Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 75

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) (البقرة) mp3
هَذَا اِسْتِفْهَام فِيهِ مَعْنَى الْإِنْكَار , كَأَنَّهُ أَيْأَسَهُمْ مِنْ إِيمَان هَذِهِ الْفِرْقَة مِنْ الْيَهُود , أَيْ إِنْ كَفَرُوا فَلَهُمْ سَابِقَة فِي ذَلِكَ . وَالْخِطَاب لِأَصْحَابِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَذَلِكَ أَنَّ الْأَنْصَار كَانَ لَهُمْ حِرْص عَلَى إِسْلَام الْيَهُود لِلْحِلْفِ وَالْجِوَار الَّذِي كَانَ بَيْنهمْ . وَقِيلَ : الْخِطَاب لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّة , عَنْ اِبْن عَبَّاس . أَيْ لَا تَحْزَن عَلَى تَكْذِيبهمْ إِيَّاكَ , وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْل السُّوء الَّذِينَ مَضَوْا . و " أَنْ " فِي مَوْضِع نَصْب , أَيْ فِي أَنْ يُؤْمِنُوا , نُصِبَ بِأَنْ , وَلِذَلِكَ حُذِفَتْ مِنْهُ النُّون . يُقَال : طَمِعَ فِيهِ طَمَعًا وَطَمَاعِيَة - مُخَفَّف - فَهُوَ طَمِع , عَلَى وَزْن فَعِل . وَأَطْمَعَهُ فِيهِ غَيْره . وَيُقَال فِي التَّعَجُّب : طُمِعَ الرَّجُل - بِضَمِّ الْمِيم - أَيْ صَارَ كَثِير الطَّمَع . وَالطَّمَع : رِزْق الْجُنْد , يُقَال : أَمَرَ لَهُمْ الْأَمِير بِأَطْمَاعِهِمْ , أَيْ بِأَرْزَاقِهِمْ . وَامْرَأَة مِطْمَاع : تُطْمِع وَلَا تُمَكِّن .


الْفَرِيق اِسْم جَمْع لَا وَاحِد لَهُ مِنْ لَفْظه , وَجَمْعه فِي أَدْنَى الْعَدَد أَفْرِقَة , وَفِي الْكَثِير أَفْرِقَاء .


فِي مَوْضِع نَصْب خَبَر " كَانَ " . وَيَجُوز أَنْ يَكُون الْخَبَر " مِنْهُمْ " , وَيَكُون " يَسْمَعُونَ " نَعْتًا لِفَرِيقٍ وَفِيهِ بُعْد .

قِرَاءَة الْجَمَاعَة . وَقَرَأَ الْأَعْمَش " كَلِم اللَّه " عَلَى جَمْع كَلِمَة . قَالَ سِيبَوَيْهِ : وَاعْلَمْ أَنَّ نَاسًا مِنْ رَبِيعَة يَقُولُونَ " مِنْهِمْ " بِكَسْرِ الْهَاء إِتْبَاعًا لِكَسْرَةِ الْمِيم , وَلَمْ يَكُنْ الْمُسَكَّن حَاجِزًا حَصِينًا عِنْده . " كَلَام اللَّه " مَفْعُول ب " يَسْمَعُونَ " . وَالْمُرَاد السَّبْعُونَ الَّذِينَ اِخْتَارَهُمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام , فَسَمِعُوا كَلَام اللَّه فَلَمْ يَمْتَثِلُوا أَمْره , وَحَرَّفُوا الْقَوْل فِي إِخْبَارهمْ لِقَوْمِهِمْ . هَذَا قَوْل الرَّبِيع وَابْن إِسْحَاق , وَفِي هَذَا الْقَوْل ضَعْف . وَمَنْ قَالَ : إِنَّ السَّبْعِينَ سَمِعُوا مَا سَمِعَ مُوسَى فَقَدْ أَخْطَأَ , وَأَذْهَبَ بِفَضِيلَةِ مُوسَى وَاخْتِصَاصه بِالتَّكْلِيمِ . وَقَدْ قَالَ السُّدِّيّ وَغَيْره : لَمْ يُطِيقُوا سَمَاعه , وَاخْتَلَطَتْ أَذْهَانهمْ وَرَغِبُوا أَنْ يَكُون مُوسَى يَسْمَع وَيُعِيدهُ لَهُمْ , فَلَمَّا فَرَغُوا وَخَرَجُوا بَدَّلَتْ طَائِفَة مِنْهُمْ مَا سَمِعَتْ مِنْ كَلَام اللَّه عَلَى لِسَان نَبِيّهمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام , كَمَا قَالَ تَعَالَى : " وَإِنْ أَحَد مِنْ الْمُشْرِكِينَ اِسْتَجَارَك فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَع كَلَام اللَّه " . [ التَّوْبَة : 6 ] .

فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رَوَى الْكَلْبِيّ عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ قَوْم مُوسَى سَأَلُوا مُوسَى أَنْ يَسْأَل رَبّه أَنْ يُسْمِعهُمْ كَلَامه , فَسَمِعُوا صَوْتًا كَصَوْتِ الشَّبُّور : " إِنِّي أَنَا اللَّه لَا إِلَه إِلَّا أَنَا الْحَيّ الْقَيُّوم أَخْرَجْتُكُمْ مِنْ مِصْر بِيَدٍ رَفِيعَة وَذِرَاع شَدِيدَة " .

قُلْت : هَذَا حَدِيث بَاطِل لَا يَصِحّ , رَوَاهُ اِبْن مَرْوَان عَنْ الْكَلْبِيّ وَكِلَاهُمَا ضَعِيف لَا يُحْتَجّ بِهِ وَإِنَّمَا الْكَلَام شَيْء خُصَّ بِهِ مُوسَى مِنْ بَيْن جَمِيع وَلَد آدَم , فَإِنْ كَانَ كَلَّمَ قَوْمه أَيْضًا حَتَّى أَسْمَعَهُمْ كَلَامه فَمَا فَضْل مُوسَى عَلَيْهِمْ , وَقَدْ قَالَ وَقَوْله الْحَقّ : " إِنِّي اِصْطَفَيْتُك عَلَى النَّاس بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي " [ الْأَعْرَاف : 144 ] . وَهَذَا وَاضِح .

وَاخْتَلَفَ النَّاس بِمَاذَا عَرَفَ مُوسَى كَلَام اللَّه وَلَمْ يَكُنْ سَمِعَ قَبْل ذَلِكَ خِطَابه , فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ سَمِعَ كَلَامًا لَيْسَ بِحُرُوفٍ وَأَصْوَات , وَلَيْسَ فِيهِ تَقْطِيع وَلَا نَفَس , فَحِينَئِذٍ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ كَلَام الْبَشَر وَإِنَّمَا هُوَ كَلَام رَبّ الْعَالَمِينَ . وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّهُ لَمَّا سَمِعَ كَلَامًا لَا مِنْ جِهَة , وَكَلَام الْبَشَر يُسْمَع مِنْ جِهَة مِنْ الْجِهَات السِّتّ , عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ كَلَام الْبَشَر . وَقِيلَ : إِنَّهُ صَارَ جَسَده كُلّه مَسَامِع حَتَّى سَمِعَ بِهَا ذَلِكَ الْكَلَام , فَعَلِمَ أَنَّهُ كَلَام اللَّه . وَقِيلَ فِيهِ : إِنَّ الْمُعْجِزَة دَلَّتْ عَلَى أَنَّ مَا سَمِعَهُ هُوَ كَلَام اللَّه , وَذَلِكَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : أَلْقِ عَصَاك , فَأَلْقَاهَا فَصَارَتْ ثُعْبَانًا , فَكَانَ ذَلِكَ عَلَامَة عَلَى صِدْق الْحَال , وَأَنَّ الَّذِي يَقُول لَهُ : " إِنِّي أَنَا رَبّك " [ طَه : 12 ] هُوَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ . وَقِيلَ : إِنَّهُ قَدْ كَانَ أَضْمَرَ فِي نَفْسه شَيْئًا لَا يَقِف عَلَيْهِ إِلَّا عَلَّام الْغُيُوب , فَأَخْبَرَهُ اللَّه تَعَالَى فِي خِطَابه بِذَلِكَ الضَّمِير , فَعُلِمَ أَنَّ الَّذِي يُخَاطِبهُ هُوَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ . وَسَيَأْتِي فِي سُورَة " الْقَصَص " بَيَان مَعْنَى قَوْله تَعَالَى : " نُودِيَ مِنْ شَاطِئ الْوَادِي الْأَيْمَن فِي الْبُقْعَة الْمُبَارَكَة مِنْ الشَّجَرَة " [ الْقَصَص : 30 ] إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .


قَالَ مُجَاهِد وَالسُّدِّيّ : هُمْ عُلَمَاء الْيَهُود الَّذِينَ يُحَرِّفُونَ التَّوْرَاة فَيَجْعَلُونَ الْحَرَام حَلَالًا وَالْحَلَال حَرَامًا اِتِّبَاعًا لِأَهْوَائِهِمْ .

أَيْ عَرَفُوهُ وَعَلِمُوهُ . وَهَذَا تَوْبِيخ لَهُمْ , أَيْ إِنَّ هَؤُلَاءِ الْيَهُود قَدْ سَلَفَتْ لِآبَائِهِمْ أَفَاعِيل سُوء وَعِنَاد فَهَؤُلَاءِ عَلَى ذَلِكَ السُّنَن , فَكَيْف تَطْمَعُونَ فِي إِيمَانهمْ

وَدَلَّ هَذَا الْكَلَام أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْعَالِم بِالْحَقِّ الْمُعَانِد فِيهِ بَعِيد مِنْ الرُّشْد ; لِأَنَّهُ عَلِمَ الْوَعْد وَالْوَعِيد وَلَمْ يَنْهَهُ ذَلِكَ عَنْ عِنَاده .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الغناء والمعازف في ضوء الكتاب والسنة وآثار الصحابة رضي الله عنهم

    الغناء والمعازف في ضوء الكتاب والسنة وآثار الصحابة رضي الله عنهم: كتب الشيخ - حفظه الله - هذه الرسالة ردَّاً على من أجاز الغناء وأباحه، وقد بيّن فيها بالأدلّة من الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة، وأعلام التابعين، والأئمة الأربعة، وغيرهم من أهل العلم المحققين تحريم الأغاني والمعازف، كما بيّن ما يجوز من الغناء المباح، وقد قسم هذه الرسالة إلى المباحث الآتية: المبحث الأول: مفهوم الغناء والمعازف. المبحث الثاني: تحريم القول على اللَّه بغير علم. المبحث الثالث: تحريم الغناء بالكتاب والسنة، وأقوال الصحابة. المبحث الرابع: الوعيد الشديد لأهل الغناء والمعازف. المبحث الخامس: أسماء الغناء والمعازف وآلات اللهو. المبحث السادس: مسائل مهمة في الغناء والمعازف والمزامير. المبحث السابع: أضرار الغناء ومفاسده. المبحث الثامن: ما يباح من الغناء. المبحث التاسع: الردُّ على من ضعّف أحاديث الغناء. المبحث العاشر: الفتاوى المحققة في الأغاني والمعازف، وآلات اللهو.

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/320108

    التحميل:

  • فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

    فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: معنى الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلّم - وفضلِها وبيان كيفيتها، مع ذكر نماذجَ من الكتب المؤلفة في هذه العبادة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2157

    التحميل:

  • اللمع من خطب الجمع

    اللمع من خطب الجمع: مجموعة من خطب الجمعة التي خطبها المؤلف في مسجد «جامع الأمير متعب» بالملز بالرياض. - وهي عبارة عن ثلاث مجموعات.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/330467

    التحميل:

  • الدور التربوي للوالدين في تنشئة الفتاة المسلمة

    الدور التربوي للوالدين في تنشئة الفتاة المسلمة: يتكون الكتاب من عدة فصول، تبين الدور التربوي للوالدين في تنشئة الفتاة المسلمة في مرحلة الطفولة، ثم مرحلة المراهقة. الفصل الأول: التنشئة الإيمانية والجسمية للفتاة المسلمة. الفصل الثاني: التنشئة الوجدانية والفكرية للفتاة المسلمة. الفصل الثالث: التنشئة الجمالية والاجتماعية للفتاة المسلمة. الفصل الرابع: مقومات شخصية الوالدين اللازمة لتنشئة الفتاة المسلمة.

    الناشر: مجلة البيان http://www.albayan-magazine.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205663

    التحميل:

  • شرح مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية

    مقدمة في أصول التفسير : هذه المقدمة من نفائس ما كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -، فقد ذكر فيها قواعد نافعة لفهم أصول التفسير، وهي صغيرة الحجم، تقع في 46 صفحة بحسب مجموع الفتاوى في الجزء رقم 13 من ص 329 حتى ص 375. وقد ألفها شيخ الإسلام ابن تيمية استجابة لرغبة بعض طلابه، وقد أشار إلى ذلك في المقدمة، وفي هذه الصفحة شرح لها كتبه الشيخ مساعد بن سليمان الطيار - أثابه الله -.

    الناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع www.aljawzi.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/291773

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة