Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 254

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ ۗ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254) (البقرة) mp3
قَالَ الْحَسَن : هِيَ الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة . وَقَالَ اِبْن جُرَيْج وَسَعِيد بْن جُبَيْر : هَذِهِ الْآيَة تَجْمَع الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة وَالتَّطَوُّع . قَالَ اِبْن عَطِيَّة . وَهَذَا صَحِيح , وَلَكِنْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْآيَات فِي ذِكْر الْقِتَال وَأَنَّ اللَّه يَدْفَع بِالْمُؤْمِنِينَ فِي صُدُور الْكَافِرِينَ يَتَرَجَّح مِنْهُ أَنَّ هَذَا النَّدْب إِنَّمَا هُوَ فِي سَبِيل اللَّه , وَيُقَوِّي ذَلِكَ فِي آخِر الْآيَة قَوْله : " وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ " أَيْ فَكَافِحُوهُمْ بِالْقِتَالِ بِالْأَنْفُسِ وَإِنْفَاق الْأَمْوَال .

قُلْت : وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيل يَكُون إِنْفَاق الْأَمْوَال مَرَّة وَاجِبًا وَمَرَّة نَدْبًا بِحَسَبِ تَعَيُّن الْجِهَاد وَعَدَم تَعَيُّنه . وَأَمَرَ تَعَالَى عِبَاده بِالْإِنْفَاقِ مِمَّا رَزَقَهُمْ اللَّه وَأَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ وَحَذَّرَهُمْ مِنْ الْإِمْسَاك إِلَى أَنْ يَجِيء يَوْم لَا يُمْكِن فِيهِ بَيْع وَلَا شِرَاء وَلَا اِسْتِدْرَاك نَفَقَة , كَمَا قَالَ : " فَيَقُول رَبّ لَوْلَا أَخَّرْتنِي إِلَى أَجَل قَرِيب فَأَصَّدَّق " [ الْمُنَافِقِينَ : 10 ] . وَالْخُلَّة : خَالِص الْمَوَدَّة , مَأْخُوذَة مِنْ تَخَلُّل الْأَسْرَار بَيْن الصَّدِيقَيْنِ . وَالْخِلَالَة وَالْخَلَالَة وَالْخُلَالَة : الصَّدَاقَة وَالْمَوَدَّة , قَالَ الشَّاعِر : وَكَيْف تُوَاصِل مَنْ أَصْبَحَتْ خِلَالَته كَأَبِي مَرْحَب وَأَبُو مَرْحَب كُنْيَة الظِّلّ , وَيُقَال : هُوَ كُنْيَة عُرْقُوب الَّذِي قِيلَ فِيهِ : مَوَاعِيد عُرْقُوب . وَالْخُلَّة بِالضَّمِّ أَيْضًا : مَا خَلَا مِنْ النَّبْت , يُقَال : الْخُلَّة خُبْز الْإِبِل وَالْحمض فَاكِهَتهَا . وَالْخَلَّة بِالْفَتْحِ : الْحَاجَة وَالْفَقْر . وَالْخَلَّة : اِبْن مَخَاض , عَنْ الْأَصْمَعِيّ . يُقَال : أَتَاهُمْ بِقُرْصٍ كَأَنَّهُ فِرْسِن خَلَّة . وَالْأُنْثَى خَلَّة أَيْضًا . وَيُقَال لِلْمَيِّتِ : اللَّهُمَّ أَصْلِحْ خَلَّته , أَيْ الثُّلْمَة الَّتِي تَرَكَ . وَالْخَلَّة : الْخَمْرَة الْحَامِضَة . وَالْخِلَّة ( بِالْكَسْرِ ) : وَاحِدَة خِلَل السُّيُوف , وَهِيَ بَطَائِن كَانَتْ تُغْشَى بِهَا أَجْفَان السُّيُوف مَنْقُوشَة بِالذَّهَبِ وَغَيْره , وَهِيَ أَيْضًا سُيُور تُلْبَس ظَهْر سِيَتَيْ الْقَوْس . وَالْخِلَّة أَيْضًا : مَا يَبْقَى بَيْن الْأَسْنَان . وَسَيَأْتِي فِي [ النِّسَاء ] اِشْتِقَاق الْخَلِيل وَمَعْنَاهُ . فَأَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى أَلَّا خُلَّة فِي الْآخِرَة وَلَا شَفَاعَة إِلَّا بِإِذْنِ اللَّه . وَحَقِيقَتهَا رَحْمَة مِنْهُ تَعَالَى شَرَّفَ بِهَا الَّذِي أُذِنَ لَهُ فِي أَنْ يَشْفَع . وَقَرَأَ اِبْن كَثِير وَأَبُو عَمْرو " لَا بَيْع فِيهِ وَلَا خُلَّة وَلَا شَفَاعَة " بِالنَّصْبِ مِنْ غَيْر تَنْوِين , وَكَذَلِكَ فِي سُورَة [ إِبْرَاهِيم ] " لَا بَيْع فِيهِ وَلَا خِلَال " [ إِبْرَاهِيم : 31 ] وَفِي [ الطُّور ] " لَا لَغْو فِيهَا وَلَا تَأْثِيم " [ الطُّور : 23 ] وَأَنْشَدَ حَسَّان بْن ثَابِت : أَلَا طِعَان وَلَا فُرْسَان عَادِيَة إِلَّا تَجَشُّؤُكُمْ عِنْد التَّنَانِير وَأَلِف الِاسْتِفْهَام غَيْر مُغَيِّرَة عَمَل " لَا " كَقَوْلِك : أَلَا رَجُل عِنْدك , وَيَجُوز أَلَا رَجُل وَلَا اِمْرَأَة كَمَا جَازَ فِي غَيْر الِاسْتِفْهَام فَاعْلَمْهُ . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ جَمِيع ذَلِكَ بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِين , كَمَا قَالَ الرَّاعِيّ : وَمَا صَرَمْتك حَتَّى قُلْت مُعْلِنَة لَا نَاقَة لِي فِي هَذَا وَلَا جَمَل وَيُرْوَى " وَمَا هَجَرْتُك " فَالْفَتْح عَلَى النَّفْي الْعَامّ الْمُسْتَغْرِق لِجَمِيعِ الْوُجُوه مِنْ ذَلِكَ الصِّنْف , كَأَنَّهُ جَوَاب لِمَنْ قَالَ : هَلْ فِيهِ مِنْ بَيْع ؟ فَسَأَلَ سُؤَالًا عَامًّا فَأُجِيبَ جَوَابًا عَامًّا بِالنَّفْيِ . و " لَا " مَعَ الِاسْم الْمَنْفِيّ بِمَنْزِلَةِ اِسْم وَاحِد فِي مَوْضِع رَفْع بِالِابْتِدَاءِ , وَالْخَبَر " فِيهِ " . وَإِنْ شِئْت جَعَلْته صِفَة لِيَوْمٍ , وَمَنْ رَفَعَ جَعَلَ " لَا " بِمَنْزِلَةِ لَيْسَ . وَجُعِلَ الْجَوَاب غَيْر عَامّ , وَكَأَنَّهُ جَوَاب مَنْ قَالَ : هَلْ فِيهِ بَيْع ؟ بِإِسْقَاطِ مَنْ , فَأَتَى الْجَوَاب غَيْر مُغَيِّر عَنْ رَفْعه , وَالْمَرْفُوع مُبْتَدَأ أَوْ اِسْم لَيْسَ و " فِيهِ " الْخَبَر . قَالَ مَكِّيّ : وَالِاخْتِيَار الرَّفْع ; لِأَنَّ أَكْثَر الْقُرَّاء عَلَيْهِ , وَيَجُوز فِي غَيْر الْقُرْآن لَا بَيْع فِيهِ وَلَا خُلَّة , وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ لِرَجُلٍ مِنْ مَذْحِج : هَذَا لَعَمْركُمْ الصَّغَار بِعَيْنِهِ لَا أُمّ لِي إِنْ كَانَ ذَاكَ وَلَا أَب وَيَجُوز أَنْ تَبْنِي الْأَوَّل وَتَنْصِب الثَّانِي وَتُنَوِّنهُ فَتَقُول : لَا رَجُل فِيهِ وَلَا اِمْرَأَة , وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ : لَا نَسَب الْيَوْم وَلَا خُلَّة اِتَّسَعَ الْخَرْق عَلَى الرَّاقِع ف " لَا " زَائِدَة فِي الْمَوْضِعَيْنِ , الْأَوَّل عَطْف عَلَى الْمَوْضِع وَالثَّانِي عَلَى اللَّفْظ وَوَجْه خَامِس أَنْ تَرْفَع الْأَوَّل وَتَبْنِي الثَّانِي كَقَوْلِك : لَا رَجُل فِيهَا وَلَا اِمْرَأَة , قَالَ أُمَيَّة : فَلَا لَغْو وَلَا تَأْثِيم فِيهَا وَمَا فَاهُوا بِهِ أَبَدًا مُقِيم وَهَذِهِ الْخَمْسَة الْأَوْجُه جَائِزَة فِي قَوْلك : لَا حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا وَالْحَمْد لِلَّهِ . " وَالْكَافِرُونَ " اِبْتِدَاء . " هُمْ " اِبْتِدَاء ثَانٍ , " الظَّالِمُونَ " خَبَر الثَّانِي , وَإِنْ شِئْت كَانَتْ " هُمْ " زَائِدَة لِلْفَصْلِ و " الظَّالِمُونَ " خَبَر " الْكَافِرُونَ " . قَالَ عَطَاء بْن دِينَار : وَالْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي قَالَ : " وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ " وَلَمْ يَقُلْ وَالظَّالِمُونَ هُمْ الْكَافِرُونَ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • سؤالات ابن وهف لشيخ الإسلام الإمام المجدد عبد العزيز بن باز

    سؤالات ابن وهف لشيخ الإسلام الإمام المجدد عبد العزيز بن باز: قال المؤلف: فهذه أسئلة سألتها شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز، فأجاب عليها باختصار ابتداءً من عام 1400هـ إلى يوم 23/11/1419هـ.

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/385671

    التحميل:

  • العلم والتربية والتعليم

    العلم والتربية والتعليم : في هذه الرسالة بيان طرق التعلم وأسباب فهم الدروس وتربية الأبناء كما يجب أن تكون وبيان مسئولية المدرس وكونه تحمل مسئولية كبرى وأمانة عظمى سيسأل عنها أمام الله يوم القيامة نحو طلبته وبيان واجب الآباء نحو الأبناء من التربية والقدوة الحسنة والتعليم النافع والكلام الطيب والأدب الحسن. وبيان مسئولية الطالب تجاه مدرسية وزملائه ووالديه بالبر والإحسان والأدب والأخلاق الطيبة. كما اشتملت هذه الرسالة على الحث على اختيار الجليس الصالح المطيع لله ورسوله والقائم بحقوق الله وحقوق عباده حيث إن المرء معتبر بقرينه وسوف يكون على دين خليله فلينظر من يخالل.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209117

    التحميل:

  • الميسر في علم التجويد

    الهدف المرجو من تأليف هذا الكتاب هو تيسير تعليم أحكام التجويد وتعلمها، وذلك بالاستناد إلى مصادر علم التجويد الأولى، والاستفادة مما توصل إليه علم الأصوات اللغوية من حقائق تتعلق بطبيعة الصوت اللغوي وكيفية إنتاجه وتنوعه. وقد حرص المؤلف فيه على ذكر الموضوعات الأساسية لعلم التجويد، على نحو ترتيبها في المقدمة الجزرية، وتميز الكتاب بإلحاق خلاصة لكل مبحث تضع أمام الدارس أهم النقاط فيه، وأسئلة نظرية تساعده في تثبيت الحقائق في ذهنه، وتطبيق عملي يُنَمِّي قدرة المتعلم على التلاوة الصحيحة.

    الناشر: معهد الإمام الشاطبي http://www.shatiby.edu.sa

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/385697

    التحميل:

  • مفسدات القلوب [ حب الدنيا ]

    مفسدات القلوب [ حب الدنيا ]: قال المصنف - حفظه الله -: «ومداخل الشيطان إلى القلب كثيرة، ومنها على سبيل المثال: الحسد، والحرص، والطمع، والبخل، والشُّحّ، والرياء، والعُجب، وسوء الظن، والعجَلة، والطيش، والغضب، وحب الدنيا والتعلق بها ... وسوف نتناول - بمشيئة الله تعالى - هذا المدخل الأخير من مداخل الشيطان في ثنايا هذا الكتاب ضمن سلسلة مفسدات القلوب، وسنعرِض لبيان شيء من حقيقة الدنيا، مع إشارةٍ موجَزة لموقف المؤمنين منها، ثم نذكر ما تيسَّر من مظاهر حب الدنيا، وأسبابه، ومفاسده، وعلاجه».

    الناشر: موقع الشيخ محمد صالح المنجد www.almunajjid.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/355750

    التحميل:

  • حب النبي صلى الله عليه وسلم وعلاماته

    حب النبي صلى الله عليه وسلم وعلاماته : فإنه مما يجب على المرء أن يكون النبي الكريم - صلوات ربي وسلامه عليه - أحب إليه من الخلق كله. ولهذا ثمرات عظيمة في الدنيا والآخرة، لكن كثيراً من مدعي حبه - صلى الله عليه وسلم - يفرطون فيه، كما أن الكثيرين يحصرون مفهومه في أضيق نطاق؛ لذا كانت هذه الرسالة التي تبين أهمية النبي - صلى الله عليه وسلم - وثمراته، وحقيقته، وذلك من خلال التساؤلات التالية: • ماحكم حب النبي الكريم صلى الله عليه وسلم؟ • ما ثمراته في الدارين؟ • ما علامات حبه صلى الله عليه وسلم؟ وكيف كان الصحابة - رضي الله عنهم - في ضوء هذه العلامات؟ وكيف نحن؟

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/338843

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة