Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 240

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ۚ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (240) (البقرة) mp3
ذَهَبَ جَمَاعَة مِنْ الْمُفَسِّرِينَ فِي تَأْوِيل هَذِهِ الْآيَة أَنَّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجهَا كَانَتْ تَجْلِس فِي بَيْت الْمُتَوَفَّى عَنْهَا حَوْلًا , وَيُنْفَق عَلَيْهَا مِنْ مَاله مَا لَمْ تَخْرُج مِنْ الْمَنْزِل , فَإِنْ خَرَجَتْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْوَرَثَة جُنَاح فِي قَطْع النَّفَقَة عَنْهَا , ثُمَّ نُسِخَ الْحَوْل بِالْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُر وَالْعَشْر , وَنُسِخَتْ النَّفَقَة بِالرُّبُعِ وَالثُّمُن فِي سُورَة " النِّسَاء " قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك وَابْن زَيْد وَالرَّبِيع . وَفِي السُّكْنَى خِلَاف لِلْعُلَمَاءِ , رَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ اِبْن الزُّبَيْر قَالَ : قُلْت لِعُثْمَان هَذِهِ الْآيَة الَّتِي فِي " الْبَقَرَة " : " وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا - إِلَى قَوْله - غَيْر إِخْرَاج " قَدْ نَسَخَتْهَا الْآيَة الْأُخْرَى فَلَمْ تَكْتُبهَا أَوَ تَدَعهَا ؟ قَالَ : يَا اِبْن أَخِي لَا أُغَيِّر شَيْئًا مِنْهُ مِنْ مَكَانه . وَقَالَ الطَّبَرِيّ عَنْ مُجَاهِد : إِنَّ هَذِهِ الْآيَة مُحْكَمَة لَا نَسْخ فِيهَا , وَالْعِدَّة كَانَتْ قَدْ ثَبَتَتْ أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْرًا , ثُمَّ جَعَلَ اللَّه لَهُنَّ وَصِيَّة مِنْهُ سُكْنَى سَبْعَة أَشْهُر وَعِشْرِينَ لَيْلَة , فَإِنْ شَاءَتْ الْمَرْأَة سَكَنَتْ فِي وَصِيَّتهَا , وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ , وَهُوَ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " غَيْر إِخْرَاج فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاح عَلَيْكُمْ " . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذَا كُلّه قَدْ زَالَ حُكْمه بِالنَّسْخِ الْمُتَّفَق عَلَيْهِ إِلَّا مَا قَوَّلَهُ الطَّبَرِيّ مُجَاهِدًا رَحِمَهُمَا اللَّه تَعَالَى , وَفِي ذَلِكَ نَظَر عَلَى الطَّبَرِيّ . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض : وَالْإِجْمَاع مُنْعَقِد عَلَى أَنَّ الْحَوْل مَنْسُوخ وَأَنَّ عِدَّتهَا أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْر . قَالَ غَيْره : مَعْنَى قَوْله " وَصِيَّة " أَيْ مِنْ اللَّه تَعَالَى تَجِب عَلَى النِّسَاء بَعْد وَفَاة الزَّوْج بِلُزُومِ الْبُيُوت سَنَة ثُمَّ نُسِخَ .

قُلْت : مَا ذَكَرَهُ الطَّبَرِيّ عَنْ مُجَاهِد صَحِيح ثَابِت , خَرَّجَ الْبُخَارِيّ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاق قَالَ حَدَّثَنَا رَوْح قَالَ حَدَّثَنَا شِبْل عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد " وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا " قَالَ : كَانَتْ هَذِهِ الْعِدَّة تَعْتَدّ عِنْد أَهْل زَوْجهَا وَاجِبَة فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : " وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا - إِلَى قَوْله - مِنْ مَعْرُوف " قَالَ : جَعَلَ اللَّه لَهَا تَمَام السَّنَة سَبْعَة أَشْهُر وَعِشْرِينَ لَيْلَة وَصِيَّة , إِنْ شَاءَتْ سَكَنَتْ فِي وَصِيَّتهَا وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ , وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : " غَيْر إِخْرَاج فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاح عَلَيْكُمْ " إِلَّا أَنَّ الْقَوْل الْأَوَّل أَظْهَر لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْر وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّة تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عِنْد رَأْس الْحَوْل . .. ) الْحَدِيث . وَهَذَا إِخْبَار مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حَالَة الْمُتَوَفَّى عَنْهُنَّ أَزْوَاجهنَّ قَبْل وُرُود الشَّرْع , فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام أَمَرَهُنَّ اللَّه تَعَالَى بِمُلَازَمَةِ الْبُيُوت حَوْلًا ثُمَّ نُسِخَ بِالْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُر وَالْعَشْر , هَذَا - مَعَ وُضُوحه فِي السُّنَّة الثَّابِتَة الْمَنْقُولَة بِأَخْبَارِ الْآحَاد - إِجْمَاع مِنْ عُلَمَاء الْمُسْلِمِينَ لَا خِلَاف فِيهِ , قَالَهُ أَبُو عُمَر , قَالَ : وَكَذَلِكَ سَائِر الْآيَة . فَقَوْله عَزَّ وَجَلَّ : " وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّة لِأَزْوَاجِهِنَّ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْل غَيْر إِخْرَاج " مَنْسُوخ كُلّه عِنْد جُمْهُور الْعُلَمَاء , ثُمَّ نَسَخَ الْوَصِيَّة بِالسُّكْنَى لِلزَّوْجَاتِ فِي الْحَوْل , إِلَّا رِوَايَة شَاذَّة مَهْجُورَة جَاءَتْ عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد لَمْ يُتَابَع عَلَيْهَا , وَلَا قَالَ بِهَا فِيمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعَة الْأَشْهُر وَالْعَشْر أَحَد مِنْ عُلَمَاء الْمُسْلِمِينَ مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدهمْ فِيمَا عَلِمْت . وَقَدْ رَوَى اِبْن جُرَيْج عَنْ مُجَاهِد مِثْل مَا عَلَيْهِ النَّاس , فَانْعَقَدَ الْإِجْمَاع وَارْتَفَعَ الْخِلَاف , وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق .


قَرَأَ نَافِع وَابْن كَثِير وَالْكِسَائِيّ وَعَاصِم فِي رِوَايَة أَبِي بَكْر " وَصِيَّة " بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاء , وَخَبَره " لِأَزْوَاجِهِمْ " . وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمَعْنَى عَلَيْهِمْ وَصِيَّة , وَيَكُون قَوْله " لِأَزْوَاجِهِمْ " صِفَة , قَالَ الطَّبَرِيّ : قَالَ بَعْض النُّحَاة : الْمَعْنَى كُتِبَتْ عَلَيْهِمْ وَصِيَّة , وَيَكُون قَوْله " لِأَزْوَاجِهِمْ " صِفَة , قَالَ : وَكَذَلِكَ هِيَ فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود . وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو وَحَمْزَة وَابْن عَامِر " وَصِيَّة " بِالنَّصْبِ , وَذَلِكَ حُمِلَ عَلَى الْفِعْل , أَيْ فَلْيُوصُوا وَصِيَّة . ثُمَّ الْمَيِّت لَا يُوصِي وَلَكِنَّهُ أَرَادَ إِذَا قَرُبُوا مِنْ الْوَفَاة , و " لِأَزْوَاجِهِمْ " عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَة أَيْضًا صِفَة . وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَوْصَى اللَّه وَصِيَّة . " مَتَاعًا " أَيْ مَتِّعُوهُنَّ مَتَاعًا : أَوْ جَعَلَ اللَّه لَهُنَّ ذَلِكَ مَتَاعًا لِدَلَالَةِ الْكَلَام عَلَيْهِ , وَيَجُوز أَنْ يَكُون نَصْبًا عَلَى الْحَال أَوْ بِالْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ الْوَصِيَّة , كَقَوْلِهِ : " أَوْ إِطْعَام فِي يَوْم ذِي مَسْغَبَة يَتِيمًا " [ الْبَلَد : 14 - 15 ] وَالْمَتَاع هَاهُنَا نَفَقَة سَنَتهَا .


مَعْنَاهُ لَيْسَ لِأَوْلِيَاءِ الْمَيِّت وَوَارِثِي الْمَنْزِل إِخْرَاجهَا و " غَيْر " نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَر عِنْد الْأَخْفَش , كَأَنَّهُ قَالَ لَا إِخْرَاجًا . وَقِيلَ : نُصِبَ لِأَنَّهُ صِفَة الْمَتَاع وَقِيلَ : نُصِبَ عَلَى الْحَال مِنْ الْمُوصِينَ أَيْ مَتِّعُوهُنَّ غَيْر مُخْرَجَات . وَقِيلَ : بِنَزْعِ الْخَافِض , أَيْ مِنْ غَيْر إِخْرَاج .


مَعْنَاهُ فَإِنْ خَرَجْنَ بِاخْتِيَارِهِنَّ قَبْل الْحَوْل .


أَيْ لَا حَرَج عَلَى أَحَد وَلِيّ أَوْ حَاكِم أَوْ غَيْره ; لِأَنَّهُ لَا يَجِب عَلَيْهَا الْمُقَام فِي بَيْت زَوْجهَا حَوْلًا . وَقِيلَ : أَيْ لَا جُنَاح فِي قَطْع النَّفَقَة عَنْهُنَّ , أَوْ لَا جُنَاح عَلَيْهِنَّ فِي التَّشَوُّف إِلَى الْأَزْوَاج , إِذْ قَدْ اِنْقَطَعَتْ عَنْهُنَّ مُرَاقَبَتكُمْ أَيّهَا الْوَرَثَة , ثُمَّ عَلَيْهَا أَلَّا تَتَزَوَّج قَبْل اِنْقِضَاء الْعِدَّة بِالْحَوْلِ , أَوْ لَا جُنَاح فِي تَزْوِيجهنَّ بَعْد اِنْقِضَاء الْعِدَّة ; لِأَنَّهُ قَالَ " مِنْ مَعْرُوف " .


وَهُوَ مَا يُوَافِق الشَّرْع .


أَيْ مُحْكِمٌ لِمَا يُرِيد مِنْ أُمُور عِبَاده .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • شرح منظومة القلائد البرهانية في علم الفرائض

    منظومة القلائد البرهانية : منظومة للشيخ محمد بن حجازي بن محمد الحلبي الشافعي المعروف بابن برهان المتوفي سنة (1205هـ) - رحمه الله تعالى -، وذلك في علم المواريث.

    الناشر: دار الوطن http://www.madaralwatan.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/280415

    التحميل:

  • نزول القرآن الكريم والعناية به في عهد النبي صلى الله عليه وسلم

    هذا الكتاب يحتوي على بيان كيفية نزول القرآن الكريم والعناية به في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/116943

    التحميل:

  • تعليم تدبر القرآن الكريم أساليب علمية ومراحل منهجية

    يناقش هذا البحث موضوع تدبر القرآن الكريم من منظور التربية وعلم النفس، ويبين القواعد الأساسية لتعليمه، ويقترح مراحل منهجية تتناسب مع مراحل نضج المتعلمين، كما يقترح عددًا من الوسائل والإجراءات التربوية لكل مرحلة منها. ويضع البحث عدداً من الخطوات العملية التي يقوم بها الفرد بنفسه لتحقيق التدبر.

    الناشر: معهد الإمام الشاطبي http://www.shatiby.edu.sa

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/385702

    التحميل:

  • تيسير العلام شرح عمدة الأحكام

    تيسير العلام شرح عمدة الأحكام: هذا الكتاب يحتوي على نخبة منتقاة من أصحّ آثار النبي - صلى الله عليه وسلم - اختارها المؤلف من صحيحي البخاري ومسلم، ورتبها على الأبواب الفقهية؛ لتكون عوناً على أخذ المسائل من أدلتها الصحيحة، ونظراً لأهمية الكتاب فقد قام فضيلة الشيخ عبد الله البسام - رحمه الله - ببشرحه شرحاً تميز بأسلوب سهل، قريب المأخذ، مفصل المواضيع، فتكلم أولاً على المعنى المجمل متحرياً مطابقة اللفظ، ومبيناً ما طوي تحت الألفاظ من حكمة وتشريع أو توطئة وتمهيد وغيره مما توحيه الجمل والألفاظ، وإذا احتاج المقام إلى توضيح من بعض طرق الحديث التي لم يورده المؤلف أجمله الشارح معه، منبهاً على ذلك، لتتم الفائدة، ويستقيم البحث، ثم يستخرج من الحديث ما يدل عليه من الأحكام والآداب، ثم يذكر ما قوي من خلاف العلماء، مع ذكر أدلتهم ومآخذهم، مع حرصه على بيان حكمة التشريع وجمال الإسلام وسمو أهدافه، وجليل مقاصده، من وراء هذه النصوص، ليقف القارئ على محاسن دينه وشريف أغراضه، ويعرف أنه دين ودولة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2098

    التحميل:

  • من أخطاء الزوجات

    من أخطاء الزوجات : لاريب أن الزوجة الصالحة هي التجارة الرابحة، وأنها من عاجل البشرى، ومن أمارات السعادة. وإن مما يعين على صلاح الزوجات، وقيامهن بالحقوق المناطة بهن أن تلقى الأضواء على بعض مايصدر منهن من أخطاء، فذلك أدعى لتشخيص الداء ومعرفة الدواء.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172564

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة