Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 84

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ (84) (البقرة) mp3
وَاخْتُلِفَ فِي الْمِيثَاق هُنَا , فَقَالَ مَكِّيّ : هُوَ الْمِيثَاق الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ حِين أُخْرِجُوا مِنْ صُلْب آدَم كَالذَّرِّ . وَقِيلَ : هُوَ مِيثَاق أُخِذَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ عُقَلَاء فِي حَيَاتهمْ عَلَى أَلْسِنَة أَنْبِيَائِهِمْ .

الْمُرَاد بَنُو إِسْرَائِيل , وَدَخَلَ فِيهِ بِالْمَعْنَى مَنْ بَعْدهمْ . " لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ " مِثْل " لَا تَعْبُدُونَ " [ الْبَقَرَة : 83 ] فِي الْإِعْرَاب . وَقَرَأَ طَلْحَة بْن مُصَرِّف وَشُعَيْب بْن أَبِي حَمْزَة بِضَمِّ الْفَاء , وَهِيَ لُغَة , وَأَبُو نَهِيك " تُسَفِّكُونَ " بِضَمِّ التَّاء وَتَشْدِيد الْفَاء وَفَتْح السِّين . وَالسَّفْك : الصَّبّ .

فَإِنْ قِيلَ : وَهَلْ يَسْفِك أَحَد دَمه وَيُخْرِج نَفْسه مِنْ دَاره ؟ قِيلَ لَهُ : لَمَّا كَانَتْ مِلَّتهمْ وَاحِدَة وَأَمْرهمْ وَاحِد وَكَانُوا فِي الْأُمَم كَالشَّخْصِ الْوَاحِد جُعِلَ قَتْل بَعْضهمْ بَعْضًا وَإِخْرَاج بَعْضهمْ بَعْضًا قَتْلًا لِأَنْفُسِهِمْ وَنَفْيًا لَهَا . وَقِيلَ : الْمُرَاد الْقِصَاص , أَيْ لَا يَقْتُل أَحَد فَيُقْتَل قِصَاصًا , فَكَأَنَّهُ سَفَكَ دَمه . وَكَذَلِكَ لَا يَزْنِي وَلَا يَرْتَدّ , فَإِنَّ ذَلِكَ يُبِيح الدَّم . وَلَا يُفْسِد فَيُنْفَى , فَيَكُون قَدْ أَخْرَجَ نَفْسه مِنْ دِيَاره . وَهَذَا تَأْوِيل فِيهِ بُعْد وَإِنْ كَانَ صَحِيح الْمَعْنَى . وَإِنَّمَا كَانَ الْأَمْر أَنَّ اللَّه تَعَالَى قَدْ أَخَذَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل فِي التَّوْرَاة مِيثَاقًا أَلَّا يَقْتُل بَعْضهمْ بَعْضًا , وَلَا يَنْفِيه وَلَا يَسْتَرِقّهُ , وَلَا يَدَعهُ يَسْرِق , إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ الطَّاعَات .

قُلْت : وَهَذَا كُلّه مُحَرَّم عَلَيْنَا , وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ كُلّه بِالْفِتَنِ فِينَا , فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ! وَفِي التَّنْزِيل : " أَوْ يَلْبِسكُمْ شِيَعًا وَيُذِيق بَعْضكُمْ بَأْس بَعْض " [ الْأَنْعَام : 65 ] وَسَيَأْتِي . قَالَ اِبْن خُوَيْز مَنْدَاد : وَقَدْ يَجُوز أَنْ يُرَاد بِهِ الظَّاهِر , لَا يَقْتُل الْإِنْسَان نَفْسه , وَلَا يَخْرُج مِنْ دَاره سَفَهًا , كَمَا تَقْتُل الْهِنْد أَنْفُسهَا . أَوْ يَقْتُل الْإِنْسَان نَفْسه مِنْ جَهْد وَبَلَاء يُصِيبهُ , أَوْ يَهِيم فِي الصَّحْرَاء وَلَا يَأْوِي الْبُيُوت جَهْلًا فِي دِيَانَته وَسَفَهًا فِي حِلْمه , فَهُوَ عُمُوم فِي جَمِيع ذَلِكَ . وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُثْمَان بْن مَظْعُون بَايَعَ فِي عَشَرَة مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَزَمُوا أَنْ يَلْبَسُوا الْمُسُوح , وَأَنْ يَهِيمُوا فِي الصَّحْرَاء وَلَا يَأْوُوا الْبُيُوت , وَلَا يَأْكُلُوا اللَّحْم وَلَا يَغْشُوا النِّسَاء , فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَ إِلَى دَار عُثْمَان بْن مَظْعُون فَلَمْ يَجِدهُ , فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ : ( مَا حَدِيث بَلَغَنِي عَنْ عُثْمَان ) ؟ وَكَرِهَتْ أَنْ تُفْشِي سِرّ زَوْجهَا , وَأَنْ تَكْذِب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَتْ : يَا رَسُول اللَّه , إِنْ كَانَ قَدْ بَلَغَك شَيْء فَهُوَ كَمَا بَلَغَك , فَقَالَ : ( قُولِي لِعُثْمَان أَخِلَاف لِسُنَّتِي أَمْ عَلَى غَيْر مِلَّتِي إِنِّي أُصَلِّي وَأَنَام وَأَصُوم وَأُفْطِر وَأَغْشَى النِّسَاء وَآوِي الْبُيُوت وَآكُل اللَّحْم فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ) فَرَجَعَ عُثْمَان وَأَصْحَابه عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ .

مَعْطُوف .


النَّفْس مَأْخُوذَة مِنْ النَّفَاسَة , فَنَفْس الْإِنْسَان أَشْرَف مَا فِيهِ .


وَالدَّار : الْمَنْزِل الَّذِي فِيهِ أَبْنِيَة الْمَقَام بِخِلَافِ مَنْزِل الِارْتِحَال . وَقَالَ الْخَلِيل : كُلّ مَوْضِع حَلَّهُ قَوْم فَهُوَ دَار لَهُمْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ أَبْنِيَة . وَقِيلَ : سُمِّيَتْ دَارًا لِدَوْرِهَا عَلَى سُكَّانهَا , كَمَا سُمِّيَ الْحَائِط حَائِطًا لِإِحَاطَتِهِ عَلَى مَا يَحْوِيه .


مِنْ الْإِقْرَار , أَيْ بِهَذَا الْمِيثَاق الَّذِي أُخِذَ عَلَيْكُمْ وَعَلَى أَوَائِلكُمْ .


مِنْ الشَّهَادَة , أَيْ شُهَدَاء بِقُلُوبِكُمْ عَلَى هَذَا وَقِيلَ : الشَّهَادَة بِمَعْنَى الْحُضُور , أَيْ تَحْضُرُونَ سَفْك دِمَائِكُمْ , وَإِخْرَاج أَنْفُسكُمْ مِنْ دِيَاركُمْ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • إرشاد العباد للاستعداد ليوم الميعاد

    قال المؤلف - رحمه الله -:- « فإني لما نظرت في غفلتي عن اكتساب الزاد المبلغ ليوم المعاد ورأيت أوقاتي قد ضاعت فيما لا ينفعني في معادي ورأيت استعصاء نفسي عما يؤنسني في رمسي لا سيما والشيطان والدنيا والهوى معها ظهير؛ فعزمت على جمع ما تيسر من الكتاب والسنة وكلام العلماء والحكماء والزهاد والعباد مما لعله أن يكون سببًا نافعًا حاثًا لي وإخواني من المسلمين الذي أصيبوا مثلي بضياع أوقاتهم فيما لا ينفع ولا يجدي على الاستعداد والتأهب ليوم المعاد ».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2551

    التحميل:

  • صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم

    صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم: رسالة قيمة تشرح كيفية صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - قولاً وعملاً بأسلوب سهل، مع ذكر الدليل.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1963

    التحميل:

  • شرح أصول السنة للإمام أحمد بن حنبل

    يعد كتاب أصول السنة من الكتب المهمة؛ لعدة أسباب: 1- أن مؤلفه الإمام أحمد، وهو إمام أهل السنة والجماعة. 2- تقريره للضوابط العامة والقواعد الأساسية التي تضبط مذهب السلف والتي تخالف أهل البدع. 3- كونه يحرر أصول عقيدة الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة التي كان عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه. وقد اهتم العلماء بها حتى قال القاضي أبو يعلى - رحمه الله تعالى -: « لو رُحِلَ إلى الصين فـي طلبها لكان قليلاً »، وفي هذه الصفحة نسخة مصورة من شرح الشيخ ابن جبرين رحمه الله.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/328716

    التحميل:

  • الدرة اللطيفة في الأنساب الشريفة

    الدرة اللطيفة في الأنساب الشريفة : إكمالاً لمسيرة مبرة الآل والأصحاب في إبراز تراث الآل والأصحاب وإظهار مناقبهم وعلو مراتبهم لخاصة المسلمين وعامتهم، لأن حبهم والولاء لهم عقيدة للمسلمين جميعاً؛ قامت المبرة بتقديم هذا الكتاب الذي يهتم بالنسب الشريف للآل والأصحاب الأطهار الأخيار وخاصة أمهات النبي - صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم - وأعمامه وعماته ثم أمهات المؤمنين والعشرة المبشرين بالجنة مع التفصيل في العواتك والفواطم. كما تم استعراض بعض الشبهات الواهنة والطعونات الباطلة في أنساب بعض الصحابة ابتغاء إسقاطهم أو تشويه مجدهم التليد برفقة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم علماً بأنهم يلتقون مع النسب الشريف وكفى به فخراًً. - الكتاب من القطع المتوسط، عدد صفحاته 214 صفحة، يحتوى الكتاب على بعض الرسومات والجداول.

    الناشر: مركز البحوث في مبرة الآل والأصحاب http://www.almabarrah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/260202

    التحميل:

  • شرح العقيدة الأصفهانية

    شرح العقيدة الأصفهانية: عبارة عن شرح لشيخ الإسلام على رسالة الإمام الأصفهاني في العقيدة، وبيان ما ينبغي مخالفته من أقوال المتكلمين.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1913

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة