Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 59

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59) (البقرة) mp3
" الَّذِينَ " فِي مَوْضِع رَفْع أَيْ فَبَدَّلَ الظَّالِمُونَ مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْر الَّذِي قِيلَ لَهُمْ , وَذَلِكَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُمْ قُولُوا حِطَّة فَقَالُوا حِنْطَة عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَزَادُوا حَرْفًا فِي الْكَلَام فَلَقُوا مِنْ الْبَلَاء مَا لَقُوا تَعْرِيفًا أَنَّ الزِّيَادَة فِي الدِّين وَالِابْتِدَاع فِي الشَّرِيعَة عَظِيمَة الْخَطَر شَدِيدَة الضَّرَر هَذَا فِي تَغْيِير كَلِمَة هِيَ عِبَارَة عَنْ التَّوْبَة أَوْجَبَتْ كُلّ ذَلِكَ مِنْ الْعَذَاب فَمَا ظَنّك بِتَغْيِيرِ مَا هُوَ مِنْ صِفَات الْمَعْبُود هَذَا , وَالْقَوْل أَنْقَص مِنْ الْعَمَل فَكَيْف بِالتَّبْدِيلِ وَالتَّغْيِير فِي الْفِعْل . " فَبَدَّلَ " تَقَدَّمَ مَعْنَى بَدَّلَ وَأَبْدَلَ وَقُرِئَ " عَسَى رَبّنَا أَنْ يُبْدِلنَا " عَلَى الْوَجْهَيْنِ قَالَ الْجَوْهَرِيّ وَأَبْدَلْت الشَّيْء بِغَيْرِهِ وَبَدَّلَهُ اللَّه مِنْ الْخَوْف أَمْنًا وَتَبْدِيل الشَّيْء أَيْضًا تَغْيِيره وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِبَدَلٍ وَاسْتَبْدَلَ الشَّيْء بِغَيْرِهِ وَتَبَدَّلَهُ بِهِ إِذَا أَخَذَهُ مَكَانه وَالْمُبَادَلَة التَّبَادُل وَالْأَبْدَال قَوْم مِنْ الصَّالِحِينَ لَا تَخْلُو الدُّنْيَا مِنْهُمْ إِذَا مَاتَ وَاحِد مِنْهُمْ أَبْدَلَ اللَّه مَكَانه بِآخَر قَالَ اِبْن دُرَيْد الْوَاحِد بَدِيل وَالْبَدِيل الْبَدَل وَبَدَل الشَّيْء غَيْرهُ يُقَال بَدَل وَبِدْل لُغَتَانِ مِثْل شَبَه وَشِبْه وَمَثَل وَمِثْل وَنَكَل وَنِكْل قَالَ أَبُو عُبَيْد لَمْ يُسْمَع فِي فَعَل وَفِعْل غَيْر هَذِهِ الْأَرْبَعَة الْأَحْرُف وَالْبَدَل وَجَع يَكُون فِي الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ وَقَدْ بَدِلَ ( بِالْكَسْرِ ) يَبْدَل بَدَلًا


كَرَّرَ لَفْظ " ظَلَمُوا " وَلَمْ يُضْمِرهُ تَعْظِيمًا لِلْأَمْرِ وَالتَّكْرِير يَكُون عَلَى ضَرْبَيْنِ أَحَدهمَا اِسْتِعْمَاله بَعْد تَمَام الْكَلَام كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَة وَقَوْله " فَوَيْل لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَاب بِأَيْدِيهِمْ " [ الْبَقَرَة : 79 ] ثُمَّ قَالَ بَعْد " فَوَيْل لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهمْ " وَلَمْ يَقُلْ مِمَّا كَتَبُوا وَكَرَّرَ الْوَيْل تَغْلِيظًا لِفِعْلِهِمْ وَمِنْهُ قَوْل الْخَنْسَاء تَعَرَّقَنِي الدَّهْر نَهْسًا وَحَزَّا وَأَوْجَعَنِي الدَّهْر قَرْعًا وَغَمْزَا أَرَادَتْ أَنَّ الدَّهْر أَوْجَعَهَا بِكُبْرَيَاتِ نَوَائِبه وَصُغْرَيَاتهَا وَالضَّرْب الثَّانِي مَجِيء تَكْرِير الظَّاهِر فِي مَوْضِع الْمُضْمَر قَبْل أَنْ يَتِمّ الْكَلَام كَقَوْلِهِ تَعَالَى " الْحَاقَّة مَا الْحَاقَّة " [ الْحَاقَّة : 1 - 2 ] الْآيَة وَ " الْقَارِعَة مَا الْقَارِعَة " [ الْقَارِعَة : 1 - 2 ] الْآيَة كَانَ الْقِيَاس لَوْلَا مَا أُرِيدَ بِهِ مِنْ التَّعْظِيم وَالتَّفْخِيم الْحَاقَّة مَا هِيَ وَالْقَارِعَة مَا هِيَ وَمِثْله " فَأَصْحَاب الْمَيْمَنَة مَا أَصْحَاب الْمَيْمَنَة وَأَصْحَاب الْمَشْأَمَة مَا أَصْحَاب الْمَشْأَمَة " كَرَّرَ " أَصْحَاب الْمَيْمَنَة " تَفْخِيمًا لِمَا يُنِيلهُمْ مِنْ جَزِيل الثَّوَاب وَكَرَّرَ لَفْظ " أَصْحَاب الْمَشْأَمَة " لِمَا يَنَالهُمْ مِنْ أَلِيم الْعَذَاب , وَمِنْ هَذَا الضَّرْب قَوْل الشَّاعِر لَيْتَ الْغُرَاب غَدَاة يَنْعَب دَائِبًا كَانَ الْغُرَاب مُقَطَّع الْأَوْدَاج وَقَدْ جَمَعَ عَدِيّ بْن زَيْد الْمَعْنَيَيْنِ فَقَالَ لَا أَرَى الْمَوْت يَسْبِق الْمَوْت شَيْء نَغَّصَ الْمَوْت ذَا الْغِنَى وَالْفَقِيرَا فَكَرَّرَ لَفْظ الْمَوْت ثَلَاثًا وَهُوَ مِنْ الضَّرْب الْأَوَّل , وَمِنْهُ قَوْل الْآخَر أَلَا حَبَّذَا هِنْد وَأَرْض بِهَا هِنْد وَهِنْد أَتَى مِنْ دُونهَا النَّأْي وَالْبُعْد فَكَرَّرَ ذِكْر مَحْبُوبَته ثَلَاثًا تَفْخِيمًا لَهَا .


قِرَاءَة الْجَمَاعَة " رِجْزًا " بِكَسْرِ الرَّاء وَابْن مُحَيْصِن بِضَمِّ الرَّاء وَالرِّجْز الْعَذَاب ( بِالزَّايِ ) و ( بِالسِّينِ ) النَّتْن وَالْقَذَر وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى " فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسهمْ " [ التَّوْبَة : 125 ] أَيْ نَتْنًا إِلَى نَتْنهمْ قَالَهُ الْكِسَائِيّ وَقَالَ الْفَرَّاء الرِّجْز هُوَ الرِّجْس قَالَ أَبُو عُبَيْد كَمَا يُقَال السُّدْغ وَالزُّدْغ وَكَذَا رِجْس وَرِجْز بِمَعْنًى قَالَ الْفَرَّاء وَذَكَرَ بَعْضهمْ أَنَّ الرُّجْز ( بِالضَّمِّ ) اِسْم صَنَم كَانُوا يَعْبُدُونَهُ وَقُرِئَ بِذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى " وَالرُّجْز فَاهْجُرْ " وَالرَّجَز ( بِفَتْحِ الرَّاء وَالْجِيم ) نَوْع مِنْ الشِّعْر وَأَنْكَرَ الْخَلِيل أَنْ يَكُون شِعْرًا وَهُوَ مُشْتَقّ مِنْ الرَّجَز وَهُوَ دَاء يُصِيب الْإِبِل فِي أَعْجَازهَا فَإِذَا ثَارَتْ اِرْتَعَشَتْ أَفْخَاذهَا .


أَيْ بِفِسْقِهِمْ وَالْفِسْق الْخُرُوج وَقَدْ تَقَدَّمَ وَقَرَأَ اِبْن وَثَّاب وَالنَّخَعِيّ " يَفْسُقُونَ " بِكَسْرِ السِّين .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • المرأة المسلمة بين موضات التغيير وموجات التغرير

    رسالة مختصرة تبين مايحاك ضد المرأة من مؤمرات.

    الناشر: مجلة البيان http://www.albayan-magazine.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205661

    التحميل:

  • قصيدة الواعظ الأندلسي في مناقب أم المؤمنين الصديقة عائشة رضي الله عنها

    قصيدة الواعظ الأندلسي في مناقب أم المؤمنين الصديقة عائشة رضي الله عنها: قصيدة لأحد علماء وأدباء الأندلس وهو: أبو عمران موسى بن محمد الواعظ - رحمه الله -، وقد بيَّن فيها فضلَ عائشة - رضي الله عنها - ومناقبها وبيان عقيدة أهل السنة والجماعة فيها.

    المدقق/المراجع: فهد بن عبد الرحمن الرومي

    الناشر: مكتبة التوبة للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/364174

    التحميل:

  • البرهان شرح كتاب الإيمان

    البرهان شرح كتاب الإيمان: كتابٌ قام على تأليفه مع الشيخ عبد المجيد الزنداني - حفظه الله - جمعٌ من العلماء والدعاة، وراجعه ثُلَّةٌ من أهل العلم وأقرُّوه. وموضوعه: الإيمان بالله - سبحانه وتعالى - مع بيان حقيقته وتعريفه، والكلام عن أهمية العلم بالله ومعرفته - جل وعلا -، وقد تناول أركان الإيمان بالشرح والتفصيل، وأظهر المعجزات العلمية في الآيات الربانية والأحاديث النبوية.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/339046

    التحميل:

  • حديث الثقلين بين السنة والشيعة

    حديث الثقلين بين السنة والشيعة : إن علماء الشيعة - هدانا الله وإياهم إلى الحق فهموا من حديث الثقلين بأن أهل السنة لا يتبعون أهل البيت، ولم يتمسكوا بما جاءوا به، بل اتبعوا أعداءهم! ولكي تنكشف لك الحقيقة ويُزال هذا اللبس، وليتبين لك من يحب أهل البيت ويواليهم، ومن يبغضهم ويعاديهم كانت هذه الرسالة، والتي بينت من هم آل البيت؟، ثم بينت معنى التمسك بالثقلين عند أهل السنة، ثم بيان العمل بحديث الثقلين بين السنة والشيعة. - قدم للرسالة: الشيخ صالح بن عبدالله الدرويش.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/286905

    التحميل:

  • صوت ينادي

    صوت ينادي: تحتوي هذه الرسالة على بعض المواعظ الأدبية؛ إنه صوت يحبك في الله.. فأرهف سمعك وأعره قلبك صوت ينادي.. ألا فاسمع حديثه.

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/229487

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة