Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 31

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (31) (البقرة) mp3
" عَلَّمَ " عَرَّفَ . وَتَعْلِيمه هُنَا إِلْهَام عِلْمه ضَرُورَة . وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون بِوَاسِطَةِ مَلَك وَهُوَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام عَلَى مَا يَأْتِي . وَقُرِئَ : " وَعُلِّمَ " غَيْر مُسَمَّى الْفَاعِل . وَالْأَوَّل أَظْهَر , عَلَى مَا يَأْتِي . قَالَ عُلَمَاء الصُّوفِيَّة : عَلِمَهَا بِتَعْلِيمِ الْحَقّ إِيَّاهُ وَحَفِظَهَا بِحِفْظِهِ عَلَيْهِ وَنَسِيَ مَا عُهِدَ إِلَيْهِ , لِأَنَّ وَكَلَهُ فِيهِ إِلَى نَفْسه فَقَالَ : " وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَم مِنْ قَبْل فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِد لَهُ عَزْمًا " . [ طَه : 115 ] . وَقَالَ اِبْن عَطَاء : لَوْ لَمْ يَكْشِف لِآدَم عِلْم تِلْكَ الْأَسْمَاء لَكَانَ أَعْجَز مِنْ الْمَلَائِكَة فِي الْإِخْبَار عَنْهَا . وَهَذَا وَاضِح . وَآدَم عَلَيْهِ السَّلَام يُكَنَّى أَبَا الْبَشَر . وَقِيلَ : أَبَا مُحَمَّد , كُنِّي بِمُحَمَّدٍ خَاتَم الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِمْ , قَالَهُ السُّهَيْلِيّ . وَقِيلَ : كُنْيَته فِي الْجَنَّة أَبُو مُحَمَّد , وَفِي الْأَرْض أَبُو الْبَشَر . وَأَصْله بِهَمْزَتَيْنِ ; لِأَنَّهُ أَفْعَل إِلَّا أَنَّهُمْ لَيَّنُوا الثَّانِيَة , فَإِذَا اِحْتَجْت إِلَى تَحْرِيكهَا جَعَلْتهَا وَاوًا فَقُلْت : أَوَادِم فِي الْجَمْع لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهَا أَصْل فِي الْيَاء مَعْرُوف , فَجُعِلَتْ الْغَالِب عَلَيْهَا الْوَاو , عَنْ الْأَخْفَش . وَاخْتُلِفَ فِي اِشْتِقَاقه , فَقِيلَ : هُوَ مُشْتَقّ مِنْ أَدَمَة الْأَرْض وَأَدِيمهَا وَهُوَ وَجْههَا , فَسُمِّيَ بِمَا خُلِقَ مِنْهُ , قَالَ اِبْن عَبَّاس . وَقِيلَ : إِنَّهُ مُشْتَقّ مِنْ الْأُدْمَة وَهِيَ السُّمْرَة . وَاخْتَلَفُوا فِي الْأُدْمَة , فَزَعَمَ الضَّحَّاك أَنَّهَا السُّمْرَة , وَزَعَمَ النَّضْر أَنَّهَا الْبَيَاض , وَأَنَّ آدَم عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ أَبْيَض , مَأْخُوذ مِنْ قَوْلهمْ : نَاقَة أَدْمَاء , إِذَا كَانَتْ بَيْضَاء . وَعَلَى هَذَا الِاشْتِقَاق جَمْعه أُدْم وَأَوَادِم , كَحُمْرٍ وَأَحَامِر , وَلَا يَنْصَرِف بِوَجْهٍ . وَعَلَى أَنَّهُ مُشْتَقّ مِنْ الْأُدْمَة جَمْعه آدَمُونَ , وَيَلْزَم قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَة صَرْفه . قُلْت : الصَّحِيح أَنَّهُ مُشْتَقّ مِنْ أَدِيم الْأَرْض . قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : إِنَّمَا سُمِّيَ آدَم لِأَنَّهُ خُلِقَ مِنْ أَدِيم الْأَرْض , وَإِنَّمَا سُمِّيَ إِنْسَانًا لِأَنَّهُ نَسِيَ , ذَكَرَهُ اِبْن سَعْد فِي الطَّبَقَات . وَرَوَى السُّدِّيّ عَنْ أَبِي مَالِك وَعَنْ أَبِي صَالِح عَنْ اِبْن عَبَّاس وَعَنْ مُرَّة الْهَمْدَانِيّ عَنْ اِبْن مَسْعُود فِي قِصَّة خَلْق آدَم عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ : فَبَعَثَ اللَّه جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام إِلَى الْأَرْض لِيَأْتِيَهُ بِطِينٍ مِنْهَا , فَقَالَتْ الْأَرْض : أَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْك أَنْ تَنْقُص مِنِّي أَوْ تَشِيننِي , فَرَجَعَ وَلَمْ يَأْخُذ وَقَالَ : يَا رَبّ إِنَّهَا عَاذَتْ بِك فَأَعَذْتهَا . فَبَعَثَ مِيكَائِيل فَعَاذَتْ مِنْهُ فَأَعَاذَهَا , فَرَجَعَ فَقَالَ كَمَا قَالَ جِبْرِيل , فَبَعَثَ مَلَك الْمَوْت فَعَاذَتْ مِنْهُ فَقَالَ : وَأَنَا أَعُوذ بِاَللَّهِ أَنْ أَرْجِع وَلَمْ أُنَفِّذ أَمْره . فَأَخَذَ مِنْ وَجْه الْأَرْض وَخَلَطَ , وَلَمْ يَأْخُذ مِنْ مَكَان وَاحِد , وَأَخَذَ مِنْ تُرْبَة حَمْرَاء وَبَيْضَاء وَسَوْدَاء , فَلِذَلِكَ خَرَجَ بَنُو آدَم مُخْتَلِفِينَ - وَلِذَلِكَ سُمِّيَ آدَم لِأَنَّهُ أُخِذَ مِنْ أَدِيم الْأَرْض - فَصَعِدَ بِهِ , فَقَالَ اللَّه تَعَالَى لَهُ : ( أَمَا رَحِمْت الْأَرْض حِين تَضَرَّعَتْ إِلَيْك ) فَقَالَ : رَأَيْت أَمْرك أَوْجَب مِنْ قَوْلِهَا . فَقَالَ : ( أَنْتَ تَصْلُح لِقَبْضِ أَرْوَاح وَلَده ) فَبَلَّ التُّرَاب حَتَّى عَادَ طِينًا لَازِبًا , اللَّازِب : هُوَ الَّذِي يَلْتَصِق بَعْضه بِبَعْضٍ , ثُمَّ تُرِكَ حَتَّى أَنْتَنَ , فَذَلِكَ حَيْثُ يَقُول : " مِنْ حَمَإٍ مَسْنُون " [ الْحِجْر : 26 ] قَالَ : مُنْتِن . ثُمَّ قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ : " إِنِّي خَالِق بَشَرًا مِنْ طِين . فَإِذَا سَوَّيْته وَنَفَخْت فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ " [ ص : 71 - 72 ] . فَخَلَقَهُ اللَّه بِيَدِهِ لِكَيْلَا يَتَكَبَّر إِبْلِيس عَنْهُ . يَقُول : أَتَتَكَبَّرُ عَمَّا خَلَقْت بِيَدَيَّ وَلَمْ أَتَكَبَّر أَنَا عَنْهُ فَخَلَقَهُ بَشَرًا فَكَانَ جَسَدًا مِنْ طِين أَرْبَعِينَ سَنَة مِنْ مِقْدَار يَوْم الْجُمُعَة , فَمَرَّتْ بِهِ الْمَلَائِكَة فَفَزِعُوا مِنْهُ لَمَّا رَأَوْهُ وَكَانَ أَشَدّهمْ مِنْهُ فَزَعًا إِبْلِيس فَكَانَ يَمُرّ بِهِ فَيَضْرِبهُ فَيُصَوِّت الْجَسَد كَمَا يُصَوِّت الْفَخَّار تَكُون لَهُ صَلْصَلَة , فَذَلِكَ حِين يَقُول : " مِنْ صَلْصَال كَالْفَخَّارِ " [ الرَّحْمَن : 14 ] . وَيَقُول لِأَمْرٍ مَا خُلِقْت . وَدَخَلَ مِنْ فَمه وَخَرَجَ مِنْ دُبُره , فَقَالَ إِبْلِيس لِلْمَلَائِكَةِ : لَا تَرْهَبُوا مِنْ هَذَا فَإِنَّهُ أَجْوَف وَلَئِنْ سُلِّطْت عَلَيْهِ لَأُهْلِكَنهُ . وَيُقَال : إِنَّهُ كَانَ إِذَا مَرَّ عَلَيْهِ مَعَ الْمَلَائِكَة يَقُول : أَرَأَيْتُمْ هَذَا الَّذِي لَمْ تَرَوْا مِنْ الْخَلَائِق يُشْبِههُ إِنْ فُضِّلَ عَلَيْكُمْ وَأُمِرْتُمْ بِطَاعَتِهِ مَا أَنْتُمْ فَاعِلُونَ قَالُوا : نُطِيع أَمْر رَبّنَا فَأَسَرَّ إِبْلِيس فِي نَفْسه لَئِنْ فُضِّلَ عَلَيَّ فَلَا أُطِيعهُ , وَلَئِنْ فُضِّلْت عَلَيْهِ لَأُهْلِكَنَّهُ , فَلَمَّا بَلَغَ الْحِين الَّذِي أُرِيدَ أَنْ يُنْفَخ فِيهِ الرُّوح قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ : إِذَا نَفَخْت فِيهِ مِنْ رُوحِي فَاسْجُدُوا لَهُ , فَلَمَّا نُفِخَ فِيهِ الرُّوح فَدَخَلَ الرُّوح فِي رَأْسه عَطَسَ , فَقَالَتْ لَهُ الْمَلَائِكَة : قُلْ الْحَمْد لِلَّهِ , فَقَالَ : الْحَمْد لِلَّهِ , فَقَالَ اللَّه لَهُ : رَحِمك رَبّك , فَلَمَّا دَخَلَ الرُّوح فِي عَيْنَيْهِ نَظَرَ إِلَى ثِمَار الْجَنَّة , فَلَمَّا دَخَلَ فِي جَوْفه اِشْتَهَى الطَّعَام فَوَثَبَ قَبْل أَنْ يَبْلُغ الرُّوح رِجْلَيْهِ عَجْلَان إِلَى ثِمَار الْجَنَّة , فَذَلِكَ حِين يَقُول : " خُلِقَ الْإِنْسَان مِنْ عَجَل " [ الْأَنْبِيَاء : 37 ] " فَسَجَدَ الْمَلَائِكَة كُلّهمْ أَجْمَعُونَ , إِلَّا إِبْلِيس أَبَى أَنْ يَكُون مَعَ السَّاجِدِينَ " [ الْحِجْر : 30 - 31 ] وَذَكَرَ الْقِصَّة . وَرَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ قَالَ سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ آدَم مِنْ قَبْضَة قَبَضَهَا مِنْ جَمِيع الْأَرْض فَجَاءَ بَنُو آدَم عَلَى قَدْر الْأَرْض فَجَاءَ مِنْهُمْ الْأَحْمَر وَالْأَبْيَض وَالْأَسْوَد وَبَيْن ذَلِكَ وَالسَّهْل وَالْحَزْن وَالْخَبِيث وَالطَّيِّب ) . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيث حَسَن صَحِيح . أَدِيم : جَمْع أَدَم , قَالَ الشَّاعِر : النَّاس أَخْيَاف وَشَتَّى فِي الشِّيَم وَكُلّهمْ يَجْمَعهُمْ وَجْه الْأَدَم فَآدَم مُشْتَقّ مِنْ الْأَدِيم وَالْأَدَم لَا مِنْ الْأُدْمَة , وَاَللَّه أَعْلَم . وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون مِنْهُمَا جَمِيعًا . وَسَيَأْتِي لِهَذَا الْبَاب مَزِيد بَيَان فِي خَلْق آدَم فِي " الْأَنْعَام " وَغَيْرهَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَ " آدَم " لَا يَنْصَرِف . قَالَ أَبُو جَعْفَر النَّحَّاس : " آدَم لَا يَنْصَرِف فِي الْمَعْرِفَة بِإِجْمَاعِ النَّحْوِيِّينَ , لِأَنَّهُ عَلَى أَفْعَل وَهُوَ مَعْرِفَة , وَلَا يَمْتَنِع شَيْء مِنْ الصَّرْف عِنْد الْبَصْرِيِّينَ إِلَّا لِعِلَّتَيْنِ . فَإِنْ نَكَّرْته وَلَمْ يَكُنْ نَعْتًا لَمْ يَصْرِفهُ الْخَلِيل وَسِيبَوَيْهِ , وَصَرَفَهُ الْأَخْفَش سَعِيد ; لِأَنَّهُ كَانَ نَعْتًا وَهُوَ عَلَى وَزْن الْفِعْل , فَإِذَا لَمْ يَكُنْ نَعْتًا صَرَفَهُ . قَالَ أَبُو إِسْحَاق الزَّجَّاج : الْقَوْل قَوْل سِيبَوَيْهِ , وَلَا يُفَرَّق بَيْن النَّعْت وَغَيْره لِأَنَّهُ هُوَ ذَاكَ بِعَيْنِهِ " . قَوْله تَعَالَى " الْأَسْمَاء كُلّهَا " " الْأَسْمَاء " هُنَا بِمَعْنَى الْعِبَارَات , فَإِنَّ الِاسْم قَدْ يُطْلَق وَيُرَاد بِهِ الْمُسَمَّى , كَقَوْلِك : زَيْد قَائِم , وَالْأَسَد شُجَاع . وَقَدْ يُرَاد بِهِ التَّسْمِيَة ذَاتهَا , كَقَوْلِك : أَسَد ثَلَاثَة أَحْرُف , فَفِي الْأَوَّل يُقَال : الِاسْم هُوَ الْمُسَمَّى بِمَعْنَى يُرَاد بِهِ الْمُسَمَّى , وَفِي الثَّانِي لَا يُرَاد الْمُسَمَّى , وَقَدْ يُجْرَى اِسْم فِي اللُّغَة مَجْرَى ذَات الْعِبَارَة , وَهُوَ الْأَكْثَر مِنْ اِسْتِعْمَالهَا , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " وَعَلَّمَ آدَم الْأَسْمَاء كُلّهَا " [ الْبَقَرَة : 31 ] عَلَى أَشْهَر التَّأْوِيلَات , وَمِنْهُ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَة وَتِسْعِينَ اِسْمًا ) . وَيَجْرِي مَجْرَى الذَّات , يُقَال : ذَات وَنَفْس وَعَيْن وَاسْم بِمَعْنًى , وَعَلَى هَذَا حَمَلَ أَكْثَر أَهْل الْعِلْم قَوْله تَعَالَى : " سَبِّحْ اِسْم رَبّك الْأَعْلَى " [ الْأَعْلَى : 1 ] " تَبَارَكَ اِسْم رَبّك " [ الرَّحْمَن : 78 ] " إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا " [ النَّجْم : 23 ] . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى الْأَسْمَاء الَّتِي عَلَّمَهَا لِآدَم عَلَيْهِ السَّلَام , فَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَعِكْرِمَة وَقَتَادَة وَمُجَاهِد وَابْن جُبَيْر : عَلَّمَهُ أَسْمَاء جَمِيع الْأَشْيَاء كُلّهَا جَلِيلهَا وَحَقِيرهَا . وَرَوَى عَاصِم بْن كُلَيْب عَنْ سَعْد مَوْلَى الْحَسَن بْن عَلِيّ قَالَ : كُنْت جَالِسًا عِنْد اِبْن عَبَّاس فَذَكَرُوا اِسْم الْآنِيَة وَاسْم السَّوْط , قَالَ اِبْن عَبَّاس : " وَعَلَّمَ آدَم الْأَسْمَاء كُلّهَا " . قُلْت : وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى مَرْفُوعًا عَلَى مَا يَأْتِي , وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيه لَفْظ " كُلّهَا " إِذْ هُوَ اِسْم مَوْضُوع لِلْإِحَاطَةِ وَالْعُمُوم , وَفِي الْبُخَارِيّ مِنْ حَدِيث أَنَس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( وَيَجْتَمِع الْمُؤْمِنُونَ يَوْم الْقِيَامَة فَيَقُولُونَ لَوْ اِسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبّنَا فَيَأْتُونَ آدَم فَيَقُولُونَ أَنْتَ أَبُو النَّاس خَلَقَك اللَّه بِيَدِهِ وَأَسْجَدَ لَك مَلَائِكَته وَعَلَّمَك أَسْمَاء كُلّ شَيْء ) الْحَدِيث . قَالَ اِبْن خُوَيْز مَنْدَاد : فِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى أَنَّ اللُّغَة مَأْخُوذَة تَوْقِيفًا , وَأَنَّ اللَّه تَعَالَى عَلَّمَهَا آدَم عَلَيْهِ السَّلَام جُمْلَة وَتَفْصِيلًا . وَكَذَلِكَ قَالَ اِبْن عَبَّاس : عَلَّمَهُ أَسْمَاء كُلّ شَيْء حَتَّى الْجَفْنَة وَالْمِحْلَب . وَرَوَى شَيْبَان عَنْ قَتَادَة قَالَ : عُلِّمَ آدَم مِنْ الْأَسْمَاء أَسْمَاء خَلْقه مَا لَمْ يُعَلَّم الْمَلَائِكَة , وَسَمَّى كُلّ شَيْء بِاسْمِهِ وَأَنْحَى مَنْفَعَة كُلّ شَيْء إِلَى جِنْسه . قَالَ النَّحَّاس : وَهَذَا أَحْسَن مَا رُوِيَ فِي هَذَا . وَالْمَعْنَى عَلَّمَهُ أَسْمَاء الْأَجْنَاس وَعَرَّفَهُ مَنَافِعهَا , هَذَا كَذَا , وَهُوَ يَصْلُح لِكَذَا . وَقَالَ الطَّبَرِيّ : عَلَّمَهُ أَسْمَاء الْمَلَائِكَة وَذُرِّيَّته , وَاخْتَارَ هَذَا وَرَجَّحَهُ .

قَالَ اِبْن زَيْد : عَلَّمَهُ أَسْمَاء ذُرِّيَّته , كُلّهمْ . الرَّبِيع اِبْن خُثَيْم : أَسْمَاء الْمَلَائِكَة خَاصَّة . الْقُتَبِيّ : أَسْمَاء مَا خَلَقَ فِي الْأَرْض . وَقِيلَ : أَسْمَاء الْأَجْنَاس وَالْأَنْوَاع . قُلْت : الْقَوْل الْأَوَّل أَصَحّ , لِمَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا وَلِمَا نُبَيِّنهُ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَاخْتَلَفَ الْمُتَأَوِّلُونَ أَيْضًا هَلْ عَرَضَ عَلَى الْمَلَائِكَة أَسْمَاء الْأَشْخَاص أَوْ الْأَسْمَاء دُون الْأَشْخَاص , فَقَالَ اِبْن مَسْعُود وَغَيْره : عَرَضَ الْأَشْخَاص لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " عَرَضَهُمْ " وَقَوْله : " أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ " . وَتَقُول الْعَرَب : عَرَضْت الشَّيْء فَأَعْرَضَ , أَيْ أَظْهَرْته فَظَهَرَ . وَمِنْهُ : عَرَضْت الشَّيْء لِلْبَيْعِ . وَفِي الْحَدِيث ( إِنَّهُ عَرَضَهُمْ أَمْثَال الذَّرّ ) . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره : عَرَضَ الْأَسْمَاء وَفِي حَرْف اِبْن مَسْعُود : " عَرَضَهُنَّ " , فَأَعَادَ عَلَى الْأَسْمَاء دُون الْأَشْخَاص ; لِأَنَّ الْهَاء وَالنُّون أَخَصّ بِالْمُؤَنَّثِ . وَفِي حَرْف أُبَيّ : " عَرَضَهَا " . مُجَاهِد : أَصْحَاب الْأَسْمَاء . فَمَنْ قَالَ فِي الْأَسْمَاء إِنَّهَا التَّسْمِيَات فَاسْتَقَامَ عَلَى قِرَاءَة أُبَيّ : " عَرَضَهَا " . وَتَقُول فِي قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ " عَرَضَهُمْ " : إِنَّ لَفْظ الْأَسْمَاء يَدُلّ عَلَى أَشْخَاص , فَلِذَلِكَ سَاغَ أَنْ يُقَال لِلْأَسْمَاءِ : " عَرَضَهُمْ " . وَقَالَ فِي " هَؤُلَاءِ " الْمُرَاد بِالْإِشَارَةِ : إِلَى أَشْخَاص الْأَسْمَاء , لَكِنْ وَإِنْ كَانَتْ غَائِبَة فَقَدْ حَضَرَ مَا هُوَ مِنْهَا بِسَبَبٍ وَذَلِكَ أَسْمَاؤُهَا . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ اللَّه تَعَالَى عَلَّمَ آدَم الْأَسْمَاء وَعَرَضَهُنَّ عَلَيْهِ مَعَ تِلْكَ الْأَجْنَاس بِأَشْخَاصِهَا , ثُمَّ عَرَضَ تِلْكَ عَلَى الْمَلَائِكَة وَسَأَلَهُمْ عَنْ تَسْمِيَاتهَا الَّتِي قَدْ تَعَلَّمَهَا , ثُمَّ إِنَّ آدَم قَالَ لَهُمْ : هَذَا اِسْمه كَذَا , وَهَذَا اِسْمه كَذَا . وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ : وَكَانَ الْأَصَحّ تَوَجُّه الْعَرْض إِلَى الْمُسَمّينَ . ثُمَّ فِي زَمَن عَرْضهمْ قَوْلَانِ : أَحَدهمَا أَنَّهُ عَرَضَهُمْ بَعْد أَنْ خَلَقَهُمْ . الثَّانِي - أَنَّهُ صَوَّرَهُمْ لِقُلُوبِ الْمَلَائِكَة ثُمَّ عَرَضَهُمْ . وَاخْتُلِفَ فِي أَوَّل مَنْ تَكَلَّمَ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيّ , فَرُوِيَ عَنْ كَعْب الْأَحْبَار : أَنَّ أَوَّل مَنْ وَضَعَ الْكِتَاب الْعَرَبِيّ وَالسُّرْيَانِيّ وَالْكُتُب كُلّهَا بِالْأَلْسِنَةِ كُلّهَا آدَم عَلَيْهِ السَّلَام . وَقَالَهُ غَيْر كَعْب الْأَحْبَار . فَإِنْ قِيلَ : قَدْ رُوِيَ عَنْ كَعْب الْأَحْبَار مِنْ وَجْه حَسَن قَالَ : أَوَّل مَنْ تَكَلَّمَ بِالْعَرَبِيَّةِ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام وَهُوَ الَّذِي أَلْقَاهَا عَلَى لِسَان نُوح عَلَيْهِ السَّلَام وَأَلْقَاهَا نُوح عَلَى لِسَان اِبْنه سَام , وَرَوَاهُ ثَوْر اِبْن زَيْد عَنْ خَالِد بْن مَعْدَان عَنْ كَعْب وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( أَوَّل مَنْ فُتِقَ لِسَانه بِالْعَرَبِيَّةِ الْمُبَيِّنَة إِسْمَاعِيل وَهُوَ اِبْن عَشْر سِنِينَ ) . وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا : أَنَّ أَوَّل مَنْ تَكَلَّمَ بِالْعَرَبِيَّةِ يَعْرُب بْن قَحْطَان , وَقَدْ رُوِيَ غَيْر ذَلِكَ . قُلْنَا : الصَّحِيح أَنَّ أَوَّل مَنْ تَكَلَّمَ بِاللُّغَاتِ كُلّهَا مِنْ الْبَشَر آدَم عَلَيْهِ السَّلَام , وَالْقُرْآن يَشْهَد لَهُ قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَعَلَّمَ آدَم الْأَسْمَاء كُلّهَا " [ الْبَقَرَة : 31 ] وَاللُّغَات كُلّهَا أَسْمَاء فَهِيَ دَاخِلَة تَحْته وَبِهَذَا جَاءَتْ السُّنَّة , قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَعَلَّمَ آدَم الْأَسْمَاء كُلّهَا حَتَّى الْقَصْعَة وَالْقُصَيْعَة ) وَمَا ذَكَرُوهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِهِ أَوَّل مَنْ تَكَلَّمَ بِالْعَرَبِيَّةِ مِنْ وَلَد إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ السَّلَام . وَكَذَلِكَ إِنْ صَحَّ مَا سِوَاهُ فَإِنَّهُ يَكُون مَحْمُولًا عَلَى أَنَّ الْمَذْكُور أَوَّل مَنْ تَكَلَّمَ مِنْ قَبِيلَته بِالْعَرَبِيَّةِ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا وَاَللَّه أَعْلَم . وَكَذَلِكَ جِبْرِيل أَوَّل مَنْ تَكَلَّمَ بِهَا مِنْ الْمَلَائِكَة وَأَلْقَاهَا عَلَى لِسَان نُوح بَعْد أَنْ عَلَّمَهَا اللَّه آدَم أَوْ جِبْرِيل , عَلَى مَا تَقَدَّمَ , وَاَللَّه أَعْلَم .

لَفْظ مَبْنِيّ عَلَى الْكَسْر . وَلُغَة تَمِيم وَبَعْض قَيْس وَأَسَد فِيهِ الْقَصْر , قَالَ الْأَعْشَى : هُؤْلَا ثُمَّ هَؤُلَا كَلَّا أَعْطَيْ ت نِعَالًا مَحْذُوَّة بِمِثَالِ وَمِنْ الْعَرَب مَنْ يَقُول : هَولَاءِ , فَيَحْذِف الْأَلِف وَالْهَمْزَة .

شَرْط , وَالْجَوَاب مَحْذُوف تَقْدِيره : إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ أَنَّ بَنِي آدَم يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض فَأَنْبِئُونِي , قَالَهُ الْمُبَرِّد . وَمَعْنَى " صَادِقِينَ " عَالِمِينَ , وَلِذَلِكَ لَمْ يَسُغْ لِلْمَلَائِكَةِ الِاجْتِهَاد وَقَالُوا : " سُبْحَانك " حَكَاهُ النَّقَّاش قَالَ : وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِط عَلَيْهِمْ إِلَّا الصِّدْق فِي الْإِنْبَاء لَجَازَ لَهُمْ الِاجْتِهَاد كَمَا جَازَ لِلَّذِي أَمَاتَهُ اللَّه مِائَة عَام حِين قَالَ لَهُ : " كَمْ لَبِثْت " فَلَمْ يَشْتَرِط عَلَيْهِ الْإِصَابَة , فَقَالَ وَلَمْ يُصِبْ وَلَمْ يُعَنَّف , وَهَذَا بَيِّن لَا خَفَاء فِيهِ . وَحَكَى الطَّبَرِيّ وَأَبُو عُبَيْد : أَنَّ بَعْض الْمُفَسِّرِينَ قَالَ إِنَّ مَعْنَى " إِنْ كُنْتُمْ " : إِذْ كُنْتُمْ , وَقَالَا : هَذَا خَطَأ . وَ " أَنْبِئُونِي " مَعْنَاهُ أَخْبِرُونِي . وَالنَّبَأ : الْخَبَر , وَمِنْهُ النَّبِيء بِالْهَمْزِ , وَسَيَأْتِي بَيَانه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : يَخْرُج مِنْ هَذَا الْأَمْر بِالْإِنْبَاءِ تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ . وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَهْل التَّأْوِيل : لَيْسَ هَذَا عَلَى جِهَة التَّكْلِيف , وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى جِهَة التَّقْرِير وَالتَّوْقِيف . وَسَيَأْتِي الْقَوْل فِي تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق - هَلْ وَقَعَ التَّكْلِيف بِهِ أَمْ لَا - فِي آخِر السُّورَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • فن التخطيط وأثره في حياة الداعية

    إن المتابع للأعمال الدعوية القائمة يلاحظ ضعف التخطيط في العمل الدعوي مما أسهم في إضاعة الكثير من جهود الدعاة وإضعاف ثمار أعمالهم الدعوية، وجعل كثيرًا من البرامج تنفذ لمجرد التنفيذ فقط، ولا ريب أن من أهم السمات المطلوبة في الداعية إلي الله هي البصيرة بمفهومها الواسع. فكان لازمًا على كل داعية أن يتبصر في سيرته - صلى الله عليه وسلم - من أجل معرفة التخطيط الذي انتهجه فكان نموذجًا يحتذي فتخطيطه - صلى الله عليه وسلم - للدعوة إلي الله على مرحلتين: مكية، ومدنية.

    الناشر: موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/380520

    التحميل:

  • طريق الإيمان

    طريق الإيمان: إن الواجب على كل عبدٍ أن يعرف الهدف من خلق الله - سبحانه وتعالى - له ولغيره من خلق الله، وهو: العبادة، ويعمل بكل ما آتاه الله من نعمٍ في تقوية الإيمان وتثبيته والحرص على زيادته بالأعمال الصالحة التي تنبني على علمٍ صحيحٍ مُستقًى من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -. وهذه الرسالة المختصرة تتناول هذا الموضوع بشيءٍ من التفصيل.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/339043

    التحميل:

  • شرح العقيدة الطحاوية

    العقيدة الطحاوية : متن مختصر صنفه العالم المحدِّث: أبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي، المتوفى سنة 321هـ، وهي عقيدةٌ موافقة في جُلِّ مباحثها لما يعتقده أهل الحديث والأثر، أهل السنة والجماعة، وقد ذَكَرَ عددٌ من أهل العلم أنَّ أتْبَاعَ أئمة المذاهب الأربعة ارتضوها؛ وذلك لأنها اشتملت على أصول الاعتقاد المُتَّفَقِ عليه بين أهل العلم، وذلك في الإجمال لأنَّ ثَمَّ مواضع اُنتُقِدَت عليه، وقد تناولها عدد كبير من أهل العلم بالتوضيح والبيان، ومن هؤلاء العلامة ابن أبي العز الحنفي - رحمه الله - وقد أثنى على هذا الشرح عدد كبير من أهل العلم.

    المدقق/المراجع: أحمد محمد شاكر

    الناشر: الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء بالرياض http://www.alifta.com - موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/75916

    التحميل:

  • عالم النبات

    عالم النبات : يحتوي هذا الكتاب على بحثين: الأول: إختلاط الماء بالأرض الهامدة: د. قطب عامر فرغلي. ثانياً: نبات المحاصيل: د. السيد محمد زيدان.

    الناشر: الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة http://www.eajaz.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/193675

    التحميل:

  • المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية

    المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية : قد بلغ مجموع المسائل الذي ضمها هذا المستدرك أكثر من ألفي مسألة، منها نحو المائتين لها أصل في المجموع الأول لكنها تختلف عن أصولها: بزيادة أو إيضاح، أو تعقب، أو جمع لبعض المسائل المتشابهة أو تعريفات. هذا وقد ضمنت هذا المستدرك مقتطفات تدل على فضل الشيخ وكرم أخلاقه، رحمه الله رحمة واسعة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/144994

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة