Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 284

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
لِّلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284) (البقرة) mp3
أَيْ بِالْإِيجَادِ وَالِاخْتِرَاع , وَالْمُلْك وَالسُّلْطَان , وَنُفُوذ الْأَمْر وَالْإِرَادَة . و " مَا " رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَر فِي الْمَجْرُور , أَيْ كُلّ ذَلِكَ لَهُ مِلْك بِالْإِيجَادِ وَالِاخْتِرَاع .


اِخْتَلَفَ النَّاس فِي مَعْنَى قَوْله تَعَالَى : " وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه " عَلَى أَقْوَال خَمْسَة :

[ الْأَوَّل ] إِنَّهَا مَنْسُوخَة , قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود وَعَائِشَة وَأَبُو هُرَيْرَة وَالشَّعْبِيّ وَعَطَاء وَمُحَمَّد بْن سِيرِينَ وَمُحَمَّد بْن كَعْب وَمُوسَى بْن عُبَيْدَة وَجَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ , وَأَنَّهُ بَقِيَ هَذَا التَّكْلِيف حَوْلًا حَتَّى أَنْزَلَ اللَّه الْفَرَج بِقَوْلِهِ : " لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إِلَّا وُسْعهَا " [ الْبَقَرَة : 286 ] . وَهُوَ قَوْل اِبْن مَسْعُود وَعَائِشَة وَعَطَاء وَمُحَمَّد بْن سِيرِينَ وَمُحَمَّد بْن كَعْب وَغَيْرهمْ وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ " وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه " قَالَ : دَخَلَ قُلُوبهمْ مِنْهَا شَيْء لَمْ يَدْخُل قُلُوبهمْ مِنْ شَيْء , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( قُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَسَلَّمْنَا ) قَالَ : فَأَلْقَى اللَّه الْإِيمَان فِي قُلُوبهمْ فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : " لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إِلَّا وُسْعهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اِكْتَسَبَتْ رَبّنَا لَا تُؤَاخِذنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا قَالَ : ( قَدْ فَعَلْت ) رَبّنَا وَلَا تَحْمِل عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْته عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلنَا قَالَ : ( قَدْ فَعَلْت ) " رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلنَا مَا لَا طَاقَة لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْم الْكَافِرِينَ " [ الْبَقَرَة : 286 ] قَالَ : ( قَدْ فَعَلْت ) : فِي رِوَايَة فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ نَسَخَهَا اللَّه ثُمَّ أَنْزَلَ تَعَالَى : " لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إِلَّا وُسْعهَا " وَسَيَأْتِي .

[ الثَّانِي ] قَالَ اِبْن عَبَّاس وَعِكْرِمَة وَالشَّعْبِيّ وَمُجَاهِد : إِنَّهَا مُحْكَمَة مَخْصُوصَة , وَهِيَ فِي مَعْنَى الشَّهَادَة الَّتِي نَهَى عَنْ كَتْمهَا , ثُمَّ أَعْلَمَ فِي هَذِهِ الْآيَة أَنَّ الْكَاتِم لَهَا الْمُخْفِي مَا فِي نَفْسه مُحَاسَب .

[ الثَّالِث ] أَنَّ الْآيَة فِيمَا يَطْرَأ عَلَى النُّفُوس مِنْ الشَّكّ وَالْيَقِين , وَقَالَهُ مُجَاهِد أَيْضًا .

[ الرَّابِع ] أَنَّهَا مُحْكَمَة عَامَّة غَيْر مَنْسُوخَة , وَاَللَّه مُحَاسِب خَلْقه عَلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَل وَعَلَى مَا لَمْ يَعْمَلُوهُ مِمَّا ثَبَتَ فِي نُفُوسهمْ وَأَضْمَرُوهُ وَنَوَوْهُ وَأَرَادُوهُ , فَيَغْفِر لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَأْخُذ بِهِ أَهْل الْكُفْر وَالنِّفَاق , ذَكَرَهُ الطَّبَرِيّ عَنْ قَوْم , وَأُدْخِلَ عَنْ اِبْن عَبَّاس مَا يُشْبِه هَذَا . رُوِيَ عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : لَمْ تُنْسَخ , وَلَكِنْ إِذَا جَمَعَ اللَّه الْخَلَائِق يَقُول : ( إِنِّي أُخْبِركُمْ بِمَا أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسكُمْ ) فَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَيُخْبِرهُمْ ثُمَّ يَغْفِر لَهُمْ , وَأَمَّا أَهْل الشَّكّ وَالرَّيْب فَيُخْبِرهُمْ بِمَا أَخْفَوْهُ مِنْ التَّكْذِيب , فَذَلِكَ قَوْله : " يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه فَيَغْفِر لِمَنْ يَشَاء وَيُعَذِّب مَنْ يَشَاء " [ الْبَقَرَة : 284 ] وَهُوَ قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : " وَلَكِنْ يُؤَاخِذكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبكُمْ " [ الْبَقَرَة : 225 ] مِنْ الشَّكّ وَالنِّفَاق . وَقَالَ الضَّحَّاك : يُعْلِمهُ اللَّه يَوْم الْقِيَامَة بِمَا كَانَ يُسِرّهُ لِيُعْلِم أَنَّهُ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ . وَفِي الْخَبَر : ( إِنَّ اللَّه تَعَالَى يَقُول يَوْم الْقِيَامَة هَذَا يَوْم تُبْلَى فِيهِ السَّرَائِر وَتُخْرَج الضَّمَائِر وَأَنَّ كُتَّابِي لَمْ يَكْتُبُوا إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْ أَعْمَالكُمْ وَأَنَا الْمُطَّلِع عَلَى مَا لَمْ يَطَّلِعُوا عَلَيْهِ وَلَمْ يُخْبَرُوهُ وَلَا كَتَبُوهُ فَأَنَا أُخْبِركُمْ بِذَلِكَ وَأُحَاسِبكُمْ عَلَيْهِ فَأَغْفِر لِمَنْ أَشَاء وَأُعَذِّب مَنْ أَشَاء ) فَيَغْفِر لِلْمُؤْمِنِينَ وَيُعَذِّب الْكَافِرِينَ , وَهَذَا أَصَحّ مَا فِي الْبَاب , يَدُلّ عَلَيْهِ حَدِيث النَّجْوَى عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه , لَا يُقَال : فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( إِنَّ اللَّه تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ ) . فَإِنَّا نَقُول : ذَلِكَ مَحْمُول عَلَى أَحْكَام الدُّنْيَا , مِثْل الطَّلَاق وَالْعَتَاق وَالْبَيْع الَّتِي لَا يَلْزَمهُ حُكْمهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّم بِهِ , وَاَلَّذِي ذُكِرَ فِي الْآيَة فِيمَا يُؤَاخَذ الْعَبْد بِهِ بَيْنه وَبَيْن اللَّه تَعَالَى فِي الْآخِرَة . وَقَالَ الْحَسَن : الْآيَة مُحْكَمَة لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ . قَالَ الطَّبَرِيّ : وَقَالَ آخَرُونَ نَحْو هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذُكِرَ عَنْ اِبْن عَبَّاس , إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا : إِنَّ الْعَذَاب الَّذِي يَكُون جَزَاء لِمَا خَطَرَ فِي النُّفُوس وَصَحِبَهُ الْفِكْر إِنَّمَا هُوَ بِمَصَائِب الدُّنْيَا وَآلَامهَا وَسَائِر مَكَارِههَا . ثُمَّ أُسْنِدَ عَنْ عَائِشَة نَحْو هَذَا الْمَعْنَى , وَهُوَ [ الْقَوْل الْخَامِس ] : وَرَجَّحَ الطَّبَرِيّ أَنَّ الْآيَة مُحْكَمَة غَيْر مَنْسُوخَة : قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب , وَذَلِكَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى : " وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ " مَعْنَاهُ مِمَّا هُوَ فِي وُسْعكُمْ وَتَحْت كَسْبكُمْ , وَذَلِكَ اِسْتِصْحَاب الْمُعْتَقَد وَالْفِكْر , فَلَمَّا كَانَ اللَّفْظ مِمَّا يُمْكِن أَنْ تَدْخُل فِيهِ الْخَوَاطِر أَشْفَقَ الصَّحَابَة وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَبَيَّنَ اللَّه لَهُمْ مَا أَرَادَ بِالْآيَةِ الْأُخْرَى , وَخَصَّصَهَا وَنَصَّ عَلَى حُكْمه أَنَّهُ لَا يُكَلِّف نَفْسًا إِلَّا وُسْعهَا , وَالْخَوَاطِر لَيْسَتْ هِيَ وَلَا دَفْعهَا فِي الْوُسْع , بَلْ هِيَ أَمْر غَالِب وَلَيْسَتْ مِمَّا يُكْتَسَب , فَكَانَ فِي هَذَا الْبَيَان فَرَجهمْ وَكَشْف كُرَبهمْ , وَبَاقِي الْآيَة مُحْكَمَة لَا نَسْخ فِيهَا : وَمِمَّا يَدْفَع أَمْر النَّسْخ أَنَّ الْآيَة خَبَر وَالْأَخْبَار لَا يَدْخُلهَا النَّسْخ , فَإِنْ ذَهَبَ ذَاهِب إِلَى تَقْدِير النَّسْخ فَإِنَّمَا يَتَرَتَّب لَهُ فِي الْحُكْم الَّذِي لَحِقَ الصَّحَابَة حِين فَزِعُوا مِنْ الْآيَة , وَذَلِكَ أَنَّ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لَهُمْ : ( قُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ) يَجِيء مِنْهُ الْأَمْر بِأَنْ يَثْبُتُوا عَلَى هَذَا وَيَلْتَزِمُوهُ وَيَنْتَظِرُوا لُطْف اللَّه فِي الْغُفْرَان . فَإِذَا قُرِّرَ هَذَا الْحُكْم فَصَحِيح وُقُوع النَّسْخ فِيهِ , وَتُشْبِه الْآيَة حِينَئِذٍ قَوْله تَعَالَى : " إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ " [ الْأَنْفَال : 65 ] فَهَذَا لَفْظه الْخَبَر وَلَكِنْ مَعْنَاهُ اِلْتَزِمُوا هَذَا وَاثْبُتُوا عَلَيْهِ وَاصْبِرُوا بِحَسْبِهِ , ثُمَّ نُسِخَ بَعْد ذَلِكَ . وَأَجْمَعَ النَّاس فِيمَا عَلِمْت عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَة فِي الْجِهَاد مَنْسُوخَة بِصَبْرِ الْمِائَة لِلْمِائَتَيْنِ . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذِهِ الْآيَة فِي " الْبَقَرَة " أَشْبَه شَيْء بِهَا . وَقِيلَ : فِي الْكَلَام إِضْمَار وَتَقْيِيد , تَقْدِيره يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه إِنْ شَاءَ , وَعَلَى هَذَا فَلَا نَسْخ . وَقَالَ النَّحَّاس : وَمِنْ أَحْسَن مَا قِيلَ فِي الْآيَة وَأَشْبَه بِالظَّاهِرِ قَوْل اِبْن عَبَّاس : إِنَّهَا عَامَّة , ثُمَّ أُدْخِلَ حَدِيث اِبْن عُمَر فِي النَّجْوَى , أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم وَغَيْرهمَا , وَاللَّفْظ لِمُسْلِمٍ قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول ( يُدْنَى الْمُؤْمِن يَوْم الْقِيَامَة مِنْ رَبّه جَلَّ وَعَزَّ حَتَّى يَضَع عَلَيْهِ كَنَفه فَيُقْرِرْهُ بِذُنُوبِهِ فَيَقُول هَلْ تَعْرِف فَيَقُول أَيْ رَبّ أَعْرِف قَالَ فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتهَا عَلَيْك فِي الدُّنْيَا وَإِنِّي أَغْفِرهَا لَك الْيَوْم فَيُعْطَى صَحِيفَة حَسَنَاته وَأَمَّا الْكُفَّار وَالْمُنَافِقُونَ فَيُنَادَى بِهِمْ عَلَى رُءُوس الْخَلَائِق هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّه ) . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ الْكَافِرِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ , أَيْ وَإِنْ تُعْلِنُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنْ وِلَايَة الْكُفَّار أَوْ تُسِرُّوهَا يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه , قَالَهُ الْوَاقِدِيّ وَمُقَاتِل . وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي ( آل عِمْرَان ) " قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُوركُمْ أَوْ تُبْدُوهُ " مِنْ وِلَايَة الْكُفَّار " يَعْلَمهُ اللَّه " [ آل عِمْرَان : 29 ] يَدُلّ عَلَيْهِ مَا قَبْله مِنْ قَوْله : " لَا يَتَّخِذ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِنْ دُون الْمُؤْمِنِينَ " [ آل عِمْرَان : 28 ] .

قُلْت : وَهَذَا فِيهِ بُعْد , لِأَنَّ سِيَاق الْآيَة لَا يَقْتَضِيه , وَإِنَّمَا ذَلِكَ بَيِّن فِي " آل عِمْرَان " وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَدْ قَالَ سُفْيَان بْن عُيَيْنَة : بَلَغَنِي أَنَّ الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِمْ السَّلَام كَانُوا يَأْتُونَ قَوْمهمْ بِهَذِهِ الْآيَة " لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه " .


قَرَأَ اِبْن كَثِير وَنَافِع وَأَبُو عَمْرو وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ " فَيَغْفِرْ وَيُعَذِّبْ " بِالْجَزْمِ عَطْف عَلَى الْجَوَاب . وَقَرَأَ اِبْن عَامِر وَعَاصِم بِالرَّفْعِ , فِيهِمَا عَلَى الْقَطْع , أَيْ فَهُوَ يَغْفِر وَيُعَذِّب . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَالْأَعْرَج وَأَبِي الْعَالِيَة وَعَاصِم الْجَحْدَرِيّ بِالنَّصْبِ فِيهِمَا عَلَى إِضْمَار " أَنْ " . وَحَقِيقَته أَنَّهُ عَطْف عَلَى الْمَعْنَى , كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى : " فَيُضَاعِفهُ لَهُ " وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَالْعَطْف عَلَى اللَّفْظ أَجْوَد لِلْمُشَاكَلَةِ , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : وَمَتَى مَا يَعِ مِنْك كَلَامًا يَتَكَلَّم فَيُجِبْك بِعَقْلِ قَالَ النَّحَّاس : وَرُوِيَ عَنْ طَلْحَة بْن مُصَرِّف " يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه يَغْفِر " بِغَيْرِ فَاء عَلَى الْبَدَل . اِبْن عَطِيَّة : وَبِهَا قَرَأَ الْجُعْفِيّ وَخَلَّاد . وَرُوِيَ أَنَّهَا كَذَلِكَ فِي مُصْحَف اِبْن مَسْعُود . قَالَ اِبْن جِنِّي : هِيَ عَلَى الْبَدَل مِنْ " يُحَاسِبكُمْ " وَهِيَ تَفْسِير الْمُحَاسَبَة , وَهَذَا كَقَوْلِ الشَّاعِر : رُوَيْدًا بَنِي شَيْبَان بَعْض وَعِيدكُمْ تُلَاقُوا غَدًا خَيْلِي عَلَى سَفَوَان تُلَاقُوا جِيَادًا لَا تَحِيد عَنْ الْوَغَى إِذَا مَا غَدَتْ فِي الْمَأْزِق الْمُتَدَانِي فَهَذَا عَلَى الْبَدَل . وَكَرَّرَ الشَّاعِر الْفِعْل ; لِأَنَّ الْفَائِدَة فِيمَا يَلِيه مِنْ الْقَوْل . قَالَ النَّحَّاس : وَأَجْوَد مِنْ الْجَزْم لَوْ كَانَ بِلَا فَاء الرَّفْع , يَكُون فِي مَوْضِع الْحَال , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُو إِلَى ضَوْء نَاره تَجِد خَيْر نَار عِنْدهَا خَيْر مُوقِد



عُمُوم وَمَعْنَاهُ عِنْد الْمُتَكَلِّمِينَ فِيمَا يَجُوز وَصْفه تَعَالَى بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ . وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّة عَلَى تَسْمِيَة اللَّه تَعَالَى بِالْقَدِيرِ , فَهُوَ سُبْحَانه قَدِير قَادِر مُقْتَدِر . وَالْقَدِير أَبْلَغ فِي الْوَصْف مِنْ الْقَادِر , قَالَ الزَّجَّاجِيّ . وَقَالَ الْهَرَوِيّ : وَالْقَدِير وَالْقَادِر بِمَعْنًى وَاحِد , يُقَال : قَدَرْت عَلَى الشَّيْء أَقْدِر قَدْرًا وَقَدَرًا وَمَقْدِرَة وَمَقْدُرَة وَقُدْرَانًا , أَيْ قُدْرَة وَالِاقْتِدَار عَلَى الشَّيْء الْقُدْرَة عَلَيْهِ فَاَللَّه جَلَّ وَعَزَّ قَادِر مُقْتَدِر قَدِير عَلَى كُلّ مُمْكِن يَقْبَل الْوُجُود وَالْعَدَم . فَيَجِب عَلَى كُلّ مُكَلَّف أَنْ يَعْلَم أَنَّ اللَّه تَعَالَى قَادِر , لَهُ قُدْرَة بِهَا فَعَلَ وَيَفْعَل مَا يَشَاء عَلَى وَفْق عِلْمه وَاخْتِيَاره وَيَجِب عَلَيْهِ أَيْضًا أَنْ يَعْلَم أَنَّ لِلْعَبْدِ قُدْرَة يَكْتَسِب بِهَا مَا أَقْدَرَهُ اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ عَلَى مَجْرَى الْعَادَة , وَأَنَّهُ غَيْر مُسْتَبِدّ بِقُدْرَتِهِ
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • التجويد الميسر

    التجويد الميسر : هذا الكتاب عبارة عن تبسيط لقواعد التجويد والقراءة دون إخلال أو تقصير؛ بحيث يتسنى لكل مسلم تناولها وتعلمها دون حاجة إلى عناء أو مشقة في فهمها أو تطبيقها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/253178

    التحميل:

  • التبيان في سجدات القرآن

    التبيان في سجدات القرآن : هذا الكتاب يجمع ما تفرق من كلام العلماء وطرائفهم وفوائدهم حول سجدات القرآن وما يتبعها من أحكام.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/233601

    التحميل:

  • هل افتدانا المسيح على الصليب؟

    هل افتدانا المسيح على الصليب؟ : في هذه الرسالة نطرح سؤالين هامين، أحدهما تاريخي، والآخر عقدي، أولهما: هل صلب المسيح - عليه السلام - كما تذكر الأناجيل، وكما تجمع الفرق النصرانية المعاصرة؟ والسؤال الثاني، وهو متعلق بالسؤال الأول، ونطرحه جدلاً - إن قلنا بصلب المسيح - : فهل كان صلبه فداء لنا وللبشرية؟ وتثور تبعاً لهذا السؤال أسئلة كثيرة: مم الخلاص؟ من دينونة جهنم أم من نكد الدنيا وعثراتها؟ وهل الخلاص متعلق بذنب أبوينا - آدم وحواء -فقط أم يسري إلى كافة ذنوبنا وخطايانا؟ وهل الخلاص مشروط أم أنه منحة محبة من الله ومسيحه، وهي أعظم من أن يطلب لها مقابل؟ ثم هل الخلاص لليهود الذين اختص المسيح بهم في رسالته أم يمتد ليشمل الجنس البشري الذي ولد مسربلاً بالخطيئة؟ هذه الأسئلة وغيرها نجيب عنها في حلقتنا الرابعة من سلسلة الهدى والنور، ونجملها في سؤال يلُم شعثها: هل افتدانا المسيح على الصليب؟ نجيب عنه بموضوعية ومنهجية علمية، نقلب صفحات الأسفار المقدسة عند النصارى، ونحتكم وإياهم إلى العقل المجرد والفطرة السوية، مستشهدين بدلالة التاريخ وحكمة عقلائه من النصارى.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/228826

    التحميل:

  • تبريد حرارة المصيبة عند موت الأحباب وفقد ثمرات الأفئدة وفلذات الأكباد في ضوء الكتاب والسنة

    تبريد حرارة المصيبة عند موت الأحباب وفقد ثمرات الأفئدة وفلذات الأكباد في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنِّف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في: «تبريد حرارة المصيبة عند موت الأحباب وفقد ثمرات الأفئدة وفلذات الأكباد» كتبتُ أصلها في يوم 21 - 7 - 1417 هـ عندما فقدَ بعض الإخوة الأحباب بعض أولاده، .. وقد جمعتُ فيها بعض الآيات والأحاديث وأرسلتها إليه؛ لتبرِّد حرّ مصيبته ويحتسب ويصبر، ثم كنت بعد ذلك أرسلها إلى كل من بلغني أنه مات له أحد من أولاده في مناسبات عديدة - ولله الحمد -، ثم تكرَّرت المناسبات العِظام في الابتلاء والمحن، والمصائب الجسيمة، لكثير من الأحباب - جَبَرَ الله مصيبة كل مسلم مصاب -، فرأيتُ أن أضيف إليها بعض الآيات والأحاديث؛ ليبرِّد بها كل مسلم مصاب حرارة مصيبته، وخاصة من أصيب بثمرات الأفئدة وفلذات الأكباد».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1940

    التحميل:

  • الموسوعة الفقهية الكويتية

    الموسوعة الفقهية الكويتية: من أكبر الموسوعات الفقهية التي تعرض وتقارن جميع أقوال العلماء في الباب الفقهي الواحد.

    الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت http://islam.gov.kw/cms

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/191979

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة