Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 83

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ (83) (البقرة) mp3
تَقَدَّمَ الْكَلَام فِي بَيَان هَذِهِ الْأَلْفَاظ . وَاخْتُلِفَ فِي الْمِيثَاق هُنَا , فَقَالَ مَكِّيّ : هُوَ الْمِيثَاق الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ حِين أُخْرِجُوا مِنْ صُلْب آدَم كَالذَّرِّ . وَقِيلَ : هُوَ مِيثَاق أُخِذَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ عُقَلَاء فِي حَيَاتهمْ عَلَى أَلْسِنَة أَنْبِيَائِهِمْ .

وَعِبَادَة اللَّه إِثْبَات تَوْحِيده , وَتَصْدِيق رُسُله , وَالْعَمَل بِمَا أَنْزَلَ فِي كُتُبه .

" لَا تَعْبُدُونَ " قَالَ سِيبَوَيْهِ : " لَا تَعْبُدُونَ " مُتَعَلِّق بِقَسَمٍ , وَالْمَعْنَى وَإِذْ اِسْتَخْلَفْنَاهُمْ وَاَللَّه لَا تَعْبُدُونَ , وَأَجَازَهُ الْمُبَرِّد وَالْكِسَائِيّ وَالْفَرَّاء . وَقَرَأَ أُبَيّ وَابْن مَسْعُود " لَا تَعْبُدُوا " عَلَى النَّهْي , وَلِهَذَا وَصَلَ الْكَلَام بِالْأَمْرِ فَقَالَ : " وَقُومُوا , وَقُولُوا , وَأَقِيمُوا , وَآتُوا " . وَقِيلَ : هُوَ فِي مَوْضِع الْحَال , أَيْ أَخَذْنَا مِيثَاقهمْ مُوَحِّدِينَ , أَوْ غَيْر مُعَانِدِينَ , قَالَهُ قُطْرُب وَالْمُبَرِّد أَيْضًا . وَهَذَا إِنَّمَا يُتَّجَه عَلَى قِرَاءَة اِبْن كَثِير وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ " يَعْبُدُونَ " بِالْيَاءِ مِنْ أَسْفَل . وَقَالَ الْفَرَّاء وَالزَّجَّاج وَجَمَاعَة : الْمَعْنَى أَخَذْنَا مِيثَاقهمْ بِأَلَّا يَعْبُدُوا إِلَّا اللَّه , وَبِأَنْ يُحْسِنُوا لِلْوَالِدَيْنِ , وَبِأَلَّا يَسْفِكُوا الدِّمَاء , ثُمَّ حُذِفَتْ أَنْ وَالْبَاء فَارْتَفَعَ الْفِعْل لِزَوَالِهِمَا , كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " أَفَغَيْر اللَّه تَأْمُرُونِّي " . قَالَ الْمُبَرِّد : هَذَا خَطَأ ; لِأَنَّ كُلّ مَا أُضْمِرَ فِي الْعَرَبِيَّة فَهُوَ يَعْمَل عَمَله مُظْهَرًا , تَقُول : وَبَلَد قُطِعَتْ , أَيْ رُبَّ بَلَد .

قُلْت : لَيْسَ هَذَا بِخَطَإٍ , بَلْ هُمَا وَجْهَانِ صَحِيحَانِ وَعَلَيْهِمَا أَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ : أَلَا أَيّهَا ذَا الزَّاجِرِي أَحْضُر الْوَغَى وَأَنْ أَشْهَد اللَّذَّات هَلْ أَنْتَ مُخْلِدِي بِالنَّصْبِ وَالرَّفْع , فَالنَّصْب عَلَى إِضْمَار أَنْ , وَالرَّفْع عَلَى حَذْفهَا .


أَيْ وَأَمَرْنَاهُمْ بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا . وَقَرَنَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي هَذِهِ الْآيَة حَقّ الْوَالِدَيْنِ بِالتَّوْحِيدِ ; لِأَنَّ النَّشْأَة الْأُولَى مِنْ عِنْد اللَّه , وَالنَّشْء الثَّانِي - وَهُوَ التَّرْبِيَة - مِنْ جِهَة الْوَالِدَيْنِ , وَلِهَذَا قَرَنَ تَعَالَى الشُّكْر لَهُمَا بِشُكْرِهِ فَقَالَ : " أَنْ اُشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْك " [ لُقْمَان : 14 ] . وَالْإِحْسَان إِلَى الْوَالِدَيْنِ : مُعَاشَرَتهمَا بِالْمَعْرُوفِ , وَالتَّوَاضُع لَهُمَا , وَامْتِثَال أَمْرهمَا , وَالدُّعَاء بِالْمَغْفِرَةِ بَعْد مَمَاتهمَا , وَصِلَة أَهْل وُدّهمَا , عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه مُفَصَّلًا فِي " الْإِسْرَاء " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .


عَطَفَ ذِي الْقُرْبَى عَلَى الْوَالِدَيْنِ . وَالْقُرْبَى : بِمَعْنَى الْقَرَابَة , وَهُوَ مَصْدَر كَالرُّجْعَى وَالْعُقْبَى , أَيْ وَأَمَرْنَاهُمْ بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْقَرَابَات بِصِلَةِ أَرْحَامهمْ . وَسَيَأْتِي بَيَان هَذَا مُفَصَّلًا فِي سُورَة " الْقِتَال " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .

الْيَتَامَى عُطِفَ أَيْضًا , وَهُوَ جَمْع يَتِيم , مِثْل نَدْمَى جَمْع نَدِيم . وَالَيْتُمْ فِي بَنِي آدَم بِفَقْدِ الْأَب , وَفِي الْبَهَائِم بِفَقْدِ الْأُمّ . وَحَكَى الْمَاوَرْدِيّ أَنَّ الْيَتِيم يُقَال فِي بَنِي آدَم فِي فَقْد الْأُمّ , وَالْأَوَّل الْمَعْرُوف . وَأَصْله الِانْفِرَاد , يُقَال : صَبِيّ يَتِيم , أَيْ مُنْفَرِد مِنْ أَبِيهِ . وَبَيْت يَتِيم : أَيْ لَيْسَ قَبْله وَلَا بَعْده شَيْء مِنْ الشِّعْر . وَدُرَّة يَتِيمَة : لَيْسَ لَهَا نَظِير . وَقِيلَ : أَصْله الْإِبْطَاء , فَسُمِّيَ بِهِ الْيَتِيم ; لِأَنَّ الْبِرّ يُبْطِئ عَنْهُ . وَيُقَال : يَتُمَ يَيْتُم يُتْمًا , مِثْل عَظُمَ يَعْظُم . وَيَتِمَ يَيْتَم يُتْمًا وَيَتَمًا , مِثْل سَمِعَ يَسْمَع , ذَكَرَ الْوَجْهَيْنِ الْفَرَّاء . وَقَدْ أَيْتَمَهُ اللَّه . وَيَدُلّ هَذَا عَلَى الرَّأْفَة بِالْيَتِيمِ وَالْحَضّ عَلَى كَفَالَته وَحِفْظ مَاله , عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي " النِّسَاء " . وَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كَافِل الْيَتِيم لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّة ) . وَأَشَارَ مَالِك بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى , رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة أَخْرَجَهُ مُسْلِم . وَخَرَّجَ الْإِمَام الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد عَبْد الْغَنِيّ بْن سَعِيد مِنْ حَدِيث الْحَسَن بْن دِينَار أَبِي سَعِيد الْبَصْرِيّ وَهُوَ الْحَسَن بْن وَاصِل قَالَ حَدَّثَنَا الْأَسْوَد بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ هِصَّان عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَا قَعَدَ يَتِيم مَعَ قَوْم عَلَى قَصْعَتهمْ فَيَقْرَب قَصْعَتهمْ الشَّيْطَان ) . وَخُرِّجَ أَيْضًا مِنْ حَدِيث حُسَيْن بْن قَيْس وَهُوَ أَبُو عَلِيّ الرَّحَبِيّ عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ ضَمَّ يَتِيمًا مِنْ بَيْن مُسْلِمِينَ إِلَى طَعَامه وَشَرَابه حَتَّى يُغْنِيه اللَّه عَزَّ وَجَلَّ غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبه أَلْبَتَّةَ إِلَّا أَنْ يَعْمَل عَمَلًا لَا يُغْفَر وَمَنْ أَذْهَبَ اللَّه كَرِيمَتَيْهِ فَصَبَرَ وَاحْتَسَبَ غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبه - قَالُوا : وَمَا كَرِيمَتَاهُ ؟ قَالَ : - عَيْنَاهُ وَمَنْ كَانَ لَهُ ثَلَاث بَنَات أَوْ ثَلَاث أَخَوَات فَأَنْفَقَ عَلَيْهِنَّ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ حَتَّى يَبِنَّ أَوْ يَمُتْنَ غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبه ألْبَتَّة إِلَّا أَنْ يَعْمَل عَمَلًا لَا يُغْفَر ) فَنَادَاهُ رَجُل مِنْ الْأَعْرَاب مِمَّنْ هَاجَرَ فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه أَوْ اِثْنَتَيْنِ ؟ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَوْ اِثْنَتَيْنِ ) . فَكَانَ اِبْن عَبَّاس إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيث قَالَ : هَذَا وَاَللَّه مِنْ غَرَائِب الْحَدِيث وَغُرَره .

السَّبَّابَة مِنْ الْأَصَابِع هِيَ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَام , وَكَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّة تُدْعَى بِالسَّبَّابَةِ , لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسُبُّونَ بِهَا , فَلَمَّا جَاءَ اللَّه بِالْإِسْلَامِ كَرِهُوا هَذَا الِاسْم فَسَمَّوْهَا الْمُشِيرَة ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُشِيرُونَ بِهَا إِلَى اللَّه فِي التَّوْحِيد . وَتُسَمَّى أَيْضًا بِالسَّبَّاحَةِ , جَاءَ تَسْمِيَتهَا بِذَلِكَ فِي حَدِيث وَائِل بْن حُجْر وَغَيْره , وَلَكِنَّ اللُّغَة سَارَتْ بِمَا كَانَتْ تَعْرِفهُ فِي الْجَاهِلِيَّة فَغَلَبَتْ . وَرُوِيَ عَنْ أَصَابِع رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْمُشِيرَة مِنْهَا كَانَتْ أَطْوَل مِنْ الْوُسْطَى , ثُمَّ الْوُسْطَى أَقْصَر مِنْهَا , ثُمَّ الْبِنْصِر أَقْصَر مِنْ الْوُسْطَى . رَوَى يَزِيد بْن هَارُون قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه بْن مِقْسَم الطَّائِفِيّ قَالَ حَدَّثَتْنِي عَمَّتِي سَارَّة بِنْت مِقْسَم أَنَّهَا سَمِعَتْ مَيْمُونَة بِنْت كَرْدَم قَالَتْ : خَرَجْت فِي حَجَّة حَجَّهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَاحِلَته وَسَأَلَهُ أَبِي عَنْ أَشْيَاء , فَلَقَدْ رَأَيْتنِي أَتَعَجَّب وَأَنَا جَارِيَة مِنْ طُول أُصْبُعه الَّتِي تَلِي الْإِبْهَام عَلَى سَائِر أَصَابِعه . فَقَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّة ) , وَقَوْله فِي الْحَدِيث الْآخَر : ( أُحْشَر أَنَا وَأَبُو بَكْر وَعُمَر يَوْم الْقِيَامَة هَكَذَا ) وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاث , فَإِنَّمَا أَرَادَ ذِكْر الْمَنَازِل وَالْإِشْرَاف عَلَى الْخَلْق فَقَالَ : نُحْشَر هَكَذَا وَنَحْنُ مُشْرِفُونَ وَكَذَا كَافِل الْيَتِيم تَكُون مَنْزِلَته رَفِيعَة . فَمَنْ لَمْ يَعْرِف شَأْن أَصَابِع رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَمَلَ تَأْوِيل الْحَدِيث عَلَى الِانْضِمَام وَالِاقْتِرَاب بَعْضهمْ مِنْ بَعْض فِي مَحَلّ الْقُرْبَة . وَهَذَا مَعْنًى بَعِيد ; لِأَنَّ مَنَازِل الرُّسُل وَالنَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ مَرَاتِب مُتَبَايِنَة , وَمَنَازِل مُخْتَلِفَة .


" الْمَسَاكِين " عَطْف أَيْضًا أَيْ وَأَمَرْنَاهُمْ بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْمَسَاكِين , وَهُمْ الَّذِينَ أَسْكَنَتْهُمْ الْحَاجَة وَأَذَلَّتْهُمْ . وَهَذَا يَتَضَمَّن الْحَضّ عَلَى الصَّدَقَة وَالْمُؤَاسَاة وَتَفَقُّد أَحْوَال الْمَسَاكِين وَالضُّعَفَاء . رَوَى مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَة وَالْمِسْكِين كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيل اللَّه - وَأَحْسِبهُ قَالَ - وَكَالْقَائِمِ لَا يَفْتُر وَكَالصَّائِمِ لَا يُفْطِر ) . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَكَانَ طَاوُس يَرَى السَّعْي عَلَى الْأَخَوَات أَفْضَل مِنْ الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه .


" حُسْنًا " نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَر عَلَى الْمَعْنَى ; لِأَنَّ الْمَعْنَى لِيَحْسُنْ قَوْلكُمْ . وَقِيلَ : التَّقْدِير وَقُولُوا لِلنَّاسِ قَوْلًا ذَا حُسْن , فَهُوَ مَصْدَر لَا عَلَى الْمَعْنَى . وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكِسَائِيّ " حَسَنًا " بِفَتْحِ الْحَاء وَالسِّين . قَالَ الْأَخْفَش : هُمَا بِمَعْنًى وَاحِد , مِثْل الْبُخْل وَالْبَخَل , وَالرُّشْد وَالرَّشَد . وَحَكَى الْأَخْفَش : " حُسْنَى " بِغَيْرِ تَنْوِين عَلَى فُعْلَى . قَالَ النَّحَّاس : " وَهَذَا لَا يَجُوز فِي الْعَرَبِيَّة , لَا يُقَال مِنْ هَذَا شَيْء إِلَّا بِالْأَلِفِ وَاللَّام , نَحْو الْفُضْلَى وَالْكُبْرَى وَالْحُسْنَى , هَذَا قَوْل سِيبَوَيْهِ وَقَرَأَ عِيسَى بْن عُمَر " حُسُنًا " بِضَمَّتَيْنِ , مِثْل " الْحُلُم " . قَالَ اِبْن عَبَّاس : الْمَعْنَى قُولُوا لَهُمْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَمُرُوهُمْ بِهَا . اِبْن جُرَيْج : قُولُوا لِلنَّاسِ صِدْقًا فِي أَمْر مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا تُغَيِّرُوا نَعْته . سُفْيَان الثَّوْرِيّ : مُرُوهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَوْهُمْ عَنْ الْمُنْكَر . أَبُو الْعَالِيَة : قُولُوا لَهُمْ الطَّيِّب مِنْ الْقَوْل , وَجَازُوهُمْ بِأَحْسَن مَا تُحِبُّونَ أَنْ تُجَازُوا بِهِ . وَهَذَا كُلّه حَضّ عَلَى مَكَارِم الْأَخْلَاق , فَيَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَكُون قَوْله لِلنَّاسِ لَيِّنًا وَوَجْهه مُنْبَسِطًا طَلْقًا مَعَ الْبَرّ وَالْفَاجِر , وَالسُّنِّيّ وَالْمُبْتَدِع , مِنْ غَيْر مُدَاهَنَة , وَمِنْ غَيْر أَنْ يَتَكَلَّم مَعَهُ بِكَلَامٍ يَظُنّ أَنَّهُ يُرْضِي مَذْهَبه ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ لِمُوسَى وَهَارُون : " فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا " [ طَه : 44 ] . فَالْقَائِل لَيْسَ بِأَفْضَل مِنْ مُوسَى وَهَارُون , وَالْفَاجِر لَيْسَ بِأَخْبَث مِنْ فِرْعَوْن , وَقَدْ أَمَرَهُمَا اللَّه تَعَالَى بِاللِّينِ مَعَهُ . وَقَالَ طَلْحَة بْن عُمَر : قُلْت لِعَطَاءٍ إِنَّك رَجُل يَجْتَمِع عِنْدك نَاس ذَوُو أَهْوَاء مُخْتَلِفَة , وَأَنَا رَجُل فِيَّ حِدَّة فَأَقُول لَهُمْ بَعْض الْقَوْل الْغَلِيظ , فَقَالَ : لَا تَفْعَل ! يَقُول اللَّه تَعَالَى : " وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا " . فَدَخَلَ فِي هَذِهِ الْآيَة الْيَهُود وَالنَّصَارَى فَكَيْف بِالْحَنِيفِيِّ . وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِعَائِشَة : ( لَا تَكُونِي فَحَّاشَة فَإِنَّ الْفُحْش لَوْ كَانَ رَجُلًا لَكَانَ رَجُل سُوء ) . وَقِيلَ : أَرَادَ بِالنَّاسِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , كَقَوْلِهِ : " أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاس عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّه مِنْ فَضْله " [ النِّسَاء : 54 ] . فَكَأَنَّهُ قَالَ : قُولُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُسْنًا . وَحَكَى الْمَهْدَوِيّ عَنْ قَتَادَة أَنَّ قَوْله : " وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا " مَنْسُوخ بِآيَةِ السَّيْف . وَحَكَاهُ أَبُو نَصْر عَبْد الرَّحِيم عَنْ اِبْن عَبَّاس . قَالَ اِبْن عَبَّاس : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي الِابْتِدَاء ثُمَّ نَسَخَتْهَا آيَة السَّيْف . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّة خُوطِبَتْ بِمِثْلِ هَذَا اللَّفْظ فِي صَدْر الْإِسْلَام , وَأَمَّا الْخَبَر عَنْ بَنِي إِسْرَائِيل وَمَا أُمِرُوا بِهِ فَلَا نَسْخ فِيهِ , وَاَللَّه أَعْلَم .

تَقَدَّمَ الْقَوْل فِيهِ . وَالْخِطَاب لِبَنِي إِسْرَائِيل . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَزَكَاتهمْ هِيَ الَّتِي كَانُوا يَضَعُونَهَا فَتَنْزِل النَّار عَلَى مَا يُتَقَبَّل , وَلَا تَنْزِل عَلَى مَا لَمْ يُتَقَبَّل , وَلَمْ تَكُنْ كَزَكَاةِ أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

قُلْت : وَهَذَا يَحْتَاج إِلَى نَقْل , كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْغَنَائِم . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : الزَّكَاة الَّتِي أُمِرُوا بِهَا طَاعَة اللَّه وَالْإِخْلَاص .


الْخِطَاب لِمُعَاصِرِي مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَسْنَدَ إِلَيْهِمْ تَوَلِّي أَسْلَافهمْ إِذْ هُمْ كُلّهمْ بِتِلْكَ السَّبِيل فِي إِعْرَاضهمْ عَنْ الْحَقّ مِثْلهمْ , كَمَا قَالَ : " شِنْشِنَة أَعْرِفهَا مِنْ أَخْزَم " .


كَعَبْدِ اللَّه بْن سَلَام وَأَصْحَابه . و " قَلِيلًا " نُصِبَ عَلَى الِاسْتِثْنَاء , وَالْمُسْتَثْنَى عِنْد سِيبَوَيْهِ مَنْصُوب ; لِأَنَّهُ مُشَبَّه بِالْمَفْعُولِ . وَقَالَ مُحَمَّد بْن يَزِيد : هُوَ مَفْعُول عَلَى الْحَقِيقَة , الْمَعْنَى اِسْتَثْنَيْت قَلِيلًا .



اِبْتِدَاء وَخَبَر . وَالْإِعْرَاض وَالتَّوَلِّي بِمَعْنًى وَاحِد , مُخَالَف بَيْنهمَا فِي اللَّفْظ . وَقِيلَ : التَّوَلِّي فِيهِ بِالْجِسْمِ , وَالْإِعْرَاض بِالْقَلْبِ . قَالَ الْمَهْدَوِيّ : " وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ " حَال ; لِأَنَّ التَّوَلِّي فِيهِ دَلَالَة عَلَى الْإِعْرَاض .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • السعادة بين الوهم والحقيقة

    السعادة بين الوهم والحقيقة: كثيرٌ هم الذين يسعون لتحصيل السعادة، فيُنفِقون من أوقاتهم وأموالهم وجهودهم للحصول عليها، ولكن قد ينالُها بعضُهم ويعجز عن ذلك الكثير؛ وما ذلك إلا لوجود سعادة حقيقية وسعادة وهمية. حول هذا الموضوع يأتي هذا الكتاب ليُناقِش هذه القضية بشيءٍ من الإيجاز.

    الناشر: موقع المسلم http://www.almoslim.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/337280

    التحميل:

  • كيفية دعوة الوثنيين إلى الله تعالى في ضوء الكتاب والسنة

    كيفية دعوة الوثنيين إلى الله تعالى في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف: «فهذه رسالة مختصرة في «كيفية دعوة الوثنيين المشركين إلى الله تعالى»، بيَّنتُ فيها بإيجاز الأساليبَ والوسائلَ والطرقَ الحكيمة في دعوتهم إلى الله تعالى».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/338052

    التحميل:

  • الإمام محمد بن سعود دولة الدعوة والدعاة

    الإمام محمد بن سعود - رحمه الله - هو أحد الرواد الكبار، والبناة العظام في تاريخ أمتنا الخاص والعام. فقد قيضه الله تعالى لكي ينهي - بتوفيق الله - حقبة عصيبة تراكمت فيها البدع والمظالم والجهالة، وانحرفت عقائد كثير من المسلمين، ولكي يبدأ عهدا جديدا قوامه عقيدة التوحيد الصافية، وشريعة الإسلام الخالدة العادلة، لقد نصر الإمام دعوة الإسلام، وسخر سلطانه ووسائل ملكه لتجديد دعوة التوحيد، وتطبيق أحكام الشريعة، وفي هذا الكتاب صفحات من حياته.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/110566

    التحميل:

  • يوم الغضب هل بدأ بانتفاضة رجب؟

    يوم الغضب هل بدأ بانتفاضة رجب؟: هذا الكتاب بشرى للمستضعفين في الأرض المحتلة خاصة وللمسلمين عامة، فقد بيّن الأسباب الداعية لانتفاضة رجب، ثم قام بقراءة تفسيرية لنبوءات التوراة عن نهاية دولة إسرائيل، مع توضيح الصفات اليهودية من الأسفار والأناجيل، وتقديم بعض المفاتيح المجانية لأهل الكتاب؛ لحل التناقضات الموجودة عندهم في تأويل نبوءاتهم، فقد ذكر أن هناك نصوصاً في الأناجيل والأسفار تحتوي على أحداث هائلة، ولكنها أصبحت غامضة ومحيرة بسبب التحريف للكتب المقدسة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/340497

    التحميل:

  • إقراء القرآن الكريم

    تبين هذه الرسالة منهج النبي - صلى الله عليه وسلم - في تعلم القرآن وتعليمه، وشروط الإقراء وأساليبه وصفاته، وآداب المقرئ والقارئ. وقد ختمت الرسالة بالكلام عن آداب المقرئ والقارئ. ففي آداب المقرئ جرى بحث الموضوعات التالية: أخلاق المقرئ، وهيئة المقرئ أثناء الإقراء، والتسوية بين القراء، والرفق بالقارئ إذا أخطأ، وبكاء المقرئ لقراءة القارئ، ووعظ المقرئ للقارئ وإرشاده، وأخذ الأجرة على الإقراء. وفي آداب القارئ جرى بحث: أخلاق القارئ، وآداب القارئ مع المقرئ، وآداب القارئ مع أقرانه، وهيئة القارئ عند القراءة، والسجود عند قراءة آية السجدة، وأدب القارئ بعد الانتهاء من القراءة، وآداب ختم القرآن الكريم.

    الناشر: معهد الإمام الشاطبي http://www.shatiby.edu.sa

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/385698

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة