Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 90

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ ۚ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ (90) (البقرة) mp3
بِئْسَ فِي كَلَام الْعَرَب مُسْتَوْفِيَة لِلذَّمِّ , كَمَا أَنَّ " نِعْمَ " مُسْتَوْفِيَة لِلْمَدْحِ . وَفِي كُلّ وَاحِدَة مِنْهَا أَرْبَع لُغَات : بِئْسَ بَئْس بَئِسَ بِئِسَ . نِعْمَ نَعْم نَعِمَ نِعِمَ . وَمَذْهَب سِيبَوَيْهِ أَنَّ " مَا " فَاعِلَة بِئْسَ , وَلَا تَدْخُل إِلَّا عَلَى أَسْمَاء الْأَجْنَاس وَالنَّكِرَات . وَكَذَا نِعْمَ , فَتَقُول نِعْمَ الرَّجُل زَيْد , وَنِعْمَ رَجُلًا زَيْد , فَإِذَا كَانَ مَعَهَا اِسْم بِغَيْرِ أَلِف وَلَام فَهُوَ نَصْب أَبَدًا , فَإِذَا كَانَ فِيهِ أَلِف وَلَام فَهُوَ رَفْع أَبَدًا , وَنَصْب رَجُل عَلَى التَّمْيِيز . وَفِي نِعْمَ مُضْمَر عَلَى شَرِيطَة التَّفْسِير , وَزَيْد مَرْفُوع عَلَى وَجْهَيْنِ : عَلَى خَبَر اِبْتِدَاء مَحْذُوف , كَأَنَّهُ قِيلَ مَنْ الْمَمْدُوح ؟ قُلْت هُوَ زَيْد , وَالْآخَر عَلَى الِابْتِدَاء وَمَا قَبْله خَبَره . وَأَجَازَ أَبُو عَلِيّ أَنْ تَلِيهَا " مَا " مَوْصُولَة وَغَيْر مَوْصُولَة مِنْ حَيْثُ كَانَتْ مُبْهَمَة تَقَع عَلَى الْكَثْرَة وَلَا تَخُصّ وَاحِدًا بِعَيْنِهِ , وَالتَّقْدِير عِنْد سِيبَوَيْهِ : بِئْسَ الشَّيْء اِشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسهمْ أَنْ يَكْفُرُوا . ف " أَنْ يَكْفُرُوا " فِي مَوْضِع رَفْع بِالِابْتِدَاءِ وَخَبَره فِيمَا قَبْله , كَقَوْلِك : بِئْسَ الرَّجُل زَيْد , و " مَا " عَلَى هَذَا الْقَوْل مَوْصُولَة . وَقَالَ الْأَخْفَش : " مَا " فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى التَّمْيِيز , كَقَوْلِك : بِئْسَ رَجُلًا زَيْد , فَالتَّقْدِير بِئْسَ شَيْئًا أَنْ يَكْفُرُوا . ف " اِشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسهمْ " عَلَى هَذَا الْقَوْل صِفَة " مَا " . وَقَالَ الْفَرَّاء : " بِئْسَمَا " بِجُمْلَتِهِ شَيْء وَاحِد رُكِّبَ كَحَبَّذَا . وَفِي هَذَا الْقَوْل اِعْتِرَاض ; لِأَنَّهُ يَبْقَى فِعْل بِلَا فَاعِل . وَقَالَ الْكِسَائِيّ : " مَا " و " اِشْتَرَوْا " بِمَنْزِلَةِ اِسْم وَاحِد قَائِم بِنَفْسِهِ , وَالتَّقْدِير بِئْسَ اِشْتِرَاؤُهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا . وَهَذَا مَرْدُود , فَإِنَّ نِعْمَ وَبِئْسَ لَا يَدْخُلَانِ عَلَى اِسْم مُعَيَّن مُعَرَّف , وَالشِّرَاء قَدْ تَعَرَّفَ بِإِضَافَتِهِ إِلَى الضَّمِير . قَالَ النَّحَّاس : وَأَبْيَن هَذِهِ الْأَقْوَال قَوْل الْأَخْفَش وَسِيبَوَيْهِ . قَالَ الْفَرَّاء وَالْكِسَائِيّ : " أَنْ يَكْفُرُوا " إِنْ شِئْت كَانَتْ " أَنْ " فِي مَوْضِع خَفْض رَدًّا عَلَى الْهَاء فِي بِهِ . قَالَ الْفَرَّاء : أَيْ اِشْتَرَوْا أَنْفُسهمْ بِأَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّه . فَاشْتَرَى بِمَعْنَى بَاعَ وَبِمَعْنَى اِبْتَاعَ , وَالْمَعْنَى : بِئْسَ الشَّيْء الَّذِي اِخْتَارُوا لِأَنْفُسِهِمْ حَيْثُ اِسْتَبْدَلُوا الْبَاطِل بِالْحَقِّ , وَالْكُفْر بِالْإِيمَانِ .


مَعْنَاهُ حَسَدًا , قَالَهُ قَتَادَة وَالسُّدِّيّ , وَهُوَ مَفْعُول مِنْ أَجْله , وَهُوَ عَلَى الْحَقِيقَة مَصْدَر . الْأَصْمَعِيّ : وَهُوَ مَأْخُوذ مِنْ قَوْلهمْ : قَدْ بَغَى الْجُرْح إِذَا فَسَدَ . وَقِيلَ : أَصْله الطَّلَب , وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ الزَّانِيَة بَغِيًّا .


فِي مَوْضِع نَصْب , أَيْ لَأَنْ يُنَزِّل , أَيْ لِأَجْلِ إِنْزَال اللَّه الْفَضْل عَلَى نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَرَأَ اِبْن كَثِير وَأَبُو عَمْرو وَيَعْقُوب وَابْن مُحَيْصِن " أَنْ يُنْزِل " مُخَفَّفًا , وَكَذَلِكَ سَائِر مَا فِي الْقُرْآن , إِلَّا " وَمَا نُنَزِّلهُ " فِي " الْحِجْر " [ الْحِجْر : 21 ] , وَفِي " الْأَنْعَام " " عَلَى أَنْ يُنَزِّل آيَة " . [ الْأَنْعَام : 37 ] .


أَيْ رَجَعُوا , وَأَكْثَر مَا يُقَال فِي الشَّرّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ .


تَقَدَّمَ مَعْنَى غَضَب اللَّه عَلَيْهِمْ , وَهُوَ عِقَابه , فَقِيلَ : الْغَضَب الْأَوَّل لِعِبَادَتِهِمْ الْعِجْل , وَالثَّانِي لِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَهُ اِبْن عَبَّاس . وَقَالَ عِكْرِمَة : لِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِعِيسَى ثُمَّ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ , يَعْنِي الْيَهُود . وَرَوَى سَعِيد عَنْ قَتَادَة : الْأَوَّل لِكُفْرِهِمْ بِالْإِنْجِيلِ , وَالثَّانِي لِكُفْرِهِمْ بِالْقُرْآنِ . وَقَالَ قَوْم : الْمُرَاد التَّأْبِيد وَشِدَّة الْحَال عَلَيْهِمْ , لَا أَنَّهُ أَرَادَ غَضَبَيْنِ مُعَلَّلَيْنِ بِمَعْصِيَتَيْنِ .


مَأْخُوذ مِنْ الْهَوَان , وَهُوَ مَا اِقْتَضَى الْخُلُود فِي النَّار دَائِمًا بِخِلَافِ خُلُود الْعُصَاة مِنْ الْمُسْلِمِينَ , فَإِنَّ ذَلِكَ تَمْحِيص لَهُمْ وَتَطْهِير , كَرَجْمِ الزَّانِي وَقَطْع يَد السَّارِق , عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي سُورَة " النِّسَاء " مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • مجالس شهر رمضان

    مجالس شهر رمضان : فهذه مجالس لشهر رمضان المبارك تستوعب كثيرا من أحكام الصيام والقيام والزكاة، وما يناسب المقام في هذا الشهر الفاضل، رتبتُها على مجالس يومية أو ليلية، انتخبت كثيرا من خطبها من كتاب " قرة العيون المبصرة بتلخيص كتاب التبصرة " مع تعديل ما يحتاج إلى تعديله، وأكثرت فيها من ذكر الأحكام والآداب لحاجة الناس إلى ذلك.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/144934

    التحميل:

  • الذكرى بخطر الربا

    الذكرى بخطر الربا: تذكرةٌ بشأن الربا، والتحذير من خطره وضرره على الفرد والمجتمع، وعقابه في الدنيا والآخرة، بما ورد في نصوص الكتاب والسنة.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/330350

    التحميل:

  • أمنيات الموتى

    أمنيات الموتى : فإن لكل إنسان في هذه الحياة أمان كثيرة ومتعددة، وتتفاوت هذه الأماني وتتباين وفقا لاعتبارات عديدة، منها: البيئة التي يعيش فيها الفرد، والفكر الذي تربى عليه، والأقران الذين يحيطون به. ومع هذه الأماني المتباينة لهؤلاء الناس، فإن الجميع تراهم يسعون ويكدحون طوال حياتهم، لتحويل أحلامهم وأمنياتهم إلى واقع، وقد يوفقهم الله تعالى إلى تحقيقها متى بذلوا أسباب ذلك. ولكن هناك فئة من الناس لا يمكنهم تحقيق أمنياتهم، ولا يُنظر في طلباتهم، فمن هم يا ترى؟ ولماذا لا تُحقق أمنياتهم؟ وهل يمكننا مساعدتهم أو تخفيف لوعاتهم؟ أما عن هذه الفئة التي لا يمكنهم تحقيق أمنياتهم، فهم ممن أصبحوا رهائن ذنوب لا يطلقون، وغرباء سفر لا ينتظرون، إنهم الأموات ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فماذا يتمنى الأموات يا ترى؟ ومن يا ترى يستطيع أن يُحدِّثنا عن أمنياتهم، وقد انقطع عنا خبرهم، واندرس ذكرهم؟

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/291299

    التحميل:

  • التصفية والتربية وحاجة المسلمين إليهما

    التصفية والتربية وحاجة المسلمين إليهما: هذه الرسالة أصلها محاضرة ألقاها المحدث العلامة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني - رحمه الله - في المعهد الشرعي في عمان بالأردن. بيَّن فيها الشيخ - رحمه الله - المنهج الحق الذي يجب أن نكون عليه جميعًا، وجمع ذلك في كلمتين اثنتين هما: التصفية والتربية، وقد عاش عمره كله وهو يسير على هذا المنهج؛ من تصفية العقيدة مما شابها من العقائد الباطلة والفاسدة، وتصفية السنة مما أُدخِل فيها من أحاديث ضعيفة وموضوعة، وتصفية الفقه من الآراء والمُحدثات المخالفة للنصوص الصريحة، ثم التربية على ما صحَّ وثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.

    الناشر: موقع المكتبة الوقفية http://www.waqfeya.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/344363

    التحميل:

  • رسالة في الرد على الرافضة

    رسالة في الرد على الرافضة : مختصر مفيد للشيخ محمد بن عبدالوهاب - تغمده الله بالرحمة والرضوان - في بعض قبائح الرافضة الذين رفضوا سنة حبيب الرحمن - صلى الله عليه وسلم - واتبعوا في غالب أمورهم خطوات الشيطان فضلوا وأضلوا عن كثير من موجبات الإيمان بالله وسعوا في البلاد بالفساد والطغيان يتولون أهل النيران ويعادون أصحاب الجنان نسأل الله العفو عن الافتتان من قبائحهم.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/264194

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة