Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 32

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) (البقرة) mp3
فِيهِ ثَلَاث مَسَائِل : الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " سُبْحَانك " أَيْ تَنْزِيهًا لَك عَنْ أَنْ يَعْلَم الْغَيْب أَحَد سِوَاك . وَهَذَا جَوَابهمْ عَنْ قَوْله : " أَنْبِئُونِي " فَأَجَابُوا أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ إِلَّا مَا أَعْلَمَهُمْ بِهِ وَلَمْ يَتَعَاطَوْا مَا لَا عِلْم لَهُمْ بِهِ كَمَا يَفْعَلهُ الْجُهَّال مِنَّا . وَ " مَا " فِي " مَا عَلَّمْتنَا " بِمَعْنَى الَّذِي , أَيْ إِلَّا الَّذِي عَلَّمْتنَا , وَيَجُوز أَنْ تَكُون مَصْدَرِيَّة بِمَعْنَى إِلَّا تَعْلِيمك إِيَّانَا . الثَّانِيَة : الْوَاجِب عَلَى مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْم أَنْ يَقُول إِنْ لَمْ يَعْلَم : اللَّه أَعْلَم وَلَا أَدْرِي , اِقْتِدَاء بِالْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاء وَالْفُضَلَاء مِنْ الْعُلَمَاء , لَكِنْ قَدْ أَخْبَرَ الصَّادِق أَنَّ بِمَوْتِ الْعُلَمَاء يُقْبَض الْعِلْم , فَيَبْقَى نَاس جُهَّال يُسْتَفْتُونَ فَيُفْتُونَ بِرَأْيِهِمْ فَيَضِلُّونَ وَيُضِلُّونَ . وَأَمَّا مَا وَرَدَ مِنْ الْأَخْبَار عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه وَالتَّابِعِينَ بَعْدهمْ فِي مَعْنَى الْآيَة فَرَوَى الْبُسْتِيّ فِي الْمُسْنَد الصَّحِيح لَهُ عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيّ الْبِقَاع شَرّ ؟ قَالَ : ( لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَل جِبْرِيل ) فَسَأَلَ جِبْرِيل , فَقَالَ : لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَل مِيكَائِيل , فَجَاءَ فَقَالَ : خَيْر الْبِقَاع الْمَسَاجِد , وَشَرّهَا الْأَسْوَاق . وَقَالَ الصِّدِّيق لِلْجَدَّةِ : اِرْجِعِي حَتَّى أَسْأَل النَّاس . وَكَانَ عَلِيّ يَقُول : وَا بَرْدهَا عَلَى الْكَبِد , ثَلَاث مَرَّات . قَالُوا وَمَا ذَلِكَ يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ : أَنْ يُسْأَل الرَّجُل عَمَّا لَا يَعْلَم فَيَقُول : اللَّه أَعْلَم . وَسَأَلَ اِبْنَ عُمَرَ رَجُلٌ عَنْ مَسْأَلَة فَقَالَ : لَا عِلْم لِي بِهَا , فَلَمَّا أَدْبَرَ الرَّجُل . قَالَ اِبْن عُمَر : نِعْمَ مَا قَالَ اِبْن عُمَر , سُئِلَ عَمَّا لَا يَعْلَم فَقَالَ لَا عِلْم لِي بِهِ ذَكَرَهُ الدَّارِمِيّ فِي مُسْنَده . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي عُقَيْل يَحْيَى بْن الْمُتَوَكِّل صَاحِب بُهَيَّة قَالَ : كُنْت جَالِسًا عِنْد الْقَاسِم بْن عُبَيْد اللَّه وَيَحْيَى بْن سَعِيد , فَقَالَ يَحْيَى لِلْقَاسِمِ : يَا أَبَا مُحَمَّد إِنَّهُ قَبِيح عَلَى مِثْلك عَظِيم أَنْ يُسْأَل عَنْ شَيْء مِنْ أَمْر هَذَا الدِّين فَلَا يُوجَد عِنْدك مِنْهُ عِلْم وَلَا فَرَج , أَوْ عِلْم وَلَا مَخْرَج ؟ فَقَالَ لَهُ الْقَاسِم : وَعَمَّ ذَاكَ ؟ قَالَ : لِأَنَّك اِبْن إِمَامَيْ هُدًى : اِبْن أَبِي بَكْر وَعُمَر . قَالَ يَقُول لَهُ الْقَاسِم : أَقْبَح مِنْ ذَاكَ عِنْد مَنْ عَقَلَ عَنْ اللَّه أَنْ أَقُول بِغَيْرِ عِلْم أَوْ آخُذ عَنْ غَيْر ثِقَة . فَسَكَتَ فَمَا أَجَابَهُ . وَقَالَ مَالِك بْن أَنَس : سَمِعْت اِبْن هُرْمُز يَقُول : يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يُورِث جُلَسَاءَهُ مِنْ بَعْده لَا أَدْرِي حَتَّى يَكُون أَصْلًا فِي أَيْدِيهمْ , فَإِذَا سُئِلَ أَحَدهمْ عَمَّا لَا يَدْرِي قَالَ : لَا أَدْرِي . وَذَكَرَ الْهَيْثَم بْن جَمِيل قَالَ : شَهِدْت مَالِك بْن أَنَس سُئِلَ عَنْ ثَمَان وَأَرْبَعِينَ مَسْأَلَة فَقَالَ فِي اِثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ مِنْهَا : لَا أَدْرِي . قُلْت : وَمِثْله كَثِير عَنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَفُقَهَاء الْمُسْلِمِينَ . وَإِنَّمَا يُحْمَل عَلَى تَرْك ذَلِكَ الرِّيَاسَةُ وَعَدَم الْإِنْصَاف فِي الْعِلْم . قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : مِنْ بَرَكَة الْعِلْم وَآدَابه الْإِنْصَاف فِيهِ , وَمَنْ لَمْ يُنْصِف لَمْ يَفْهَم وَلَمْ يَتَفَهَّم . رَوَى يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى قَالَ : سَمِعْت اِبْن وَهْب يَقُول : سَمِعْت مَالِك بْن أَنَس يَقُول : مَا فِي زَمَاننَا شَيْء أَقَلّ مِنْ الْإِنْصَاف . قُلْت : هَذَا فِي زَمَن مَالِك فَكَيْف فِي زَمَاننَا الْيَوْم الَّذِي عَمَّ فِينَا الْفَسَاد وَكَثُرَ فِيهِ الطَّغَام وَطُلِبَ فِيهِ الْعِلْم لِلرِّيَاسَةِ لَا لِلدِّرَايَةِ , بَلْ لِلظُّهُورِ فِي الدُّنْيَا وَغَلَبَة الْأَقْرَان بِالْمِرَاءِ وَالْجِدَال الَّذِي يُقْسِي الْقَلْب وَيُورِث الضَّغَن , وَذَلِكَ مِمَّا يُحْمَل عَلَى عَدَم التَّقْوَى وَتَرْك الْخَوْف مِنْ اللَّه تَعَالَى . أَيْنَ هَذَا مِمَّا رُوِيَ عَنْ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَقَدْ قَالَ : لَا تَزِيدُوا فِي مُهُور النِّسَاء عَلَى أَرْبَعِينَ أُوقِيَّة وَلَوْ كَانَتْ بِنْت ذِي الْعُصْبَة - يَعْنِي يَزِيد بْن الْحُصَيْن الْحَارِثِيّ - فَمَنْ زَادَ أَلْقَيْت زِيَادَته فِي بَيْت الْمَال , فَقَامَتْ اِمْرَأَة مِنْ صَوْب النِّسَاء طَوِيلَة فِيهَا فَطَس فَقَالَتْ : مَا ذَلِكَ لَك قَالَ : وَلِمَ ؟ قَالَتْ لِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يَقُول : " وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا " [ النِّسَاء : 20 ] فَقَالَ عُمَر : اِمْرَأَة أَصَابَتْ وَرَجُل أَخْطَأَ وَرَوَى وَكِيع عَنْ أَبِي مَعْشَر عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ قَالَ : سَأَلَ رَجُل عَلِيًّا رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَنْ مَسْأَلَة فَقَالَ فِيهَا , فَقَالَ الرَّجُل : لَيْسَ كَذَلِكَ يَا أَمِير الْمُومِنِينَ , وَلَكِنْ كَذَا وَكَذَا , فَقَالَ عَلِيّ : أَصَبْتَ وَأَخْطَأْتُ , وَفَوْق كُلّ ذِي عِلْم عَلِيم . وَذَكَرَ أَبُو مُحَمَّد قَاسِم بْن أَصْبَغ قَالَ : لَمَّا رَحَلْت إِلَى الْمَشْرِق نَزَلْت الْقَيْرَوَان فَأَخَذْت عَلَى بَكْر بْن حَمَّاد حَدِيث مُسَدّد , ثُمَّ رَحَلْت إِلَى بَغْدَاد وَلَقِيت النَّاس , فَلَمَّا اِنْصَرَفْت عُدْت إِلَيْهِ لِتَمَامِ حَدِيث مُسَدّد , فَقَرَأْت عَلَيْهِ فِيهِ يَوْمًا حَدِيث النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَنَّهُ قَدِمَ عَلَيْهِ قَوْم مِنْ مُضَر مِنْ مُجْتَابِي النِّمَار ) فَقَالَ : إِنَّمَا هُوَ مُجْتَابِي الثِّمَار , فَقُلْت إِنَّمَا هُوَ مُجْتَابِي النِّمَار , هَكَذَا قَرَأْته عَلَى كُلّ مَنْ قَرَأْته عَلَيْهِ بِالْأَنْدَلُسِ وَالْعِرَاق , فَقَالَ لِي : بِدُخُولِك الْعِرَاق تُعَارِضنَا وَتَفْخَر عَلَيْنَا أَوْ نَحْو هَذَا . ثُمَّ قَالَ لِي : قُمْ بِنَا إِلَى ذَلِكَ الشَّيْخ - لِشَيْخٍ كَانَ فِي الْمَسْجِد - فَإِنَّ لَهُ بِمِثْلِ هَذَا عِلْمًا , فَقُمْنَا إِلَيْهِ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : إِنَّمَا هُوَ مُجْتَابِي النِّمَار , كَمَا قُلْت . وَهُمْ قَوْم كَانُوا يَلْبَسُونَ الثِّيَاب مُشَقَّقَة , جُيُوبهمْ أَمَامهمْ . وَالنِّمَار جَمْع نَمِرَة . فَقَالَ بَكْر بْن حَمَّاد وَأَخَذَ بِأَنْفِهِ : رَغِمَ أَنْفِي لِلْحَقِّ , رَغِمَ أَنْفِي لِلْحَقِّ . وَانْصَرَفَ . وَقَالَ يَزِيد بْن الْوَلِيد بْن عَبْد الْمَلِك فَأَحْسَنَ : إِذَا مَا تَحَدَّثْت فِي مَجْلِس تَنَاهَى حَدِيثِي إِلَى مَا عَلِمْت وَلَمْ أَعْدُ عِلْمِي إِلَى غَيْره وَكَانَ إِذَا مَا تَنَاهَى سَكَتُّ الثَّالِثَة : قَوْله تَعَالَى : " سُبْحَانك " " سُبْحَان " مَنْصُوب عَلَى الْمَصْدَر عِنْد الْخَلِيل وَسِيبَوَيْهِ , يُؤَدِّي عَنْ مَعْنَى نُسَبِّحك تَسْبِيحًا . وَقَالَ الْكِسَائِيّ : هُوَ مَنْصُوب عَلَى أَنَّهُ نِدَاء مُضَاف .

فَعِيل لِلْمُبَالَغَةِ وَالتَّكْبِير فِي الْمَعْلُومَات فِي خَلْق اللَّه تَعَالَى .

مَعْنَاهُ الْحَاكِم , وَبَيْنهمَا مَزِيد الْمُبَالَغَة . وَقِيلَ مَعْنَاهُ الْمُحْكِم وَيَجِيء الْحَكِيم عَلَى هَذَا مِنْ صِفَات الْفِعْل , صُرِفَ عَنْ مَفْعَل إِلَى فَعِيل , كَمَا صُرِفَ عَنْ مَسْمَع إِلَى سَمِيع وَمُؤْلِم إِلَى أَلِيم , قَالَهُ اِبْن الْأَنْبَارِيّ . وَقَالَ قَوْم : " الْحَكِيم " الْمَانِع مِنْ الْفَسَاد , وَمِنْهُ سُمِّيَتْ حِكْمَة اللِّجَام ; لِأَنَّهَا تَمْنَع الْفَرَس مِنْ الْجَرْي وَالذَّهَاب فِي غَيْر قَصْد . قَالَ جَرِير : أَبَنِي حَنِيفَة أَحْكِمُوا سُفَهَاءَكُمْ إِنِّي أَخَاف عَلَيْكُمْ أَنْ أَغْضَبَا أَيْ اِمْنَعُوهُمْ مِنْ الْفَسَاد . وَقَالَ زُهَيْر : الْقَائِد الْخَيْل مَنْكُوبًا دَوَابِرهَا قَدْ أُحْكِمَتْ حَكَمَات الْقِدّ وَالْأَبَقَا القد : الْجِلْد . وَالْأَبَق : الْقُنَّب . وَالْعَرَب تَقُول : أَحْكَمَ الْيَتِيم عَنْ كَذَا وَكَذَا , يُرِيدُونَ مَنَعَهُ . وَالسُّورَة الْمُحْكَمَة : الْمَمْنُوعَة مِنْ التَّغْيِير وَكُلّ التَّبْدِيل , وَأَنْ يَلْحَق بِهَا مَا يَخْرُج عَنْهَا , وَيُزَاد عَلَيْهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا , وَالْحِكْمَة مِنْ هَذَا ; لِأَنَّهَا تَمْنَع صَاحِبهَا مِنْ الْجَهْل . وَيُقَال : أَحْكَمَ الشَّيْء إِذَا أَتْقَنَهُ وَمَنَعَهُ مِنْ الْخُرُوج عَمَّا يُرِيد . فَهُوَ مُحْكَم وَحَكِيم عَلَى التَّكْثِير .

قَوْله تَعَالَى : " أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ " أَمَرَهُ اللَّه أَنْ يُعْلِمهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ بَعْد أَنْ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَة لِيَعْلَمُوا أَنَّهُ أَعْلَم بِمَا سَأَلَهُمْ عَنْهُ تَنْبِيهًا عَلَى فَضْله وَعُلُوّ شَأْنه , فَكَانَ أَفْضَل مِنْهُمْ بِأَنْ قَدَّمَهُ عَلَيْهِمْ وَأَسْجَدَهُمْ لَهُ وَجَعَلَهُمْ تَلَامِذَته وَأَمَرَهُمْ بِأَنْ يَتَعَلَّمُوا مِنْهُ . فَحَصَلَتْ لَهُ رُتْبَة الْجَلَال وَالْعَظَمَة بِأَنْ جَعَلَهُ مَسْجُودًا لَهُ , مُخْتَصًّا بِالْعِلْمِ . فِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى فَضْل الْعِلْم وَأَهْله , وَفِي الْحَدِيث : ( وَإِنَّ الْمَلَائِكَة لَتَضَع أَجْنِحَتهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْم ) أَيْ تَخْضَع وَتَتَوَاضَع وَإِنَّمَا تَفْعَل ذَلِكَ لِأَهْلِ الْعِلْم خَاصَّة مِنْ بَيْن سَائِر عِيَال اللَّه ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى أَلْزَمَهَا ذَلِكَ فِي آدَم عَلَيْهِ السَّلَام فَتَأَدَّبَتْ بِذَلِكَ الْأَدَب . فَكُلَّمَا ظَهَرَ لَهَا عِلْم فِي بَشَر خَضَعَتْ لَهُ وَتَوَاضَعَتْ وَتَذَلَّلَتْ إِعْظَامًا لِلْعِلْمِ وَأَهْله , وَرِضًا مِنْهُمْ بِالطَّلَبِ لَهُ وَالشُّغْل بِهِ . هَذَا فِي الطُّلَّاب مِنْهُمْ فَكَيْف بِالْأَحْبَارِ فِيهِمْ وَالرَّبَّانِيِّينَ مِنْهُمْ جَعَلَنَا اللَّه مِنْهُمْ وَفِيهِمْ , إِنَّهُ ذُو فَضْل عَظِيم . اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء مِنْ هَذَا الْبَاب , أَيّمَا أَفْضَل الْمَلَائِكَة أَوْ بَنُو آدَم عَلَى قَوْلَيْنِ : فَذَهَبَ قَوْم إِلَى أَنَّ الرُّسُل مِنْ الْبَشَر أَفْضَل مِنْ الرُّسُل مِنْ الْمَلَائِكَة , وَالْأَوْلِيَاء مِنْ الْبَشَر أَفْضَل مِنْ الْأَوْلِيَاء مِنْ الْمَلَائِكَة . وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الْمَلَأ الْأَعْلَى أَفْضَل . اِحْتَجَّ مَنْ فَضَّلَ الْمَلَائِكَة بِأَنَّهُمْ " عِبَاد مُكْرَمُونَ . لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ " [ الْأَنْبِيَاء : 26 - 27 ] " لَا يَعْصُونَ اللَّه مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ " [ التَّحْرِيم : 6 ] . وَقَوْله : " لَنْ يَسْتَنْكِف الْمَسِيح أَنْ يَكُون عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَة الْمُقَرَّبُونَ " [ النِّسَاء : 172 ] وَقَوْله : " قُلْ لَا أَقُول لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِن اللَّه وَلَا أَعْلَم الْغَيْب وَلَا أَقُول لَكُمْ إِنِّي مَلَك " [ الْأَنْعَام : 50 ] . وَفِي الْبُخَارِيّ : ( يَقُول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " مَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأ ذَكَرْته فِي مَلَأ خَيْر مِنْهُمْ ) . وَهَذَا نَصّ . اِحْتَجَّ مَنْ فَضَّلَ بَنِي آدَم بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات أُولَئِكَ هُمْ خَيْر الْبَرِيَّة " [ الْبَيِّنَة : 7 ] بِالْهَمْزِ , مِنْ بَرَأَ اللَّه الْخَلْق . وَقَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( وَإِنَّ الْمَلَائِكَة لَتَضَع أَجْنِحَتهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْم ) الْحَدِيث . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد , وَبِمَا جَاءَ فِي أَحَادِيث مِنْ أَنَّ اللَّه تَعَالَى يُبَاهِي بِأَهْلِ عَرَفَات الْمَلَائِكَة , وَلَا يُبَاهِي إِلَّا بِالْأَفْضَلِ , وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَالَ بَعْض الْعُلَمَاء . وَلَا طَرِيق إِلَى الْقَطْع بِأَنَّ الْأَنْبِيَاء أَفْضَل مِنْ الْمَلَائِكَة , وَلَا الْقَطْع بِأَنَّ الْمَلَائِكَة خَيْر مِنْهُمْ , لِأَنَّ طَرِيق ذَلِكَ خَبَر اللَّه تَعَالَى وَخَبَر رَسُوله أَوْ إِجْمَاع الْأُمَّة , وَلَيْسَ هَاهُنَا شَيْء مِنْ ذَلِكَ خِلَافًا لِلْقَدَرِيَّةِ وَالْقَاضِي أَبِي بَكْر رَحِمَهُ اللَّه حَيْثُ قَالُوا : الْمَلَائِكَة أَفْضَل . قَالَ : وَأَمَّا مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابنَا وَالشِّيعَة : إِنَّ الْأَنْبِيَاء أَفْضَل لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى أَمَرَ الْمَلَائِكَة بِالسُّجُودِ لِآدَم , فَيُقَال لَهُمْ : الْمَسْجُود لَهُ لَا يَكُون أَفْضَل مِنْ السَّاجِد , أَلَا تَرَى أَنَّ الْكَعْبَة مَسْجُود لَهَا وَالْأَنْبِيَاء وَالْخَلْق يَسْجُدُونَ نَحْوهَا , ثُمَّ إِنَّ الْأَنْبِيَاء خَيْر مِنْ الْكَعْبَة بِاتِّفَاقِ الْأُمَّة . وَلَا خِلَاف أَنَّ السُّجُود لَا يَكُون إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى ; لِأَنَّ السُّجُود عِبَادَة , وَالْعِبَادَة لَا تَكُون إِلَّا لِلَّهِ , فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَكَوْن السُّجُود إِلَى جِهَة لَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْجِهَة خَيْر مِنْ السَّاجِد الْعَابِد , وَهَذَا وَاضِح . وَسَيَأْتِي لَهُ مَزِيد بَيَان فِي الْآيَة بَعْد هَذَا .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • ملخص فقه العمرة

    يحتوي ملخص فقه العمرة على أغلب المسائل التي يحتاج إليها المعتمر.

    الناشر: موقع الدرر السنية http://www.dorar.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/364379

    التحميل:

  • الاعتدال في الدعوة

    الاعتدال في الدعوة : محاضرة مفرغة.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/144938

    التحميل:

  • الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى

    الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى: بين المؤلف - حفظه الله - في هذا الكتاب مفهوم الحكمة الصحيح في الدعوة إلى الله تعالى وأنواعها، ودرجاتها، وأركـانها التي تقوم عليها، ومعاول هدمها، وطرق ومسالك اكتسابها، ومواقف الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى، التي أعز الله بها الإسلام وأهله، وأذل بها الكفر والعصيان والنفاق وأعوانها، وحكمة القول مع أصناف المدعوين على اختلاف عقائدهم وعقولهم وإدراكاتهم ومنازلهم، وحكمة القوة الفعلية مع المدعوين: الكفار، ثم عصاة المسلمين.

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/276139

    التحميل:

  • بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار

    بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار : من تأمل هذا الكتاب على اختصاره ووضوحه رآه مشتملا من جميع العلوم النافعة على: علم التوحيد، والأصول، والعقائد، وعلم السير والسلوك إلى الله، وعلم الأخلاق والآداب الدينية، والدنيوية، والطبية وعلم الفقه والأحكام في كل أبواب الفقه: من عبادات ومعاملات، وأنكحة، وغيرها وبيان حكمها، ومأخذها وأصولها وقواعدها، وعلوم الإصلاحات المتنوعة والمواضيع النافعة، والتوجيهات إلى جلب المنافع الخاصة والعامة، الدينية والدنيوية، ودفع المضار. وهي كلها مأخوذة ومستفادة من كلماته - صلوات الله وسلامه عليه - حيث اختير فيه شرح أجمع الأحاديث وأنفعها، كما ستراه. وذلك كله من فضل الله ورحمته . . والله هو المحمود وحده.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/79493

    التحميل:

  • وثلث لطعامك

    وثلث لطعامك: قال المصنف - حفظه الله -: «فإن الله خلقنا لأمر عظيم, وسخر لنا ما في السموات والأرض جميعًا منه, وسهل أمر العبادة, وأغدق علينا من بركات الأرض؛ لتكون عونًا على طاعته. ولتوسع الناس في أمر المأكل والمشرب حتى جاوزوا في ذلك ما جرت به العادة, أحببت أن أذكر نفسي وإخواني القراء بأهمية هذه النعمة ووجوب شكرها وعدم كفرها. وهذا هو الجزء «الثامن عشر» من سلسلة «أين نحن من هؤلاء؟» تحت عنوان «وثلثٌ لطعامك»».

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/229618

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة