Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 27

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27) (البقرة) mp3
" الَّذِينَ " فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى النَّعْت لِلْفَاسِقِينَ , وَإِنْ شِئْت جَعَلْته فِي مَوْضِع رَفْع عَلَى أَنَّهُ خَبَر اِبْتِدَاء مَحْذُوف , أَيْ هُمْ الَّذِينَ . وَقَدْ تَقَدَّمَ .

النَّقْض : إِفْسَاد مَا أَبْرَمْته مِنْ بِنَاء أَوْ حَبْل أَوْ عَهْد . وَالنُّقَاضَة . مَا نُقِضَ مِنْ حَبْل الشَّعْر . وَالْمُنَاقَضَة فِي الْقَوْل : أَنْ تَتَكَلَّم بِمَا تَنَاقَضَ مَعْنَاهُ . وَالنَّقِيضَة فِي الشِّعْر : مَا يُنْقَض بِهِ . وَالنِّقْض : الْمَنْقُوض . وَاخْتَلَفَ النَّاس فِي تَعْيِين هَذَا الْعَهْد , فَقِيلَ : هُوَ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّه عَلَى بَنِي آدَم حِين اِسْتَخْرَجَهُمْ مِنْ ظَهْره . وَقِيلَ : هُوَ وَصِيَّة اللَّه تَعَالَى إِلَى خَلْقه , وَأَمْره إِيَّاهُمْ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ طَاعَته , وَنَهْيه إِيَّاهُمْ عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ مِنْ مَعْصِيَته فِي كُتُبه عَلَى أَلْسِنَة رُسُله , وَنَقْضُهُمْ ذَلِكَ تَرْكُ الْعَمَل بِهِ . وَقِيلَ : بَلْ نَصْب الْأَدِلَّة عَلَى وَحْدَانِيّته بِالسَّمَوَاتِ وَالْأَرْض وَسَائِر الصَّنْعَة هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْعَهْد , وَنَقْضهمْ تَرْك النَّظَر فِي ذَلِكَ . وَقِيلَ : هُوَ مَا عَهِدَهُ إِلَى مَنْ أُوتِيَ الْكِتَاب أَنْ يُبَيِّنُوا نُبُوَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَكْتُمُوا أَمْره . فَالْآيَة عَلَى هَذَا فِي أَهْل الْكِتَاب . قَالَ أَبُو إِسْحَاق الزَّجَّاج : عَهْده جَلَّ وَعَزَّ مَا أَخَذَهُ عَلَى النَّبِيِّينَ وَمَنْ اِتَّبَعَهُمْ أَلَّا يَكْفُرُوا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَدَلِيل ذَلِكَ : " وَإِذْ أَخَذَ اللَّه مِيثَاق النَّبِيِّينَ " [ آل عِمْرَان : 81 ] إِلَى قَوْله تَعَالَى : " وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي " [ آل عِمْرَان : 81 ] أَيْ عَهْدِي . قُلْت : وَظَاهِر مَا قَبْل وَمَا بَعْد يَدُلّ عَلَى أَنَّهَا فِي الْكُفَّار . فَهَذِهِ خَمْسَة أَقْوَال , وَالْقَوْل الثَّانِي يَجْمَعهَا .

الْمِيثَاق : الْعَهْد الْمُؤَكَّد بِالْيَمِينِ , مِفْعَال مِنْ الْوَثَاقَة وَالْمُعَاهَدَة , وَهِيَ الشِّدَّة فِي الْعَقْد وَالرَّبْط وَنَحْوه . وَالْجَمْع الْمَوَاثِيق عَلَى الْأَصْل ; لِأَنَّ أَصْل مِيثَاق مِوْثَاق , صَارَتْ الْوَاو يَاء لِانْكِسَارِ مَا قَبْلهَا - وَالْمَيَاثِق وَالْمَيَاثِيق أَيْضًا , وَأَنْشَدَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : حِمًى لَا يُحَلّ الدَّهْر إِلَّا بِإِذْنِنَا وَلَا نَسْأَل الْأَقْوَام عَهْد الْمَيَاثِق وَالْمَوْثِق : الْمِيثَاق . وَالْمُوَاثَقَة : الْمُعَاهَدَة , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " وَمِيثَاقه الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ " .

الْقَطْع مَعْرُوف , وَالْمَصْدَر - فِي الرَّحِم - الْقَطِيعَة , يُقَال : قَطَعَ رَحِمَهُ قَطِيعَة فَهُوَ رَجُل قُطَع وَقُطَعَة , مِثَال هُمَزَة . وَقَطَعْت الْحَبْل قَطْعًا . وَقَطَعْت النَّهْر قُطُوعًا . وَقَطَعَتْ الطَّيْر قُطُوعًا وَقُطَاعًا وَقِطَاعًا إِذَا خَرَجَتْ مِنْ بَلَد إِلَى بَلَد . وَأَصَابَ النَّاس قُطْعَة : إِذَا قُلْت مِيَاههمْ . وَرَجُل بِهِ قُطْع : أَيْ اِنْبِهَار .

" مَا " فِي مَوْضِع نَصْب بِـ " يَقْطَعُونَ " . وَ " أَنْ " إِنْ شِئْت كَانَتْ بَدَلًا مِنْ " مَا " وَإِنْ شِئْت مِنْ الْهَاء فِي " بِهِ " وَهُوَ أَحْسَن . وَيَجُوز أَنْ يَكُون لِئَلَّا يُوصَل , أَيْ كَرَاهَة أَنْ يُوصَل . وَاخْتُلِفَ مَا الشَّيْء الَّذِي أَمَرَ بِوَصْلِهِ ؟ فَقِيلَ : صِلَة الْأَرْحَام . وَقِيلَ : أَمَرَ أَنْ يُوصَل الْقَوْل بِالْعَمَلِ , فَقَطَعُوا بَيْنهمَا بِأَنْ قَالُوا وَلَمْ يَعْمَلُوا . وَقِيلَ : أَمَرَ أَنْ يُوصَل التَّصْدِيق بِجَمِيعِ أَنْبِيَائِهِ , فَقَطَعُوهُ بِتَصْدِيقِ بَعْضهمْ وَتَكْذِيب بَعْضهمْ . وَقِيلَ : الْإِشَارَة إِلَى دِين اللَّه وَعِبَادَته فِي الْأَرْض , وَإِقَامَة شَرَائِعه وَحِفْظ حُدُوده . فَهِيَ عَامَّة فِي كُلّ مَا أَمَرَ اللَّه تَعَالَى بِهِ أَنْ يُوصَل . هَذَا قَوْل الْجُمْهُور , وَالرَّحِم جُزْء مِنْ هَذَا .

أَيْ يَعْبُدُونَ غَيْر اللَّه تَعَالَى وَيَجُورُونَ فِي الْأَفْعَال ; إِذْ هِيَ بِحَسَبِ شَهَوَاتهمْ , وَهَذَا غَايَة الْفَسَاد .

اِبْتِدَاء وَخَبَر . وَ " هُمْ " زَائِدَة , وَيَجُوز أَنْ تَكُون " هُمْ " اِبْتِدَاء ثَانٍ , " الْخَاسِرُونَ " خَبَره , وَالثَّانِي وَخَبَره خَبَر الْأَوَّل كَمَا تَقَدَّمَ . وَالْخَاسِر : الَّذِي نَقَصَ نَفْسه حَظّهَا مِنْ الْفَلَاح وَالْفَوْز . وَالْخُسْرَان : النُّقْصَان , كَانَ فِي مِيزَان أَوْ غَيْره , قَالَ جَرِير : إِنَّ سَلِيطًا فِي الْخَسَار إِنَّهُ أَوْلَاد قَوْم خُلِقُوا أَقِنّهْ يَعْنِي بِالْخَسَارِ مَا يَنْقُص مِنْ حُظُوظهمْ وَشَرَفهمْ . قَالَ الْجَوْهَرِيّ : وَخَسَرْت الشَّيْء ( بِالْفَتْحِ ) وَأَخْسَرْته نَقَصْتهُ . وَالْخَسَار وَالْخَسَارَة وَالْخَيْسَرَى : الضَّلَال وَالْهَلَاك . فَقِيلَ لِلْهَالِكِ : خَاسِر ; لِأَنَّهُ خَسِرَ نَفْسه وَأَهْله يَوْم الْقِيَامَة وَمُنِعَ مَنْزِله مِنْ الْجَنَّة . فِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى أَنَّ الْوَفَاء بِالْعَهْدِ وَالْتِزَامه وَكُلّ عَهْد جَائِز أَلْزَمَهُ الْمَرْء نَفْسه فَلَا يَحِلّ لَهُ نَقْضه سَوَاء أَكَانَ بَيْن مُسْلِم أَمْ غَيْره , لِذَمِّ اللَّه تَعَالَى مَنْ نَقَضَ عَهْدَهُ . وَقَدْ قَالَ : " أَوْفُوا بِالْعُقُودِ " [ الْمَائِدَة : 1 ] وَقَدْ قَالَ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَام : " وَإِمَّا تَخَافَن مِنْ قَوْم خِيَانَة فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء " [ الْأَنْفَال : 58 ] فَنَهَاهُ عَنْ الْغَدْر وَذَلِكَ لَا يَكُون إِلَّا بِنَقْضِ الْعَهْد عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي مَوْضِعه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • التحفة السنية بشرح المقدمة الآجرومية

    التحفة السنية بشرح المقدمة الآجرومية: شرح واضح العبارة كثير الأسئلة والتمرينات، قصد به تيسير فهم المقدمة الآجرومية على صغار الطلبة، فهو منهج تعليمي للمبتدئين في علم النحو وقواعد العربية.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/334271

    التحميل:

  • شرح العقيدة الطحاوية [ صالح آل الشيخ ]

    العقيدة الطحاوية : متن مختصر صنفه العالم المحدِّث: أبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي، المتوفى سنة 321هـ، وهي عقيدةٌ موافقة في جُلِّ مباحثها لما يعتقده أهل الحديث والأثر، أهل السنة والجماعة، وقد ذَكَرَ عددٌ من أهل العلم أنَّ أتْبَاعَ أئمة المذاهب الأربعة ارتضوها؛ وذلك لأنها اشتملت على أصول الاعتقاد المُتَّفَقِ عليه بين أهل العلم، وذلك في الإجمال لأنَّ ثَمَّ مواضع اُنتُقِدَت عليه، وفي هذه الصفحة شرح ألقاه الشيخ صالح آل الشيخ - أثابه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/322221

    التحميل:

  • مسألة خلق القرآن وموقف علماء القيروان منها

    مسألة خلق القرآن وموقف علماء القيروان منها: هذه الرسالة كشف فيها المؤلف - حفظه الله - عن جهود علماء القيروان - رحمهم الله تعالى - في الذَّود عن مذهب مالك ونشره ليس في الفقه فحسب؛ بل في العقيدة أيضًا، وأنهم بذلوا جهدهم - بل وحياتهم - لذلك، ثم تبيَّن لي أن استيفاء هذا الموضوع طويل، وأنه يحتاج إلى جهد كبير وعلم واسع لا أملكه، فاقتصر منه على بعضه، وأخذ من مسائل الاعتقاد: مسألة خلق القرآن وموقف علماء القيروان منها، ودورهم في الذب عن عقيدة مالك في ذلك.

    الناشر: مكتبة التوبة للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/364181

    التحميل:

  • رسالتان في فتنة الدجال ويأجوج ومأجوج

    رسالتان في فتنة الدجال ويأجوج ومأجوج : عالج فيها قضية عقدية مهمة، من أشراط الساعة، وعلامات النبوة، عظَّم النبي صلّى الله عليه وسلّم شأنها، وحذَّر أمته من خطرها، ألا وهي «فتنة المسيح الدجال». - تحقيق وتعليق : الشيخ أحمد بن عبد الرحمن بن عثمان القاضي - أثابه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205543

    التحميل:

  • الاعتصام

    الاعتصام للشاطبي : كتاب الاعتصام دعوة إصلاحية قوامها الرجوع بأمة الإسلام إلى كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وترك ما سواها وما سواها إلا ابتداع مصدره الهوى. وقد تضمن عشرة أبواب؛ جعل الباب الأول منها لتعريف البدع وبيان معانيها ، والثاني خصصه لذمها وتوضيح آثارهاالسيئة ، وجعل الباب الثالث : مكملاً له ، وبين في الباب الرابع طرق استدلال المبتدعة على ما زعموه من صحة بدعهم ، أما الباب الخامس فخصصه لبيان الفرق بين البدع الحقيقية والبدع الاضافية . وفصل في الباب السادس أحكام البدع وفي الباب السابع : تكلم عن البدع من حيث سريانهافي قسمي الشريعة من عبادات ، ومعاملات ، وحدد في الباب الثامن الفرق بين البدع والاجتهاد والذي أصله المصالح المرسلة أو الاستحسان . ثم بين في الباب التاسع : الأسباب التي تجعل أهل البدع خارجين عن صف الأمة . وفي الباب العاشر والأخير أوضح سبيل السنة القويم الذي خرج عنه أهل البدع والأهواء بما ابتدعوه في دينهم من ضلال. وقد ظهر للمحقق أن الكتاب - بجميع طبعاته السابقة - لم يظهر نصه صحيحاً سليماً. ويمتاز هذا التحقيق باعتماده على نسخة جديدة وصفها المحقق بأنها أجود نسخة خطية للكتاب، كما يمتاز بـ (25 ) فهرساً متنوعاً تقع في الجزء الرابع من أجزاء الكتاب الأربعة. - والكتاب نسخة مصورة pdf تم تنزيلها من موقع المحقق الشيخ مشهور حسن سلمان - أثابه الله -.

    المدقق/المراجع: مشهور حسن سلمان

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/280396

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة