Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة طه - الآية 39

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ ۚ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي (39) (طه) mp3
قَالَ مُقَاتِل مُؤْمِن آل فِرْعَوْن هُوَ الَّذِي صَنَعَ التَّابُوت وَنَجَرَهُ وَكَانَ اِسْمه حِزْقِيل . وَكَانَ التَّابُوت مِنْ جُمَّيْز .



أَيْ اِطْرَحِيهِ فِي الْبَحْر : نَهْر النِّيل . " فَاقْذِفِيهِ " قَالَ الْفَرَّاء : " فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمّ " أَمْر وَفِيهِ مَعْنَى الْمُجَازَاة . أَيْ اِقْذِفِيهِ يُلْقِهِ الْيَمّ . وَكَذَا قَوْله : " اِتَّبِعُوا سَبِيلنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ " [ الْعَنْكَبُوت : 12 ] .



يَعْنِي فِرْعَوْن ; فَاتَّخَذَتْ تَابُوتًا , وَجَعَلَتْ فِيهِ نِطْعًا وَوَضَعَتْ فِيهِ مُوسَى , وَقَيَّرَتْ رَأْسه وَخِصَاصه يَعْنِي شُقُوقه ثُمَّ أَلْقَتْهُ فِي النِّيل , وَكَانَ يَشْرَع مِنْهُ نَهْر كَبِير فِي دَار فِرْعَوْن , فَسَاقَهُ اللَّه فِي ذَلِكَ النَّهْر إِلَى دَار فِرْعَوْن . وَرُوِيَ أَنَّهَا جَعَلَتْ فِي التَّابُوت قُطْنًا مَحْلُوجًا , فَوَضَعَتْهُ فِيهِ وَقَيَّرَتْهُ وَجَصَّصَتْهُ , ثُمَّ أَلْقَتْهُ فِي الْيَمّ . وَكَانَ يَشْرَع مِنْهُ إِلَى بُسْتَان فِرْعَوْن نَهْر كَبِير , فَبَيْنَا هُوَ جَالِس عَلَى رَأْس بِرْكَة مَعَ آسِيَة , إِذَا بِالتَّابُوتِ , فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ , فَفُتِحَ فَإِذَا صَبِيّ أَصْبَحَ النَّاس , فَأَحَبَّهُ عَدُوّ اللَّه حُبًّا شَدِيدًا لَا يَتَمَالَك أَنْ يَصْبِر عَنْهُ . وَظَاهِر الْقُرْآن يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْبَحْر أَلْقَاهُ بِسَاحِلِهِ وَهُوَ شَاطِئُهُ , فَرَأَى فِرْعَوْن التَّابُوت بِالسَّاحِلِ فَأَمَرَ بِأَخْذِهِ . وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون إِلْقَاء الْيَمّ بِمَوْضِعٍ مِنْ السَّاحِل , فِيهِ فُوَّهَة نَهْر فِرْعَوْن , ثُمَّ أَدَّاهُ النَّهْر إِلَى حَيْثُ الْبِرْكَة . وَاَللَّه أَعْلَم . وَقِيلَ : وَجَدَتْهُ اِبْنَة فِرْعَوْن وَكَانَ بِهَا بَرَص , فَلَمَّا فَتَحَتْ التَّابُوت شُفِيَتْ . وَرُوِيَ أَنَّهُمْ حِين اِلْتَقَطُوا التَّابُوت عَالَجُوا فَتْحه فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ , وَعَالَجُوا كَسْره فَأَعْيَاهُمْ , فَدَنَتْ آسِيَة فَرَأَتْ فِي جَوْف التَّابُوت نُورًا فَعَالَجَتْهُ فَفَتَحَتْهُ , فَإِذَا صَبِيّ نُوره بَيْن عَيْنَيْهِ , وَهُوَ يَمُصّ إِبْهَامه لَبَنًا فَأَحَبُّوهُ . وَكَانَتْ لِفِرْعَوْن بِنْت بَرْصَاء , وَقَالَ لَهُ الْأَطِبَّاء : لَا تَبْرَأ إِلَّا مِنْ قِبَل الْبَحْر يُوجَد فِيهِ شَبَه إِنْسَان دَوَاؤُهَا رِيقه ; فَلَطَّخَتْ الْبَرْصَاء بَرَصهَا بِرِيقِهِ فَبَرِئَتْ . وَقِيلَ : لَمَّا نَظَرَتْ إِلَى وَجْهه بَرِئَتْ . وَاَللَّه أَعْلَم . وَقِيلَ : وَجَدَتْهُ جَوَارٍ لِامْرَأَةِ فِرْعَوْن , فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ فِرْعَوْن فَرَأَى صَبِيًّا مِنْ أَصْبَح النَّاس وَجْهًا , فَأَحَبَّهُ فِرْعَوْن .


قَالَ اِبْن عَبَّاس : أَحَبَّهُ اللَّه وَحَبَّبَهُ إِلَى خَلْقه . وَقَالَ اِبْن عَطِيَّة : جَعَلَ عَلَيْهِ مَسْحَة مِنْ جَمَال لَا يَكَاد يَصْبِر عَنْهُ مَنْ رَآهُ . وَقَالَ قَتَادَة : كَانَتْ فِي عَيْنَيْ مُوسَى مَلَاحَة مَا رَآهُ أَحَد إِلَّا أَحَبَّهُ وَعَشَقه . وَقَالَ عِكْرِمَة : الْمَعْنَى جَعَلْت فِيك حُسْنًا وَمَلَاحَة فَلَا يَرَاك أَحَد إِلَّا أَحَبَّك . وَقَالَ الطَّبَرِيّ : الْمَعْنَى أَلْقَيْت عَلَيْك رَحْمَتِي . وَقَالَ اِبْن زَيْد : جَعَلْت مَنْ رَآك أَحَبَّك حَتَّى أَحَبَّك فِرْعَوْن فَسَلِمْت مِنْ شَرّه , وَأَحَبَّتْك آسِيَة بِنْت مُزَاحِم فَتَبَنَّتْك .



قَالَ اِبْن عَبَّاس : يُرِيد أَنَّ ذَلِكَ بِعَيْنِي حَيْثُ جُعِلْت فِي التَّابُوت , وَحَيْثُ أُلْقِيَ التَّابُوت فِي الْبَحْر , وَحَيْثُ اِلْتَقَطَك جَوَارِي اِمْرَأَة فِرْعَوْن ; فَأَرَدْنَ أَنْ يَفْتَحْنَ التَّابُوت لِيَنْظُرْنَ مَا فِيهِ , فَقَالَتْ مِنْهُنَّ وَاحِدَة : لَا تَفْتَحْنَهُ حَتَّى تَأْتِينَ بِهِ سَيِّدَتكُنَّ فَهُوَ أَحْظَى لَكُنَّ عِنْدهَا , وَأَجْدَر بِأَلَّا تَتَّهِمكُنَّ بِأَنَّكُنَّ وَجَدْتُنَّ فِيهِ شَيْئًا فَأَخَذْتُمُوهُ لِأَنْفُسِكُنَّ . وَكَانَتْ اِمْرَأَة فِرْعَوْن لَا تَشْرَب مِنْ الْمَاء إِلَّا مَا اِسْتَقَيْنَهُ أُولَئِكَ الْجَوَارِي فَذَهَبْنَ بِالتَّابُوتِ إِلَيْهَا مُغْلَقًا , فَلَمَّا فَتَحَتْهُ رَأَتْ صَبِيًّا لَمْ يُرَ مِثْله قَطُّ ; وَأُلْقِيَ عَلَيْهَا مَحَبَّته فَأَخَذَتْهُ فَدَخَلَتْ بِهِ عَلَى فِرْعَوْن , فَقَالَتْ لَهُ : " قُرَّة عَيْن لِي وَلَك " [ الْقَصَص : 9 ] قَالَ لَهَا فِرْعَوْن : أَمَّا لَك فَنَعَمْ , وَأَمَّا لِي فَلَا . فَبَلَغْنَا أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَوْ أَنَّ فِرْعَوْن قَالَ نَعَمْ هُوَ قُرَّة عَيْن لِي وَلَك لَآمَنَ وَصَدَّقَ ) فَقَالَتْ : هَبْهُ لِي وَلَا تَقْتُلهُ ; فَوَهَبَهُ لَهَا . وَقِيلَ : " وَلِتُصْنَع عَلَى عَيْنِي " أَيْ تُرَبَّى وَتُغَذَّى عَلَى مَرْأًى مِنِّي ; قَالَهُ قَتَادَة . قَالَ النَّحَّاس : وَذَلِكَ مَعْرُوف فِي اللُّغَة ; يُقَال : صَنَعْت الْفَرَس وَأَصْنَعْته إِذَا أَحْسَنْت الْقِيَام عَلَيْهِ . وَالْمَعْنَى " وَلِتُصْنَع عَلَى عَيْنِي " فَعَلْت ذَلِكَ . وَقِيلَ : اللَّام مُتَعَلِّقَة بِمَا بَعْدهَا مِنْ قَوْله : " إِذْ تَمْشِي أُخْتك " عَلَى التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير ف " إِذْ " ظَرْف " لِتُصْنَع " . وَقِيلَ : الْوَاو فِي " وَلِتُصْنَع " زَائِدَة . وَقَرَأَ اِبْن الْقَعْقَاع " وَلِتُصْنَع " بِإِسْكَانِ اللَّام عَلَى الْأَمْر , وَظَاهِره لِلْمُخَاطَبِ وَالْمَأْمُور غَائِب . وَقَرَأَ أَبُو نَهِيك " وَلِتَصْنَع " بِفَتْحِ التَّاء . وَالْمَعْنَى وَلِتَكُونَ حَرَكَتك وَتَصَرُّفك بِمَشِيئَتِي وَعَلَى عَيْن مِنِّي . ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيّ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • أروع القيم الحضارية في سيرة خير البرية

    أروع القيم الحضارية في سيرة خير البرية: مناسبة كتابة هذا البحث هي تنامي ظاهرة الإساءة إلى الإسلام، وتتابع حملات الطعن في مقدسات المسلمين، والسخرية من شعائرهم وشرائعهم، في حملات مسعورة يقودها ساسة ورجال دين، تُساندهم وسائل إعلام متنوعة، إلى أن وصلت هذه الحملات للتعرض لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالإساءة إلى شخصه الكريم، وتناول زوجاته الطاهرات، والتشويه لجهاده في سبيل الله. - والكتاب من تأليف: انجوغو امبكي صمب.

    الناشر: موقع رسول الله http://www.rasoulallah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/346602

    التحميل:

  • الصلاة في القرآن الكريم: مفهومها وفقهها

    الصلاة في القرآن الكريم: مفهومها وفقهها: هذه رسالة مهمة ذكر فيها الشيخ أهمية الصلاة ومفهومها وما تحتويه من فقهيات يجب على كل مسلم تعلُّمها؛ مثل: الطهارة وضوءًا وتيمُّمًا وغسلاً ولباسًا ويزنةً وموضعًا، وعن استقبال القبلة متى يجب ومتى يسقط، وعن الصلوات الخمس وتحديد أوقاتها وعن صلاة السفر، والخوف، والجمعة، والعيد، والجنائز، والجماعة، وعن صلاة المريض، وصلاة القيام. وعن مكانة الصلاة، وعن فضلها وثمرتها وحكمة تشريعها وعن روحها ولُبّها وما إلى ذلك.

    الناشر: مكتبة العبيكان للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/364177

    التحميل:

  • شرح المنظومة الرائية في السنة

    شرح المنظومة الرائية في السنة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه منظومة عظيمة في تقرير عقيدة أهل السنة وبيان قواعدهم في الدين للإمام سعد بن علي بن محمد بن علي بن الحسين أبي القاسم الزنجاني - رحمه الله - المُتوفَّى سنة (471 هـ) مع شرح عليها لناظمها فيه خرمٌ في أوله حيث لم يوجد كاملاً، تُنشر لأول مرة؛ إذ لم يكن لها وجود في الكتب المطبوعة في حدود علمي».

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/344683

    التحميل:

  • تذكرة الصوَّام بشيء من فضائل الصيام والقيام وما يتعلق بهما من أحكام

    تذكرة الصوَّام بشيء من فضائل الصيام والقيام وما يتعلق بهما من أحكام: قال المؤلف: «فهذه تذكرةٌ مُوجَزة بشيءٍ من فضائل الصِّيام والقِيام، وما يتيسَّر ممَّا يتعلَّق بهما من أحكام، جمعتُها لنفسي من كتب مشايخي، ومَنْ سَلَف من أهل العلم - جزاهم الله خيرًا، وضاعَف مَثُوبَتهم - وأحبَبتُ أن ينتَفِع بها مَن شاء الله من إخواني المسلِمين؛ تبليغًا للعلم، وقيامًا بواجب النصيحة، وسمَّيتها: «تذكرة الصُّوَّام بشيءٍ من فضائل الصِّيام والقِيام وما يتعلَّق بهما من أحكام».

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/330342

    التحميل:

  • أركان الإيمان

    أركان الإيمان: هذا الكتاب يتحدث عن أركان الإيمان الستة، وهي: (الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره) بالتوضيح والبيان المعززين بالكتاب والسنة، والمعقول، وبَيَّن أن الإيمان: هو قول باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، ثم تطرق الكتاب إلى تحقيق الإيمان، كما تناول أشهر المسائل المتعلقة بكل ركن من أركان الإيمان. وهذه الدراسة عن أركان الإيمان هي أحد برامج العمادة العلمية، حيث وجّهت بعض أعضاء هيئة التدريس بالجامعة للكتابة في الموضوع ثمّ كلّفت اللجنة العلمية بالعمادة بدراسة ما كتبوه واستكمال النقص وإخراجه بالصورة المناسبة، مع الحرص على ربط القضايا العلمية بأدلّتها من الكتاب والسنّة. وتحرص العمادة - من خلال هذه الدراسة - إلى تمكين أبناء العالم الإسلامي من الحصول على العلوم الدينية النافعة؛ لذلك قامت بترجمتها إلى اللغات العالمية ونشرها وتضمينها شبكة المعلومات الدولية - الإنترنت -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/63371

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة