Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 260

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260) (البقرة) mp3
اِخْتَلَفَ النَّاس فِي هَذَا السُّؤَال هَلْ صَدَرَ مِنْ إِبْرَاهِيم عَنْ شَكّ أَمْ لَا ؟ فَقَالَ الْجُمْهُور : لَمْ يَكُنْ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام شَاكًّا فِي إِحْيَاء اللَّه الْمَوْتَى قَطُّ وَإِنَّمَا طَلَبَ الْمُعَايَنَة , وَذَلِكَ أَنَّ النُّفُوس مُسْتَشْرِفَة إِلَى رُؤْيَة مَا أُخْبِرَتْ بِهِ , وَلِهَذَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( لَيْسَ الْخَبَر كَالْمُعَايَنَةِ ) رَوَاهُ اِبْن عَبَّاس وَلَمْ يَرْوِهِ غَيْره , قَالَهُ أَبُو عُمَر . قَالَ الْأَخْفَش : لَمْ يُرِدْ رُؤْيَة الْقَلْب وَإِنَّمَا أَرَادَ رُؤْيَة الْعَيْن . وَقَالَ الْحَسَن وَقَتَادَة وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَالرَّبِيع : سَأَلَ لِيَزْدَادَ يَقِينًا إِلَى يَقِينه . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَتَرْجَمَ الطَّبَرِيّ فِي تَفْسِيره فَقَالَ : وَقَالَ آخَرُونَ سَأَلَ ذَلِكَ رَبّه ; لِأَنَّهُ شَكَّ فِي قُدْرَة اللَّه تَعَالَى . وَأَدْخَلَ تَحْت التَّرْجَمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : مَا فِي الْقُرْآن آيَة أَرْجَى عِنْدِي مِنْهَا . وَذُكِرَ عَنْ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح أَنَّهُ قَالَ : دَخَلَ قَلْب إِبْرَاهِيم بَعْض مَا يَدْخُل قُلُوب النَّاس فَقَالَ : رَبّ أَرِنِي كَيْف تُحْيِي الْمَوْتَى . وَذَكَرَ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( نَحْنُ أَحَقّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيم ) الْحَدِيث , ثُمَّ رَجَّحَ الطَّبَرِيّ هَذَا الْقَوْل .

قُلْت : حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( نَحْنُ أَحَقّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيم إِذْ قَالَ رَبّ أَرِنِي كَيْف تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ؟ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنّ قَلْبِي , وَيَرْحَم اللَّه لُوطًا لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْن شَدِيد وَلَوْ لَبِثْت فِي السِّجْن مَا لَبِثَ يُوسُف لَأَجَبْت الدَّاعِي ) . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَمَا تَرْجَمَ بِهِ الطَّبَرِيّ عِنْدِي مَرْدُود , وَمَا أُدْخِلَ تَحْت التَّرْجَمَة مُتَأَوَّل , فَأَمَّا قَوْل اِبْن عَبَّاس : ( هِيَ أَرْجَى آيَة ) فَمِنْ حَيْثُ فِيهَا الْإِدْلَال عَلَى اللَّه تَعَالَى وَسُؤَال الْإِحْيَاء فِي الدُّنْيَا وَلَيْسَتْ مَظِنَّة ذَلِكَ . وَيَجُوز أَنْ يَقُول : هِيَ أَرْجَى آيَة لِقَوْلِهِ " أَوَلَمْ تُؤْمِن " أَيْ إِنَّ الْإِيمَان كَافٍ لَا يُحْتَاج مَعَهُ إِلَى تَنْقِير وَبَحْث . وَأَمَّا قَوْل عَطَاء : ( دَخَلَ قَلْب إِبْرَاهِيم بَعْض مَا يَدْخُل قُلُوب النَّاس ) فَمَعْنَاهُ مِنْ حَيْثُ الْمُعَايَنَة عَلَى مَا تَقَدَّمَ . وَأَمَّا قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( نَحْنُ أَحَقّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيم ) فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ شَاكًّا لَكُنَّا نَحْنُ أَحَقّ بِهِ وَنَحْنُ لَا نَشُكّ فَإِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام أَحْرَى أَلَّا يَشُكّ , فَالْحَدِيث مَبْنِيّ عَلَى نَفْي الشَّكّ عَنْ إِبْرَاهِيم , وَاَلَّذِي رُوِيَ فِيهِ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( ذَلِكَ مَحْض الْإِيمَان ) إِنَّمَا هُوَ فِي الْخَوَاطِر الَّتِي لَا تَثْبُت , وَأَمَّا الشَّكّ فَهُوَ تَوَقُّف بَيْن أَمْرَيْنِ لَا مَزِيَّة لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَر , وَذَلِكَ هُوَ الْمَنْفِيّ عَنْ الْخَلِيل عَلَيْهِ السَّلَام . وَإِحْيَاء الْمَوْتَى إِنَّمَا يَثْبُت بِالسَّمْعِ وَقَدْ كَانَ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام أَعْلَم بِهِ , يَدُلّك عَلَى ذَلِكَ قَوْله : " رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيت " [ الْبَقَرَة : 258 ] فَالشَّكّ يَبْعُد عَلَى مَنْ تَثْبُت قَدَمه فِي الْإِيمَان فَقَطْ فَكَيْف بِمَرْتَبَةِ النُّبُوَّة وَالْخُلَّة , وَالْأَنْبِيَاء مَعْصُومُونَ مِنْ الْكَبَائِر وَمِنْ الصَّغَائِر الَّتِي فِيهَا رَذِيلَة إِجْمَاعًا . وَإِذَا تَأَمَّلْت سُؤَاله عَلَيْهِ السَّلَام وَسَائِر أَلْفَاظ الْآيَة لَمْ تُعْطِ شَكًّا , وَذَلِكَ أَنَّ الِاسْتِفْهَام بِكَيْفَ إِنَّمَا هُوَ سُؤَال عَنْ حَالَة شَيْء مَوْجُود مُتَقَرِّر الْوُجُود عِنْد السَّائِل وَالْمَسْئُول , نَحْو قَوْلك : كَيْف عِلْمُ زَيْد ؟ وَكَيْف نَسْجُ الثَّوْب ؟ وَنَحْو هَذَا . وَمَتَى قُلْت : كَيْف ثَوْبك ؟ وَكَيْف زَيْد ؟ فَإِنَّمَا السُّؤَال عَنْ حَال مِنْ أَحْوَاله . وَقَدْ تَكُون " كَيْف " خَبَرًا عَنْ شَيْء شَأْنه أَنْ يُسْتَفْهَم عَنْهُ بِكَيْفَ , نَحْو قَوْلك : كَيْف شِئْت فَكُنْ , وَنَحْو قَوْل الْبُخَارِيّ : كَيْف كَانَ بَدْء الْوَحْي . و " كَيْف " فِي هَذِهِ الْآيَة إِنَّمَا هِيَ اِسْتِفْهَام عَنْ هَيْئَة الْإِحْيَاء , وَالْإِحْيَاء مُتَقَرِّر , وَلَكِنْ لَمَّا وَجَدْنَا بَعْض الْمُنْكِرِينَ لِوُجُودِ شَيْء قَدْ يُعَبِّرُونَ عَنْ إِنْكَاره بِالِاسْتِفْهَامِ عَنْ حَالَة لِذَلِكَ الشَّيْء يُعْلَم أَنَّهَا لَا تَصِحّ , فَيَلْزَم مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الشَّيْء فِي نَفْسه لَا يَصِحّ , مِثَال ذَلِكَ أَنْ يَقُول مُدَّعٍ : أَنَا أَرْفَع هَذَا الْجَبَل , فَيَقُول الْمُكَذِّب لَهُ : أَرِنِي كَيْف تَرْفَعهُ فَهَذِهِ طَرِيقَة مَجَاز فِي الْعِبَارَة , وَمَعْنَاهَا تَسْلِيم جَدَلِيّ , كَأَنَّهُ يَقُول : اِفْرِضْ أَنَّك تَرْفَعهُ , فَأَرِنِي كَيْف تَرْفَعهُ فَلَمَّا كَانَتْ عِبَارَة الْخَلِيل عَلَيْهِ السَّلَام بِهَذَا الِاشْتِرَاك الْمَجَازِيّ , خَلَصَ اللَّه لَهُ ذَلِكَ وَحَمَلَهُ عَلَى أَنْ بَيَّنَ لَهُ الْحَقِيقَة فَقَالَ لَهُ : " أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى " فَكَمُلَ الْأَمْر وَتَخَلَّصَ مِنْ كُلّ شَكّ , ثُمَّ عَلَّلَ عَلَيْهِ السَّلَام سُؤَاله بِالطُّمَأْنِينَةِ .

قُلْت : هَذَا مَا ذَكَرَهُ اِبْن عَطِيَّة وَهُوَ بَالِغ , وَلَا يَجُوز عَلَى الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِمْ مِثْل هَذَا الشَّكّ فَإِنَّهُ كُفْر , وَالْأَنْبِيَاء مُتَّفِقُونَ عَلَى الْإِيمَان بِالْبَعْثِ . وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى أَنَّ أَنْبِيَاءَهُ وَأَوْلِيَاءَهُ لَيْسَ لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِمْ سَبِيل فَقَالَ : " إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَك عَلَيْهِمْ سُلْطَان " [ الْحِجْر : 42 ] وَقَالَ اللَّعِين : إِلَّا عِبَادك مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ , وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِمْ سَلْطَنَة فَكَيْف يُشَكِّكهُمْ , وَإِنَّمَا سَأَلَ أَنْ يُشَاهِد كَيْفِيَّة جَمْع أَجْزَاء الْمَوْتَى بَعْد تَفْرِيقهَا وَإِيصَال الْأَعْصَاب وَالْجُلُود بَعْد تَمْزِيقهَا , فَأَرَادَ أَنْ يَتَرَقَّى مِنْ عِلْم الْيَقِين إِلَى عِلْم الْيَقِين , فَقَوْله : " أَرِنِي كَيْف " طَلَب مُشَاهَدَة الْكَيْفِيَّة . وَقَالَ بَعْض أَهْل الْمَعَانِي : إِنَّمَا أَرَادَ إِبْرَاهِيم مِنْ رَبّه أَنْ يُرِيه كَيْف يُحْيِي الْقُلُوب , وَهَذَا فَاسِد مَرْدُود بِمَا تَعَقَّبَهُ مِنْ الْبَيَان , ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ


لَيْسَتْ الْأَلِف فِي قَوْله " أَوَلَمْ تُؤْمِن " أَلِف اِسْتِفْهَام وَإِنَّمَا هِيَ أَلِف إِيجَاب وَتَقْرِير كَمَا قَالَ جَرِير : أَلَسْتُمْ خَيْر مِنْ رَكِبَ الْمَطَايَا وَالْوَاو وَاو الْحَال . و " تُؤْمِن " مَعْنَاهُ إِيمَانًا مُطْلَقًا , دَخَلَ فِيهِ فَضْل إِحْيَاء الْمَوْتَى .


أَيْ سَأَلْتُك لِيَطْمَئِنّ قَلْبِي بِحُصُولِ الْفَرْق بَيْن الْمَعْلُوم بُرْهَانًا وَالْمَعْلُوم عِيَانًا . وَالطُّمَأْنِينَة : اِعْتِدَال وَسُكُون , فَطُمَأْنِينَة الْأَعْضَاء مَعْرُوفَة , كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( ثُمَّ اِرْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنّ رَاكِعًا ) الْحَدِيث . وَطُمَأْنِينَة الْقَلْب هِيَ أَنْ يَسْكُن فِكْره فِي الشَّيْء الْمُعْتَقَد . وَالْفِكْر فِي صُورَة الْإِحْيَاء غَيْر مَحْظُور , كَمَا لَنَا نَحْنُ الْيَوْم أَنْ نُفَكِّر فِيهَا إِذْ هِيَ فِكْر فِيهَا عِبَر فَأَرَادَ الْخَلِيل أَنْ يُعَايِن فَيَذْهَب فِكْره فِي صُورَة الْإِحْيَاء . وَقَالَ الطَّبَرِيّ : مَعْنَى " لِيَطْمَئِنّ قَلْبِي " لِيُوقِن , وَحُكِيَ نَحْو ذَلِكَ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , وَحُكِيَ عَنْهُ لِيَزْدَادَ يَقِينًا , وَقَالَهُ إِبْرَاهِيم وَقَتَادَة . وَقَالَ بَعْضهمْ : لِأَزْدَادَ إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِي . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَلَا زِيَادَة فِي هَذَا الْمَعْنَى تَمْكُن إِلَّا السُّكُون عَنْ الْفِكْر وَإِلَّا فَالْيَقِين لَا يَتَبَعَّض . وَقَالَ السُّدِّيّ وَابْن جُبَيْر أَيْضًا : أَوَلَمْ تُؤْمِن بِأَنَّك خَلِيلِي ؟ قَالَ : بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنّ قَلْبِي بِالْخُلَّةِ . وَقِيلَ : دَعَا أَنْ يُرِيه كَيْف يُحْيِي الْمَوْتَى لِيَعْلَم هَلْ تُسْتَجَاب دَعْوَته , فَقَالَ اللَّه لَهُ : أَوَلَمْ تُؤْمِن أَنِّي أُجِيب دُعَاءَك , قَالَ : بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنّ قَلْبِي أَنَّك تُجِيب دُعَائِي .

وَاخْتُلِفَ فِي الْمُحَرِّك لَهُ عَلَى ذَلِكَ , فَقِيلَ : إِنَّ اللَّه وَعَدَهُ أَنْ يَتَّخِذهُ خَلِيلًا فَأَرَادَ آيَة عَلَى ذَلِكَ , قَالَهُ السَّائِب بْن يَزِيد . وَقِيلَ : قَوْل النُّمْرُوذ : أَنَا أُحْيِي وَأُمِيت . وَقَالَ الْحَسَن : رَأَى جِيفَة نِصْفهَا فِي الْبَرّ تُوَزِّعهَا السِّبَاع وَنِصْفهَا فِي الْبَحْر تُوَزِّعهَا دَوَابّ الْبَحْر , فَلَمَّا رَأَى تَفَرُّقهَا أَحَبَّ أَنْ يَرَى اِنْضِمَامهَا فَسَأَلَ لِيَطْمَئِنّ قَلْبه بِرُؤْيَةِ كَيْفِيَّة الْجَمْع كَمَا رَأَى كَيْفِيَّة التَّفْرِيق ,

فَقِيلَ لَهُ : " خُذْ أَرْبَعَة مِنْ الطَّيْر " قِيلَ : هِيَ الدِّيك وَالطَّاوُوس وَالْحَمَام وَالْغُرَاب , ذَكَرَ ذَلِكَ اِبْن إِسْحَاق عَنْ بَعْض أَهْل الْعِلْم , وَقَالَهُ مُجَاهِد وَابْن جُرَيْج وَعَطَاء بْن يَسَار وَابْن زَيْد . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس مَكَان الْغُرَاب الْكُرْكِيّ , وَعَنْهُ أَيْضًا مَكَان الْحَمَام النَّسْر . فَأَخَذَ هَذِهِ الطَّيْر حَسَب مَا أُمِرَ وَذَكَّاهَا , ثُمَّ قَطَعَهَا قِطَعًا صِغَارًا , وَخَلَطَ لُحُوم الْبَعْض إِلَى لُحُوم الْبَعْض مَعَ الدَّم وَالرِّيش حَتَّى يَكُون أَعْجَب , ثُمَّ جَعَلَ مِنْ ذَلِكَ الْمَجْمُوع الْمُخْتَلِط جُزْءًا عَلَى كُلّ جَبَل , وَوَقَفَ هُوَ مِنْ حَيْثُ يَرَى تِلْكَ الْأَجْزَاء وَأَمْسَكَ رُءُوس الطَّيْر فِي يَده , ثُمَّ قَالَ : تَعَالَيْنَ بِإِذْنِ اللَّه , فَتَطَايَرَتْ تِلْكَ الْأَجْزَاء وَطَارَ الدَّم إِلَى الدَّم وَالرِّيش إِلَى الرِّيش حَتَّى اِلْتَأَمَتْ مِثْل مَا كَانَتْ أَوَّلًا وَبَقِيَتْ بِلَا رُءُوس , ثُمَّ كَرَّرَ النِّدَاء فَجَاءَتْهُ سَعْيًا , أَيْ عَدْوًا عَلَى أَرْجُلهنَّ . وَلَا يُقَال لِلطَّائِرِ : " سَعَى " إِذَا طَارَ إِلَّا عَلَى التَّمْثِيل , قَالَهُ النَّحَّاس . وَكَانَ إِبْرَاهِيم إِذَا أَشَارَ إِلَى وَاحِد مِنْهَا بِغَيْرِ رَأْسه تَبَاعَدَ الطَّائِر , وَإِذَا أَشَارَ إِلَيْهِ بِرَأْسِهِ قَرُبَ حَتَّى لَقِيَ كُلّ طَائِر رَأْسه , وَطَارَتْ بِإِذْنِ اللَّه . وَقَالَ الزَّجَّاج : الْمَعْنَى ثُمَّ اِجْعَلْ عَلَى كُلّ جَبَل مِنْ كُلّ وَاحِد جُزْءًا . وَقَرَأَ أَبُو بَكْر عَنْ عَاصِم وَأَبُو جَعْفَر " جُزْءًا " عَلَى فُعْل . وَعَنْ أَبِي جَعْفَر أَيْضًا " جُزًّا " مُشَدَّدَة الزَّاي . الْبَاقُونَ مَهْمُوز مُخَفَّف , وَهِيَ لُغَات , وَمَعْنَاهُ النَّصِيب . " يَأْتِينَك سَعْيًا " نُصِبَ عَلَى الْحَال . و " صُرْهُنَّ " مَعْنَاهُ قَطِّعْهُنَّ , قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَأَبُو عُبَيْدَة وَابْن الْأَنْبَارِيّ , يُقَال : صَارَ الشَّيْء يَصُورهُ أَيْ قَطَعَهُ , وَقَالَهُ اِبْن إِسْحَاق . وَعَنْ أَبِي الْأَسْوَد الدُّؤَلِيّ : هُوَ بِالسُّرْيَانِيَّةِ التَّقْطِيع , قَالَهُ تَوْبَة بْن الْحُمَيِّر يَصِفهُ : فَلَمَّا جَذَبْت الْحَبْل أَطَّتْ نُسُوعه بِأَطْرَافِ عِيدَان شَدِيد سُيُورهَا فَأَدْنَتْ لِي الْأَسْبَاب حَتَّى بَلَغْتهَا بِنَهْضِي وَقَدْ كَادَ اِرْتِقَائِي يَصُورهَا أَيْ يَقْطَعهَا . وَالصَّوْر : الْقَطْع . وَقَالَ الضَّحَّاك وَعِكْرِمَة وَابْن عَبَّاس فِي بَعْض مَا رُوِيَ عَنْهُ : إِنَّهَا لَفْظَة بِالنِّبْطِيَّةِ مَعْنَاهُ قَطِّعْهُنَّ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَمِلْهُنَّ إِلَيْك , أَيْ اُضْمُمْهُنَّ وَاجْمَعْهُنَّ إِلَيْك , يُقَال : رَجُل أَصْوَر إِذَا كَانَ مَائِل الْعُنُق . وَتَقُول : إِنِّي إِلَيْكُمْ لَأَصْوَر , يَعْنِي مُشْتَاقًا مَائِلًا . وَامْرَأَة صَوْرَاء , وَالْجَمْع صُور مِثْل أَسْوَد وَسُود , قَالَ الشَّاعِر : اللَّه يَعْلَم أَنَّا فِي تَلَفُّتنَا يَوْم الْفِرَاق إِلَى جِيرَاننَا صُور فَقَوْله " إِلَيْك " عَلَى تَأْوِيل التَّقْطِيع مُتَعَلِّق ب " خُذْ " وَلَا حَاجَة إِلَى مُضْمَر , وَعَلَى تَأْوِيل الْإِمَالَة وَالضَّمّ مُتَعَلِّق ب " صُرْهُنَّ " وَفِي الْكَلَام مَتْرُوك : فَأَمِلْهُنَّ إِلَيْك ثُمَّ قَطِّعْهُنَّ . وَفِيهَا خَمْس قِرَاءَات : اِثْنَتَانِ فِي السَّبْع وَهُمَا ضَمّ الصَّاد وَكَسْرهَا وَتَخْفِيف الرَّاء . وَقَرَأَ قَوْم " فَصُرّهُنَّ " بِضَمِّ الصَّاد وَشَدّ الرَّاء الْمَفْتُوحَة , كَأَنَّهُ يَقُول فَشُدَّهُنَّ , وَمِنْهُ صُرَّة الدَّنَانِير . وَقَرَأَ قَوْم " فَصِرّهنَّ " بِكَسْرِ الصَّاد وَشَدّ الرَّاء الْمَفْتُوحَة , وَمَعْنَاهُ صَيِّحْهُنَّ , مِنْ قَوْلك : صَرَّ الْبَابُ وَالْقَلَمُ إِذَا صَوَّتَ , حَكَاهُ النَّقَّاش . قَالَ اِبْن جِنِّي : هِيَ قِرَاءَة غَرِيبَة , وَذَلِكَ أَنَّ يَفْعِل بِكَسْرِ الْعَيْن فِي الْمُضَاعَف الْمُتَعَدِّي قَلِيل , وَإِنَّمَا بَابه يَفْعُل بِضَمِّ الْعَيْن , كَشَدَّ يَشُدّ وَنَحْوه , وَلَكِنْ قَدْ جَاءَ مِنْهُ نَمَّ الْحَدِيث يَنُمّهُ وَيَنِمّهُ , وَهَرَّ الْحَرْب يَهُرّهَا وَيَهِرّهَا , وَمِنْهُ بَيْت الْأَعْشَى : لَيَعْتَوِرَنَّك الْقَوْل حَتَّى تَهِرّهُ إِلَى غَيْر ذَلِكَ فِي حُرُوف قَلِيلَة . قَالَ اِبْن جِنِّي : وَأَمَّا قِرَاءَة عِكْرِمَة بِضَمِّ الصَّاد فَيُحْتَمَل فِي الرَّاء الضَّمّ وَالْفَتْح وَالْكَسْر كَمَدَّ وَشَدَّ وَالْوَجْه ضَمّ الرَّاء مِنْ أَجْل ضَمَّة الْهَاء مِنْ بَعْد .

الْقِرَاءَة الْخَامِسَة " صَرِّهِنَّ " بِفَتْحِ الصَّاد وَشَدّ الرَّاء مَكْسُورَة , حَكَاهَا الْمَهْدَوِيّ وَغَيْره عَنْ عِكْرِمَة , بِمَعْنَى فَاحْبِسْهُنَّ , مِنْ قَوْلهمْ : صَرَّى يُصَرِّي إِذَا حَبَسَ , وَمِنْهُ الشَّاة الْمُصَرَّاة . وَهُنَا اِعْتِرَاض ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ وَهُوَ يُقَال : فَكَيْف أُجِيبَ إِبْرَاهِيم إِلَى آيَات الْآخِرَة دُون مُوسَى فِي قَوْله " رَبّ أَرِنِي أَنْظُر إِلَيْك " [ الْأَعْرَاف : 143 ] ؟ فَعَنْهُ جَوَابَانِ : أَحَدهمَا أَنَّ مَا سَأَلَهُ مُوسَى لَا يَصِحّ مَعَ بَقَاء التَّكْلِيف , وَمَا سَأَلَهُ إِبْرَاهِيم خَاصّ يَصِحّ مَعَهُ بَقَاء التَّكْلِيف . الثَّانِي أَنَّ الْأَحْوَال تَخْتَلِف فَيَكُون الْأَصْلَح فِي بَعْض الْأَوْقَات الْإِجَابَة , وَفِي وَقْت آخَر الْمَنْع فِيمَا لَمْ يَتَقَدَّم فِيهِ إِذْن . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : أَمَرَ اللَّه تَعَالَى إِبْرَاهِيم بِهَذَا قَبْل أَنْ يُولَد لَهُ وَقَبْل أَنْ يُنَزَّل عَلَيْهِ الصُّحُف , وَاَللَّه أَعْلَم . " وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّه عَزِيز حَكِيم " " وَالْعَزِيز " مَعْنَاهُ الْمَنِيع الَّذِي لَا يُنَال وَلَا يُغَالَب . وَقَالَ اِبْن كَيْسَان : مَعْنَاهُ الَّذِي لَا يُعْجِزهُ شَيْء , دَلِيله : " وَمَا كَانَ اللَّه لِيُعْجِزهُ مِنْ شَيْء فِي السَّمَاوَات وَلَا فِي الْأَرْض " . [ فَاطِر : 44 ] . الْكِسَائِيّ : " الْعَزِيز " الْغَالِب , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " وَعَزَّنِي فِي الْخِطَاب " [ ص : 23 ] وَفِي الْمَثَل : [ مَنْ عَزَّ بَزَّ ] أَيْ مَنْ غَلَبَ سَلَبَ . وَقِيلَ : " الْعَزِيز " الَّذِي لَا مِثْل لَهُ بَيَانه " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء " [ الشُّورَى : 11 ] . وَقَدْ زِدْنَا هَذَا الْمَعْنَى بَيَانًا فِي اِسْمه الْعَزِيز فِي كِتَاب الْأَسْنَى فِي شَرْح أَسْمَاء اللَّه الْحُسْنَى " الْحَكِيم " مَعْنَاهُ الْحَاكِم وَبَيْنهمَا مَزِيد الْمُبَالَغَة وَقِيلَ مَعْنَاهُ الْمُحْكِم وَيَجِيء الْحَكِيم عَلَى هَذَا مِنْ صِفَات الْفِعْل , صُرِفَ عَنْ مُفْعِل إِلَى فَعِيل كَمَا صُرِفَ عَنْ مُسْمِع إِلَى سَمِيع وَمُؤْلِم إِلَى أَلِيم قَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ وَقَالَ قَوْم " الْحَكِيم " الْمَانِع مِنْ الْفَسَاد وَمِنْهُ سُمِّيَتْ حَكَمَة اللِّجَام لِأَنَّهَا تَمْنَع الْفَرَس مِنْ الْجَرْي وَالذَّهَاب فِي غَيْر قَصْد قَالَ جَرِير اِبْنَيْ حَنِيفَة أَحْكِمُوا سُفَهَاءَكُمْ إِنِّي أَخَاف عَلَيْكُمْ أَنْ أَغْضَبَا وَالْعَرَب تَقُول أَحْكَمَ الْيَتِيم عَنْ كَذَا وَكَذَا يُرِيدُونَ مَنَعَهُ وَالسُّورَة الْمُحْكَمَة الْمَمْنُوعَة مِنْ التَّغْيِير وَكُلّ التَّبْدِيل وَأَنْ يَلْحَق بِهَا مَا يَخْرُج عَنْهَا وَيُزَاد عَلَيْهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا وَالْحِكْمَة مِنْ هَذَا لِأَنَّهَا تَمْنَع صَاحِبهَا مِنْ الْجَهْل وَيُقَال أَحْكَمَ الشَّيْء إِذَا أَتْقَنَهُ وَمَنَعَهُ مِنْ الْخُرُوج عَمَّا يُرِيد فَهُوَ مُحْكِم وَحَكِيم عَلَى التَّكْثِير .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الأخلاق والسير في مداواة النفوس

    الأخلاق والسير في مداواة النفوس : بيان بعض المعاني مثل: العلم، المحبة وأونواعها، مداواة النفوس، العقل والراحة ... إلخ

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141366

    التحميل:

  • نور السنة وظلمات البدعة في ضوء الكتاب والسنة

    نور السنة وظلمات البدعة في ضوء الكتاب والسنة: رسالة مختصرة في بيان مفهوم السنة، وأسماء أهل السنة، وأن السنة هي النعمة المطلقة، وإيضاح منزلة السنة، ومنزلة أصحابها، وعلاماتهم، وذكر منزلة البدعة وأصحابها، ومفهومها، وشروط قبول العمل، وذم البدعة في الدين، وأسباب البدع، وأقسامها، وأحكامها، وأنواع البدع عند القبور وغيرها، والبدع المنتشرة المعاصرة، وحكم توبة المبتدع، وآثار البدع وأضرارها.

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1942

    التحميل:

  • الإلحاد الخميني في أرض الحرمين

    الإلحاد الخميني في أرض الحرمين: كتابٌ قيِّم في بيان بعض مُعتقدات الروافض. وقد قدَّمه الشيخ - رحمه الله - بذكر بابٍ من أبواب كتاب «العقد الثمين» والذي فيه ذكر حوادث وقعت على مر العصور في الحرمين أو المسجد الحرام؛ من سفك للدماء وقتل للأبرياء وسلب ونهب وعدم أمن للحُجَّاج وغير ذلك. ثم قارَن الشيخُ بين حالنا في ظل الأمن والأمان وبين أحوال من سبقَنا والذين كانت هذه حالُهم، وبيَّن في ثنايا الكتاب أهم ما يدل على مُشابهة الروافض لليهود في المُعتقَدات والمعاملات، ثم ختمَ بذكر فضائل الصحابة على ترتيبهم في الأفضلية، وحرمة سبِّهم ولعنهم.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/380511

    التحميل:

  • مفردات ألفاظ القرآن الكريم

    مفردات ألفاظ القرآن الكريم : في هذه الصفحة نسخة الكترونية مفهرسة، تتميز بسهولة التصفح والبحث من كتاب مفردات ألفاظ القرآن الكريم للراغب الأصفهاني، وهو كتاب في المعاجم، جمع فيه المؤلف ما بين اللفظ اللغوي والمعنى القرآني، حيث بوب المفردات تبويبا معجميا، ولم يقصد المؤلف شرح الغريب من ألفاظ القرآن الكريم فقط، إنما تناول معظم ألفاظ القرآن في الشرح، مستعينا بكثير من الشواهد القرآنية المتعلقة باللفظ، والأحاديث النبوية، والأمثال السائرة، والأبيات الشعرية.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141495

    التحميل:

  • الدلائل القرآنية في أن العلوم والأعمال النافعة العصرية داخلة في الدين الإسلامي

    الدلائل القرآنية في أن العلوم والأعمال النافعة العصرية داخلة في الدين الإسلامي: رسالة تتضمن البراهين القواطع الدالة على أن الدين الإسلامي وعلومه وأعماله وتوجيهاته جمعت كل خير ورحمة وهداية, وصلاح وإصلاح مطلق لجميع الأحوال, وأن العلوم الكونية والفنون العصرية الصحيحة النافعة داخلة في ضمن علوم الدين, وأعماله ليست منافية لها, كما زعم الجاهلون والماديون.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2133

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة