Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 247

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247) (البقرة) mp3
أَيْ أَجَابَكُمْ إِلَى مَا سَأَلْتُمْ , وَكَانَ طَالُوت سَقَّاء . وَقِيلَ : دَبَّاغًا . وَقِيلَ : مُكَارِيًا , وَكَانَ عَالِمًا فَلِذَلِكَ رَفَعَهُ اللَّه عَلَى مَا يَأْتِي : وَكَانَ مِنْ سِبْط بِنْيَامِينَ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ سِبْط النُّبُوَّة وَلَا مِنْ سِبْط الْمُلْك , وَكَانَتْ النُّبُوَّة فِي بَنِي لَاوَى , وَالْمُلْك فِي سِبْط يَهُوذَا فَلِذَلِكَ أَنْكَرُوا . قَالَ وَهْب بْن مُنَبِّه : لَمَّا قَالَ الْمَلَأ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل لِشَمْوِيل بْن بَال مَا قَالُوا , سَأَلَ اللَّه تَعَالَى أَنْ يَبْعَث إِلَيْهِمْ مَلِكًا وَيَدُلّهُ عَلَيْهِ , فَقَالَ اللَّه تَعَالَى لَهُ : اُنْظُرْ إِلَى الْقَرَن الَّذِي فِيهِ الدُّهْن فِي بَيْتك فَإِذَا دَخَلَ عَلَيْك رَجُل فَنَشَّ الدُّهْن الَّذِي فِي الْقَرَن , فَهُوَ مَلِك بَنِي إِسْرَائِيل فَادْهِنْ رَأْسه مِنْهُ وَمَلِّكْهُ عَلَيْهِمْ . قَالَ : وَكَانَ طَالُوت دَبَّاغًا فَخَرَجَ فِي اِبْتِغَاء دَابَّة أَضَلَّهَا , فَقَصَدَ شَمْوِيل عَسَى أَنْ يَدْعُو لَهُ فِي أَمْر الدَّابَّة أَوْ يَجِد عِنْده فَرَجًا , فَنَشَّ الدُّهْن عَلَى مَا زَعَمُوا , قَالَ : فَقَامَ إِلَيْهِ شَمْوِيل فَأَخَذَهُ وَدَهَنَ مِنْهُ رَأْس طَالُوت , وَقَالَ لَهُ : أَنْتَ مَلِك بَنِي إِسْرَائِيل الَّذِي أَمَرَنِي اللَّه تَعَالَى بِتَقْدِيمِهِ , ثُمَّ قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيل : " إِنَّ اللَّه قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوت مَلِكًا " . وَطَالُوت وَجَالُوت اِسْمَانِ أَعْجَمِيَّانِ مُعَرَّبَانِ , وَلِذَلِكَ لَمْ يَنْصَرِفَا , وَكَذَلِكَ دَاوُد , وَالْجَمْع طَوَالِيت وَجَوَالِيت وَدَوَاوِيد , وَلَوْ سَمَّيْت رَجُلًا بِطَاوُس وَرَاقُود لَصَرَفْت وَإِنْ كَانَ أَعْجَمِيَّيْنِ . وَالْفَرْق بَيْن هَذَا وَالْأَوَّل أَنَّك تَقُول : الطَّاوُس , فَتُدْخِل الْأَلِف وَاللَّام فَيُمْكِن فِي الْعَرَبِيَّة وَلَا يُمْكِن هَذَا فِي ذَاكَ .


أَيْ كَيْف يَمْلِكنَا وَنَحْنُ أَحَقّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ . جَرَوْا عَلَى سُنَّتهمْ فِي تَعْنِيتهمْ الْأَنْبِيَاء وَحَيْدهمْ عَنْ أَمْر اللَّه تَعَالَى فَقَالُوا : " أَنَّى " أَيْ مِنْ أَيّ جِهَة , ف " أَنَّى " فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى الظَّرْف , وَنَحْنُ مِنْ سِبْط الْمُلُوك وَهُوَ لَيْسَ كَذَلِكَ وَهُوَ فَقِير , فَتَرَكُوا السَّبَب الْأَقْوَى وَهُوَ قَدَر اللَّه تَعَالَى وَقَضَاؤُهُ السَّابِق حَتَّى اِحْتَجَّ عَلَيْهِمْ نَبِيّهمْ بِقَوْلِهِ : " إِنَّ اللَّه اِصْطَفَاهُ " أَيْ اِخْتَارَهُ وَهُوَ الْحُجَّة الْقَاطِعَة , وَبَيَّنَ لَهُمْ مَعَ ذَلِكَ تَعْلِيل اِصْطِفَاء طَالُوت , وَهُوَ بَسْطَته فِي الْعِلْم الَّذِي هُوَ مِلَاك الْإِنْسَان , وَالْجِسْم الَّذِي هُوَ مُعِينه فِي الْحَرْب وَعِدَّته عِنْد اللِّقَاء , فَتَضَمَّنَتْ بَيَان صِفَة الْإِمَام وَأَحْوَال الْإِمَامَة , وَإِنَّهَا مُسْتَحَقَّة بِالْعِلْمِ وَالدِّين وَالْقُوَّة لَا بِالنَّسَبِ , فَلَا حَظّ لِلنَّسَبِ فِيهَا مَعَ الْعِلْم وَفَضَائِل النَّفْس وَأَنَّهَا مُتَقَدِّمَة عَلَيْهِ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُ اِخْتَارَهُ عَلَيْهِمْ لِعِلْمِهِ وَقُوَّته , وَإِنْ كَانُوا أَشْرَف مُنْتَسَبًا . وَقَدْ مَضَى فِي أَوَّل السُّورَة مِنْ ذِكْر الْإِمَامَة وَشُرُوطهَا مَا يَكْفِي وَيُغْنِي . وَهَذِهِ الْآيَة أَصْل فِيهَا . قَالَ اِبْن عَبَّاس : كَانَ طَالُوت يَوْمئِذٍ أَعْلَم رَجُل فِي بَنِي إِسْرَائِيل وَأَجْمَله وَأَتَمّه , وَزِيَادَة الْجِسْم مِمَّا يُهِيب الْعَدُوّ . وَقِيلَ : سُمِّيَ طَالُوت لِطُولِهِ . وَقِيلَ : زِيَادَة الْجِسْم كَانَتْ بِكَثْرَةِ مَعَانِي الْخَيْر وَالشَّجَاعَة , وَلَمْ يُرِدْ عِظَم الْجِسْم , أَلَمْ تَرَ إِلَى قَوْل الشَّاعِر : تَرَى الرَّجُل النَّحِيف فَتَزْدَرِيه وَفِي أَثْوَابه أَسَد هَصُور وَيُعْجِبك الطَّرِير فَتَبْتَلِيه فَيُخْلِف ظَنَّك الرَّجُل الطَّرِير وَقَدْ عَظُمَ الْبَعِير بِغَيْرِ لُبّ فَلَمْ يَسْتَغْنِ بِالْعِظَمِ الْبَعِير قُلْت : وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَزْوَاجِهِ : ( أَسْرَعكُنَّ لَحَاقًا بِي أَطْوَلكُنَّ يَدًا ) فَكُنَّ يَتَطَاوَلْنَ , فَكَانَتْ زَيْنَب أَوَّلهنَّ مَوْتًا ; لِأَنَّهَا كَانَتْ تَعْمَل بِيَدِهَا وَتَتَصَدَّق , خَرَّجَهُ مُسْلِم . وَقَالَ بَعْض الْمُتَأَوِّلِينَ : الْمُرَاد بِالْعِلْمِ عِلْم الْحَرْب , وَهَذَا تَخْصِيص الْعُمُوم مِنْ غَيْر دَلِيل . وَقَدْ قِيلَ : زِيَادَة الْعِلْم بِأَنْ أَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ , وَعَلَى هَذَا كَانَ طَالُوت نَبِيًّا , وَسَيَأْتِي .


ذَهَبَ بَعْض الْمُتَأَوِّلِينَ إِلَى أَنَّ هَذَا مِنْ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقِيلَ : هُوَ مِنْ قَوْل شَمْوِيل وَهُوَ الْأَظْهَر . قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ لَمَّا عَلِمَ مِنْ تَعَنُّتهمْ وَجِدَالهمْ فِي الْحُجَج , فَأَرَادَ أَنْ يُتْمِم كَلَامه بِالْقَطْعِيِّ الَّذِي لَا اِعْتِرَاض عَلَيْهِ فَقَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَاَللَّه يُؤْتِي مُلْكه مَنْ يَشَاء " . وَإِضَافَة مُلْك الدُّنْيَا إِلَى اللَّه تَعَالَى إِضَافَة مَمْلُوك إِلَى مَلِك . ثُمَّ قَالَ لَهُمْ عَلَى جِهَة التَّغْبِيط وَالتَّنْبِيه مِنْ غَيْر سُؤَال مِنْهُمْ : " إِنَّ آيَة مُلْكه " . وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُونُوا سَأَلُوهُ الدَّلَالَة عَلَى صِدْقه فِي قَوْله : " إِنَّ اللَّه قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوت مَلِكًا " . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَالْأَوَّل أَظْهَر بِمَسَاقِ الْآيَة , وَالثَّانِي أَشْبَه بِأَخْلَاقِ بَنِي إِسْرَائِيل الذَّمِيمَة , وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الطَّبَرِيّ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الرسالة التدمرية

    الرسالة التدمرية : تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع، لشيخ الإسلام ابن تيمية المتوفي سنة (827هـ) - رحمه الله تعالى -، - سبب كتابتها ما ذكره شيخ الإسلام في مقدمتها بقوله: " أما بعد: فقد سألني من تعينت إجابتهم أن أكتب لهم مضمون ما سمعوه مني في بعض المجالس من الكلام في التوحيد والصفات وفي الشرع والقدر. - جعل كلامه في هذه الرسالة مبنياً على أصلين: الأصل الأول: توحيد الصفات، قدم له مقدمة ثم ذكر أصلين شريفين ومثلين مضروبين وخاتمة جامعة اشتملت على سبع قواعد يتبين بها ما قرره في مقدمة هذا الأصل. الأصل الثاني: توحيد العبادة المتضمن للإيمان بالشرع والقدر جميعاً. - والذين سألوا الشيخ أن يكتب لهم مضمون ما سمعوا منه من أهل تدمر - فيما يظهر - وتدمر بلدة من بلدان الشام من أعمال حمص، وهذا وجه نسبة الرسالة إليها.

    الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/272963

    التحميل:

  • التمثيل [ حقيقته ، تاريخه ، حُكمه ]

    التمثيل : فإن التمثيل أصبح في الحياة المعاصرة ( فـنـاً ) له رواده، ومدارسه، وطرائقـه، بمسلسلاته، ومسرحياته، على اختلاف وسائل نشره في: الإذاعة، والتلفاز، وعلى خشبات المسارح، وردهات النوادي، فصار بهذا يشغـل حيّـزاً كبيراً في حياة المسلمين: حرفة، أداءاً، وسماعاً، و مشاهدة، فكل مدرسة من مدارس التمثيل تجلب من التمثيليات والمسلسلات ما يُروجها ويُكسبها سمعة وانتشاراً، إذ هي جواد رابح ُتحاز من ورائه الأموال. ويندر أن ترى الفرق بين أن تكون الممارسات والعرض في دار إسلام، أو دار كفـر. وقد استشرى هذا في البيوتات، والأماكن العامة، فملأ أفئدة عوام الأمة: رجالاً، ونساءاً، وولداناً، حتى أن من يمجها ولا يهرع إليها، يُوصف بأنه ( فاقد الخيال ). لهذا: رأيت أن أبـّيـن للمسلمين منزلة هذا ( التمثيل ) من العلم والدين، لأن تصرفات المسلم لا بد أن تكون محفوفة برسم الشرع، في دائرة نصوصه وقواعده، وآدابه. ولنرى بعد: هل من يستمزجها؟ ( له خيـال ) أم فيه ( خبـال )؟.

    الناشر: دار الراية للنشر والتوزيع بالرياض

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/169025

    التحميل:

  • أعمال القلوب [ الخوف ]

    كم أطلق الخوف من سجين في لذته! وكم فك من أسير للهوى ضاعت فيه همته! وكم أيقظ من غافل التحلف بلحاف شهوته! وكم من عاق لوالديه رده الخوف عن معصيته! وكم من فاجر في لهوه قد أيقظه الخوف من رقدته! وكم من عابدٍ لله قد بكى من خشيته! وكم من منيب إلى الله قطع الخوف مهجته! وكم من مسافر إلى الله رافقه الخوف في رحلته! وكم من محبّ لله ارتوت الأرض من دمعته!. فلله ما أعظم الخوف لمن عرف عظيم منزلته.

    الناشر: موقع الشيخ محمد صالح المنجد www.almunajjid.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/340014

    التحميل:

  • شرح كشف الشبهات [ البراك ]

    كشف الشبهات: رسالة نفيسة كتبها الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - وهي عبارة عن سلسلة شبهات للمشركين وتفنيدها وإبطالها، وفيها بيان توحيد العبادة وتوحيد الألوهية الذي هو حق الله على العباد، وفيها بيان الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية والعبادة، وقد حرص عدد كبير من أهل لعلم على شرحها وتوضيح معانيها، ومن هؤلاء فضيلة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك - أثابه الله - وفي هذه الصفحة نسخة pdf من هذا الشرح الذي أعد أصله اللجنة العلمية بشبكة نور الإسلام.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/322167

    التحميل:

  • الإيقاظ في تصحيح الأمثال والألفاظ

    في هذا الكتيب الذي بين يديك بعض الألفاظ التي شاعت على ألسنة كثير من المسلمين تقليداً واتباعاً دون تفكر في معانيها أو نظر إلى مشروعيتها، نذكرها تحذيرا للأمة منها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/380294

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة