْ يَخْشَى ; قَالَهُ الْحَسَن . وَقِيلَ : إِنَّ لَعَلَّ وَعَسَى فِي جَمِيع الْقُرْآن لِمَا قَدْ وَقَعَ . وَقَدْ تَذَّكَّر فِرْعَوْن حِين أَدْرَكَهُ الْغَرَق وَخَشِيَ فَقَالَ : " آمَنْت أَنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا الَّذِي آمَنْت بِهِ بَنُو إِسْرَائِيل وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ " [ يُونُس : 90 ] وَلَكِنْ لَمْ يَنْفَعهُ ذَلِكَ ; قَالَهُ أَبُو بَكْر الْوَرَّاق وَغَيْره وَقَالَ يَحْيَى بْن مُعَاذ فِي هَذِهِ الْآيَة : هَذَا رِفْقك بِمَنْ يَقُول أَنَا الْإِلَه فَكَيْف رِفْقك بِمَنْ يَقُول أَنْتَ الْإِلَه ؟ ! . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ فِرْعَوْن رَكَنَ إِلَى قَوْل مُوسَى لَمَّا دَعَاهُ , وَشَاوَرَ اِمْرَأَته فَآمَنَتْ وَأَشَارَتْ عَلَيْهِ بِالْإِيمَانِ , فَشَاوَرَ هَامَان فَقَالَ : لَا تَفْعَل ; بَعْد أَنْ كُنْت مَالِكًا تَصِير مَمْلُوكًا , وَبَعْد أَنْ كُنْت رَبًّا تَصِير مَرْبُوبًا . وَقَالَ لَهُ : أَنَا أُرِدْك شَابًّا فَخَضَّبَ لِحْيَته بِالسَّوَادِ فَهُوَ أَوَّل مَنْ خَضَّبَ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • شرح الرسالة التدمرية [ البراك ]

    الرسالة التدمرية : تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع، لشيخ الإسلام ابن تيمية المتوفي سنة (827هـ) - رحمه الله تعالى -، - سبب كتابتها ما ذكره شيخ الإسلام في مقدمتها بقوله: " أما بعد: فقد سألني من تعينت إجابتهم أن أكتب لهم مضمون ما سمعوه مني في بعض المجالس من الكلام في التوحيد والصفات وفي الشرع والقدر. - جعل كلامه في هذه الرسالة مبنياً على أصلين: الأصل الأول: توحيد الصفات، قدم له مقدمة ثم ذكر أصلين شريفين ومثلين مضروبين وخاتمة جامعة اشتملت على سبع قواعد يتبين بها ما قرره في مقدمة هذا الأصل. الأصل الثاني: توحيد العبادة المتضمن للإيمان بالشرع والقدر جميعاً. - والذين سألوا الشيخ أن يكتب لهم مضمون ما سمعوا منه من أهل تدمر - فيما يظهر - وتدمر بلدة من بلدان الشام من أعمال حمص، وهذا وجه نسبة الرسالة إليها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/322216

    التحميل:

  • التعريف بسور القرآن الكريم

    التعريف بسور القرآن الكريم : ملف chm يحتوي على بيان سبب تسمية كل سورة، والتعريف بها، ومحور مواضيعها، وسبب نزولها، وفضلها. وننبه على أن هناك بعض الأحاديث في الكتاب ضعيفة، لذا يمكن البحث في موقع الدرر السنية للتأكد من صحة الأحاديث.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141505

    التحميل:

  • معلم التجويد

    معلم التجويد : كتيب ميسر مرتب على ثمانية أبواب: الأول: في تعريف القرآن، وبيان بعض فضله، وشرف أهله. الثاني: في بيان الترتيل. الثالث: في بيان طريق ميسر لختم القرآن. الرابع: في فضائل بعض الآيات والسور. الخامس: في بيان سجدات القرآن. السادس: في نبذة يسيرة من علم القراءات. السابع: في فرائد من فوائد لها صلة بالقرآن. الثامن: في أحكام متعلقة بإكرام المصحف. - قدم لهذه الرسالة فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين، والمقرئ الشيخ أحمد بن خليل بن شاهين، والشيخ عبد الله بن علي بصفر - حفظهم الله -.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/166515

    التحميل:

  • هكذا تدمر الجريمة الجنسية أهلها

    هكذا تدمر الجريمة الجنسية أهلها : رسالة مختصرة تبين جزاء الزناة والزواني، وآثار الزنى وعواقبه، وأسباب جريمة الزنا، وشروط المغفرة.

    الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض - شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/265564

    التحميل:

  • التعايش مع غير المسلمين في المجتمع المسلم

    التعايش مع غير المسلمين في المجتمع المسلم: تنتظم هذه الدراسة في تمهيد ومبحثين وخاتمة: التمهيد: وفيه أعرّف بأنواع الكافرين في بلاد المسلمين والأحكام العامة لكل منهم. المبحث الأول: وأذكر فيه حقوق غير المسلمين وضماناتهم في المجتمع المسلم، وأعرض لتطبيقات ذلك في التاريخ الإسلامي. المبحث الثاني: وأتناول فيه مسألة الجزية في الإسلام، وأبين الحق في هذه الشرعة والمقصود منها. الخاتمة: وألخص فيها أهم ما توصلت إليه الدراسة من نتائج.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/228828

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة