Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 248

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (248) (البقرة) mp3
أَيْ إِتْيَان التَّابُوت , وَالتَّابُوت كَانَ مِنْ شَأْنه فِيمَا ذُكِرَ أَنَّهُ أَنْزَلَهُ اللَّه عَلَى آدَم عَلَيْهِ السَّلَام , فَكَانَ عِنْده إِلَى أَنْ وَصَلَ إِلَى يَعْقُوب عَلَيْهِ السَّلَام , فَكَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيل يَغْلِبُونَ بِهِ مَنْ قَاتَلَهُمْ حَتَّى عَصَوْا فَغُلِبُوا عَلَى التَّابُوت غَلَبَهُمْ عَلَيْهِ الْعَمَالِقَة : جَالُوت وَأَصْحَابه فِي قَوْل السُّدِّيّ , وَسَلَبُوا التَّابُوت مِنْهُمْ .

قُلْت : وَهَذَا أَدَلّ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْعِصْيَان سَبَب الْخِذْلَان , وَهَذَا بَيِّن . قَالَ النَّحَّاس : وَالْآيَة فِي التَّابُوت عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يُسْمَع فِيهِ أَنِين , فَإِذَا سَمِعُوا ذَلِكَ سَارُوا لِحَرْبِهِمْ , وَإِذَا هَدَأَ الْأَنِين لَمْ يَسِيرُوا وَلَمْ يَسِرْ التَّابُوت . وَقِيلَ : كَانُوا يَضَعُونَهُ فِي مَأْزِق الْحَرْب فَلَا تَزَال تَغْلِب حَتَّى عَصَوْا فَغُلِبُوا وَأُخِذَ مِنْهُمْ التَّابُوت وَذَلَّ أَمْرهمْ , فَلَمَّا رَأَوْا آيَة الِاصْطِلَام وَذَهَاب الذِّكْر , أَنِفَ بَعْضهمْ وَتَكَلَّمُوا فِي أَمْرهمْ حَتَّى اِجْتَمَعَ مَلَؤُهُمْ أَنْ قَالُوا لِنَبِيِّ الْوَقْت : اِبْعَثْ لَنَا مَلِكًا , فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ : مَلِككُمْ طَالُوت رَاجَعُوهُ فِيهِ كَمَا أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُمْ , فَلَمَّا قَطَعَهُمْ بِالْحُجَّةِ سَأَلُوهُ الْبَيِّنَة عَلَى ذَلِكَ , فِي قَوْل الطَّبَرِيّ . فَلَمَّا سَأَلُوا نَبِيّهمْ الْبَيِّنَة عَلَى مَا قَالَ , دَعَا رَبّه فَنَزَلَ بِالْقَوْمِ الَّذِينَ أَخَذُوا التَّابُوت دَاء بِسَبَبِهِ , عَلَى خِلَاف فِي ذَلِكَ . قِيلَ : وَضَعُوهُ فِي كَنِيسَة لَهُمْ فِيهَا أَصْنَام فَكَانَتْ الْأَصْنَام تُصْبِح مَنْكُوسَة . وَقِيلَ : وَضَعُوهُ فِي بَيْت أَصْنَامهمْ تَحْت الصَّنَم الْكَبِير فَأَصْبَحُوا وَهُوَ فَوْق الصَّنَم , فَأَخَذُوهُ وَشَدُّوهُ إِلَى رِجْلَيْهِ فَأَصْبَحُوا وَقَدْ قُطِعَتْ يَدَا الصَّنَم وَرِجْلَاهُ وَأُلْقِيَتْ تَحْت التَّابُوت , فَأَخَذُوهُ وَجَعَلُوهُ فِي قَرْيَة قَوْم فَأَصَابَ أُولَئِكَ الْقَوْم أَوْجَاع فِي أَعْنَاقهمْ . وَقِيلَ : جَعَلُوهُ فِي مَخْرَأَة قَوْم فَكَانُوا يُصِيبهُمْ الْبَاسُور , فَلَمَّا عَظُمَ بَلَاؤُهُمْ كَيْفَمَا كَانَ , قَالُوا : مَا هَذَا إِلَّا لِهَذَا التَّابُوت فَلْنَرُدَّهُ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيل فَوَضَعُوهُ عَلَى عَجَلَة بَيْن ثَوْرَيْنِ وَأَرْسَلُوهُمَا فِي الْأَرْض نَحْو بِلَاد بَنِي إِسْرَائِيل , وَبَعَثَ اللَّه مَلَائِكَة تَسُوق الْبَقَرَتَيْنِ حَتَّى دَخَلَتَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل , وَهُمْ فِي أَمْر طَالُوت فَأَيْقَنُوا بِالنَّصْرِ , وَهَذَا هُوَ حَمْل الْمَلَائِكَة لِلتَّابُوتِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة . وَرُوِيَ أَنَّ الْمَلَائِكَة جَاءَتْ بِهِ تَحْمِلهُ وَكَانَ يُوشَع بْن نُون قَدْ جَعَلَهُ فِي الْبَرِّيَّة , فَرُوِيَ أَنَّهُمْ رَأَوْا التَّابُوت فِي الْهَوَاء حَتَّى نَزَلَ بَيْنهمْ , قَالَهُ الرَّبِيع بْن خَيْثَم . وَقَالَ وَهْب بْن مُنَبِّه : كَانَ قَدْر التَّابُوت نَحْوًا مِنْ ثَلَاثَة أَذْرُع فِي ذِرَاعَيْنِ . الْكَلْبِيّ : وَكَانَ مِنْ عُود شمسار الَّذِي يُتَّخَذ مِنْهُ الْأَمْشَاط . وَقَرَأَ زَيْد بْن ثَابِت " التَّابُوه " وَهِيَ لُغَته , وَالنَّاس عَلَى قِرَاءَته بِالتَّاءِ وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَرُوِيَ عَنْهُ " التَّيْبُوت " ذَكَرَهُ النَّحَّاس . وَقَرَأَ حُمَيْد بْن قَيْس " يَحْمِلهُ " بِالْيَاءِ .


اِخْتَلَفَ النَّاس فِي السَّكِينَة وَالْبَقِيَّة , فَالسَّكِينَة فَعِيلَة مَأْخُوذَة مِنْ السُّكُون وَالْوَقَار وَالطُّمَأْنِينَة . فَقَوْله " فِيهِ سَكِينَة " أَيْ هُوَ سَبَب سُكُون قُلُوبكُمْ فِيمَا اِخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ أَمْر طَالُوت , وَنَظِيره " فَأَنْزَلَ اللَّه سَكِينَته عَلَيْهِ " [ التَّوْبَة : 40 ] أَيْ أَنْزَلَ عَلَيْهِ مَا سَكَنَ بِهِ قَلْبه . وَقِيلَ : أَرَادَ أَنَّ التَّابُوت كَانَ سَبَب سُكُون قُلُوبهمْ , فَأَيْنَمَا كَانُوا سَكَنُوا إِلَيْهِ وَلَمْ يَفِرُّوا مِنْ التَّابُوت إِذَا كَانَ مَعَهُمْ فِي الْحَرْب . وَقَالَ وَهْب بْن مُنَبِّه : السَّكِينَة رُوح مِنْ اللَّه تَتَكَلَّم , فَكَانُوا إِذَا اِخْتَلَفُوا فِي أَمْر نَطَقَتْ بِبَيَانِ مَا يُرِيدُونَ , وَإِذَا صَاحَتْ فِي الْحَرْب كَانَ الظَّفَر لَهُمْ . وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب : هِيَ رِيح هَفَّافَة لَهَا وَجْه كَوَجْهِ الْإِنْسَان . وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : هِيَ رِيح خَجُوج لَهَا رَأْسَانِ . وَقَالَ مُجَاهِد : حَيَوَان كَالْهِرِّ لَهُ جَنَاحَانِ وَذَنَب وَلِعَيْنَيْهِ شُعَاع , فَإِذَا نَظَرَ إِلَى الْجَيْش اِنْهَزَمَ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : طَسْت مِنْ ذَهَب مِنْ الْجَنَّة , كَانَ يُغْسَل فِيهِ قُلُوب الْأَنْبِيَاء , وَقَالَهُ السُّدِّيّ . وَقَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَالصَّحِيح أَنَّ التَّابُوت كَانَتْ فِيهِ أَشْيَاء فَاضِلَة مِنْ بَقَايَا الْأَنْبِيَاء وَآثَارهمْ , فَكَانَتْ النُّفُوس تَسْكُن إِلَى ذَلِكَ وَتَأْنَس بِهِ وَتَقْوَى .

قُلْت : وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ الْبَرَاء قَالَ : كَانَ رَجُل يَقْرَأ سُورَة " الْكَهْف " وَعِنْده فَرَس مَرْبُوط بِشَطَنَيْنِ فَتَغَشَّتْهُ سَحَابَة فَجَعَلَتْ تَدُور وَتَدْنُو وَجَعَلَ فَرَسه يَنْفِر مِنْهَا , فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ : ( تِلْكَ السَّكِينَة تَنَزَّلَتْ لِلْقُرْآنِ ) . وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ : أَنَّ أُسَيْد بْن الْحُضَيْر بَيْنَمَا هُوَ لَيْلَة يَقْرَأ فِي مِرْبَده الْحَدِيث وَفِيهِ : فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( تِلْكَ الْمَلَائِكَة كَانَتْ تَسْتَمِع لَك وَلَوْ قَرَأْت لَأَصْبَحَتْ يَرَاهَا النَّاس مَا تَسْتَتِر مِنْهُمْ ) خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم . فَأَخْبَرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نُزُول السَّكِينَة مَرَّة , وَمَرَّة عَنْ نُزُول الْمَلَائِكَة , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ السَّكِينَة كَانَتْ فِي تِلْكَ الظُّلَّة , وَأَنَّهَا تَنْزِل أَبَدًا مَعَ الْمَلَائِكَة . وَفِي هَذَا حُجَّة لِمَنْ قَالَ إِنَّ السَّكِينَة رُوح أَوْ شَيْء لَهُ رُوح لِأَنَّهُ لَا يَصِحّ اِسْتِمَاع الْقُرْآن إِلَّا لِمَنْ يَعْقِل , وَاَللَّه أَعْلَم .



اُخْتُلِفَ فِي الْبَقِيَّة عَلَى أَقْوَال , فَقِيلَ : عَصَا مُوسَى وَعَصَا هَارُون وَرُضَاض الْأَلْوَاح ; لِأَنَّهَا اِنْكَسَرَتْ حِين أَلْقَاهَا مُوسَى , قَالَهُ اِبْن عَبَّاس . زَادَ عِكْرِمَة : التَّوْرَاة . وَقَالَ أَبُو صَالِح : الْبَقِيَّة : عَصَا مُوسَى وَثِيَابه وَثِيَاب هَارُون وَلَوْحَانِ مِنْ التَّوْرَاة . وَقَالَ عَطِيَّة بْن سَعْد : وَهِيَ عَصَا مُوسَى وَعَصَا هَارُون وَثِيَابهمَا وَرُضَاض الْأَلْوَاح . وَقَالَ الثَّوْرِيّ : مِنْ النَّاس مَنْ يَقُول الْبَقِيَّة قَفِيزَا مَنٍّ فِي طَسْت مِنْ ذَهَب وَعَصَا مُوسَى وَعِمَامَة هَارُون وَرُضَاض الْأَلْوَاح . وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُول : الْعَصَا وَالنَّعْلَانِ . وَمَعْنَى هَذَا مَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ مُوسَى لَمَّا جَاءَ قَوْمه بِالْأَلْوَاحِ فَوَجَدَهُمْ قَدْ عَبَدُوا الْعِجْل , أَلْقَى الْأَلْوَاح غَضَبًا فَتَكَسَّرَتْ , فَنَزَعَ مِنْهَا مَا كَانَ صَحِيحًا وَأَخَذَ رُضَاض مَا تَكَسَّرَ فَجَعَلَهُ فِي التَّابُوت . وَقَالَ الضَّحَّاك : الْبَقِيَّة : الْجِهَاد وَقِتَال الْأَعْدَاء . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : أَيْ الْأَمْر بِذَلِكَ فِي التَّابُوت , إِمَّا أَنَّهُ مَكْتُوب فِيهِ , وَإِمَّا أَنَّ نَفْس الْإِتْيَان بِهِ هُوَ كَالْأَمْرِ بِذَلِكَ , وَأُسْنِدَ التَّرْك إِلَى آل مُوسَى وَآل هَارُون مِنْ حَيْثُ كَانَ الْأَمْر مُنْدَرِجًا مِنْ قَوْم إِلَى قَوْم وَكُلّهمْ آل مُوسَى وَآل هَارُون . وَآل الرَّجُل قَرَابَته . وَقَدْ تَقَدَّمَ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • نظم الآجرومية لعبيد ربه الشنقيطي

    نظم الآجرومية لعبيد ربه الشنقيطي المتوفى في أوائل القرن الثاني عشر الهجري، وقد قام بنظم المقدمة الآجرومية لأبي عبدالله محمد بن محمد بن داود الصنهاجي المعروف بـابن آجروم، وهو متن مشهور في النحو، قد تلقاه العلماء بالقبول؛ وهذا النظم يعد أوجز المتون التي عُني فيها أصحابها بمتن المقدمة الآجرومية، ويمتاز بسلاسته وعنايته بالأمثلة التطبيقية.

    الناشر: موقع المتون العلمية http://www.almtoon.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/335287

    التحميل:

  • الفتوى الحموية الكبرى

    الفتوى الحموية الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى : رسالة عظيمة في تقرير مذهب السلف في صفات الله - جل وعلا - كتبها سنة (698هـ) جواباً لسؤال ورد عليه من حماة هو: « ما قول السادة الفقهاء أئمة الدين في آيات الصفات كقوله تعالى: ﴿ الرحمن على العرش استوى ﴾ وقوله ( ثم استوى على العرش ) وقوله تعالى: ﴿ ثم استوى إلى السماء وهي دخان ﴾ إلى غير ذلك من الآيات، وأحاديث الصفات كقوله - صلى الله عليه وسلم - { إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن } وقوله - صلى الله عليه وسلم - { يضع الجبار قدمه في النار } إلى غير ذلك، وما قالت العلماء فيه، وابسطوا القول في ذلك مأجورين إن شاء الله تعالى ».

    المدقق/المراجع: حمد بن عبد المحسن التويجري

    الناشر: دار الصميعي للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/322183

    التحميل:

  • شروط الصلاة في ضوء الكتاب والسنة

    شروط الصلاة في ضوء الكتاب والسنة: مفهوم شروط الصلاة، مع شرح الشروط بأدلتها من الكتاب والسنة.

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/53245

    التحميل:

  • الفواكه الجنية فى الخطب والمحاضرات السنية

    الفواكه الجنية فى الخطب والمحاضرات السنية: كتابٌ جمع فيه الشيخ - رحمه الله - مجموعة من الخُطب والمحاضرات النافعة في موضوعات كثيرة تتناسَب مع واقع الناس وأحوالهم.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/380509

    التحميل:

  • هل يكذب التاريخ؟

    هل يكذب التاريخ؟: في هذا الكتاب تحدث المؤلف عن تحرير المرأة من المنظور العلماني والغربي، وبين أنهم يريدون تحريرها من عبودية الله - سبحانه وتعالى - إلى عبودية الهوى والمادية، ويحرموها من الاقتداء بعظيمات التاريخ: مابين خديجة وعائشة - رضي الله عنهم - إلى الاقتداء بنساء تافهات يتلاطمهن الضياع والتيه.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/385837

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة