Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 58

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ۚ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) (البقرة) mp3
حُذِفَتْ الْأَلِف مِنْ " قُلْنَا " لِسُكُونِهَا وَسُكُون الدَّال بَعْدهَا وَالْأَلِف الَّتِي يُبْتَدَأ بِهَا قَبْل الدَّال أَلِف وَصْل لِأَنَّهُ مِنْ يَدْخُل .


أَيْ الْمَدِينَة سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَقَرَّتْ أَيْ اِجْتَمَعَتْ وَمِنْهُ قَرَيْت الْمَاء فِي الْحَوْض أَيْ جَمَعْته وَاسْم ذَلِكَ الْمَاء قِرًى ( بِكَسْرِ الْقَاف ) مَقْصُور وَكَذَلِكَ مَا قُرِيَ بِهِ الضَّيْف قَالَهُ الْجَوْهَرِيّ وَالْمِقْرَاة لِلْحَوْضِ وَالْقَرِيّ لِمَسِيلِ الْمَاء وَالْقَرَا لِلظُّهْرِ وَمِنْهُ قَوْله لَاحِق بَطْن بِقَرًا سَمِين وَالْمَقَارِي : الْجِفَان الْكِبَار قَالَ عِظَام الْمَقَارِي ضَيْفهمْ لَا يُفَزَّع وَوَاحِد الْمَقَارِي مِقْرَاة وَكُلّه بِمَعْنَى الْجَمْع غَيْر مَهْمُوز وَالْقِرْيَة ( بِكَسْرِ الْقَاف ) لُغَة الْيَمَن وَاخْتُلِفَ فِي تَعْيِينهَا فَقَالَ الْجُمْهُور : هِيَ بَيْت الْمَقْدِس وَقِيلَ أَرِيحَاء مِنْ بَيْت الْمَقْدِس قَالَ عُمَر بْن شَبَّة كَانَتْ قَاعِدَة وَمَسْكَن مُلُوك اِبْن كَيْسَان الشَّام الضَّحَّاك الرَّمْلَة وَالْأُرْدُنّ وَفِلَسْطِين وَتَدْمُر وَهَذِهِ نِعْمَة أُخْرَى وَهِيَ أَنَّهُ أَبَاحَ لَهُمْ دُخُول الْبَلْدَة وَأَزَالَ عَنْهُمْ التِّيه

إِبَاحَة


كَثِيرًا وَاسِعًا وَهُوَ نَعْت لِمَصْدَرٍ مَحْذُوف أَيْ أَكْلًا رَغَدًا , وَيَجُوز أَنْ يَكُون فِي مَوْضِع الْحَال عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَكَانَتْ أَرْضًا مُبَارَكَة عَظِيمَة الْغَلَّة فَلِذَلِكَ قَالَ " رَغَدًا "


الْبَاب يُجْمَع أَبْوَابًا , وَقَدْ قَالُوا أَبْوِبَة لِلِازْدِوَاجِ قَالَ الشَّاعِر هَتَّاك أَخْبِيَة وَلَّاج أَبْوِبَة يَخْلِط بِالْبِرِّ مِنْهُ الْجِدّ وَاللِّينَا وَلَوْ أَفْرَدَهُ لَمْ يَجُزْ وَمِثْله قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ أَوْ بِالْوَفْدِ غَيْر خَزَايَا وَلَا نَدَامَى ) وَتَبَوَّبْت بَوَّابًا اِتَّخَذْته وَأَبْوَاب مُبَوَّبَة كَمَا قَالُوا أَصْنَاف مُصَنَّفَة وَهَذَا شَيْء مِنْ بَابَتِك أَيْ يَصْلُح لَك , وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى السُّجُود فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهِ وَالْحَمْد لِلَّهِ وَالْبَاب الَّذِي أُمِرُوا بِدُخُولِهِ هُوَ بَاب فِي بَيْت الْمَقْدِس يُعْرَف الْيَوْم بِـ " بَاب حِطَّة " عَنْ مُجَاهِد وَغَيْره وَقِيلَ : بَاب الْقُبَّة الَّتِي كَانَ يُصَلِّي إِلَيْهَا مُوسَى وَبَنُو إِسْرَائِيل وَ " سُجَّدًا " قَالَ اِبْن عَبَّاس مُنْحَنِينَ رُكُوعًا وَقِيلَ مُتَوَاضِعِينَ خُضُوعًا لَا عَلَى هَيْئَة مُتَعَيِّنَة .


عَطْف عَلَى اُدْخُلُوا


بِالرَّفْعِ قِرَاءَة الْجُمْهُور عَلَى إِضْمَار مُبْتَدَأٍ أَيْ مَسْأَلَتنَا حِطَّة أَوْ يَكُون حِكَايَة قَالَ الْأَخْفَش وَقُرِئَتْ " حِطَّة " بِالنَّصْبِ عَلَى مَعْنَى أَحْطِطْ عَنَّا ذُنُوبنَا حِطَّة قَالَ النَّحَّاس : الْحَدِيث عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قِيلَ لَهُمْ : قُولُوا لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَفِي حَدِيث آخَر عَنْهُ قِيلَ لَهُمْ قُولُوا مَغْفِرَة تَفْسِير لِلنَّصْبِ أَيْ قُولُوا شَيْئًا يَحُطّ ذُنُوبكُمْ كَمَا يُقَال قُلْ خَيْرًا وَالْأَئِمَّة مِنْ الْقُرَّاء عَلَى الرَّفْع وَهُوَ أَوْلَى فِي اللُّغَة لِمَا حُكِيَ عَنْ الْعَرَب فِي مَعْنَى بَدَل قَالَ أَحْمَد بْن يَحْيَى يُقَال بَدَّلْته أَيْ غَيَّرْته وَلَمْ أُزِلْ عَيْنه وَأَبْدَلْته أَزَلْت عَيْنه وَشَخْصه كَمَا قَالَ عَزْل الْأَمِير لِلْأَمِيرِ الْمُبْدَل وَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ " قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا اِئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْر هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ " [ يُونُس : 15 ] وَحَدِيث اِبْن مَسْعُود قَالُوا " حِطَّة " تَفْسِير عَلَى الرَّفْع هَذَا كُلّه قَوْل النَّحَّاس وَقَالَ الْحَسَن وَعِكْرِمَة " حِطَّة " بِمَعْنَى حَطَّ ذُنُوبنَا أُمِرُوا أَنْ يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا اللَّه لِيَحُطّ بِهَا ذُنُوبهمْ وَقَالَ اِبْن جُبَيْر مَعْنَاهُ الِاسْتِغْفَار أَبَان بْن تَغْلِب التَّوْبَة قَالَ الشَّاعِر فَازَ بِالْحِطَّةِ الَّتِي جَعَلَ اللَّـ ـه بِهَا ذَنْب عَبْده مَغْفُورًا وَقَالَ اِبْن فَارِس فِي الْمُجْمَل " حِطَّة " كَلِمَة أُمِرَ بِهَا بَنُو إِسْرَائِيل لَوْ قَالُوهَا لَحُطَّتْ أَوْزَارهمْ وَقَالَهُ الْجَوْهَرِيّ أَيْضًا فِي الصِّحَاح قُلْت : يُحْتَمَل أَنْ يَكُونُوا تَعَبَّدُوا بِهَذَا اللَّفْظ بِعَيْنِهِ وَهُوَ الظَّاهِر مِنْ الْحَدِيث رَوَى مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيل اُدْخُلُوا الْبَاب سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّة يُغْفَر لَكُمْ خَطَايَاكُمْ فَبَدَّلُوا فَدَخَلُوا الْبَاب يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاههمْ وَقَالُوا حَبَّة فِي شَعَرَة ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ وَقَالَ ( فَبَدَّلُوا وَقَالُوا حِطَّة حَبَّة فِي شَعَرَة ) فِي غَيْر الصَّحِيحَيْنِ " حِنْطَة فِي شَعَر " وَقِيلَ قَالُوا هِطًّا سُمْهَاثَا وَهِيَ لَفْظَة عِبْرَانِيَّة تَفْسِيرهَا حِنْطَة حَمْرَاء حَكَاهَا اِبْن قُتَيْبَة وَحَكَاهُ الْهَرَوِيّ عَنْ السُّدِّيّ وَمُجَاهِد وَكَانَ قَصْدهمْ خِلَاف مَا أَمَرَهُمْ اللَّه بِهِ فَعَصَوْا وَتَمَرَّدُوا وَاسْتَهْزَءُوا فَعَاقَبَهُمْ اللَّه بِالرِّجْزِ وَهُوَ الْعَذَاب وَقَالَ اِبْن زَيْد كَانَ طَاعُونًا أَهْلَكَ مِنْهُمْ سَبْعِينَ أَلْفًا , وَرُوِيَ أَنَّ الْبَاب جُعِلَ قَصِيرًا لِيَدْخُلُوهُ رُكَّعًا فَدَخَلُوهُ مُتَوَرِّكِينَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ , وَاَللَّه أَعْلَم اِسْتَدَلَّ بَعْض الْعُلَمَاء بِهَذِهِ الْآيَة عَلَى أَنَّ تَبْدِيل الْأَقْوَال الْمَنْصُوص عَلَيْهَا فِي الشَّرِيعَة لَا يَخْلُو أَنْ يَقَع التَّعَبُّد بِلَفْظِهَا أَوْ بِمَعْنَاهَا فَإِنْ كَانَ التَّعَبُّد وَقَعَ بِلَفْظِهَا فَلَا يَجُوز تَبْدِيلهَا لِذَمِّ اللَّه تَعَالَى مَنْ بَدَّلَ مَا أَمَرَهُ بِقَوْلِهِ وَإِنْ وَقَعَ بِمَعْنَاهَا جَازَ تَبْدِيلهَا بِمَا يُؤَدِّي إِلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى , وَلَا يَجُوز تَبْدِيلهَا بِمَا يَخْرُج عَنْهُ , وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي هَذَا الْمَعْنَى فَحُكِيَ عَنْ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَبِي حَنِيفَة وَأَصْحَابهمْ أَنَّهُ يَجُوز لِلْعَالِمِ بِمَوَاقِع الْخِطَاب الْبَصِير بِآحَادِ كَلِمَاته نَقْل الْحَدِيث بِالْمَعْنَى لَكِنْ بِشَرْطِ الْمُطَابَقَة لِلْمَعْنَى بِكَمَالِهِ وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور وَمَنَعَ ذَلِكَ جَمْع كَثِير مِنْ الْعُلَمَاء مِنْهُمْ اِبْن سِيرِينَ وَالْقَاسِم بْن مُحَمَّد وَرَجَاء بْن حَيْوَة وَقَالَ مُجَاهِد اُنْقُصْ مِنْ الْحَدِيث إِنْ شِئْت وَلَا تَزِدْ فِيهِ وَكَانَ مَالِك بْن أَنَس يُشَدِّد فِي حَدِيث رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّاء وَالْيَاء وَنَحْو هَذَا وَعَلَى هَذَا جَمَاعَة مِنْ أَئِمَّة الْحَدِيث لَا يَرَوْنَ إِبْدَال اللَّفْظ وَلَا تَغْيِيره حَتَّى إِنَّهُمْ يَسْمَعُونَ مَلْحُونًا وَيَعْلَمُونَ ذَلِكَ , وَلَا يُغَيِّرُونَهُ وَرَوَى أَبُو مِجْلَز عَنْ قَيْس بْن عَبَّاد قَالَ قَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب مَنْ سَمِعَ حَدِيثًا فَحَدَّثَ بِهِ كَمَا سَمِعَ فَقَدْ سَلِمَ وَرَوَى نَحْوه عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو وَزَيْد بْن أَرْقَم وَكَذَا الْخِلَاف فِي التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير وَالزِّيَادَة وَالنُّقْصَان فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَعْتَدّ بِالْمَعْنَى وَلَا يَعْتَدّ بِاللَّفْظِ , وَمِنْهُمْ مَنْ يُشَدِّد فِي ذَلِكَ وَلَا يُفَارِق اللَّفْظ , وَذَلِكَ هُوَ الْأَحْوَط فِي الدِّين وَالْأَتْقَى وَالْأَوْلَى وَلَكِنَّ أَكْثَر الْعُلَمَاء عَلَى خِلَافه وَالْقَوْل بِالْجَوَازِ هُوَ الصَّحِيح إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى وَذَلِكَ أَنَّ الْمَعْلُوم مِنْ سِيرَة الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ هُوَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرْوُونَ الْوَقَائِع الْمُتَّحِدَة بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَة وَمَا ذَاكَ إِلَّا أَنَّهُمْ كَانُوا يَصْرِفُونَ عِنَايَتهمْ لِلْمَعَانِي , وَلَمْ يَلْتَزِمُوا التَّكْرَار عَلَى الْأَحَادِيث , وَلَا كَتْبهَا وَرُوِيَ عَنْ وَاثِلَة بْن الْأَسْقَع أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ كُلّ مَا أَخْبَرَنَا بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَقَلْنَاهُ إِلَيْكُمْ حَسْبكُمْ الْمَعْنَى , وَقَالَ قَتَادَة عَنْ زُرَارَة بْن أَوْفَى لَقِيت عِدَّة مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاخْتَلَفُوا عَلَيَّ فِي اللَّفْظ وَاجْتَمَعُوا فِي الْمَعْنَى , وَكَانَ النَّخَعِيّ وَالْحَسَن وَالشَّعْبِيّ - رَحِمَهُمْ اللَّه - يَأْتُونَ بِالْحَدِيثِ عَلَى الْمَعَانِي , وَقَالَ الْحَسَن إِذَا أَصَبْت الْمَعْنَى أَجْزَأَك وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ - رَحِمَهُ اللَّه - : إِذَا قُلْت لَكُمْ إِنِّي أُحَدِّثكُمْ كَمَا سَمِعْت فَلَا تُصَدِّقُونِي إِنَّمَا هُوَ الْمَعْنَى وَقَالَ وَكِيع رَحِمَهُ اللَّه إِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَعْنَى وَاسِعًا فَقَدْ هَلَكَ النَّاس وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى جَوَاز نَقْل الشَّرْع لِلْعَجَمِ بِلِسَانِهِمْ وَتَرْجَمَته لَهُمْ وَذَلِكَ هُوَ النَّقْل بِالْمَعْنَى وَقَدْ فَعَلَ اللَّه ذَلِكَ فِي كِتَابه فِيمَا قَصَّ مِنْ أَنْبَاء مَا قَدْ سَلَفَ فَقَصَّ قَصَصًا ذَكَرَ بَعْضهَا فِي مَوَاضِع بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَة وَالْمَعْنَى وَاحِد وَنَقَلَهَا مِنْ أَلْسِنَتهمْ إِلَى اللِّسَان الْعَرَبِيّ , وَهُوَ مُخَالِف لَهَا فِي التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير وَالْحَذْف وَالْإِلْغَاء وَالزِّيَادَة وَالنُّقْصَان وَإِذَا جَازَ إِبْدَال الْعَرَبِيَّة بِالْعَجَمِيَّةِ فَلَأَنْ يَجُوز بِالْعَرَبِيَّةِ أَوْلَى اِحْتَجَّ بِهَذَا الْمَعْنَى الْحَسَن وَالشَّافِعِيّ , وَهُوَ الصَّحِيح فِي الْبَاب فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( نَضَّرَ اللَّه اِمْرًأ سَمِعَ مَقَالَتِي فَبَلَّغَهَا كَمَا سَمِعَهَا ) وَذِكْر الْحَدِيث وَمَا ثَبَتَ عَنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَقُول عِنْد مَضْجَعه فِي دُعَاء عُلِّمَهُ ( آمَنْت بِكِتَابِك الَّذِي أَنْزَلْت وَنَبِيّك الَّذِي أَرْسَلْت ) فَقَالَ الرَّجُل وَرَسُولك الَّذِي أَرْسَلْت فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَنَبِيّك الَّذِي أَرْسَلْت ) قَالُوا أَفَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يُسَوِّغ لِمَنْ عَلَّمَهُ الدُّعَاء مُخَالَفَة اللَّفْظ وَقَالَ ( فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا ) قِيلَ لَهُمْ أَمَّا قَوْله ( فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا ) فَالْمُرَاد حُكْمهَا لَا لَفْظهَا لِأَنَّ اللَّفْظ غَيْر مُعْتَدّ بِهِ وَيَدُلّك عَلَى أَنَّ الْمُرَاد مِنْ الْخِطَاب حُكْمه قَوْله ( فَرُبَّ حَامِل فِقْه غَيْر فَقِيهِ وَرُبَّ حَامِل فِقْه إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَه مِنْهُ ) ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْحَدِيث بِعَيْنِهِ قَدْ نُقِلَ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَة وَالْمَعْنَى وَاحِد وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُون جَمِيع الْأَلْفَاظ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَوْقَات مُخْتَلِفَة لَكِنْ الْأَغْلَب أَنَّهُ حَدِيث وَاحِد نُقِلَ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَة , وَذَلِكَ أَدَلّ عَلَى الْجَوَاز وَأَمَّا رَدّه عَلَيْهِ السَّلَام الرَّجُل مِنْ قَوْله ( وَرَسُولك إِلَى قَوْله وَنَبِيّك ) لِأَنَّ لَفْظ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْدَح وَلِكُلِّ نَعْت مِنْ هَذَيْنِ النَّعْتَيْنِ مَوْضِع أَلَا تَرَى أَنَّ اِسْم الرَّسُول يَقَع عَلَى الْكَافَّة وَاسْم النَّبِيّ لَا يَسْتَحِقّهُ إِلَّا الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِمْ السَّلَام , وَإِنَّمَا فُضِّلَ الْمُرْسَلُونَ مِنْ الْأَنْبِيَاء لِأَنَّهُمْ جَمَعُوا النُّبُوَّة وَالرِّسَالَة فَلَمَّا قَالَ ( وَنَبِيّك ) جَاءَ بِالنَّعْتِ الْأَمْدَح ثُمَّ قَيَّدَهُ بِالرِّسَالَةِ بِقَوْلِهِ ( الَّذِي أَرْسَلْت ) وَأَيْضًا فَإِنَّ نَقْله مِنْ قَوْله ( وَرَسُولك إِلَى قَوْله وَنَبِيّك ) لِيَجْمَع بَيْن النُّبُوَّة وَالرِّسَالَة وَمُسْتَقْبَح فِي الْكَلَام أَنْ تَقُول هَذَا رَسُول فُلَان الَّذِي أَرْسَلَهُ , وَهَذَا قَتِيل زَيْد الَّذِي قَتَلَهُ لِأَنَّك تَجْتَزِئ بِقَوْلِك رَسُول فُلَان وَقَتِيل فُلَان عَنْ إِعَادَة الْمُرْسَل وَالْقَاتِل إِذْ كُنْت لَا تُفِيد بِهِ إِلَّا الْمَعْنَى الْأَوَّل , وَإِنَّمَا يَحْسُن أَنْ تَقُول هَذَا رَسُول عَبْد اللَّه الَّذِي أَرْسَلَهُ إِلَى عَمْرو , وَهَذَا قَتِيل زَيْد الَّذِي قَتَلَهُ بِالْأَمْسِ أَوْ فِي وَقْعَة كَذَا وَاَللَّه وَلِيّ التَّوْفِيق . فَإِنْ قِيلَ إِذَا جَازَ لِلرَّاوِي الْأَوَّل تَغْيِير أَلْفَاظ الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَام جَازَ لِلثَّانِي تَغَيُّر أَلْفَاظ الْأَوَّل وَيُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى طَمْس الْحَدِيث بِالْكُلِّيَّةِ لِدِقَّةِ الْفُرُوق وَخَفَائِهَا قِيلَ لَهُ : الْجَوَاز مَشْرُوط بِالْمُطَابَقَةِ وَالْمُسَاوَاة كَمَا ذَكَرْنَا فَإِنْ عُدِمَتْ لَمْ يَجُزْ قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : الْخِلَاف فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة إِنَّمَا يُتَصَوَّر بِالنَّظَرِ إِلَى عَصْر الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ لِتَسَاوِيهِمْ فِي مَعْرِفَة اللُّغَة الْجِبِلِّيَّة الذَّوْقِيَّة وَأَمَّا مَنْ بَعْدهمْ فَلَا نَشُكّ فِي أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوز إِذْ الطِّبَاع قَدْ تَغَيَّرَتْ وَالْفُهُوم قَدْ تَبَايَنَتْ وَالْعَوَائِد قَدْ اِخْتَلَفَتْ وَهَذَا هُوَ الْحَقّ وَاَللَّه أَعْلَم . قَالَ بَعْض عُلَمَائِنَا لَقَدْ تَعَاجَمَ ابْن الْعَرَبِيّ رَحِمَهُ اللَّه فَإِنَّ الْجَوَاز إِذَا كَانَ مَشْرُوطًا بِالْمُطَابَقَةِ فَلَا فَرْق بَيْن زَمَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَزَمَن غَيْرهمْ وَلِهَذَا لَمْ يُفَصِّل أَحَد مِنْ الْأُصُولِيِّينَ وَلَا أَهْل الْحَدِيث هَذَا التَّفْصِيل نَعَمْ لَوْ قَالَ الْمُطَابَقَة فِي زَمَنه أَبْعَد كَانَ أَقْرَب وَاَللَّه أَعْلَم .


قِرَاءَة نَافِع بِالْيَاءِ مَعَ ضَمّهَا وَابْن عَامِر بِالتَّاءِ مَعَ ضَمّهَا , وَهِيَ قِرَاءَة مُجَاهِد , وَقَرَأَهَا الْبَاقُونَ بِالنُّونِ مَعَ نَصْبهَا , وَهِيَ أَبْيَنهَا لِأَنَّ قَبْلَهَا " وَإِذْ قُلْنَا اُدْخُلُوا " فَجَرَى " نَغْفِر " عَلَى الْإِخْبَار عَنْ اللَّه تَعَالَى وَالتَّقْدِير وَقُلْنَا اُدْخُلُوا الْبَاب سُجَّدًا نَغْفِر وَلِأَنَّ بَعْده " وَسَنَزِيدُ " بِالنُّونِ وَ " خَطَايَاكُمْ " اِتِّبَاعًا لِلسَّوَادِ وَأَنَّهُ عَلَى بَابه وَوَجْه مَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ أَنَّهُ أَثْبَت لِتَأْنِيثِ لَفْظ الْخَطَايَا لِأَنَّهَا جَمْع خَطِيئَة عَلَى التَّكْسِير وَوَجْه الْقِرَاءَة بِالْيَاءِ أَنَّهُ ذَكَّرَ لَمَّا حَالَ بَيْن الْمُؤَنَّث وَبَيْن فِعْله عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْله " فَتَلَقَّى آدَم مِنْ رَبّه كَلِمَات " [ الْبَقَرَة : 37 ] وَحَسُنَ الْيَاء وَالتَّاء وَإِنْ كَانَ قَبْله إِخْبَار عَنْ اللَّه تَعَالَى فِي قَوْله " وَإِذْ قُلْنَا " لِأَنَّهُ قَدْ عُلِمَ أَنَّ ذُنُوب الْخَاطِئِينَ لَا يَغْفِرهَا إِلَّا اللَّه تَعَالَى فَاسْتَغْنَى عَنْ النُّون وَرَدَّ الْفِعْل إِلَى الْخَطَايَا الْمَغْفُورَة وَاخْتُلِفَ فِي أَصْل خَطَايَا جَمْع خَطِيئَة بِالْهَمْزَةِ فَقَالَ الْخَلِيل الْأَصْل فِي خَطَايَا أَنْ يَقُول خَطَايِئ ثُمَّ قُلِبَ فَقِيلَ خَطَائِي بِهَمْزَةٍ بَعْدهَا يَاء ثُمَّ تُبْدَل مِنْ الْيَاء أَلِفًا بَدَلًا لَازِمًا فَتَقُول خَطَاءَا فَلَمَّا اِجْتَمَعَتْ أَلِفَانِ بَيْنهمَا هَمْزَة وَالْهَمْزَة مِنْ جِنْس الْأَلِف صِرْت كَأَنَّك جَمَعْت بَيْن ثَلَاث أَلِفَات فَأُبْدِلَتْ مِنْ الْهَمْزَة يَاء فَقُلْت خَطَايَا , وَأَمَّا سِيبَوَيْهِ فَمَذْهَبه أَنَّ الْأَصْل مِثْل الْأَوَّل خَطَايِئ ثُمَّ وَجَبَ بِهَذِهِ أَنْ تَهْمِز الْيَاء كَمَا هَمَزْتهَا فِي مَدَائِن فَتَقُول خَطَائِئ وَلَا تَجْتَمِع هَمْزَتَانِ فِي كَلِمَة فَأُبْدِلَتْ مِنْ الثَّانِيَة يَاء فَقُلْت خَطَائِي ثُمَّ عَمِلَتْ كَمَا عَمِلَتْ فِي الْأَوَّل وَقَالَ الْفَرَّاء خَطَايَا جَمْع خَطِيَّة بِلَا هَمْزَة كَمَا تَقُول هَدِيَّة وَهَدَايَا قَالَ الْفَرَّاء : وَلَوْ جَمَعْت خَطِيئَة مَهْمُوزَة لَقُلْت خَطَاءَا وَقَالَ الْكِسَائِيّ لَوْ جَمَعْتهَا مَهْمُوزَة أُدْغِمَتْ الْهَمْزَة فِي الْهَمْزَة كَمَا قُلْت دَوَابّ .


أَيْ فِي إِحْسَان مَنْ لَمْ يَعْبُد الْعِجْل وَيُقَال : يَغْفِر خَطَايَا مَنْ رَفَعَ الْمَنّ وَالسَّلْوَى لِلْغَدِ وَسَنَزِيدُ فِي إِحْسَان مَنْ لَمْ يَرْفَع لِلْغَدِ وَيُقَال يَغْفِر خَطَايَا مَنْ هُوَ عَاصٍ , وَسَيَزِيدُ فِي إِحْسَان مَنْ هُوَ مُحْسِن أَيْ نَزِيدهُمْ إِحْسَانًا عَلَى الْإِحْسَان الْمُتَقَدِّم عِنْدهمْ وَهُوَ اِسْم فَاعِل مِنْ أَحْسَنَ وَالْمُحْسِن مَنْ صَحَّحَ عَقْد تَوْحِيده وَأَحْسَنَ سِيَاسَة نَفْسه وَأَقْبَلَ عَلَى أَدَاء فَرَائِضه وَكَفَى الْمُسْلِمِينَ شَرّه وَفِي حَدِيث جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام ( مَا الْإِحْسَان قَالَ أَنْ تَعْبُد اللَّه كَأَنَّك تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاك قَالَ صَدَقْت . .. ) وَذَكَرَ الْحَدِيث خَرَّجَهُ مُسْلِم .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • مختصر تفسير ابن كثير [ عمدة التفسير عن الحافظ ابن كثير ]

    مختصر تفسير ابن كثير [ عمدة التفسير عن الحافظ ابن كثير ] : هذا مختصر تفسير ابن كثير للشيخ أحمد شاكر، وقد حافظ المختصر على ميزات الأصل، وهي: تفسير القرآن بالقرآن، وجمع الآيات التي تدل على المعنى المراد من الآية المفسرة أو تؤيده أو تقويه، ثم التفسير بالسنة الصحيحة، ثم ذِكْرُ كثير من أقوال السلف في تفسير الآي. وحذف أسانيد الأحاديث مكتفياً بذكر الصحابي وتخريج ابن كثير له، كما حذف كل حديث ضعيف أو معلول – في تقديره طبعاً –، وحذف المكرر من أقوال الصحابة والتابعين اكتفاء ببعضها، وحذف الأخبار الإسرائيلية وما أشبهها، وما أطال به المؤلف من الأبحاث الكلامية والفروع الفقهية، والمناقشات اللغوية واللفظية مما لا يتصل بتفسير الآية اتصالاً وثيقاً. واقتصر في الأحاديث الطويلة والأحداث التاريخية المطولة على موضع الشاهد منها. وقد حافظ المختصر على آراء الحافظ المؤلف وترجيحاته في تفسير الآيات، مجتهداً في إبقاء كلامه بحروفه ما استطاع.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141382

    التحميل:

  • الطريق إلى باب الريان

    الطريق إلى باب الريان: رسالةٌ احتوت على تنبيهات مهمة لكل مسلم بضرورة الاجتهاد في هذا الشهر الكريم بصنوف وأنواع العبادات؛ من صيام الجوارح عن ما حرَّم الله تعالى، وكثرة قراءة القرآن مع تدبُّر آياته وفهم معانيها، والإنفاق في سبيل الله وإطعام الصائمين، مع الاهتمام بالسحور فإنه بركة، والعناية بالعشر الأواخر والاجتهاد فيها أكثر من غيرها، لتحصيل ليلة القدر التي من فاز بها فقد فاز بأفضل من عبادة ألف شهر، ثم التنبيه في الأخير على زكاة الفطر وأنها تخرج طعامًا لا نقودًا، ثم ختم رمضان بست أيام من شوال ليكون كصيام الدهر.

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/319836

    التحميل:

  • كشف الشبهات في التوحيد

    كشف الشبهات: رسالة نفيسة كتبها الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - وهي عبارة عن سلسلة شبهات للمشركين وتفنيدها وإبطالها، وفيها بيان توحيد العبادة وتوحيد الألوهية الذي هو حق الله على العباد، وفيها بيان الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية والعبادة.

    الناشر: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1875

    التحميل:

  • العبادة: تعريفها - أركانها - شروطها - مبطلاتها

    العبادة: تعريفها - أركانها - شروطها - مبطلاتها: كتابٌ يُبيِّن أهمية العبادة في حياة المسلم، وقد تضمَّن أربعة فصولاً، وهي: تعريف العبادة وحقيقتها، وأركان العبادة وأدلتها، وشروط العبادة وأدلتها، ومبطلات العبادة.

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/314990

    التحميل:

  • الوجيز في منهج السلف الصالح

    الوجيز في منهج السلف الصالح: قال المؤلف - رحمه الله -: «فقد حملني على إعداد هذه الرسالة الموجزة في بيان منهج السلف الصالح كثرةُ ما يردُ عليَّ من السؤال عن هذا الموضوع من كثيرٍ من الناس على اختلاف طبقاتهم ومشاربهم .. وكان اعتمادي في ذلك على مؤلفات عددٍ من العلماء ممن صنَّف في عقيدة السلف الصالح ورضِيَ تصنيفَه المتقدِّمون من علماء المسلمين، والمتأخرون أيضًا، ولم أُضِف من عندي إلا ما وجدت أن من الواجب عليَّ تبيانُه وتوضيحه حول الأمور الخفية فيما جاء من كلامهم».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/344409

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة