Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 249

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) (البقرة) mp3
" فَصَلَ " مَعْنَاهُ خَرَجَ بِهِمْ . فَصَلْت الشَّيْء فَانْفَصَلَ , أَيْ قَطَعْته فَانْقَطَعَ . قَالَ وَهْب بْن مُنَبِّه : فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوت قَالُوا لَهُ إِنَّ الْمِيَاه لَا تَحْمِلنَا فَادْعُ اللَّه أَنْ يُجْرِي لَنَا نَهَرًا فَقَالَ لَهُمْ طَالُوت : إِنَّ اللَّه مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ . وَكَانَ عَدَد الْجُنُود - فِي قَوْل السُّدِّيّ - ثَمَانِينَ أَلْفًا . وَقَالَ وَهْب : لَمْ يَتَخَلَّف عَنْهُ إِلَّا ذُو عُذْر مِنْ صِغَر أَوْ كِبَر أَوْ مَرَض . وَالِابْتِلَاء الِاخْتِبَار . وَالنَّهَر وَالنَّهْر لُغَتَانِ . وَاشْتِقَاقه مِنْ السَّعَة , وَمِنْهُ النَّهَار وَقَدْ تَقَدَّمَ . قَالَ قَتَادَة : النَّهَر الَّذِي اِبْتَلَاهُمْ اللَّه بِهِ هُوَ نَهَر بَيْن الْأُرْدُنّ وَفِلَسْطِين . وَقَرَأَ الْجُمْهُور " بِنَهَرٍ " بِفَتْحِ الْهَاء . وَقَرَأَ مُجَاهِد وَحُمَيْد الْأَعْرَج " بِنَهْرٍ " بِإِسْكَانِ الْهَاء . وَمَعْنَى هَذَا الِابْتِلَاء أَنَّهُ اِخْتِبَار لَهُمْ , فَمَنْ ظَهَرَتْ طَاعَته فِي تَرْك الْمَاء عُلِمَ أَنَّهُ مُطِيع فِيمَا عَدَا ذَلِكَ , وَمَنْ غَلَبَتْهُ شَهْوَته فِي الْمَاء وَعَصَى الْأَمْر فَهُوَ فِي الْعِصْيَان فِي الشَّدَائِد أَحْرَى , فَرُوِيَ أَنَّهُمْ أَتَوْا النَّهَر وَقَدْ نَالَهُمْ عَطَش وَهُوَ فِي غَايَة الْعُذُوبَة وَالْحُسْن , فَلِذَلِكَ رُخِّصَ لِلْمُطِيعِينَ فِي الْغَرْفَة لِيَرْتَفِع عَنْهُمْ أَذَى الْعَطَش بَعْض الِارْتِفَاع وَلِيَكْسِرُوا نِزَاع النَّفْس فِي هَذِهِ الْحَال . وَبَيَّنَ أَنَّ الْغَرْفَة كَافَّة ضَرَر الْعَطَش عِنْد الْحَزَمَة الصَّابِرِينَ عَلَى شَظَف الْعَيْش الَّذِينَ هَمُّهُمْ فِي غَيْر الرَّفَاهِيَة , كَمَا قَالَ عُرْوَة : وَاحْسُوا قَرَاح الْمَاء وَالْمَاء بَارِد قُلْت : وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( حَسْب الْمَرْء لُقَيْمَات يُقِمْنَ صُلْبه ) . وَقَالَهُ بَعْض مَنْ يَتَعَاطَى غَوَامِض الْمَعَانِي : هَذِهِ الْآيَة مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه لِلدُّنْيَا فَشَبَّهَهَا اللَّه بِالنَّهَرِ وَالشَّارِب مِنْهُ وَالْمَائِل إِلَيْهَا وَالْمُسْتَكْثِر مِنْهَا وَالتَّارِك لِشُرْبِهِ بِالْمُنْحَرِفِ عَنْهَا وَالزَّاهِد فِيهَا , وَالْمُغْتَرِف بِيَدِهِ غَرْفَة بِالْآخِذِ مِنْهَا قَدْر الْحَاجَة , وَأَحْوَال الثَّلَاثَة عِنْد اللَّه مُخْتَلِفَة .

قُلْت : مَا أَحْسَن هَذَا لَوْلَا مَا فِيهِ مِنْ التَّحْرِيف فِي التَّأْوِيل وَالْخُرُوج عَنْ الظَّاهِر , لَكِنْ مَعْنَاهُ صَحِيح مِنْ غَيْر هَذَا .

اِسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ إِنَّ طَالُوت كَانَ نَبِيًّا بِقَوْلِهِ : " إِنَّ اللَّه مُبْتَلِيكُمْ " وَأَنَّ اللَّه أَوْحَى إِلَيْهِ بِذَلِكَ وَأَلْهَمَهُ , وَجَعَلَ الْإِلْهَام اِبْتِلَاء مِنْ اللَّه لَهُمْ . وَمَنْ قَالَ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا قَالَ : أَخْبَرَهُ نَبِيّهمْ شَمْوِيل بِالْوَحْيِ حِين أَخْبَرَ طَالُوت قَوْمه بِهَذَا , وَإِنَّمَا وَقَعَ هَذَا الِابْتِلَاء لِيَتَمَيَّز الصَّادِق مِنْ الْكَاذِب . وَقَدْ ذَهَبَ قَوْم إِلَى أَنَّ عَبْد اللَّه بْن حُذَافَة السَّهْمِيّ صَاحِب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَمَرَ أَصْحَابه بِإِيقَادِ النَّار وَالدُّخُول فِيهَا تَجْرِبَة لِطَاعَتِهِمْ ; لَكِنَّهُ حَمَلَ مِزَاحه عَلَى تَخْشِين الْأَمْر الَّذِي كَلَّفَهُمْ , وَسَيَأْتِي بَيَانه فِي [ النِّسَاء ] إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .


شَرِبَ قِيلَ مَعْنَاهُ كَرَعَ . وَمَعْنَى " فَلَيْسَ مِنِّي " أَيْ لَيْسَ مِنْ أَصْحَابِي فِي هَذِهِ الْحَرْب , وَلَمْ يُخْرِجهُمْ بِذَلِكَ عَنْ الْإِيمَان . قَالَ السُّدِّيّ : كَانُوا ثَمَانِينَ أَلْفًا , وَلَا مَحَالَة أَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ الْمُؤْمِن وَالْمُنَافِق وَالْمُجِدّ وَالْكَسْلَان , وَفِي الْحَدِيث ( مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا ) أَيْ لَيْسَ مِنْ أَصْحَابنَا وَلَا عَلَى طَرِيقَتنَا وَهَدْينَا . قَالَ : إِذَا حَاوَلْت فِي أَسَد فُجُورًا فَإِنِّي لَسْت مِنْك وَلَسْت مِنِّي وَهَذَا مَهْيَع فِي كَلَام الْعَرَب , يَقُول الرَّجُل لِابْنِهِ إِذَا سَلَكَ غَيْر أُسْلُوبه : لَسْت مِنِّي .


يُقَال : طَعِمْت الشَّيْء أَيْ ذُقْته . وَأَطْعَمْته الْمَاء أَيْ أَذَقْته , وَلَمْ يَقُلْ وَمَنْ لَمْ يَشْرَبهُ لِأَنَّ مِنْ عَادَة الْعَرَب إِذَا كَرَّرُوا شَيْئًا أَنْ يُكَرِّرُوهُ بِلَفْظٍ آخَر , وَلُغَة الْقُرْآن أَفْصَح اللُّغَات , فَلَا عِبْرَة بِقَدْحِ مَنْ يَقُول : لَا يُقَال طَعِمْت الْمَاء .

‎اِسْتَدَلَّ عُلَمَاؤُنَا بِهَذَا عَلَى الْقَوْل بِسَدِّ الذَّرَائِع ; لِأَنَّ أَدْنَى الذَّوْق يَدْخُل فِي لَفْظ الطَّعْم , فَإِذَا وَقَعَ النَّهْي عَنْ الطَّعْم فَلَا سَبِيل إِلَى وُقُوع الشُّرْب مِمَّنْ يَتَجَنَّب الطَّعْم , وَلِهَذِهِ الْمُبَالَغَة لَمْ يَأْتِ الْكَلَام " وَمَنْ لَمْ يَشْرَب مِنْهُ " .

لَمَّا قَالَ تَعَالَى : " وَمَنْ لَمْ يَطْعَمهُ " دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَاء طَعَام وَإِذَا كَانَ طَعَامًا كَانَ قُوتًا لِبَقَائِهِ وَاقْتِيَات الْأَبْدَان بِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا , قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهُوَ الصَّحِيح مِنْ الْمَذْهَب . قَالَ أَبُو عُمَر قَالَ مَالِك : لَا بَأْس بِبَيْعِ الْمَاء عَلَى الشَّطّ بِالْمَاءِ مُتَفَاضِلًا وَإِلَى أَجَل , وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَة وَأَبِي يُوسُف . وَقَالَ مُحَمَّد بْن الْحَسَن : هُوَ مِمَّا يُكَال وَيُوزَن , فَعَلَى هَذَا الْقَوْل لَا يَجُوز عِنْده التَّفَاضُل , وَذَلِكَ عِنْده فِيهِ رِبًا ; لِأَنَّ عِلَّته فِي الرِّبَا الْكَيْل وَالْوَزْن . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : لَا يَجُوز بَيْع الْمَاء مُتَفَاضِلًا وَلَا يَجُوز فِيهِ الْأَجَل , وَعِلَّته فِي الرِّبَا أَنْ يَكُون مَأْكُولًا جِنْسًا .

قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ قَالَ أَبُو حَنِيفَة : مَنْ قَالَ إِنْ شَرِبَ عَبْدِي فُلَان مِنْ الْفُرَات فَهُوَ حُرّ فَلَا يُعْتَق إِلَّا أَنْ يَكْرَع فِيهِ , وَالْكَرْع أَنْ يَشْرَب الرَّجُل بِفِيهِ مِنْ النَّهَر , فَإِنْ شَرِبَ بِيَدِهِ أَوْ اِغْتَرَفَ بِالْإِنَاءِ مِنْهُ لَمْ يُعْتَق ; لِأَنَّ اللَّه سُبْحَانه فَرَّقَ بَيْن الْكَرْع فِي النَّهَر وَبَيْن الشُّرْب بِالْيَدِ . قَالَ : وَهَذَا فَاسِد لِأَنَّ شُرْب الْمَاء يُطْلَق عَلَى كُلّ هَيْئَة وَصِفَة فِي لِسَان الْعَرَب مِنْ غَرْفٍ بِالْيَدِ أَوْ كَرْع بِالْفَمِ اِنْطِلَاقًا وَاحِدًا , فَإِذَا وُجِدَ الشُّرْب الْمَحْلُوف عَلَيْهِ لُغَة وَحَقِيقَة حَنِثَ , فَاعْلَمْهُ .

قُلْت : قَوْل أَبِي حَنِيفَة أَصَحّ , فَإِنَّ أَهْل اللُّغَة فَرَّقُوا بَيْنهمَا كَمَا فَرَّقَ الْكِتَاب وَالسُّنَّة . قَالَ الْجَوْهَرِيّ وَغَيْره : وَكَرَعَ فِي الْمَاء كُرُوعًا إِذَا تَنَاوَلَهُ بِفِيهِ مِنْ مَوْضِعه مِنْ غَيْر أَنْ يَشْرَب بِكَفَّيْهِ وَلَا بِإِنَاءٍ , وَفِيهِ لُغَة أُخْرَى [ كَرِعَ ] بِكَسْرِ الرَّاء يَكْرَع كَرَعًا . وَالْكَرَع : مَاء السَّمَاء يُكْرَع فِيهِ . وَأَمَّا السُّنَّة فَذَكَرَ اِبْن مَاجَهْ فِي سُنَنه : حَدَّثَنَا وَاصِل بْن عَبْد الْأَعْلَى حَدَّثَنَا اِبْن فُضَيْل عَنْ لَيْث عَنْ سَعِيد بْن عَامِر عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : مَرَرْنَا عَلَى بِرْكَة فَجَعَلْنَا نَكْرَع فِيهَا فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَكْرَعُوا وَلَكِنْ اِغْسِلُوا أَيْدِيكُمْ ثُمَّ اِشْرَبُوا فِيهَا فَإِنَّهُ لَيْسَ إِنَاء أَطْيَب مِنْ الْيَد ) وَهَذَا نَصّ . وَلَيْث بْن أَبِي سُلَيْم خَرَّجَ لَهُ مُسْلِم وَقَدْ ضُعِّفَ .

الِاغْتِرَاف : الْأَخْذ مِنْ الشَّيْء بِالْيَدِ وَبِآلَةٍ , وَمِنْهُ الْمِغْرَفَة , وَالْغَرْف مِثْل الِاغْتِرَاف . وَقُرِئَ " غَرْفَة " بِفَتْحِ الْغَيْن وَهِيَ مَصْدَر , وَلَمْ يَقُلْ اِغْتِرَافَة ; لِأَنَّ مَعْنَى الْغَرْف وَالِاغْتِرَاف وَاحِد . وَالْغَرْفَة الْمَرَّة الْوَاحِدَة . وَقُرِئَ " غُرْفَة " بِضَمِّ الْغَيْن وَهِيَ الشَّيْء الْمُغْتَرَف . وَقَالَ بَعْض الْمُفَسِّرِينَ : الْغَرْفَة بِالْكَفِّ الْوَاحِد وَالْغُرْفَة بِالْكَفَّيْنِ . وَقَالَ بَعْضهمْ : كِلَاهُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِد . وَقَالَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : الْأَكُفّ أَنْظَف الْآنِيَة , وَمِنْهُ قَوْل الْحَسَن : لَا يَدْلِفُونَ إِلَى مَاء بِآنِيَةٍ إِلَّا اِغْتِرَافًا مِنْ الْغُدْرَان بِالرَّاحِ الدَّلِيف : الْمَشْي الرُّوَيْد .

قُلْت : وَمَنْ أَرَادَ الْحَلَال الصِّرْف فِي هَذِهِ الْأَزْمَان دُون شُبْهَة وَلَا اِمْتِرَاء وَلَا اِرْتِيَاب فَلْيَشْرَبْ بِكَفَّيْهِ الْمَاء مِنْ الْعُيُون وَالْأَنْهَار الْمُسَخَّرَة بِالْجَرَيَانِ آنَاء اللَّيْل وَآنَاء النَّهَار , مُبْتَغِيًا بِذَلِكَ مِنْ اللَّه كَسْب الْحَسَنَات وَوَضْع الْأَوْزَار وَاللُّحُوق بِالْأَئِمَّةِ الْأَبْرَار , قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ شَرِبَ بِيَدِهِ وَهُوَ يَقْدِر عَلَى إِنَاء يُرِيد بِهِ التَّوَاضُع كَتَبَ اللَّه لَهُ بِعَدَدِ أَصَابِعه حَسَنَات وَهُوَ إِنَاء عِيسَى اِبْن مَرْيَم عَلَيْهِمَا السَّلَام إِذْ طَرَحَ الْقَدَح فَقَالَ أُفّ هَذَا مَعَ الدُّنْيَا ) . خَرَّجَهُ اِبْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر قَالَ : نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَشْرَب عَلَى بُطُوننَا وَهُوَ الْكَرْع , وَنَهَانَا أَنْ نَغْتَرِف بِالْيَدِ الْوَاحِدَة , وَقَالَ : ( لَا يَلَغ أَحَدكُمْ كَمَا يَلَغ الْكَلْب وَلَا يَشْرَب بِالْيَدِ الْوَاحِدَة كَمَا يَشْرَب الْقَوْم الَّذِينَ سَخِطَ اللَّه عَلَيْهِمْ وَلَا يَشْرَب بِاللَّيْلِ فِي إِنَاء حَتَّى يُحَرِّكهُ إِلَّا أَنْ يَكُون إِنَاء مُخَمَّرًا وَمَنْ شَرِبَ بِيَدِهِ وَهُوَ يَقْدِر عَلَى إِنَاء . .. ) الْحَدِيث كَمَا تَقَدَّمَ , وَفِي إِسْنَاده بَقِيَّة بْن الْوَلِيد , قَالَ أَبُو حَاتِم : يُكْتَب حَدِيثه وَلَا يُحْتَجّ بِهِ . وَقَالَ أَبُو زُرْعَة : إِذَا حَدَّثَ بَقِيَّة عَنْ الثِّقَات فَهُوَ ثِقَة .


قَالَ اِبْن عَبَّاس : شَرِبُوا عَلَى قَدْر يَقِينهمْ فَشَرِبَ الْكُفَّار شُرْب الْهِيم وَشَرِبَ الْعَاصُونَ دُون ذَلِكَ , وَانْصَرَفَ مِنْ الْقَوْم سِتَّة وَسَبْعُونَ أَلْفًا وَبَقِيَ بَعْض الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَشْرَب شَيْئًا وَأَخَذَ بَعْضهمْ الْغُرْفَة , فَأَمَّا مَنْ شَرِبَ فَلَمْ يُرْوَ , بَلْ بَرَّحَ بِهِ الْعَطَش , وَأَمَّا مَنْ تَرَكَ الْمَاء فَحَسُنَتْ حَاله وَكَانَ أَجْلَد مِمَّنْ أَخَذَ الْغُرْفَة .



" فَلَمَّا جَاوَزَهُ " الْهَاء تَعُود عَلَى النَّهَر , و " هُوَ " تَوْكِيد . " وَاَلَّذِينَ " فِي مَوْضِع رَفْع عَطْفًا عَلَى الْمُضْمَر فِي " جَاوَزَهُ " يُقَال : جَاوَزْت الْمَكَان مُجَاوَزَة وَجَوَازًا . وَالْمَجَاز فِي الْكَلَام مَا جَازَ فِي الِاسْتِعْمَال وَنَفَذَ وَاسْتَمَرَّ عَلَى وَجْهه . قَالَ اِبْن عَبَّاس وَالسُّدِّيّ : جَازَ مَعَهُ فِي النَّهَر أَرْبَعَة آلَاف رَجُل فِيهِمْ مَنْ شَرِبَ , فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَى جَالُوت وَجُنُوده وَكَانُوا مِائَة أَلْف كُلّهمْ شَاكُّونَ فِي السِّلَاح رَجَعَ مِنْهُمْ ثَلَاثَة آلَاف وَسِتّمِائَةٍ وَبِضْعَة وَثَمَانُونَ , فَعَلَى هَذَا الْقَوْل قَالَ الْمُؤْمِنُونَ الْمُوقِنُونَ بِالْبَعْثِ وَالرُّجُوع إِلَى اللَّه تَعَالَى عِنْد ذَلِكَ وَهُمْ عِدَّة أَهْل بَدْر : " كَمْ مِنْ فِئَة قَلِيلَة غَلَبَتْ فِئَة كَثِيرَة بِإِذْنِ اللَّه " . وَأَكْثَر الْمُفَسِّرِينَ : عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا جَازَ مَعَهُ النَّهَر مَنْ لَمْ يَشْرَب جُمْلَة , فَقَالَ بَعْضهمْ : كَيْف نُطِيق الْعَدُوّ مَعَ كَثْرَتهمْ ! فَقَالَ أُولُو الْعَزْم مِنْهُمْ : " كَمْ مِنْ فِئَة قَلِيلَة غَلَبَتْ فِئَة كَثِيرَة بِإِذْنِ اللَّه " . قَالَ الْبَرَاء بْن عَازِب : كُنَّا نَتَحَدَّث أَنَّ عِدَّة أَهْل بَدْر كَعِدَّةِ أَصْحَاب طَالُوت الَّذِينَ جَاوَزُوا مَعَهُ النَّهَر ثَلَاثمِائَةٍ وَبِضْعَة عَشَر رَجُلًا - وَفِي رِوَايَة : وَثَلَاثَة عَشَر رَجُلًا - وَمَا جَازَ مَعَهُ إِلَّا مُؤْمِن .



وَالظَّنّ هُنَا بِمَعْنَى الْيَقِين , وَيَجُوز أَنْ يَكُون شَكًّا لَا عِلْمًا , أَيْ قَالَ الَّذِينَ يَتَوَهَّمُونَ أَنَّهُمْ يُقْتَلُونَ مَعَ طَالُوت فَيَلْقَوْنَ اللَّه شُهَدَاء , فَوَقَعَ الشَّكّ فِي الْقَتْل .

الْفِئَة : الْجَمَاعَة مِنْ النَّاس وَالْقِطْعَة مِنْهُمْ مِنْ فَأَوْت رَأْسه بِالسَّيْفِ وَفَأْيَته أَيْ قَطَعْته . وَفِي قَوْلهمْ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ : " كَمْ مِنْ فِئَة قَلِيلَة " الْآيَة تَحْرِيض عَلَى الْقِتَال وَاسْتِشْعَار لِلصَّبْرِ وَاقْتِدَاء بِمَنْ صَدَّقَ رَبّه .

‎قُلْت : هَكَذَا يَجِب عَلَيْنَا نَحْنُ أَنْ نَفْعَل ؟ لَكِنْ الْأَعْمَال الْقَبِيحَة وَالنِّيَّات الْفَاسِدَة مَنَعَتْ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَنْكَسِر الْعَدَد الْكَبِير مِنَّا قُدَّام الْيَسِير مِنْ الْعَدُوّ كَمَا شَاهَدْنَاهُ غَيْر مَرَّة , وَذَلِكَ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِينَا وَفِي الْبُخَارِيّ : قَالَ أَبُو الدَّرْدَاء : إِنَّمَا تُقَاتِلُونَ بِأَعْمَالِكُمْ . وَفِيهِ مُسْنَد أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( هَلْ تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ ) . فَالْأَعْمَال فَاسِدَة وَالضُّعَفَاء مُهْمَلُونَ وَالصَّبْر قَلِيل وَالِاعْتِمَاد ضَعِيف وَالتَّقْوَى زَائِلَة . قَالَ اللَّه تَعَالَى : " اِصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّه " [ آل عِمْرَان : 200 ] وَقَالَ : " وَعَلَى اللَّه فَتَوَكَّلُوا " [ الْمَائِدَة : 23 ] وَقَالَ : " إِنَّ اللَّه مَعَ الَّذِينَ اِتَّقَوْا وَاَلَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ " [ النَّحْل : 128 ] وَقَالَ : " وَلَيَنْصُرَن اللَّه مَنْ يَنْصُرهُ " [ الْحَجّ : 40 ] وَقَالَ : " إِذَا لَقِيتُمْ فِئَة فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّه كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ " [ الْأَنْفَال : 45 ] . فَهَذِهِ أَسْبَاب النَّصْر وَشُرُوطه وَهِيَ مَعْدُومَة عِنْدنَا غَيْر مَوْجُودَة فِينَا , فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ عَلَى مَا أَصَابَنَا وَحَلَّ بِنَا بَلْ لَمْ يَبْقَ مِنْ الْإِسْلَام إِلَّا ذِكْره , وَلَا مِنْ الدِّين إِلَّا رَسْمه لِظُهُورِ الْفَسَاد وَلِكَثْرَةِ الطُّغْيَان وَقِلَّة الرَّشَاد حَتَّى اِسْتَوْلَى الْعَدُوّ شَرْقًا وَغَرْبًا بَرًّا وَبَحْرًا , وَعَمَّتْ الْفِتَن وَعَظُمَتْ الْمِحَن وَلَا عَاصِم إِلَّا مَنْ رَحِمَ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • هذا الحبيب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم يامحب

    هذا الحبيب يامحب: يتناول الكتاب سيرة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -، مع بعض الأخلاق والآداب المحمدية، متبعاً كل مبحث بالنتائج والعبر التي يمكن أن تستقى منه.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141342

    التحميل:

  • آداب المشي إلى الصلاة مع بيان بعض أحكام الصلاة والزكاة ومايفسد الصوم

    آداب المشي إلى الصلاة : رسالة في بيان ما يُسن للخروج إلى الصلاة من آداب وصفة الصلاة وواجباتها وسننها، وبيان صلاة التطوع وما يتعلق بها، وصلاة الجماعة وواجباتها وسننها، وبيان صلاة أهل الأعذار، وصلاة الجمعة والعيدين والكسوف والإستسقاء وصلاة الجنازة، وما يتعلق بالزكاة والصيام.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/264152

    التحميل:

  • نور التقوى وظلمات المعاصي في ضوء الكتاب والسنة

    نور التقوى وظلمات المعاصي في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في «نور التقوى وظلمات المعاصي» أوضحتُ فيها نور التقوى، ومفهومها، وأهميتها، وصفات المتقين، وثمرات التقوى، وبيّنت فيها: ظلمات المعاصي، ومفهومها، وأسبابها، ومداخلها، وأصولها، وأقسامها، وأنواعها وآثارها، على الفرد والمجتمع، وعلاج المعاصي وأصحابها».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/193646

    التحميل:

  • عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر

    عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر: ذكر الشيخ - حفظه الله - في هذه الرسالة اعتقاد أهل السنة والجماعة في المهدي المنتظر، وبيان الأحاديث الواردة فيه، والرد على شبهات الطاعنين في تلك الأحاديث.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2124

    التحميل:

  • قصيدة الواعظ الأندلسي في مناقب أم المؤمنين الصديقة عائشة رضي الله عنها

    قصيدة الواعظ الأندلسي في مناقب أم المؤمنين الصديقة عائشة رضي الله عنها: قصيدة لأحد علماء وأدباء الأندلس وهو: أبو عمران موسى بن محمد الواعظ - رحمه الله -، وقد بيَّن فيها فضلَ عائشة - رضي الله عنها - ومناقبها وبيان عقيدة أهل السنة والجماعة فيها.

    المدقق/المراجع: فهد بن عبد الرحمن الرومي

    الناشر: مكتبة التوبة للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/364174

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة