Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 87

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ۖ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87) (البقرة) mp3
يَعْنِي التَّوْرَاة .


أَيْ أَتْبَعْنَا وَالتَّقْفِيَة : الْإِتْبَاع وَالْإِرْدَاف , مَأْخُوذ مِنْ إِتْبَاع الْقَفَا وَهُوَ مُؤَخَّر الْعُنُق . تَقُول اِسْتَقْفَيْته إِذَا جِئْت مِنْ خَلْفه , وَمِنْهُ سُمِّيَتْ قَافِيَة الشِّعْر ; لِأَنَّهَا تَتْلُو سَائِر الْكَلَام . وَالْقَافِيَّة : الْقَفَا , وَمِنْهُ الْحَدِيث : ( يَعْقِد الشَّيْطَان عَلَى قَافِيَة رَأْس أَحَدكُمْ ) . وَالْقَفِيّ وَالْقَفَاوَة : مَا يُدَّخَر مِنْ اللَّبَن وَغَيْره لِمَنْ تُرِيد إِكْرَامه . وَقَفَوْت الرَّجُل : قَذَفْته بِفُجُورٍ . وَفُلَان قِفْوَتِي أَيْ تُهَمَتِي . وَقِفْوَتِي أَيْ خِيرَتِي . قَالَ اِبْن دُرَيْد كَأَنَّهُ مِنْ الْأَضْدَاد . قَالَ الْعُلَمَاء : وَهَذِهِ الْآيَة مِثْل قَوْله تَعَالَى : " ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلنَا تَتْرَى " [ الْمُؤْمِنُونَ : 44 ] . وَكُلّ رَسُول جَاءَ بَعْد مُوسَى فَإِنَّمَا جَاءَ بِإِثْبَاتِ التَّوْرَاة وَالْأَمْر بِلُزُومِهَا إِلَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام . وَيُقَال : رُسُل وَرُسْل لُغَتَانِ , الْأُولَى لُغَة الْحِجَاز , وَالثَّانِيَة لُغَة تَمِيم , وَسَوَاء كَانَ مُضَافًا أَوْ غَيْر مُضَاف . وَكَانَ أَبُو عَمْرو يُخَفِّف إِذَا أَضَافَ إِلَى حَرْفَيْنِ , وَيُثَقِّل إِذَا أَضَافَ إِلَى حَرْف وَاحِد .


أَيْ الْحُجَج وَالدَّلَالَات , وَهِيَ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّه فِي " آل عِمْرَان " و " الْمَائِدَة " , قَالَهُ اِبْن عَبَّاس .


أَيْ قَوَّيْنَاهُ . وَقَرَأَ مُجَاهِد وَابْن مُحَيْصِن " آيَدْنَاه " بِالْمَدِّ , وَهُمَا لُغَتَانِ .


رَوَى أَبُو مَالِك وَأَبُو صَالِح عَنْ اِبْن عَبَّاس وَمَعْمَر عَنْ قَتَادَة قَالَا : جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام . وَقَالَ حَسَّان : وَجِبْرِيل رَسُول اللَّه فِينَا وَرُوح الْقُدُس لَيْسَ بِهِ خَفَاء قَالَ النَّحَّاس : وَسُمِّيَ جِبْرِيل رُوحًا وَأُضِيفَ إِلَى الْقُدُس ; لِأَنَّهُ كَانَ بِتَكْوِينِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لَهُ رُوحًا مِنْ غَيْر وِلَادَة وَالِد وَلَدَهُ , وَكَذَلِكَ سُمِّيَ عِيسَى رُوحًا لِهَذَا . وَرَوَى غَالِب بْن عَبْد اللَّه عَنْ مُجَاهِد قَالَ : الْقُدُس هُوَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . وَكَذَا قَالَ الْحَسَن : الْقُدُس هُوَ اللَّه , وَرُوحه جِبْرِيل . وَرَوَى أَبُو رَوْق عَنْ الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس : " بِرُوحِ الْقُدُس " قَالَ : هُوَ الِاسْم الَّذِي كَانَ يُحْيِي بِهِ عِيسَى الْمَوْتَى , وَقَالَهُ سَعِيد بْن جُبَيْر وَعُبَيْد بْن عُمَيْر , وَهُوَ اِسْم اللَّه الْأَعْظَم . وَقِيلَ : الْمُرَاد الْإِنْجِيل , سَمَّاهُ رُوحًا كَمَا سَمَّى اللَّه الْقُرْآن رُوحًا فِي قَوْله تَعَالَى : " وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْك رُوحًا مِنْ أَمْرنَا " [ الشُّورَى : 52 ] . وَالْأَوَّل أَظْهَر , وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم . وَالْقُدُس : الطَّهَارَة . وَقَدْ تَقَدَّمَ .


أَيْ بِمَا لَا يُوَافِقهَا وَيُلَائِمهَا , وَحُذِفَتْ الْهَاء لِطُولِ الِاسْم , أَيْ بِمَا لَا تَهْوَاهُ .


عَنْ إِجَابَته اِحْتِقَارًا لِلرُّسُلِ , وَاسْتِبْعَادًا لِلرِّسَالَةِ . وَأَصْل الْهَوَى الْمَيْل إِلَى الشَّيْء , وَيُجْمَع أَهْوَاء , كَمَا جَاءَ فِي التَّنْزِيل , وَلَا يُجْمَع أَهْوِيَة , عَلَى أَنَّهُمْ قَدْ قَالُوا فِي نَدًى أَنْدِيَة , قَالَ الشَّاعِر : فِي لَيْلَة مِنْ جُمَادَى ذَات أَنْدِيَة لَا يُبْصِر الْكَلْب فِي ظَلْمَائِهَا الطُّنُبَا قَالَ الْجَوْهَرِيّ : وَهُوَ شَاذّ وَسُمِّيَ الْهَوَى هَوًى لِأَنَّهُ يَهْوِي بِصَاحِبِهِ إِلَى النَّار , وَلِذَلِكَ لَا يُسْتَعْمَل فِي الْغَالِب إِلَّا فِيمَا لَيْسَ بِحَقٍّ وَفِيمَا لَا خَيْر فِيهِ , وَهَذِهِ الْآيَة مِنْ ذَلِكَ . وَقَدْ يُسْتَعْمَل فِي الْحَقّ , وَمِنْهُ قَوْل عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فِي أُسَارَى بَدْر : فَهَوِيَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَالَ أَبُو بَكْر وَلَمْ يَهْوَ مَا قُلْت . وَقَالَتْ عَائِشَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَحِيح الْحَدِيث : وَاَللَّه مَا أَرَى رَبّك إِلَّا يُسَارِع فِي هَوَاك . أَخْرَجَهُمَا مُسْلِم .


" فَفَرِيقًا " مَنْصُوب ب " كَذَّبْتُمْ " , وَكَذَا " وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ "


فَكَانَ مِمَّنْ كَذَّبُوهُ عِيسَى وَمُحَمَّد عَلَيْهِمَا السَّلَام , وَمِمَّنْ قَتَلُوهُ يَحْيَى وَزَكَرِيَّا عَلَيْهِمَا السَّلَام , عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي " سُبْحَان " [ الْإِسْرَاء ] إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • ضحايا الحب

    ضحايا الحب: يظن بعض الناس أن أصحاب الشريعة وأبناء الملة لا يعرفون الحب، ولا يقدرونه حق قدره، ولا يدرون ما هو، والحقيقة أن هذا وهم وجهل؛ بل الحب العامر أنشودة عذبة في أفواه الصادقين، وقصيدة جميلة في ديوان المحبين، ولكنه حب شريف عفيف، كتبه الصالحون بدموعهم، وسطره الأبرار بدمائهم، فأصبحت أسماؤهم في سجل الخلود معالم للفداء والتضحية والبسالة. وقصدتُ من هذه الرسالة الوقف مع القارئ على جوانب مشرقة، وأطلال موحشة في مسيرة الحب الطويلة، التي بدأها الإنسان في حياة الكبد والنكد، ليسمو إلى حياة الجمال والجلال والكمال، وسوف يمر بك ذكر لضحايا الحب وقتلاه، وستعرف المقصود مما أردت إذا قرأت، وتعلم ما نويت إذا طالعت.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/324352

    التحميل:

  • هل تبحث عن وظيفة؟

    هل تبحث عن وظيفة؟: هذا الكتاب هو رسالة إليه .. وإليها، ودعوة له .. ولها .. فكما أنه حريص على الخير .. فهي حريصة عليه أيضًا .. وقد أمر الله المؤمنين والمؤمنات بالتسابق إلى الخيرات .. ووعدهم على ذلك بالجنات. وهذا الكتاب .. محاولة لبيان الطريق إلى تلك الجنات .. فيه عبر وهمسات .. للتائبين والتائبات .. عبرة بخبر شاب صارعته الأمراض .. وأخرى بقصة فتات ولغت في الملذات .. وأخبار عن المتعلقين بالشهوات .. ووقفة مع المغترين بـ (الخنفشاريين) .. ونصح لمن شابه المشركين .. وكلمات حول قيام الليل والإكثار من الذكر .. وهمسات حول العشق وغض البصر .. ولمحة حول بر الوالدين .. وإشارة بأهمية الدعوة ونشر الدين. هي كلمات تنتفع بها الفتيات .. في المجالس والمدارس والكليات .. وينتفع بها الشباب .. في المدارس والجامعات.

    الناشر: موقع الشيخ العريفي www.arefe.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/336095

    التحميل:

  • فضل دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله

    بيان فضل دعوة الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - من نشر التوحيد والدعوة إليه، وقمع الشرك والتحذير منه.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2499

    التحميل:

  • الخاتمة حسنها وسوؤها

    الخاتمة حسنها وسوؤها: رسالةٌ صغيرة في التذكير بالموت، والإحسان في العمل قبل موافاة الأجل، والإخلاص في التقرب إلى الله - سبحانه وتعالى -؛ لأنه المقياس في قبول الأعمال، فمن كان مخلصًا مُحسنًا فاز ونجا، ومن قصَّر في ذلك فهو بحسب تقصيره.

    الناشر: دار بلنسية للنشر والتوزيع بالرياض - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/323930

    التحميل:

  • نور السنة وظلمات البدعة في ضوء الكتاب والسنة

    نور السنة وظلمات البدعة في ضوء الكتاب والسنة: رسالة مختصرة في بيان مفهوم السنة، وأسماء أهل السنة، وأن السنة هي النعمة المطلقة، وإيضاح منزلة السنة، ومنزلة أصحابها، وعلاماتهم، وذكر منزلة البدعة وأصحابها، ومفهومها، وشروط قبول العمل، وذم البدعة في الدين، وأسباب البدع، وأقسامها، وأحكامها، وأنواع البدع عند القبور وغيرها، والبدع المنتشرة المعاصرة، وحكم توبة المبتدع، وآثار البدع وأضرارها.

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1942

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة