Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 63

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63) (البقرة) mp3
هَذِهِ الْآيَة تُفَسِّر مَعْنَى قَوْله تَعَالَى " وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَل فَوْقهمْ كَأَنَّهُ ظُلَّة " [ الْأَعْرَاف : 171 ] . قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : الْمَعْنَى زَعْزَعْنَاهُ فَاسْتَخْرَجْنَاهُ مِنْ مَكَانه . قَالَ : وَكُلّ شَيْء قَلَعْته فَرَمَيْت بِهِ فَقَدْ نَتَقْته . وَقِيلَ : نَتَقْنَاهُ رَفَعْنَاهُ . قَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : النَّاتِق الرَّافِع , وَالنَّاتِق الْبَاسِط , وَالنَّاتِق الْفَاتِق . وَامْرَأَة نَاتِق وَمُنْتَاق : كَثِيرَة الْوَلَد . وَقَالَ الْقُتَبِيّ : أُخِذَ ذَلِكَ مِنْ نَتْق السِّقَاء , وَهُوَ نَفْضه حَتَّى تُقْتَلَع الزُّبْدَة مِنْهُ . قَالَ وَقَوْله : " وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَل فَوْقهمْ كَأَنَّهُ ظُلَّة " قَالَ : قُلِعَ مِنْ أَصْله . وَاخْتُلِفَ فِي الطُّور , فَقِيلَ : الطُّور اِسْم لِلْجَبَلِ الَّذِي كَلَّمَ اللَّه عَلَيْهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ فِيهِ التَّوْرَاة دُون غَيْره , رَوَاهُ اِبْن جُرَيْج عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَرَوَى الضَّحَّاك عَنْهُ أَنَّ الطُّور مَا أَنْبَتَ مِنْ الْجِبَال خَاصَّة دُون مَا لَمْ يُنْبِتْ . وَقَالَ مُجَاهِد وَقَتَادَة : أَيّ جَبَل كَانَ . إِلَّا أَنَّ مُجَاهِدًا قَالَ : هُوَ اِسْم لِكُلِّ جَبَل بِالسُّرْيَانِيَّةِ , وَقَالَهُ أَبُو الْعَالِيَة . وَقَدْ مَضَى الْكَلَام هَلْ وَقَعَ فِي الْقُرْآن أَلْفَاظ مُفْرَدَة غَيْر مُعَرَّبَة مِنْ غَيْر كَلَام فِي مُقَدِّمَة الْكِتَاب . وَالْحَمْد لِلَّهِ . وَزَعَمَ الْبَكْرِيّ أَنَّهُ سُمِّيَ بِطُورِ بْن إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ السَّلَام , وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم . الْقَوْل فِي سَبَب رَفْع الطُّور وَذَلِكَ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا جَاءَ بَنِي إِسْرَائِيل مِنْ عِنْد اللَّه بِالْأَلْوَاحِ فِيهَا التَّوْرَاة قَالَ لَهُمْ : خُذُوهَا وَالْتَزِمُوهَا . فَقَالُوا : لَا إِلَّا أَنْ يُكَلِّمَنَا اللَّه بِهَا كَمَا كَلَّمَك . فَصُعِقُوا ثُمَّ أُحْيُوا . فَقَالَ لَهُمْ : خُذُوهَا . فَقَالُوا لَا , فَأَمَرَ اللَّه الْمَلَائِكَة فَاقْتَلَعَتْ جَبَلًا مِنْ جِبَال فِلَسْطِين طُوله فَرْسَخ فِي مِثْله , وَكَذَلِكَ كَانَ عَسْكَرهمْ , فَجُعِلَ عَلَيْهِمْ مِثْل الظُّلَّة , وَأُتُوا بِبَحْرٍ مِنْ خَلْفهمْ , وَنَار مِنْ قِبَل وُجُوههمْ , وَقِيلَ لَهُمْ : خُذُوهَا وَعَلَيْكُمْ الْمِيثَاق أَلَّا تُضَيِّعُوهَا , وَإِلَّا سَقَطَ عَلَيْكُمْ الْجَبَل . فَسَجَدُوا تَوْبَةً للَّه وَأَخَذُوا التَّوْرَاة بِالْمِيثَاقِ . قَالَ الطَّبَرِيّ عَنْ بَعْض الْعُلَمَاء : لَوْ أَخَذُوهَا أَوَّل مَرَّة لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ مِيثَاق . وَكَانَ سُجُودهمْ عَلَى شِقّ ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَرْقُبُونَ الْجَبَل خَوْفًا , فَلَمَّا رَحِمَهُمْ اللَّه قَالُوا : لَا سَجْدَة أَفْضَل مِنْ سَجْدَة تَقَبَّلَهَا اللَّه وَرَحِمَ بِهَا عِبَاده , فَأَمَرُّوا سُجُودهمْ عَلَى شِقّ وَاحِد . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَاَلَّذِي لَا يَصِحّ سِوَاهُ أَنَّ اللَّه تَعَالَى اِخْتَرَعَ وَقْت سُجُودهمْ الْإِيمَان فِي قُلُوبهمْ لَا أَنَّهُمْ آمَنُوا كُرْهًا وَقُلُوبهمْ غَيْر مُطْمَئِنَّة بِذَلِكَ .


أَيْ فَقُلْنَا خُذُوا , فَحُذِفَ .

أَعْطَيْنَاكُمْ .


أَيْ بِجِدٍّ وَاجْتِهَاد , قَالَ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة وَالسُّدِّيّ . وَقِيلَ : بِنِيَّةٍ وَإِخْلَاص . مُجَاهِد : الْقُوَّة الْعَمَل بِمَا فِيهِ . وَقِيلَ : بِقُوَّةٍ , بِكَثْرَةِ دَرْس .


أَيْ تَدَبَّرُوهُ وَاحْفَظُوا أَوَامِره وَوَعِيده , وَلَا تَنْسَوْهُ وَلَا تُضَيِّعُوهُ . قُلْت : هَذَا هُوَ الْمَقْصُود مِنْ الْكُتُب , الْعَمَل بِمُقْتَضَاهَا لَا تِلَاوَتهَا بِاللِّسَانِ وَتَرْتِيلهَا , فَإِنَّ ذَلِكَ نَبْذ لَهَا , عَلَى مَا قَالَهُ الشَّعْبِيّ وَابْن عُيَيْنَة , وَسَيَأْتِي قَوْلُهُمَا عِنْد قَوْله تَعَالَى : " نَبَذَ فَرِيق مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب " [ الْبَقَرَة : 101 ] . وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيّ عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ مِنْ شَرّ النَّاس رَجُلًا فَاسِقًا يَقْرَأ الْقُرْآن لَا يَرْعَوِي إِلَى شَيْء مِنْهُ ) . فَبَيَّنَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْمَقْصُود الْعَمَل كَمَا بَيَّنَّا . وَقَالَ مَالِك : قَدْ يَقْرَأ الْقُرْآن مَنْ لَا خَيْر فِيهِ . فَمَا لَزِمَ إِذًا مَنْ قَبْلنَا وَأُخِذَ عَلَيْهِمْ لَازِم لَنَا وَوَاجِب عَلَيْنَا . قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَاتَّبِعُوا أَحْسَن مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبّكُمْ " [ الزُّمَر : 55 ] فَأُمِرْنَا بِاتِّبَاعِ كِتَابه وَالْعَمَل بِمُقْتَضَاهُ , لَكِنْ تَرَكْنَا ذَلِكَ , كَمَا تَرَكْت الْيَهُود وَالنَّصَارَى , وَبَقِيَتْ أَشْخَاص الْكُتُب وَالْمَصَاحِف لَا تُفِيد شَيْئًا , لِغَلَبَةِ الْجَهْل وَطَلَب الرِّيَاسَة وَاتِّبَاع الْأَهْوَاء . رَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْ جُبَيْر بْن نُفَيْر عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء قَالَ : كُنَّا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَشَخَصَ بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاء ثُمَّ قَالَ : ( هَذَا أَوَان يُخْتَلَس فِيهِ الْعِلْم مِنْ النَّاس حَتَّى لَا يَقْدِرُوا مِنْهُ عَلَى شَيْء ) . فَقَالَ زِيَاد بْن لَبِيد الْأَنْصَارِيّ : كَيْف يُخْتَلَس مِنَّا وَقَدْ قَرَأْنَا الْقُرْآن فَوَاَللَّهِ لَأَقْرَأَنهُ وَلَأُقْرِئَنهُ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا . فَقَالَ : ( ثَكِلَتْك أُمّك يَا زِيَاد إِنْ كُنْت لَأَعُدّك مِنْ فُقَهَاء الْمَدِينَة هَذِهِ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل عِنْد الْيَهُود وَالنَّصَارَى فَمَاذَا تُغْنِي عَنْهُمْ ) وَذَكَرَ الْحَدِيث , وَسَيَأْتِي . وَخَرَّجَهُ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيث جُبَيْر بْن نُفَيْر أَيْضًا عَنْ عَوْف بْن مَالِك الْأَشْجَعِيّ مِنْ طَرِيق صَحِيحَة , وَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِزِيَادٍ : ( ثَكِلَتْك أُمّك يَا زِيَاد هَذِهِ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل عِنْد الْيَهُود وَالنَّصَارَى ) . وَفِي الْمُوَطَّأ عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود قَالَ لِإِنْسَانٍ : " إِنَّك فِي زَمَان كَثِير فُقَهَاؤُهُ , قَلِيل قُرَّاؤُهُ , تُحْفَظ فِيهِ حُدُود الْقُرْآن وَتُضَيَّع حُرُوفه , قَلِيل مَنْ يَسْأَل , كَثِير مَنْ يُعْطِي , يُطِيلُونَ الصَّلَاة وَيُقْصِرُونَ فِيهِ الْخُطْبَة , يَبْدَءُونَ فِيهِ أَعْمَالهمْ قَبْل أَهْوَائِهِمْ . وَسَيَأْتِي عَلَى النَّاس زَمَان قَلِيل فُقَهَاؤُهُ , كَثِير قُرَّاؤُهُ , تُحْفَظ فِيهِ حُرُوف الْقُرْآن , وَتُضَيَّع حُدُوده , كَثِير مَنْ يَسْأَل , قَلِيل مَنْ يُعْطِي , يُطِيلُونَ فِيهِ الْخُطْبَة , وَيُقْصِرُونَ الصَّلَاة , يَبْدَءُونَ فِيهِ أَهْوَاءَهُمْ قَبْل أَعْمَالهمْ " . وَهَذِهِ نُصُوص تَدُلّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا . وَقَدْ قَالَ يَحْيَى سَأَلْت اِبْن نَافِع عَنْ قَوْله : يَبْدَءُونَ أَهْوَاءَهُمْ قَبْل أَعْمَالهمْ ؟ قَالَ يَقُول : يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَيَتْرُكُونَ الْعَمَل بِاَلَّذِي اُفْتُرِضَ عَلَيْهِمْ .


وَتَقَدَّمَ الْقَوْل فِي مَعْنَاهُ فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهِ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • مختصر طبقات المكلفين لابن القيم

    في هذه الرسالة بيان طبقات المُكلَّفين ومراتبهم في الدار الآخرة لابن القيم - رحمه الله - وهي ثماني عشرة طبقة أعلاها مرتبة الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209156

    التحميل:

  • بيان حقيقة التوحيد الذي جاءت به الرسل ودحض الشبهات التي أثيرت حوله

    فإن العقيدة هي الأساس الذي يقوم عليه بنيان الأمم، فصلاح كل أمّة ورقيّها مربوط بسلامة عقيدتها وسلامة أفكارها، ومن ثمّ جاءت رسالات الأنبياء - عليهم الصلاة والسّلام - تنادي بإصلاح العقيدة. فكل رسول يقول لقومه أوّل ما يدعوهم: { اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ }, {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}. وذلك لأنّ الله - سبحانه - خلق الخلق لعبادته وحده لا شريك له كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ}. والعبادة حق الله على عباده، كما قال النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل - رضي الله عنه -: { أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله ؟ } قال: { حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا. وحق العباد على الله: أن لا يعذّب من لا يشرك به شيئا }. وهذا الحق هو أوّل الحقوق على الإطلاق لا يسبقه شيء ولا يتقدمه حق أحد. لذا كانت هذه الرسالة والتي تبين حقيقة التوحيد الذي جاءت به الرسل ودحض الشبهات التي أثيرت حوله.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/314799

    التحميل:

  • فضل تعدد الزوجات

    فضل تعدد الزوجات : بيان بعض الحكم من مشروعية التعدد، مع رد بعض الشبه. - قدم لهذه الرسالة : فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله -.

    الناشر: مؤسسة الجريسي للتوزيع والإعلان - شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/166705

    التحميل:

  • الهدي النبوي في تربية الأولاد في ضوء الكتاب والسنة

    قال المؤلف - حفظه الله -: «فهذه رسالة في «الهدي النبوي في تربية الأولاد في ضوء الكتاب والسنة» كتبت أصلها في النصف الثاني من سنة 1402هــ ثم في عام 1431هـ، نظرت فيها، وتأملت وحررتها تحريرًا، وزدت عليها زيادات نافعة إن شاء الله تعالى، وقد قسمت البحث إلى أربعة وعشرين مبحثًا ... ».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/320894

    التحميل:

  • شرح حديث بني الإسلام على خمس

    شرح لحديث « بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ ».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2496

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة