Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة طه - الآية 115

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115) (طه) mp3
قَرَأَ الْأَعْمَش بِاخْتِلَافٍ عَنْهُ " فَنَسِي " بِإِسْكَانِ الْيَاء وَلَهُ مَعْنَيَانِ أَحَدهمَا : تَرَكَ ; أَيْ تَرَكَ الْأَمْر وَالْعَهْد ; وَهَذَا قَوْل مُجَاهِد وَأَكْثَر الْمُفَسِّرِينَ وَمِنْهُ " نَسُوا اللَّه فَنَسِيَهُمْ " . [ التَّوْبَة 67 ] . و [ وَثَانِيهمَا ] قَالَ اِبْن عَبَّاس " نَسِيَ " هُنَا مِنْ السَّهْو وَالنِّسْيَان , وَإِنَّمَا أُخِذَ الْإِنْسَان مِنْهُ لِأَنَّهُ عُهِدَ إِلَيْهِ فَنَسِيَ . قَالَ اِبْن زَيْد نَسِيَ مَا عَهِدَ اللَّه إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ , وَلَوْ كَانَ لَهُ عَزْم مَا أَطَاعَ عَدُوّهُ إِبْلِيس . وَعَلَى هَذَا الْقَوْل يَحْتَمِل أَنْ يَكُون آدَم عَلَيْهِ السَّلَام فِي ذَلِكَ الْوَقْت مَأْخُوذًا بِالنِّسْيَانِ , وَإِنْ كَانَ النِّسْيَان عَنَّا الْيَوْم مَرْفُوعًا . وَمَعْنَى " مِنْ قَبْل " أَيْ مِنْ قَبْل أَنْ يَأْكُل مِنْ الشَّجَرَة ; لِأَنَّهُ نَهَى عَنْهَا . وَالْمُرَاد تَسْلِيَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; أَيْ طَاعَة بَنِي آدَم الشَّيْطَان أَمْر قَدِيم ; أَيْ إِنْ نَقَضَ هَؤُلَاءِ الْعَهْد فَإِنَّ آدَم أَيْضًا عَهِدْنَا إِلَيْهِ فَنَسِيَ ; حَكَاهُ الْقُشَيْرِيّ وَكَذَلِكَ الطَّبَرِيّ . أَيْ وَإِنْ يُعْرِض يَا مُحَمَّد هَؤُلَاءِ الْكَفَرَة عَنْ آيَاتِي , وَيُخَالِفُوا رُسُلِي , وَيُطِيعُوا إِبْلِيس فَقِدَمًا فَعَلَ ذَلِكَ أَبُوهُمْ آدَم . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذَا التَّأْوِيل ضَعِيف , وَذَلِكَ كَوْن آدَم مِثَالًا لِلْكُفَّارِ الْجَاحِدِينَ بِاَللَّهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ وَآدَم إِنَّمَا عَصَى بِتَأْوِيلٍ , فَفِي هَذَا غَضَاضَة عَلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; وَإِنَّمَا الظَّاهِر فِي الْآيَة إِمَّا أَنْ يَكُون اِبْتِدَاء قَصَص لَا تَعَلُّق لَهُ بِمَا قَبْله , وَإِمَّا أَنْ يُجْعَل تَعَلُّقه أَنَّهُ لَمَّا عَهِدَ إِلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَّا يَعْجَل بِالْقُرْآنِ , مَثَّلَ لَهُ بِنَبِيٍّ قَبْله عَهِدَ إِلَيْهِ فَنَسِيَ فَعُوقِبَ ; لِيَكُونَ أَشَدّ فِي التَّحْذِير , وَأَبْلَغ فِي الْعَهْد إِلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; وَالْعَهْد هَاهُنَا فِي مَعْنَى الْوَصِيَّة ; " وَنَسِيَ " مَعْنَاهُ تَرَكَ ; وَنِسْيَان الذُّهُول لَا يُمْكِن هُنَا ; لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّق بِالنَّاسِي عِقَاب . وَالْعَزْم الْمُضِيّ عَلَى الْمُعْتَقَد فِي أَيّ شَيْء كَانَ ; وَآدَم عَلَيْهِ السَّلَام قَدْ كَانَ يَعْتَقِد أَلَّا يَأْكُل مِنْ الشَّجَرَة لَكِنْ لَمَّا وَسْوَسَ إِلَيْهِ إِبْلِيس لَمْ يَعْزِم عَلَى مُعْتَقَده . وَالشَّيْء الَّذِي عُهِدَ إِلَى آدَم هُوَ أَلَّا يَأْكُل مِنْ الشَّجَرَة , وَأَعْلَمَ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ إِبْلِيس عَدُوّ لَهُ .


وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْله : " وَلَمْ نَجِد لَهُ عَزْمًا " فَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة : لَمْ نَجِد لَهُ صَبْرًا عَنْ أَكْل الشَّجَرَة , وَمُوَاظَبَة عَلَى اِلْتِزَام الْأَمْر . قَالَ النَّحَّاس وَكَذَلِكَ هُوَ فِي اللُّغَة ; يُقَال : لِفُلَانٍ عَزْم أَيْ صَبْر وَثَبَات عَلَى التَّحَفُّظ مِنْ الْمَعَاصِي حَتَّى يَسْلَم مِنْهَا , وَمِنْهُ " فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْم مِنْ الرُّسُل " [ الْأَحْقَاف : 35 ] . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا وَعَطِيَّة الْعَوْفِيّ : حِفْظًا لِمَا أُمِرَ بِهِ ; أَيْ لَمْ يَتَحَفَّظ مِمَّا نَهَيْته حَتَّى نَسِيَ وَذَهَبَ عَنْ عِلْم ذَلِكَ بِتَرْكِ الِاسْتِدْلَال ; وَذَلِكَ أَنَّ إِبْلِيس قَالَ لَهُ : إِنْ أَكَلْتهَا خُلِّدْت فِي الْجَنَّة يَعْنِي عَيْن تِلْكَ الشَّجَرَة , فَلَمْ يُطِعْهُ فَدَعَاهُ إِلَى نَظِير تِلْكَ الشَّجَرَة مِمَّا دَخَلَ فِي عُمُوم النَّهْي وَكَانَ يَجِب أَنْ يَسْتَدِلّ عَلَيْهِ فَلَمْ يَفْعَل , وَظَنَّ أَنَّهَا لَمْ تَدْخُل فِي النَّهْي فَأَكَلَهَا تَأْوِيلًا , وَلَا يَكُون نَاسِيًا لِلشَّيْءِ مَنْ يَعْلَم أَنَّهُ مَعْصِيَة . وَقَالَ اِبْن زَيْد : " عَزْمًا " مُحَافَظَة عَلَى أَمْر اللَّه . وَقَالَ الضَّحَّاك : عَزِيمَة أَمْر . اِبْن كَيْسَان : إِصْرَارًا وَلَا إِضْمَارًا لِلْعَوْدِ إِلَى الذَّنْب . قَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَالْأَوَّل أَقْرَب إِلَى تَأْوِيل الْكَلَام ; وَلِهَذَا قَالَ قَوْم : آدَم لَمْ يَكُنْ مِنْ أُولِي الْعَزْم مِنْ الرُّسُل ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ : " وَلَمْ نَجِد لَهُ عَزْمًا " . وَقَالَ الْمُعْظَم : كَانَ الرُّسُل أُولُو الْعَزْم , وَفِي الْخَبَر " مَا مِنْ نَبِيّ إِلَّا وَقَدْ أَخْطَأَ أَوْ هَمَّ بِخَطِيئَةٍ مَا خَلَا يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا " فَلَوْ خَرَجَ آدَم بِسَبَبِ خَطِيئَته مِنْ جُمْلَة أُولِي الْعَزْم لَخَرَجَ جَمِيع الْأَنْبِيَاء سِوَى يَحْيَى . وَقَدْ قَالَ أَبُو أُمَامَة : إِنَّ أَحْلَام بَنِي آدَم جُمِعَتْ مُنْذُ خَلَقَ اللَّه الْخَلْق إِلَى يَوْم الْقِيَامَة , وَوُضِعَتْ فِي كِفَّة مِيزَان , وَوُضِعَ حِلْم آدَم فِي كِفَّة أُخْرَى لَرَجَحَهُمْ ; وَقَدْ قَالَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : " وَلَمْ نَجِد لَهُ عَزْمًا "
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • وأصلحنا له زوجه

    وأصلحنا له زوجه: قال المصنف - حفظه الله -: «فإن من سعادة المرء في هذه الدنيا أن يرزق زوجة تؤانسه وتحادثه، تكون سكنًا له ويكون سكنًا لها، يجري بينهما من المودة والمحبة ما يؤمل كل منهما أن تكون الجنة دار الخلد والاجتماع. وهذه الرسالة إلى الزوجة طيبة المنبت التي ترجو لقاء الله - عز وجل - وتبحث عن سعادة الدنيا والآخرة».

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/208982

    التحميل:

  • المتحابين في الله

    « المتحابين في الله » يحتوي هذا الكتاب على العديد من العناصر، منها: كيف تكون المحبة في الله؟، ومعناها، ومكانتها ... إلخ من المسائل المهمة والتي ساقها المصنف بإسناده، والكتاب نسخة مصورة من إصدار مكتبة القرآن، بتحقيق الشيخ مجدي فتحي السيد - حفظه الله -.

    المدقق/المراجع: مجدي فتحي السيد

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/55322

    التحميل:

  • أذكار الطهارة والصلاة

    أذكار الطهارة والصلاة: جمع المؤلف - حفظه الله - شرحًا مختصرًا لجملة مباركة من أذكار الطهارة والصلاة; استلَّها من كتابه: «فقه الأدعية والأذكار».

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/316774

    التحميل:

  • تطريز رياض الصالحين

    تطريز رياض الصالحين : إن كتاب رياض الصالحين من الكتب الشريفة النافعة، فقد جمع بين دفتيه جوامع الكلم من حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - وآيات كتاب الله العزيز، جعله مصنفه مشتملاً على ما يكون طريقاً لصاحبه إلى الآخرة، ومحصِّلاً لآدابه الباطنة والظاهرة، جامعاً للترغيب والترهيب وسائر أنواع آداب السائرين إلى الله: من أحاديث الزهد وتهذيب الأخلاق، وطهارات القلوب وعلاجها، وصيانة الجوارح وإزالة اعوجاجها، وغير ذلك مما يهذب سلوك الإنسان. وقد صدر أبواب الكتاب بآيات قرآنية، مع ضبط ما يحتاج إلى ضبط من ألفاظ الأحاديث أو شرح معنى خفي من ألفاظه، فجاء كتاب جامعاً في بابه، لذلك اهتم العلماء به شرحاً وتحقيقاً وتعليقاً، واهتم به العامة قراءة وتدبراً وتطبيقاً، حتى أنك لا ترى بيتاً ولا مكتبة ولا مسجداً في مشارق الأرض ومغاربها إلا وتجد فيها هذا الكتاب. وهذا الكتاب الذي بين يدينا هو واحد من تلك الجهود حول هذا الكتاب المبارك، فقد قام الشيخ فيصل - رحمه الله - بالتعليق على كتاب رياض الصالحين بتعليقات مختصرة مركزاً في تعليقاته على ذكر الفوائد المستنبطة من الحديث وقد يستشهد على الحديث بذكر آية، أو حديث أو أثر عن صحابي.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2585

    التحميل:

  • تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد

    تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد : لحفيد المؤلف الشيخ سليمان بن الشيخ عبد الله بن الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب المتوفي سنة (1233هـ) - رحمه الله تعالى -، وهو أول شروح هذا الكتاب وأطولها، ولكنه لم يكمل، فقد انتهت مبيضة الشارح إلى باب " من هزل بشيء فيه ذكر الله "، ووجد في مسودته إلى آخر " باب ماجاء في منكري القدر " وهو الباب التاسع والخمسون من أبواب الكتاب.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/292978

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة