Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 262

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى ۙ لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (262) (البقرة) mp3
قِيلَ : إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي عُثْمَان بْن عَفَّان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . قَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن سَمُرَة : جَاءَ عُثْمَان بِأَلْفِ دِينَار فِي جَيْش الْعُسْرَة فَصَبَّهَا فِي حِجْر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَيْته يُدْخِل يَده فِيهَا وَيُقَلِّبهَا وَيَقُول : ( مَا ضَرَّ اِبْن عَفَّان مَا عَمِلَ بَعْد الْيَوْم اللَّهُمَّ لَا تَنْسَ هَذَا الْيَوْم لِعُثْمَان ) . وَقَالَ أَبُو سَعِيد الْخُدْرِيّ : رَأَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَافِعًا يَدَيْهِ يَدْعُو لِعُثْمَان يَقُول : ( يَا رَبّ عُثْمَان إِنِّي رَضِيت عَنْ عُثْمَان فَارْضَ عَنْهُ ) فَمَا زَالَ يَدْعُو حَتَّى طَلَعَ الْفَجْر فَنَزَلَتْ : " الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهمْ فِي سَبِيل اللَّه ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى " الْآيَة .

لَمَّا تَقَدَّمَ فِي الْآيَة الَّتِي قَبْل ذِكْر الْإِنْفَاق فِي سَبِيل اللَّه عَلَى الْعُمُوم بَيَّنَ فِي هَذِهِ الْآيَة أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْم وَالثَّوَاب إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ لَا يُتْبِع إِنْفَاقه مَنًّا وَلَا أَذًى ; لِأَنَّ الْمَنّ وَالْأَذَى مُبْطِلَانِ لِثَوَابِ الصَّدَقَة كَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى فِي الْآيَة بَعْد هَذَا , وَإِنَّمَا عَلَى الْمَرْء أَنْ يُرِيد وَجْه اللَّه تَعَالَى وَثَوَابه بِإِنْفَاقِهِ عَلَى الْمُنْفَق عَلَيْهِ , وَلَا يَرْجُو مِنْهُ شَيْئًا وَلَا يَنْظُر مِنْ أَحْوَاله فِي حَال سِوَى أَنْ يُرَاعِي اِسْتِحْقَاقه , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " لَا نُرِيد مِنْكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا " [ الْإِنْسَان : 9 ] . وَمَتَى أَنْفَقَ لِيُرِيدَ مِنْ الْمُنْفَق عَلَيْهِ جَزَاء بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوه فَهَذَا لَمْ يُرِدْ وَجْه اللَّه , فَهَذَا إِذَا أَخْلَفَ ظَنّه فِيهِ مَنَّ بِإِنْفَاقِهِ وَآذَى . وَكَذَلِكَ مَنْ أَنْفَقَ مُضْطَرًّا دَافِع غُرْم إِمَّا لِمَانَّةٍ لِلْمُنْفَقِ عَلَيْهِ أَوْ لِقَرِينَةٍ أُخْرَى مِنْ اِعْتِنَاء مُعْتَنٍ فَهَذَا لَمْ يُرِدْ وَجْه اللَّه . وَإِنَّمَا يُقْبَل مَا كَانَ عَطَاؤُهُ لِلَّهِ وَأَكْثَر قَصْده اِبْتِغَاء مَا عِنْد اللَّه , كَاَلَّذِي حُكِيَ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَاهُ فَقَالَ : يَا عُمَر الْخَيْر جُزِيت الْجَنَّهْ اُكْسُ بُنَيَّاتِي وَأُمَّهُنَّهْ وَكُنْ لَنَا مِنْ الزَّمَان جُنَّهْ أُقْسِم بِاَللَّهِ لَتَفْعَلَنَّهْ قَالَ عُمَر : إِنْ لَمْ أَفْعَل يَكُون مَاذَا ؟ قَالَ : إِذًا أَبَا حَفْص لَأَذْهَبَنَّهْ قَالَ : إِذَا ذَهَبْت يَكُون مَاذَا ؟ - قَالَ : تَكُون عَنْ حَالِي لَتُسْأَلَنَّهْ يَوْم تَكُون الْأُعْطِيَّات هَنَّهْ وَمَوْقِف الْمَسْئُول بَيْنَهُنَّهْ إِمَّا إِلَى نَار وَإِمَّا جَنَّهْ فَبَكَى عُمَر حَتَّى اِخْضَلَّتْ لِحْيَته ثُمَّ قَالَ : يَا غُلَام , أَعْطِهِ قَمِيصِي هَذَا لِذَلِكَ الْيَوْم لَا لِشِعْرِهِ وَاَللَّه لَا أَمْلِك غَيْره . قَالَ الْمَاوَرْدِيّ : وَإِذَا كَانَ الْعَطَاء عَلَى هَذَا الْوَجْه خَالِيًا مِنْ طَلَب جَزَاء وَشُكْر وَعُرْيًا عَنْ اِمْتِنَان وَنَشْر كَانَ ذَلِكَ أَشْرَف لِلْبَاذِلِ وَأَهْنَأ لِلْقَابِلِ . فَأَمَّا الْمُعْطِي إِذَا اِلْتَمَسَ بِعَطَائِهِ الْجَزَاء , وَطَلَبَ بِهِ الشُّكْر وَالثَّنَاء , كَانَ صَاحِب سُمْعَة وَرِيَاء , وَفِي هَذَيْنِ مِنْ الذَّمّ مَا يُنَافِي السَّخَاء . وَإِنْ طَلَبَ الْجَزَاء كَانَ تَاجِرًا مُرْبِحًا لَا يَسْتَحِقّ حَمْدًا وَلَا مَدْحًا . وَقَدْ قَالَ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى : " وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِر " [ الْمُدَّثِّر : 6 ] أَيْ لَا تُعْطِ عَطِيَّة تَلْتَمِس بِهَا أَفْضَل مِنْهَا . وَذَهَبَ اِبْن زَيْد إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَة إِنَّمَا هِيَ فِي الَّذِينَ لَا يَخْرُجُونَ فِي الْجِهَاد بَلْ يُنْفِقُونَ وَهُمْ قُعُود , وَإِنَّ الْآيَة الَّتِي قَبْلهَا هِيَ فِي الَّذِينَ يَخْرُجُونَ بِأَنْفُسِهِمْ , قَالَ : وَلِذَلِكَ شُرِطَ عَلَى هَؤُلَاءِ وَلَمْ يُشْتَرَط عَلَى الْأَوَّلِينَ . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَفِي هَذَا الْقَوْل نَظَر ; لِأَنَّ التَّحَكُّم فِيهِ بَادٍ .


الْمَنّ ذِكْر النِّعْمَة عَلَى مَعْنَى التَّعْدِيد لَهَا وَالتَّقْرِيع بِهَا مِثْل أَنْ يَقُول : قَدْ أَحْسَنْت إِلَيْك وَنَعَشْتُك وَشَبَهه . وَقَالَ بَعْضهمْ : الْمَنّ : التَّحَدُّث بِمَا أَعْطَى حَتَّى يَبْلُغ ذَلِكَ الْمُعْطَى فَيُؤْذِيه . وَالْمَنّ مِنْ الْكَبَائِر , ثَبَتَ ذَلِكَ فِي صَحِيح مُسْلِم وَغَيْره , وَأَنَّهُ أَحَد الثَّلَاثَة الَّذِينَ لَا يَنْظُر اللَّه إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَاب أَلِيم , وَرَوَى النَّسَائِيّ عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ثَلَاثَة لَا يَنْظُر اللَّه إِلَيْهِمْ يَوْم الْقِيَامَة الْعَاقّ لِوَالِدَيْهِ وَالْمَرْأَة الْمُتَرَجِّلَة تَتَشَبَّه بِالرِّجَالِ وَالدَّيُّوث , وَثَلَاثَة لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّة الْعَاقّ لِوَالِدَيْهِ وَالْمُدْمِن الْخَمْر وَالْمَنَّان بِمَا أَعْطَى ) . وَفِي بَعْض طُرُق مُسْلِم : ( الْمَنَّان هُوَ الَّذِي لَا يُعْطِي شَيْئًا إِلَّا مِنَّة ) . وَالْأَذَى : السَّبّ وَالتَّشَكِّي , وَهُوَ أَعَمّ مِنْ الْمَنّ لِأَنَّ الْمَنّ جُزْء مِنْ الْأَذَى لَكِنَّهُ نَصَّ عَلَيْهِ لِكَثْرَةِ وُقُوعه . وَقَالَ اِبْن زَيْد : لَئِنْ ظَنَنْت أَنَّ سَلَامك يُثْقِل عَلَى مَنْ أَنْفَقْت عَلَيْهِ تُرِيد وَجْه اللَّه فَلَا تُسَلِّم عَلَيْهِ . وَقَالَتْ لَهُ اِمْرَأَة : يَا أَبَا أُسَامَة دُلَّنِي عَلَى رَجُل يُخْرِج فِي سَبِيل اللَّه حَقًّا فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا يُخْرِجُونَ يَأْكُلُونَ الْفَوَاكِه فَإِنَّ عِنْدِي أَسْهُمًا وَجَعْبَة . فَقَالَ : لَا بَارَكَ اللَّه فِي أَسْهُمك وَجَعْبَتك فَقَدْ آذَيْتهمْ قَبْل أَنْ تُعْطِيهِمْ .



قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِمْ : فَمَنْ أَنْفَقَ فِي سَبِيل اللَّه وَلَمْ يُتْبِعهُ مَنًّا وَلَا أَذًى كَقَوْلِهِ : مَا أَشَدّ إِلْحَاحك وَخَلَّصَنَا اللَّه مِنْك وَأَمْثَال هَذَا فَقَدْ تَضَمَّنَ اللَّه لَهُ الْأَجْر , وَالْأَجْر الْجَنَّة , وَنَفَى عَنْهُ الْخَوْف بَعْد مَوْته لِمَا يَسْتَقْبِل , وَالْحُزْن عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ دُنْيَاهُ , لِأَنَّهُ يَغْتَبِط بِآخِرَتِهِ فَقَالَ : " لَهُمْ أَجْرهمْ عِنْد رَبّهمْ وَلَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ " . وَكَفَى بِهَذَا فَضْلًا وَشَرَفًا لِلنَّفَقَةِ فِي سَبِيل اللَّه تَعَالَى . وَفِيهَا دَلَالَة لِمَنْ فَضَّلَ الْغَنِيّ عَلَى الْفَقِير حَسَب مَا يَأْتِي بَيَانه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • شرح الفتوى الحموية الكبرى [ حمد التويجري ]

    الفتوى الحموية الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى : رسالة عظيمة في تقرير مذهب السلف في صفات الله - جل وعلا - كتبها سنة (698هـ) جواباً لسؤال ورد عليه من حماة هو: « ما قول السادة الفقهاء أئمة الدين في آيات الصفات كقوله تعالى: ﴿ الرحمن على العرش استوى ﴾ وقوله ( ثم استوى على العرش ) وقوله تعالى: ﴿ ثم استوى إلى السماء وهي دخان ﴾ إلى غير ذلك من الآيات، وأحاديث الصفات كقوله - صلى الله عليه وسلم - { إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن } وقوله - صلى الله عليه وسلم - { يضع الجبار قدمه في النار } إلى غير ذلك، وما قالت العلماء فيه، وابسطوا القول في ذلك مأجورين إن شاء الله تعالى ».

    الناشر: مركز شيخ الإسلام ابن تيمية العلمي http://www.taimiah.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/322213

    التحميل:

  • الاعتصام بالكتاب والسنة أصل السعادة في الدنيا والآخرة ونجاة من مضلات الفتن

    الاعتصام بالكتاب والسنة أصل السعادة في الدنيا والآخرة ونجاة من مضلات الفتن: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه كلمات يسيرات في الحثِّ على «الاعتصام بالكتاب والسنة»، بيَّنتُ فيها بإيجاز: مفهوم الاعتصام بالكتاب والسنة، ووجوب الأخذ والتمسك بهما، وأن القرآن الكريم بيّن الله فيه كل شيء، وأنه أُنزل للعمل به، وأن الهداية والفلاح، والصلاح لمن اتبع الكتاب والسنة وتمسك بهما».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/193663

    التحميل:

  • أعلام السنة المنشورة في اعتقاد الطائفة المنصورة [ 200 سؤال وجواب في العقيدة ]

    أعلام السنة المنشورة في اعتقاد الطائفة المنصورة [ 200 سؤال وجواب في العقيدة ]: شرح لعقيدة أهل السنة و الجماعة في هيئة مبسطة على شكل سؤال وجواب.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1876

    التحميل:

  • كيف تلقي خطبة أو كلمة مؤثرة؟

    كيف تلقي خطبة أو كلمة مؤثرة؟: هذا الكتاب خلاصة خبرة المؤلف لسنوات عديدة، وحضوره دورات، وقراءة كتب كثيرة في هذا المجال، وقد حاول المؤلف اختصار طريقة الإلقاء بأسلوب سهل ومبسط لجميع الفئات، مع ذكر الأمثلة التطبيقية العملية حتى يسهل على القارئ ممارسة الإلقاء بيسر وسهولة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/332990

    التحميل:

  • ثواب القرب المهداة إلى أموات المسلمين في ضوء الكتاب والسنة

    ثواب القرب المهداة إلى أموات المسلمين في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنِّف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في «ثواب القرب المهداة إلى أموات المسلمين» ذكرت فيها أربعة مباحث: المبحث الأول: مفهوم ثواب القُرَبِ لغةً واصطلاحًا. المبحث الثاني: ما يلحق الميت من عمله. المبحث الثالث: وصول ثواب القرب المهداة إلى أموات المسلمين، بيَّنت في هذا المبحث الأدلّة من الكتاب والسة في وصول ثواب القرب المهداة إلى أموات المسلمين. المبحث الرابع: أنواع القرب المهداة إلى أموات المسلمين، ذكرت فيه أقوال أهل العلم في أنواع القرب المهداة إلى أموات المسلمين».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/268340

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة