Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة طه - الآية 131

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ (131) (طه) mp3
وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ فِي " الْحِجْر " " أَزْوَاجًا " مَفْعُول ب " مَتَّعْنَا " . و " زَهْرَة " نُصِبَ عَلَى الْحَال . وَقَالَ الزَّجَّاج : " زَهْرَة " مَنْصُوبَة بِمَعْنَى " مَتَّعْنَا " لِأَنَّ مَعْنَاهُ جَعَلْنَا لَهُمْ الْحَيَاة الدُّنْيَا زَهْرَة ; أَوْ بِفِعْلٍ مُضْمَر وَهُوَ " جَعَلْنَا " أَيْ جَعَلْنَا لَهُمْ زَهْرَة الْحَيَاة الدُّنْيَا ; عَنْ الزَّجَّاج أَيْضًا . وَقِيلَ : هِيَ بَدَل مِنْ الْهَاء فِي " بِهِ " عَلَى الْمَوْضِع كَمَا تَقُول : مَرَرْت بِهِ أَخَاك . وَأَشَارَ الْفَرَّاء إِلَى نَصْبه عَلَى الْحَال ; وَالْعَامِل فِيهِ " مَتَّعْنَا " قَالَ : كَمَا تَقُول مَرَرْت بِهِ الْمِسْكِين ; وَقَدَّرَهُ : مَتَّعْنَاهُمْ بِهِ زَهْرَة الْحَيَاة فِي الدُّنْيَا وَزِينَة فِيهَا . وَيَجُوز أَنَّ عَلَى الْمَصْدَر مِثْل " صُنْع اللَّه " و " وَعْد اللَّه " وَفِيهِ نَظَر . وَالْأَحْسَن أَنْ يَنْتَصِب عَلَى الْحَال وَيُحْذَف التَّنْوِين لِسُكُونِهِ وَسُكُون اللَّام مِنْ الْحَيَاة ; كَمَا قُرِئَ " وَلَا اللَّيْل سَابِق النَّهَار " بِنَصْبِ النَّهَار بِسَابِقٍ عَلَى تَقْدِير حَذْف التَّنْوِين لِسُكُونِهِ وَسُكُون اللَّام , وَتَكُون " الْحَيَاة " مَخْفُوضَة عَلَى الْبَدَل مِنْ " مَا " فِي قَوْله : " إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ " فَيَكُون التَّقْدِير : وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْك إِلَى الْحَيَاة الدُّنْيَا زَهْرَة أَيْ فِي حَال زَهْرَتهَا . وَلَا يَحْسُن أَنْ يَكُون " زَهْرَة " بَدَلًا مِنْ " مَا " عَلَى الْمَوْضِع فِي قَوْله : " إِلَى مَا مَتَّعْنَا " لِأَنَّ " لِنَفْتِنهُمْ " مُتَعَلِّق ب " مَتَّعْنَا " و " زَهْرَة الْحَيَاة الدُّنْيَا " يَعْنِي زِينَتهَا بِالنَّبَاتِ . وَالزَّهْرَة , بِالْفَتْحِ فِي الزَّاي وَالْهَاء نَوْر النَّبَات . وَالزُّهَرَة بِضَمِّ الزَّاي وَفَتْح الْهَاء النَّجْم . وَبَنُو زُهْرَة بِسُكُونِ الْهَاء ; قَالَهُ اِبْن عَزِيز . وَقَرَأَ عِيسَى بْن عُمَر " زَهَرَة " بِفَتْحِ الْهَاء مِثْل نَهْر وَنَهَر . وَيُقَال : سِرَاج زَاهِر أَيْ لَهُ بَرِيق . وَزَهْر الْأَشْجَار مَا يَرُوق مِنْ أَلْوَانهَا . وَفِي الْحَدِيث : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَزْهَر اللَّوْن أَيْ نَيِّر اللَّوْن ; يُقَال لِكُلِّ شَيْء مُسْتَنِير زَاهِر , وَهُوَ أَحْسَن الْأَلْوَان .



أَيْ لِنَبْتَلِيَهُمْ . وَقِيلَ : لِنَجْعَل ذَلِكَ فِتْنَة لَهُمْ وَضَلَالًا , وَمَعْنَى الْآيَة : لَا تَجْعَل يَا مُحَمَّد لِزَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزْنًا , فَإِنَّهُ لَا بَقَاء لَهَا . " وَلَا تَمُدَّنَّ " أَبْلَغ مِنْ لَا تَنْظُرَنَّ , لِأَنَّ الَّذِي يَمُدّ بَصَره , إِنَّمَا يَحْمِلهُ عَلَى ذَلِكَ حِرْص مُقْتَرِن , وَاَلَّذِي يَنْظُر قَدْ لَا يَكُون ذَلِكَ مَعَهُ .

مَسْأَلَة : قَالَ بَعْض النَّاس سَبَب نُزُول هَذِهِ الْآيَة مَا رَوَاهُ أَبُو رَافِع مَوْلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ نَزَلَ ضَيْف بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَرْسَلَنِي عَلَيْهِ السَّلَام إِلَى رَجُل مِنْ الْيَهُود , وَقَالَ قُلْ لَهُ يَقُول لَك مُحَمَّد : نَزَلَ بِنَا ضَيْف وَلَمْ يُلْفَ عِنْدنَا بَعْض الَّذِي يُصْلِحهُ ; فَبِعْنِي كَذَا وَكَذَا مِنْ الدَّقِيق , أَوْ أَسْلِفْنِي إِلَى هِلَال رَجَب فَقَالَ : لَا , إِلَّا بِرَهْنٍ . قَالَ : فَرَجَعْت إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْته فَقَالَ : " وَاَللَّه إِنِّي لَأَمِين فِي السَّمَاء أَمِين فِي الْأَرْض وَلَوْ أَسْلِفْنِي أَوْ بَاعَنِي لَأَدَّيْت إِلَيْهِ اِذْهَبْ بِدِرْعِي إِلَيْهِ " وَنَزَلَتْ الْآيَة تَعْزِيَة لَهُ عَنْ الدُّنْيَا .

قَالَ اِبْن عَطِيَّة وَهَذَا مُعْتَرَض أَنْ يَكُون سَبَبًا ; لِأَنَّ السُّورَة مَكِّيَّة وَالْقِصَّة الْمَذْكُورَة مَدَنِيَّة فِي آخِر عُمْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِأَنَّهُ مَاتَ وَدِرْعه مَرْهُونَة عِنْد يَهُودِيّ بِهَذِهِ الْقِصَّة الَّتِي ذُكِرَتْ ; وَإِنَّمَا الظَّاهِر أَنَّ الْآيَة مُتَنَاسِقَة مَعَ مَا قَبْلهَا , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى وَبَّخَهُمْ عَلَى تَرْك الِاعْتِبَار بِالْأُمَمِ السَّالِفَة ثُمَّ تَوَعَّدَهُمْ بِالْعَذَابِ الْمُؤَجَّل , ثُمَّ أَمَرَ نَبِيّه بِالِاحْتِقَارِ لِشَأْنِهِمْ , وَالصَّبْر عَلَى أَقْوَالهمْ , وَالْإِعْرَاض عَنْ أَمْوَالهمْ وَمَا فِي أَيْدِيهمْ مِنْ الدُّنْيَا ; إِذْ ذَلِكَ مُنْصَرِم عَنْهُمْ صَائِر إِلَى خِزْي . قُلْت : وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَام أَنَّهُ مَرَّ بِإِبِلِ بَنِي الْمُصْطَلِق وَقَدْ عَبِسَتْ فِي أَبْوَالهَا [ وَأَبْعَارِهَا ] مِنْ السِّمَن فَتَقَنَّعَ بِثَوْبِهِ ثُمَّ مَضَى , لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : " وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْك إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ " الْآيَة .



ثُمَّ سَلَّاهُ فَقَالَ : " وَرِزْق رَبّك خَيْر وَأَبْقَى " أَيْ ثَوَاب اللَّه عَلَى الصَّبْر وَقِلَّة الْمُبَالَاة بِالدُّنْيَا أَوْلَى ; لِأَنَّهُ يَبْقَى وَالدُّنْيَا تَفْنَى . وَقِيلَ يَعْنِي بِهَذَا الرِّزْق مَا يَفْتَح اللَّه عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْبِلَاد وَالْغَنَائِم .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • اتخاذ القرآن الكريم أساسا لشؤون الحياة والحكم في المملكة العربية السعودية

    قال المؤلف - حفظه الله -: فهذا بحث عن: " اتخاذ القرآن الكريم أساسًا لشؤون الحياة والحكم في المملكة العربية السعودية " كتبته بناء على طلب كريم من اللجنة التحضيرية لندوة " عناية المملكة العربية السعودية بالقرآن الكريم وعلومه "، في مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، في المدينة المنورة، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، حاولت فيه إبراز المعالم الكبرى لمسيرة المملكة الإسلامية، وخصصت منهج السلف بمزيد عناية وإبراز ولا سيما من الناحية التطبيقية والممارسة والتبني. أرجو أن يكون محققًا للمقصود وافيًا بالمطلوب، سائلًا الله العلي القدير أن يزيدنا بدينه تمسكًا، وأن يوفقنا لصالح العلم والعمل إنه سميع مجيب.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/110563

    التحميل:

  • البيان المطلوب لكبائر الذنوب

    البيان المطلوب لكبائر الذنوب : في هذه الرسالة جمع المؤلف بعض كبائر الذنوب، التي نهى الله عنها ورسوله، ورتب عليها الوعيد الشديد بالعذاب الأليم، ليتذكرها المؤمن فيخاف منها ومن سوء عاقبتها فيتجنبها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209123

    التحميل:

  • الحجج القاطعة في المواريث الواقعة

    فوائدُ علَّقَـها الشيخُ - رحمه الله - على حديثِ ابنِ عباسٍ - رضيَ الُله عنهُما- عن ِالنبِي - صلى الله عليه وسلم - قال: « ألحِقوا الفرائضَ بأهلِها فما بَقِيَ فلأَولَى رجلٍ ذكرٍ »، وفي روايةٍ « اقسِموا المالَ بيَن أهلِ الفرائضِ على كتابِ الِله فما أبقَتْ الفرائضُ فلأَولَى رجُلٍ ذكرٍ ». رواهُ البخاريُّ ومُسلمٌ.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2569

    التحميل:

  • الحزن والاكتئاب على ضوء الكتاب والسنة

    الحزن والاكتئاب على ضوء الكتاب والسنة : يحتوي الكتاب على: • مقدمة الدكتور عبد الرزاق بن محمود الحمد • بين يدي الكتاب • ترجمة المؤلف رحمه الله • مقدمة المؤلف • تعريف الحزن والاكتئاب • أنواع الحزن • مرض الاكتئاب : أولاً: أعراضه - ثانيًا: أسبابه. • ما هو العلاج؟ أولاً: العقيدة - ثانيًا: التقوى والعمل الصالح - ثالثًا: الدعاء والتسبيح والصلاة - رابعًا: تقدير أسوأ الاحتمالات - خامسًا: الواقعية في النظرة إلى الحياة - سادسًا: تقديم حسن الظن - سابعًا: كيف التصرف حيال أذى الناس - ثامنًا: الأمل. • العلاج الطبي للاكتئاب.

    الناشر: مجلة البيان http://www.albayan-magazine.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205802

    التحميل:

  • حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح

    حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح : في هذا الكتاب بين المؤلف - رحمه الله - صفات الجنة ونعيمها وصفات أهلها وساكنيها.

    المدقق/المراجع: زائد بن أحمد النشيري

    الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/265613

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة