Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 6

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) (البقرة) mp3
لَمَّا ذَكَرَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَحْوَالهمْ ذَكَرَ الْكَافِرِينَ وَمَآلهمْ . وَالْكُفْر ضِدّ الْإِيمَان وَهُوَ الْمُرَاد فِي الْآيَة . وَقَدْ يَكُون بِمَعْنَى جُحُود النِّعْمَة وَالْإِحْسَان , وَمِنْهُ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام فِي النِّسَاء فِي حَدِيث الْكُسُوف : ( وَرَأَيْت النَّار فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَع وَرَأَيْت أَكْثَر أَهْلهَا النِّسَاء ) قِيلَ : بِمَ يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : ( بِكُفْرِهِنَّ ) , قِيلَ أَيَكْفُرْنَ بِاَللَّهِ ؟ قَالَ : ( يَكْفُرْنَ الْعَشِير وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَان لَوْ أَحْسَنْت إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْر كُلّه ثُمَّ رَأَتْ مِنْك شَيْئًا قَالَتْ مَا رَأَيْت مِنْك خَيْرًا قَطُّ ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ وَغَيْره . وَأَصْل الْكُفْر فِي كَلَام الْعَرَب : السَّتْر وَالتَّغْطِيَة , وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : فِي لَيْلَة كَفَرَ النُّجُوم غَمَامهَا أَيْ سَتَرَهَا . وَمِنْهُ سُمِّيَ اللَّيْل كَافِرًا , لِأَنَّهُ يُغَطِّي كُلّ شَيْء بِسَوَادِهِ , قَالَ الشَّاعِر : فَتَذَكَّرَا ثَقَلًا رَثِيدًا بَعْدَمَا أَلْقَتْ ذُكَاء يَمِينهَا فِي كَافِر ذُكَاء ( بِضَمِّ الذَّال وَالْمَدّ ) : اِسْم لِلشَّمْسِ , وَمِنْهُ قَوْل الْآخَر : فَوَرَدْت قَبْل اِنْبِلَاج الْفَجْر وَابْن ذُكَاء كَامِن فِي كَفْر أَيْ فِي لَيْل . وَالْكَافِر أَيْضًا : الْبَحْر وَالنَّهَر الْعَظِيم . وَالْكَافِر : الزَّارِع , وَالْجَمْع كُفَّار , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " كَمَثَلِ غَيْث أَعْجَبَ الْكُفَّار نَبَاته " [ الْحَدِيد : 20 ] . يَعْنِي الزُّرَّاع لِأَنَّهُمْ يُغَطُّونَ الْحَبّ . وَرَمَاد مَكْفُور : سَفَتْ الرِّيح عَلَيْهِ التُّرَاب . وَالْكَافِر مِنْ الْأَرْض : مَا بَعُدَ عَنْ النَّاس لَا يَكَاد يَنْزِلهُ وَلَا يَمُرّ بِهِ أَحَد , وَمَنْ حَلَّ بِتِلْكَ الْمَوَاضِع فَهُمْ أَهْل الْكُفُور . وَيُقَال الْكُفُور : الْقُرَى .

مَعْنَاهُ مُعْتَدِل عِنْدهمْ الْإِنْذَار وَتَرْكه , أَيْ سَوَاء عَلَيْهِمْ هَذَا . وَجِيءَ بِالِاسْتِفْهَامِ مِنْ أَجْل التَّسْوِيَة , وَمِثْله قَوْله تَعَالَى : " سَوَاء عَلَيْنَا أَوَعَظْت أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنْ الْوَاعِظِينَ " [ الشُّعَرَاء : 136 ] . وَقَالَ الشَّاعِر : وَلَيْل يَقُول النَّاس مِنْ ظُلُمَاته سَوَاء صَحِيحَات الْعُيُون وَعُورهَا

الْإِنْذَار الْإِبْلَاغ وَالْإِعْلَام , وَلَا يَكَاد يَكُون إِلَّا فِي تَخْوِيف يَتَّسِع زَمَانه لِلِاحْتِرَازِ , فَإِنْ لَمْ يَتَّسِع زَمَانه لِلِاحْتِرَازِ كَانَ إِشْعَارًا وَلَمْ يَكُنْ إِنْذَارًا , قَالَ الشَّاعِر : أَنْذَرْت عَمْرًا وَهُوَ فِي مَهَل قَبْل الصَّبَاح فَقَدْ عَصَى عَمْرو وَتَنَاذَرَ بَنُو فُلَان هَذَا الْأَمْر إِذَا خَوَّفَهُ بَعْضهمْ بَعْضًا . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي تَأْوِيل هَذِهِ الْآيَة , فَقِيلَ : هِيَ عَامَّة وَمَعْنَاهَا الْخُصُوص فِيمَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَة الْعَذَاب , وَسَبَقَ فِي عِلْم اللَّه أَنَّهُ يَمُوت عَلَى كُفْره . أَرَادَ اللَّه تَعَالَى أَنْ يُعْلِم أَنَّ فِي النَّاس مَنْ هَذِهِ حَاله دُون أَنْ يُعَيِّن أَحَدًا . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَالْكَلْبِيّ : نَزَلَتْ فِي رُؤَسَاء الْيَهُود , مِنْهُم حُيَيّ بْن أَخْطَب وَكَعْب بْن الْأَشْرَف وَنُظَرَاؤُهُمَا . وَقَالَ الرَّبِيع بْن أَنَس : نَزَلَتْ فِيمَنْ قُتِلَ يَوْم بَدْر مِنْ قَادَة الْأَحْزَاب , وَالْأَوَّل أَصَحّ , فَإِنَّ مَنْ عَيَّنَ أَحَدًا فَإِنَّمَا مَثَّلَ بِمَنْ كَشَفَ الْغَيْب عَنْهُ بِمَوْتِهِ عَلَى الْكُفْر , وَذَلِكَ دَاخِل فِي ضِمْن الْآيَة . قَوْله تَعَالَى " لَا يُؤْمِنُونَ " مَوْضِعه رَفْع خَبَر " إِنَّ " أَيْ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا يُؤْمِنُونَ . وَقِيلَ : خَبَر " إِنَّ " " سَوَاء " وَمَا بَعْده يَقُوم مَقَام الصِّلَة , قَالَهُ اِبْن كَيْسَان . وَقَالَ مُحَمَّد بْن يَزِيد : " سَوَاء " رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ , " أَأَنْذَرْتهمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرهُمْ " الْخَبَر , وَالْجُمْلَة خَبَر " إِنَّ " . قَالَ النَّحَّاس : أَيْ إِنَّهُمْ تَبَالَهُوا فَلَمْ تُغْنِ فِيهِمْ النِّذَارَة شَيْئًا . وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة " أَأَنْذَرْتهمْ " فَقَرَأَ أَهْل الْمَدِينَة وَأَبُو عَمْرو وَالْأَعْمَش وَعَبْد اللَّه بْن أَبِي إِسْحَاق : " آنْذَرْتهمْ " بِتَحْقِيقِ الْأُولَى وَتَسْهِيل الثَّانِيَة , وَاخْتَارَهَا الْخَلِيل وَسِيبَوَيْهِ , وَهِيَ لُغَة قُرَيْش وَسَعْد بْن بَكْر , وَعَلَيْهَا قَوْل الشَّاعِر : أَيَا ظَبْيَة الْوَعْسَاء بَيْن جُلَاجِل وَبَيْن النَّقَا آنْت أَمْ أُمّ سَالِم هِجَاء " آنْت " أَلِف وَاحِدَة . وَقَالَ آخَر : تَطَالَلْت فَاسْتَشْرَفْته فَعَرَفْته فَقُلْت لَهُ آنْتَ زَيْد الْأَرَانِب وَرُوِيَ عَنْ اِبْن مُحَيْصِن أَنَّهُ قَرَأَ : " أَنْذَرْتهمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرهُمْ " بِهَمْزَةٍ لَا أَلِف بَعْدهَا , فَحَذَفَ لِالْتِقَاءِ الْهَمْزَتَيْنِ , أَوْ لِأَنَّ أَمْ تَدُلّ عَلَى الِاسْتِفْهَام , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : تَرُوح مِنْ الْحَيّ أَمْ تَبْتَكِر وَمَاذَا يَضِيرك لَوْ تَنْتَظِر أَرَادَ : أَتَرُوحُ , فَاكْتَفَى بِأَمْ مِنْ الْأَلِف . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن أَبِي إِسْحَاق أَنَّهُ قَرَأَ : " أَأَنْذَرْتهمْ " فَحَقَّقَ الْهَمْزَتَيْنِ وَأَدْخَلَ بَيْنهمَا أَلِفًا لِئَلَّا يُجْمَع بَيْنهمَا . قَالَ أَبُو حَاتِم : وَيَجُوز أَنْ تُدْخِل بَيْنهمَا أَلِفًا وَتُخَفِّف الثَّانِيَة , وَأَبُو عَمْرو وَنَافِع يَفْعَلَانِ ذَلِكَ كَثِيرًا . وَقَرَأَ حَمْزَة وَعَاصِم وَالْكِسَائِيّ بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَتَيْنِ : " أَأَنْذَرْتَهُمْ " وَهُوَ اِخْتِيَار أَبِي عُبَيْد , وَذَلِكَ بَعِيد عِنْد الْخَلِيل . وَقَالَ سِيبَوَيْهِ : يُشْبِه فِي الثِّقَل ضَنِنُوا . قَالَ الْأَخْفَش : وَيَجُوز تَخْفِيف الْأُولَى مِنْ الْهَمْزَتَيْنِ وَذَلِكَ رَدِيء ; لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا يُخَفِّفُونَ بَعْد الِاسْتِثْقَال , وَبَعْد حُصُول الْوَاحِدَة . قَالَ أَبُو حَاتِم : وَيَجُوز تَخْفِيف الْهَمْزَتَيْنِ جَمِيعًا . فَهَذِهِ سَبْعَة أَوْجُه مِنْ الْقِرَاءَات , وَوَجْه ثَامِن يَجُوز فِي غَيْر الْقُرْآن ; لِأَنَّهُ مُخَالِف لِلسَّوَادِ . قَالَ الْأَخْفَش سَعِيد : تُبْدَل مِنْ الْهَمْزَة هَاء تَقُول : هَأَنْذَرْتَهُمْ , كَمَا يُقَال هَيَّاك وَإِيَّاكَ , وَقَالَ الْأَخْفَش فِي قَوْله تَعَالَى : " هَا أَنْتُمْ " [ آل عِمْرَان : 66 ] إِنَّمَا هُوَ أَأَنْتُمْ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • هداية المرتاب وغاية الحفاظ والطلاب في تبيين متشابه الكتاب

    هداية المرتاب وغاية الحفاظ والطلاب في تبيين متشابه الكتاب، للعلامة علم الدين أبو الحسن علي بن محمد السخاوي - رحمه الله - : هو متن يساعد حُفاظ القرآن الكريم على ضبط حفظهم؛ فيضع قواعد لمتشابه الألفاظ، مما يُمكِّنهم من الإتقان دون مشقة كبيرة - إن شاء الله -، وتعتبر هذه المنظومة من أجمع ما نظم وكتب في هذا الموضوع، على سلاسة في نظمها، وظهور في معانيها ومقاصدها، وحسن في أدائها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/289513

    التحميل:

  • الآل والصحابة محبة وقرابة

    الآل والصحابة محبة وقرابة: إن المصاهرة بين أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في غاية الوضوح، ولا سيما بين ذرية الإمام علي - رضي الله عنه - وذرية الخلفاء الراشدين - رضي الله عنهم -، وكذلك المصاهرة مشهورة بين بني أمية وبين بني هاشم قبل الإسلام وبعده وأشهرها زواج الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - من بنت أبي سفيان - رضي الله عنهم أجمعين - وفي هذه الرسالة معلقات ذات دلالة عميقة على العلاقة الحميمة بين الآل والأصحاب. - ملحوظة: أضفنا نسخة بجودة منخفضة تصلح للتصفح عن طريق الحاسب الآلي - الكمبيوتر -، ونسخة أخرى بجودة عالية تصلح للطباعة.

    الناشر: مركز البحوث في مبرة الآل والأصحاب http://www.almabarrah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/260223

    التحميل:

  • فتح الله الحميد المجيد في شرح كتاب التوحيد

    فتح الله الحميد المجيد في شرح كتاب التوحيد : كتاب التوحيد : كتاب يحتوي على بيان لعقيدة أهل السنة والجماعة بالدليل من القرآن الكريم والسنة النبوية، وهوكتاب عظيم النفع في بابه، بين فيه مؤلفه - رحمه الله - التوحيد وفضله، وما ينافيه من الشرك الأكبر، أو ينافي كماله الواجب من الشرك الأصغر والبدع؛ وفي هذه الصفحة نسخة من شرح أحد علماء الشارقة لهذا الكتاب النفيس.

    المدقق/المراجع: بكر بن عبد الله أبو زيد

    الناشر: دار المؤيد للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172274

    التحميل:

  • العصبية القبلية من المنظور الإسلامي

    العصبية القبلية : هذه الكتاب مقسم إلى مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة: فبين - المؤلف - في المقدمة دعوة الإسلام إلى الاعتصام بحبل الله، والتوحد والاجتماع على الخير، وأن معيار العقيدة هو المعيار الأساس للعلاقة الإنسانية، وأوضح في الفصل الأول: مفهوم العصبية القبلية ومظاهرها في الجاهلية، وفي الفصل الثاني: بيان العصبية الجاهلية المعاصرة ومظاهرها، وفي الثالث: تناول فيه معالجة الإسلام للعصبيات، وبين بعدها المبادئ التي رسخها في نفوس المسلمين، وضمن الخاتمة مهمات النتائج التي توصل إليها، والتوصيات. - قدم لها: فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين، وفضيلة الشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع، والأديب عبد الله بن محمد بن خميس - حفظهم الله -.

    الناشر: مؤسسة الجريسي للتوزيع والإعلان - شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/166708

    التحميل:

  • التوضيحات الجلية شرح المنظومة السخاوية في متشابهات الآيات القرآنية

    التوضيحات الجلية شرح المنظومة السخاوية في متشابهات الآيات القرآنية: قال المُؤلِّفان: «فهذا شرحٌ وجيزٌ على متن المنظومة السخاوية في مُتشابهات الآيات القرآنية للإمام نور الدين علي بن عبد الله السخاوي - رحمه الله تعالى -؛ قصدنا به توضيحَ الألفاظ وتقريب معانيها ليكثُر الانتفاع بها».

    الناشر: موقع الدكتور محمد محيسن http://www.mehesen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/385231

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة