Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 264

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ۖ لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264) (البقرة) mp3
" بِالْمَنِّ وَالْأَذَى " قَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ وَعَبَّرَ تَعَالَى عَنْ عَدَم الْقَبُول وَحِرْمَان الثَّوَاب بِالْإِبْطَالِ , وَالْمُرَاد الصَّدَقَة الَّتِي يَمُنّ بِهَا وَيُؤْذِي , لَا غَيْرهَا . وَالْعَقِيدَة أَنَّ السَّيِّئَات لَا تُبْطِل الْحَسَنَات وَلَا تُحْبِطهَا , فَالْمَنّ وَالْأَذَى فِي صَدَقَة لَا يُبْطِل صَدَقَة غَيْرهَا .

قَالَ جُمْهُور الْعُلَمَاء فِي هَذِهِ الْآيَة : إِنَّ الصَّدَقَة الَّتِي يَعْلَم اللَّه مِنْ صَاحِبهَا أَنَّهُ يَمُنّ أَوْ يُؤْذِي بِهَا فَإِنَّهَا لَا تُقْبَل . وَقِيلَ : بَلْ قَدْ جَعَلَ اللَّه لِلْمَلَكِ عَلَيْهَا أَمَارَة فَهُوَ لَا يَكْتُبهَا , وَهَذَا حَسَن . وَالْعَرَب تَقُول لِمَا يُمَنّ بِهِ : يَد سَوْدَاء . وَلِمَا يُعْطَى عَنْ غَيْر مَسْأَلَة : يَد بَيْضَاء . وَلِمَا يُعْطَى عَنْ مَسْأَلَة : يَد خَضْرَاء . وَقَالَ بَعْض الْبُلَغَاء : مَنْ مَنَّ بِمَعْرُوفِهِ سَقَطَ شُكْره , وَمَنْ أُعْجِبَ بِعَمَلِهِ حَبِطَ أَجْره . وَقَالَ بَعْض الشُّعَرَاء : وَصَاحِب سَلَفَتْ مِنْهُ إِلَيَّ يَد أَبْطَأَ عَلَيْهِ مُكَافَاتِي فَعَادَانِي لَمَّا تَيَقَّنَ أَنَّ الدَّهْر حَارَبَنِي أَبْدَى النَّدَامَة فِيمَا كَانَ أَوْلَانِي وَقَالَ آخَر : أَفْسَدْت بِالْمَنِّ مَا أَسْدَيْت مِنْ حَسَن لَيْسَ الْكَرِيم إِذَا أَسْدَى بِمَنَّانِ وَقَالَ أَبُو بَكْر الْوَرَّاق فَأَحْسَنَ : أَحْسَن مِنْ كُلّ حَسَنْ فِي كُلّ وَقْت وَزَمَنْ صَنِيعَة مَرْبُوبَة خَالِيَة مِنْ الْمِنَنْ وَسَمِعَ اِبْن سِيرِينَ رَجُلًا يَقُول لِرَجُلٍ : فَعَلْت إِلَيْك وَفَعَلْت فَقَالَ لَهُ : اُسْكُتْ فَلَا خَيْر فِي الْمَعْرُوف إِذَا أُحْصِيَ . وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( إِيَّاكُمْ وَالِامْتِنَان بِالْمَعْرُوفِ فَإِنَّهُ يُبْطِل الشُّكْر وَيَمْحَق الْأَجْر - ثُمَّ تَلَا - " لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى " ) .

قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِمْ : كَرِهَ مَالِك لِهَذِهِ الْآيَة أَنْ يُعْطِي الرَّجُل صَدَقَته الْوَاجِبَة أَقَارِبه لِئَلَّا يَعْتَاض مِنْهُمْ الْحَمْد وَالثَّنَاء , وَيُظْهِر مِنَّته عَلَيْهِمْ وَيُكَافِئُوهُ عَلَيْهَا فَلَا تَخْلُص لِوَجْهِ اللَّه تَعَالَى . وَاسْتَحَبَّ أَنْ يُعْطِيهَا الْأَجَانِب , وَاسْتَحَبَّ أَيْضًا أَنْ يُوَلِّي غَيْره تَفْرِيقهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ الْإِمَام عَدْلًا , لِئَلَّا تَحْبَط بِالْمَنِّ وَالْأَذَى وَالشُّكْر وَالثَّنَاء وَالْمُكَافَأَة بِالْخِدْمَةِ مِنْ الْمُعْطَى . وَهَذَا بِخِلَافِ صَدَقَة التَّطَوُّع السِّرّ ; لِأَنَّ ثَوَابهَا إِذَا حَبِطَ سَلِمَ مِنْ الْوَعِيد وَصَارَ فِي حُكْم مَنْ لَمْ يَفْعَل , وَالْوَاجِب إِذَا حَبِطَ ثَوَابه تَوَجَّهَ الْوَعِيد عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ فِي حُكْم مَنْ لَمْ يَفْعَل .

الْكَاف فِي مَوْضِع نَصْب , أَيْ إِبْطَال " كَاَلَّذِي " فَهِيَ نَعْت لِلْمَصْدَرِ الْمَحْذُوف . وَيَجُوز أَنْ تَكُون مَوْضِع الْحَال . مَثَّلَ اللَّه تَعَالَى الَّذِي يَمُنّ وَيُؤْذِي بِصَدَقَتِهِ بِاَلَّذِي يُنْفِق مَاله رِئَاء النَّاس لَا لِوَجْهِ اللَّه تَعَالَى , وَبِالْكَافِرِ الَّذِي يُنْفِق لِيُقَالَ جَوَاد وَلِيُثْنَى عَلَيْهِ بِأَنْوَاعِ الثَّنَاء . ثُمَّ مَثَّلَ هَذَا الْمُنْفِق أَيْضًا بِصَفْوَان عَلَيْهِ تُرَاب فَيَظُنّهُ الظَّانّ أَرْضًا مُنْبِتَة طَيِّبَة , فَإِذَا أَصَابَهُ وَابِل مِنْ الْمَطَر أَذْهَبَ عَنْهُ التُّرَاب وَبَقِيَ صَلْدًا , فَكَذَلِكَ هَذَا الْمُرَائِي . فَالْمَنّ وَالْأَذَى وَالرِّيَاء تَكْشِف عَنْ النِّيَّة فِي الْآخِرَة فَتَبْطُل الصَّدَقَة كَمَا يَكْشِف الْوَابِل عَنْ الصَّفْوَان , وَهُوَ الْحَجَر الْكَبِير الْأَمْلَس . وَقِيلَ : الْمُرَاد بِالْآيَةِ إِبْطَال الْفَضْل دُون الثَّوَاب , فَالْقَاصِد بِنَفَقَتِهِ الرِّيَاء غَيْر مُثَاب كَالْكَافِرِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِد بِهِ وَجْه اللَّه تَعَالَى فَيَسْتَحِقّ الثَّوَاب . وَخَالَفَ صَاحِب الْمَنّ وَالْأَذَى الْقَاصِد وَجْه اللَّه الْمُسْتَحِقّ ثَوَابه - وَإِنْ كَرَّرَ عَطَاءَهُ - وَأَبْطَلَ فَضْله . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّمَا يَبْطُل ثَوَاب صَدَقَته مِنْ وَقْت مَنّهُ وَإِيذَائِهِ , وَمَا قَبْل ذَلِكَ يُكْتَب لَهُ وَيُضَاعَف , فَإِذَا مَنَّ وَآذَى اِنْقَطَعَ التَّضْعِيف ; لِأَنَّ الصَّدَقَة تُرْبَى لِصَاحِبِهَا حَتَّى تَكُون أَعْظَم مِنْ الْجَبَل , فَإِذَا خَرَجَتْ مِنْ يَد صَاحِبهَا خَالِصَة عَلَى الْوَجْه الْمَشْرُوع ضُوعِفَتْ , فَإِذَا جَاءَ الْمَنّ بِهَا وَالْأَذَى وُقِفَ بِهَا هُنَاكَ وَانْقَطَعَ زِيَادَة التَّضْعِيف عَنْهَا , وَالْقَوْل الْأَوَّل أَظْهَر وَاَللَّه أَعْلَم . وَالصَّفْوَان جَمْع وَاحِده صَفْوَانَة , قَالَهُ الْأَخْفَش . قَالَ : وَقَالَ بَعْضهمْ : صَفْوَان وَاحِد , مِثْل حَجَر . وَقَالَ الْكِسَائِيّ : صَفْوَان وَاحِد وَجَمْعه صِفْوَان وَصُفِيّ وَصِفِيّ , وَأَنْكَرَهُ الْمُبَرِّد وَقَالَ : إِنَّمَا صُفِيّ جَمْع صَفَا كَقَفَا وَقُفِيّ , وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى الصَّفْوَاء وَالصَّفَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَقَرَأَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَالزُّهْرِيّ " صَفَوَان " بِتَحْرِيكِ الْفَاء , وَهِيَ لُغَة . وَحَكَى قُطْرُب صِفْوَان . قَالَ النَّحَّاس : صَفْوَان وَصَفَوَان يَجُوز أَنْ يَكُون جَمْعًا وَيَجُوز أَنْ يَكُون وَاحِدًا , إِلَّا أَنَّ الْأَوْلَى بِهِ أَنْ يَكُون وَاحِدًا لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : " عَلَيْهِ تُرَاب فَأَصَابَهُ وَابِل " وَإِنْ كَانَ يَجُوز تَذْكِير الْجَمْع إِلَّا أَنَّ الشَّيْء لَا يَخْرُج عَنْ بَابه إِلَّا بِدَلِيلٍ قَاطِع , فَأَمَّا مَا حَكَاهُ الْكِسَائِيّ فِي الْجَمْع فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ عَلَى حَقِيقَة النَّظَر , وَلَكِنْ صِفْوَان جَمْع صَفًا , وَصَفًا بِمَعْنَى صَفْوَان , وَنَظِيره وَرَل وَوِرْلَان وَأَخ وَإِخْوَان وَكَرًا وَكِرْوَان , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : لَنَا يَوْم وَلِلْكِرْوَان يَوْم تَطِير الْبَائِسَات وَلَا نَطِير وَالضَّعِيف فِي الْعَرَبِيَّة كِرْوَان جَمْع كَرَوَان , وَصَفِيّ وَصِفِيّ جَمْع صَفًا مِثْل عَصًا . وَالْوَابِل : الْمَطَر الشَّدِيد . وَقَدْ وَبَلَتْ السَّمَاء تَبِل , وَالْأَرْض مَوْبُولَة . قَالَ الْأَخْفَش : وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " أَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا " [ الْمُزَّمِّل : 16 ] أَيْ شَدِيدًا . وَضَرْب وَبِيل , وَعَذَاب وَبِيل أَيْ شَدِيد . وَالصَّلْد : الْأَمْلَس مِنْ الْحِجَارَة . قَالَ الْكِسَائِيّ : صَلِدَ يَصْلَد صَلَدًا بِتَحْرِيكِ اللَّام فَهُوَ صَلْد بِالْإِسْكَانِ , وَهُوَ كُلّ مَا لَا يُنْبِت شَيْئًا , وَمِنْهُ جَبِين أَصْلَد , وَأَنْشَدَ الْأَصْمَعِيّ لِرُؤْبَة : بَرَّاق أَصْلَاد الْجَبِين الْأَجْلَه قَالَ النَّقَّاش : الْأَصْلَد الْأَجْرَد بِلُغَةِ هُذَيْل .


" لَا يَقْدِرُونَ " يَعْنِي الْمُرَائِي وَالْكَافِر وَالْمَانّ " عَلَى شَيْء " أَيْ عَلَى الِانْتِفَاع بِثَوَابِ شَيْء مِنْ إِنْفَاقهمْ وَهُوَ كَسْبهمْ عِنْد حَاجَتهمْ إِلَيْهِ , إِذَا كَانَ لِغَيْرِ اللَّه فَعَبَّرَ عَنْ النَّفَقَة بِالْكَسْبِ ; لِأَنَّهُمْ قَصَدُوا بِهَا الْكَسْب . وَقِيلَ : ضَرَبَ هَذَا مَثَلًا لِلْمُرَائِي فِي إِبْطَال ثَوَابه وَلِصَاحِبِ الْمَنّ وَالْأَذَى فِي إِبْطَال فَضْله , ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • مختصر العقيدة الإسلامية من الكتاب والسنة الصحيحة

    مختصر العقيدة الإسلامية من الكتاب والسنة الصحيحة : كتيب يحتوي على أسئلة مهمة في العقيدة، أجاب عنها المصنف مع ذكر الدليل من القرآن والسنة؛ ليطمئن القارئ إلى صحة الجواب؛ لأن عقيدة التوحيد هي أساس سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/71245

    التحميل:

  • الهمة العالية معوقاتها ومقوماتها

    الهمة العالية : بيان معوقات الهمة العالية، ومقوماتها.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172591

    التحميل:

  • الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم أسباب قيام الدولة السعودية وبقائها

    في هذه الرسالة ذكر بعض الأدلة من الكتاب والسّنّة على أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعظم شأنهما، وبيان أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم أسباب قيام الدولة السعودية وبقائها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/218411

    التحميل:

  • علم الأجنة في ضوء القرآن والسنة

    علم الأجنة في ضوء القرآن والسنة: هذا الكتاب عبارة عن بحوث أُلقيت في المؤتمر العالمي الأول عن الإعجاز العلمي في القرآن والسنة الذي انعقد في إسلام آباد (1408 هـ - 1987 م)، وتحتوي على: 1- نظرة تاريخية في علم الأجنة. 2- وصف التخلُّق البشري - مرحلة النطفة. 3- وصف التخلُّق البشري - طورا العلقة والمُضغة. 4- وصف التخلُّق البشري - طورا العِظام واللحم. 5- وصف التخلُّق البشري - مرحلة النشأة. 6- أطوار خلق الإنسان في الأيام الأربعين الأولى. 7- وصف التخلُّق البشري بعد اليوم الثاني والأربعين. 8- مصطلحات قرآنية. 9- توافق المعلومات الجنينية مع ما ورد في الآيات القرآنية.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/339047

    التحميل:

  • الدعاء من الكتاب والسنة

    الدعاء من الكتاب والسنة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذا مختصر من كتابي: «الذكر والدعاء والعلاج بالرُّقى من الكتاب والسنة»، اختصرتُ فيه قسم الدعاء؛ ليسهل الانتفاع به، وزِدتُ أدعيةً، وفوائد نافعةً - إن شاء الله تعالى -».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1885

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة