Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 42

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (42) (البقرة) mp3
اللَّبْس : الْخَلْط لَبِسْت عَلَيْهِ الْأَمْر أَلْبِسهُ , إِذَا مَزَجْت بَيْنه بِمُشْكِلِهِ وَحَقّه بِبَاطِلِهِ قَالَ اللَّه تَعَالَى " وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ " [ الْأَنْعَام : 9 ] وَفِي الْأَمْر لُبْسَة أَيْ لَيْسَ بِوَاضِحٍ وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْل عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ لِلْحَارِثِ بْن حَوْط يَا حَارِث ( إِنَّهُ مَلْبُوس عَلَيْك , إِنَّ الْحَقّ لَا يُعْرَف بِالرِّجَالِ , اِعْرِفْ الْحَقّ تَعْرِف أَهْله . ) وَقَالَتْ الْخَنْسَاء : تَرَى الْجَلِيس يَقُول الْحَقّ تَحْسِبهُ رُشْدًا وَهَيْهَاتَ فَانْظُرْ مَا بِهِ اِلْتَبَسَا صَدِّقْ مَقَالَته وَاحْذَرْ عَدَاوَته وَالْبَسْ عَلَيْهِ أُمُورًا مِثْل مَا لَبَسَا وَقَالَ الْعَجَّاج : لَمَّا لَبَسْنَ الْحَقّ بِالتَّجَنِّي غَنِينَ وَاسْتَبْدَلْنَ زَيْدًا مِنِّي رَوَى سَعِيد عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : " وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقّ بِالْبَاطِلِ " [ الْبَقَرَة : 42 ] , يَقُول : لَا تَلْبِسُوا الْيَهُودِيَّة وَالنَّصْرَانِيَّة بِالْإِسْلَامِ وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ دِين اللَّه - الَّذِي لَا يَقْبَل غَيْره وَلَا يُجْزِئ إِلَّا بِهِ - الْإِسْلَام وَأَنَّ الْيَهُودِيَّة وَالنَّصْرَانِيَّة بِدْعَة وَلَيْسَتْ مِنْ اللَّه . وَالظَّاهِر مِنْ قَوْل عَنْتَرَة : وَكَتِيبَة لَبَّسْتهَا بِكَتِيبَةٍ أَنَّهُ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون مِنْ اللِّبَاس . وَقَدْ قِيلَ هَذَا فِي مَعْنَى الْآيَة , أَيْ لَا تُغَطُّوا وَمِنْهُ لَبِسَ الثَّوْب يُقَال لَبِسْت الثَّوْب أَلْبِسهُ وَلِبَاس الرَّجُل زَوْجَته وَزَوْجهَا لِبَاسهَا قَالَ الْجَعْدِيّ إِذَا مَا الضَّجِيع ثَنَى جِيدهَا تَثَنَّتْ عَلَيْهِ فَكَانَتْ لِبَاسَا وَقَالَ الْأَخْطَل : وَقَدْ لَبِسْت لِهَذَا الْأَمْر أَعْصُره حَتَّى تَجَلَّلَ رَأْسِي الشَّيْب فَاشْتَعَلَا وَاللَّبُوس : كُلّ مَا يُلْبَس مِنْ ثِيَاب وَدِرْع قَالَ اللَّه تَعَالَى " وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَة لَبُوس لَكُمْ " [ الْأَنْبِيَاء : 80 ] وَلَابَسْت فُلَانًا حَتَّى عَرَفْت بَاطِنه وَفِي فُلَان مَلْبَس أَيْ مُسْتَمْتَع قَالَ أَلَا إِنَّ بَعْد الْعُدْم لِلْمَرْءِ قِنْوَة وَبَعْد الْمَشِيب طُول عُمَر وَمَلْبَسَا وَلِبْس الْكَعْبَة وَالْهَوْدَج : مَا عَلَيْهِمَا مِنْ لِبَاس ( بِكَسْرِ اللَّام ) قَوْله تَعَالَى " بِالْبَاطِلِ " الْبَاطِل فِي كَلَام الْعَرَب خِلَاف الْحَقّ وَمَعْنَاهُ الزَّائِل قَالَ لَبِيد أَلَا كُلّ شَيْء مَا خَلَا اللَّه بَاطِل وَبَطَلَ الشَّيْء يَبْطُل بُطْلًا وَبُطُولًا وَبُطْلَانًا ذَهَبَ ضَيَاعًا وَخَسَرًا وَأَبْطَلَهُ غَيْره وَيُقَال ذَهَبَ دَمه بَطَلًا أَيْ هَدَرًا وَالْبَاطِل الشَّيْطَان وَالْبَطَل الشُّجَاع سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُبْطِل شَجَاعَة صَاحِبه قَالَ النَّابِغَة لَهُمْ لِوَاء بِأَيْدِي مَاجِد بَطَل لَا يَقْطَع الْخِرَق إِلَّا طَرَفه سَامِي وَالْمَرْأَة بَطَلَة وَقَدْ بَطُلَ الرَّجُل ( أَيْ بِالضَّمِّ ) يَبْطُل بُطُولَة وَبَطَالَة أَيْ صَارَ شُجَاعًا وَبَطَلَ الْأَجِير ( بِالْفَتْحِ ) بَطَالَة أَيْ تَعَطَّلَ فَهُوَ بَطَّال وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْمُرَاد بِقَوْلِهِ " الْحَقّ بِالْبَاطِلِ " فَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره لَا تَخْلِطُوا مَا عِنْدكُمْ مِنْ الْحَقّ فِي الْكِتَاب بِالْبَاطِلِ وَهُوَ التَّغْيِير وَالتَّبْدِيل , وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة قَالَتْ الْيَهُود مُحَمَّد مَبْعُوث وَلَكِنْ إِلَى غَيْرنَا فَإِقْرَارهمْ بِبَعْثِهِ حَقّ وَجَحْدهمْ أَنَّهُ بُعِثَ إِلَيْهِمْ بَاطِل , وَقَالَ اِبْن زَيْد : الْمُرَاد بِالْحَقِّ التَّوْرَاة وَالْبَاطِل مَا بَدَّلُوا فِيهَا مِنْ ذِكْر مُحَمَّد عَلَيْهِ السَّلَام وَغَيْره وَقَالَ مُجَاهِد لَا تَخْلِطُوا الْيَهُودِيَّة وَالنَّصْرَانِيَّة بِالْإِسْلَامِ , وَقَالَهُ قَتَادَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ قُلْت : وَقَوْل اِبْن عَبَّاس أَصْوَب لِأَنَّهُ عَامّ فَيَدْخُل فِيهِ جَمِيع الْأَقْوَال وَاَللَّه الْمُسْتَعَان


يَجُوز أَنْ يَكُون مَعْطُوفًا عَلَى " تَلْبِسُوا " فَيَكُون مَجْزُومًا وَيَجُوز أَنْ يَكُون مَنْصُوبًا بِإِضْمَارِ أَنْ , التَّقْدِير لَا يَكُنْ مِنْكُمْ لَبْس الْحَقّ وَكِتْمَانه أَيْ وَأَنْ تَكْتُمُوهُ قَالَ اِبْن عَبَّاس : ( يَعْنِي كِتْمَانهمْ أَمْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ يَعْرِفُونَهُ . ) وَقَالَ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ نَزَلَ عِصَابَة مِنْ وَلَد هَارُون يَثْرِب لَمَّا أَصَابَ بَنِي إِسْرَائِيل مَا أَصَابَهُمْ مِنْ ظُهُور الْعَدُوّ عَلَيْهِمْ وَالذِّلَّة وَتِلْك الْعِصَابَة هُمْ حَمَلَة التَّوْرَاة يَوْمئِذٍ فَأَقَامُوا بِـ يَثْرِب يَرْجُونَ أَنْ يَخْرُج مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْن ظَهْرَانِيهِمْ وَهُمْ مُؤْمِنُونَ مُصَدِّقُونَ بِنُبُوَّتِهِ فَمَضَى أُولَئِكَ الْآبَاء وَهُمْ مُؤْمِنُونَ وَخَلَفَ الْأَبْنَاء وَأَبْنَاء الْأَبْنَاء فَأَدْرَكُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَفَرُوا بِهِ وَهُمْ يَعْرِفُونَهُ وَهُوَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى " فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ " [ الْبَقَرَة : 89 ]


جُمْلَة فِي مَوْضِع الْحَال أَيْ إِنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلَام حَقّ فَكُفْرهمْ كَانَ كُفْر عِنَاد وَلَمْ يَشْهَد تَعَالَى لَهُمْ بِعِلْمٍ وَإِنَّمَا نَهَاهُمْ عَنْ كِتْمَان مَا عَلِمُوا وَدَلَّ هَذَا عَلَى تَغْلِيظ الذَّنْب عَلَى مَنْ وَاقَعَهُ عَلَى عِلْم وَأَنَّهُ أَعْصَى مِنْ الْجَاهِل , وَسَيَأْتِي بَيَان هَذَا عِنْد قَوْله تَعَالَى " أَتَأْمُرُونَ النَّاس بِالْبِرِّ " [ الْبَقَرَة : 44 ] الْآيَة
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • جبل إلال بعرفات تحقيقات تاريخية شرعية

    جبل إلال بعرفات تحقيقات تاريخية شرعية : كتيب في 77 صفحة متوسطة الحجم طبع عام 1419هـ سبب التأليف أن المؤلف لم ير من أفرد الكتابة عن هذا الجبل مع ما للكتابة عنه من أهمية لما علق به في قلوب العامة من البدع والضلالات فلابد من دلالتهم على الهدى وقد وضعه المؤلف في خمسة أبحاث هي: الأول: بيان صفة الجبل وتعيين موقعه وذرعه والمعالم الباقية لما أحدث فيه. الثاني: أسمائه. الثالث: أنه لا ذكر له في الرواية بعد التتبع ولا يتعلق به نسك. الرابع: تعيين موقف النبي - صلى الله عليه وسلم - بعرفات وحكمه للحجاج. الخامس: أنواع ما أُحدث في الجبل والموقف من الأبنية والأقوال والأفعال وتاريخها. ثم خاتمة فيها خلاصة ما تقدم من أنه ليس له اسم إلا جبل إلال بالكسر على وزن هلال وبالفتح على وزن سَحاب. وجبل عرفات وما سواها محدث وأقدم نص وقف عليه المؤلف في تسميته بجبل الرحمة هو في رحلة ناصر خسرو ت 444هـ المسماة (سفر نامه) وأنه لا ذكر له في الرواية ولا يتعلق به نسك وما ذكر بعض العلماء من استحباب صعوده لا يعول عليه وأنه يجب رفع وسائل الإغراء بالجبل من المحدثات وهي أربعة عشر محدثاً من الأبنية. واثنان وثلاثون محدثاً من الأقوال والأفعال المبتدعة.

    الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/169191

    التحميل:

  • خطر الجريمة الخلقية

    خطر الجريمة الخلقية : في هذه الرسالة بيان أضرار الزنا وما يلحق به وفوائد غض البصر وأهم الطرق لمكافحة الزنا والتحذير منه.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209195

    التحميل:

  • صور من حياة التابعين

    صور من حياة التابعين : هذا الكتاب يعرض صورًا واقعية مشرقة من حياة مجموعة من أعلام التَّابعين الذين عاشوا قريبًا من عصر النبوة، وتتلمذوا على أيدي رجال المدرسة المحمدية الأولى… فإذا هم صورة لصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رسوخ الإيمان، والتعالي عن عَرَض الدنيا، والتفاني في مرضاة الله… وآانوا حلقة مُحكمة مُؤثرة بين جيل الصحابة - رضوان الله عليهم - وجيل أئمة المذاهب ومَنْ جاء بعدهم. وقد قسمهم علماء الحديث إلى طبقات، أولهم مَنْ لَحِقَ العشرة المبشرين بالجنة، وآخرهم مَنْ لَقِيَ صغار الصَّحَابة أو مَنْ تأخرت وفاتهم.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/228871

    التحميل:

  • المرأة المسلمة بين موضات التغيير وموجات التغرير

    رسالة مختصرة تبين مايحاك ضد المرأة من مؤمرات.

    الناشر: مجلة البيان http://www.albayan-magazine.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205661

    التحميل:

  • آداب الفتوى والمفتي والمستفتي

    آداب الفتوى والمفتي والمستفتي : من مقدمة كتاب: المجموع شرح المهذب للإمام النووي - رحمه الله -.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/144923

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة