Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 237

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ۚ وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237) (البقرة) mp3
" وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْل أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَة فَنِصْف مَا فَرَضْتُمْ " اِخْتَلَفَ النَّاس فِي هَذِهِ الْآيَة , فَقَالَتْ فِرْقَة مِنْهَا مَالِك وَغَيْره : إِنَّهَا مُخْرِجَة الْمُطَلَّقَة بَعْد الْفَرْض مِنْ حُكْم التَّمَتُّع , إِذْ يَتَنَاوَلهَا قَوْله تَعَالَى : " وَمَتِّعُوهُنَّ " . وَقَالَ اِبْن الْمُسَيِّب : نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَة الْآيَة الَّتِي فِي [ الْأَحْزَاب ] لِأَنَّ تِلْكَ تَضَمَّنَتْ تَمْتِيع كُلّ مَنْ لَمْ يُدْخَل بِهَا . وَقَالَ قَتَادَة : نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَة الْآيَة الَّتِي قَبْلهَا .

قُلْت : قَوْل سَعِيد وَقَتَادَة فِيهِ نَظَر , إِذْ شُرُوط النَّسْخ غَيْر مَوْجُودَة وَالْجَمْع مُمْكِن . وَقَالَ اِبْن الْقَاسِم فِي الْمُدَوَّنَة : كَانَ الْمَتَاع لِكُلِّ مُطَلَّقَة بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاع بِالْمَعْرُوفِ " [ الْبَقَرَة : 241 ] وَلِغَيْرِ الْمَدْخُول بِهَا بِالْآيَةِ الَّتِي فِي سُورَة [ الْأَحْزَاب ] فَاسْتَثْنَى اللَّه تَعَالَى الْمَفْرُوض لَهَا قَبْل الدُّخُول بِهَا بِهَذِهِ الْآيَة , وَأَثْبَتَ لِلْمَفْرُوضِ لَهَا نِصْف مَا فَرَضَ فَقَطْ . وَقَالَ فَرِيق مِنْ الْعُلَمَاء مِنْهُمْ أَبُو ثَوْر : الْمُتْعَة لِكُلِّ مُطَلَّقَة عُمُومًا , وَهَذِهِ الْآيَة إِنَّمَا بَيَّنَتْ أَنَّ الْمَفْرُوض لَهَا تَأْخُذ نِصْف مَا فُرِضَ لَهَا , وَلَمْ يَعْنِ بِالْآيَةِ إِسْقَاط مُتْعَتهَا , بَلْ لَهَا الْمُتْعَة وَنِصْف الْمَفْرُوض .

" فَنِصْف مَا فَرَضْتُمْ " أَيْ فَالْوَاجِب نِصْف مَا فَرَضْتُمْ , أَيْ مِنْ الْمَهْر فَالنِّصْف لِلزَّوْجِ وَالنِّصْف لِلْمَرْأَةِ بِإِجْمَاعٍ . وَالنِّصْف الْجُزْء مِنْ اِثْنَيْنِ , فَيُقَال : نَصَفَ الْمَاء الْقَدَح أَيْ بَلَغَ نِصْفه . وَنَصَفَ الْإِزَار السَّاق , وَكُلّ شَيْء بَلَغَ نِصْف غَيْره فَقَدْ نَصَفَهُ . وَقَرَأَ الْجُمْهُور " فَنِصْفُ " بِالرَّفْعِ . وَقَرَأَتْ فِرْقَة " فَنِصْفَ " بِنَصْبِ الْفَاء , الْمَعْنَى فَادْفَعُوا نِصْف . وَقَرَأَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَزَيْد بْن ثَابِت " فَنُصْف " بِضَمِّ النُّون فِي جَمِيع الْقُرْآن وَهِيَ لُغَة . وَكَذَلِكَ رَوَى الْأَصْمَعِيّ قِرَاءَة عَنْ أَبِي عَمْرو بْن الْعَلَاء يُقَال : نِصْف وَنُصْف وَنَصِيف , , لُغَات ثَلَاث فِي النِّصْف , وَفِي الْحَدِيث : ( لَوْ أَنَّ أَحَدكُمْ أَنْفَقَ مِثْل أَحَد ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدّ أَحَدهمْ وَلَا نَصِيفه ) أَيْ نِصْفه . وَالنَّصِيف أَيْضًا الْقِنَاع .

إِذَا أَصْدَقَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْل الدُّخُول وَنَمَا الصَّدَاق فِي يَدهَا فَقَالَ مَالِك : كُلّ عَرَض أَصْدَقَهَا أَوْ عَبْد فَنَمَاؤُهُمَا لَهُمَا جَمِيعًا وَنُقْصَانه بَيْنهمَا , وَتَوَاهُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا لَيْسَ عَلَى الْمَرْأَة مِنْهُ شَيْء . فَإِنْ أَصْدَقهَا عَيْنًا ذَهَبًا أَوْ وَرِقًا فَاشْتَرَتْ بِهِ عَبْدًا أَوْ دَارًا أَوْ اِشْتَرَتْ بِهِ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْره طِيبًا أَوْ شُوَارًا أَوْ غَيْر ذَلِكَ مِمَّا لَهَا التَّصَرُّف فِيهِ لِجِهَازِهَا وَصَلَاح شَأْنهَا فِي بَقَائِهَا مَعَهُ فَذَلِكَ كُلّه بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَصْدَقَهَا إِيَّاهُ , وَنَمَاؤُهُ وَنُقْصَانه بَيْنهمَا . وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْل الدُّخُول لَمْ يَكُنْ لَهَا إِلَّا نِصْفه , وَلَيْسَ عَلَيْهَا أَنْ تَغْرَم لَهُ نِصْف مَا قَبَضَتْهُ مِنْهُ , وَإِنْ اِشْتَرَتْ بِهِ أَوْ مِنْهُ شَيْئًا تَخْتَصّ بِهِ فَعَلَيْهَا أَنْ تَغْرَم لَهُ نِصْف صَدَاقهَا الَّذِي قَبَضَتْ مِنْهُ , وَكَذَلِكَ لَوْ اِشْتَرَتْ مِنْ غَيْره عَبْدًا أَوْ دَارًا بِالْأَلْفِ الَّذِي أَصْدَقَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْل الدُّخُول رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ الْأَلْف .

لَا خِلَاف أَنَّ مَنْ دَخَلَ بِزَوْجَتِهِ ثُمَّ مَاتَ عَنْهَا وَقَدْ سَمَّى لَهَا أَنَّ لَهَا ذَلِكَ الْمُسَمَّى كَامِلًا وَالْمِيرَاث , وَعَلَيْهَا الْعِدَّة .

وَاخْتَلَفُوا فِي الرَّجُل يَخْلُو بِالْمَرْأَةِ وَلَمْ يُجَامِعهَا حَتَّى فَارَقَهَا , فَقَالَ الْكُوفِيُّونَ وَمَالِك : عَلَيْهِ جَمِيع الْمَهْر , وَعَلَيْهَا الْعِدَّة , لِخَبَرِ اِبْن مَسْعُود قَالَ : قَضَى الْخُلَفَاء الرَّاشِدُونَ فِيمَنْ أَغْلَقَ بَابًا أَوْ أَرْخَى سِتْرًا أَنَّ لَهَا الْمِيرَاث وَعَلَيْهَا الْعِدَّة , وَرُوِيَ مَرْفُوعًا خَرَّجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَسَيَأْتِي فِي [ النِّسَاء ] . وَالشَّافِعِيّ لَا يُوجِب مَهْرًا كَامِلًا , وَلَا عِدَّة إِذَا لَمْ يَكُنْ دُخُول , لِظَاهِرِ الْقُرْآن . قَالَ شُرَيْح : لَمْ أَسْمَع اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى ذَكَرَ فِي كِتَابه بَابًا وَلَا سِتْرًا , إِذَا زَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَمَسّهَا فَلَهَا نِصْف الصَّدَاق , وَهُوَ مَذْهَب اِبْن عَبَّاس وَسَيَأْتِي مَا لِعُلَمَائِنَا فِي هَذَا فِي سُورَة [ النِّسَاء ] إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى عِنْد قَوْله تَعَالَى : " وَقَدْ أَفْضَى بَعْضكُمْ إِلَى بَعْض " [ النِّسَاء : 21 ] .

" إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ " اِسْتِثْنَاء مُنْقَطِع ; لِأَنَّ عَفْوهنَّ عَنْ النِّصْف لَيْسَ مِنْ جِنْس أَخْذهنَّ . و " يَعْفُونَ " مَعْنَاهُ يَتْرُكْنَ وَيَصْفَحْنَ , وَوَزْنه يَفْعَلْنَ . وَالْمَعْنَى إِلَّا أَنْ يَتْرُكْنَ النِّصْف الَّذِي وَجَبَ لَهُنَّ عِنْد الزَّوْج , وَلَمْ تَسْقُط النُّون مَعَ " أَنْ " ; لِأَنَّ جَمْع الْمُؤَنَّث فِي الْمُضَارِع عَلَى حَالَة وَاحِدَة فِي الرَّفْع وَالنَّصْب وَالْجَزْم , فَهِيَ ضَمِير وَلَيْسَتْ بِعَلَامَةِ إِعْرَاب فَلِذَلِكَ لَمْ تَسْقُط , وَلِأَنَّهُ لَوْ سَقَطَتْ النُّون لَاشْتَبَهَ بِالْمُذَكَّرِ . وَالْعَافِيَات فِي هَذِهِ الْآيَة كُلّ اِمْرَأَة تَمْلِك أَمْر نَفْسهَا , فَأَذِنَ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى لَهُنَّ فِي إِسْقَاطه بَعْد وُجُوبه , إِذْ جَعَلَهُ خَالِص حَقّهنَّ , فَيَتَصَرَّفْنَ فِيهِ بِالْإِمْضَاءِ وَالْإِسْقَاط كَيْف شِئْنَ , إِذَا مَلَكْنَ أَمْر أَنْفُسهنَّ وَكُنَّ بَالِغَات عَاقِلَات رَاشِدَات . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَجَمَاعَة مِنْ الْفُقَهَاء وَالتَّابِعِينَ : وَيَجُوز عَفْو الْبِكْر الَّتِي لَا وَلِيّ لَهَا , وَحَكَاهُ سَحْنُون فِي الْمُدَوَّنَة عَنْ غَيْر اِبْن الْقَاسِم بَعْد أَنْ ذُكِرَ لِابْنِ الْقَاسِم أَنَّ وَضْعهَا نِصْف الصَّدَاق لَا يَجُوز . وَأَمَّا الَّتِي فِي حِجْر أَب أَوْ وَصِيّ فَلَا يَجُوز وَضْعهَا لِنِصْفِ صَدَاقهَا قَوْلًا وَاحِدًا , وَلَا خِلَاف فِيهِ فِيمَا أَعْلَم .

" أَوْ يَعْفُو الَّذِي بِيَدِهِ " مَعْطُوف عَلَى الْأَوَّل مَبْنِيّ , وَهَذَا مُعْرَب . وَقَرَأَ الْحَسَن " أَوْ يَعْفُو " سَاكِنَة الْوَاو , كَأَنَّهُ اِسْتَثْقَلَ الْفَتْحَة فِي الْوَاو . وَاخْتَلَفَ النَّاس فِي الْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ " فَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ جُبَيْر بْن مُطْعِم أَنَّهُ تَزَوَّجَ اِمْرَأَة مِنْ بَنِي نَصْر فَطَلَّقَهَا قَبْل أَنْ يَدْخُل بِهَا , فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا بِالصَّدَاقِ كَامِلًا وَقَالَ : أَنَا أَحَقّ بِالْعَفْوِ مِنْهَا , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ " وَأَنَا أَحَقّ بِالْعَفْوِ مِنْهَا . وَتَأَوَّلَ قَوْله تَعَالَى : " أَوْ يَعْفُو الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَة النِّكَاح " يَعْنِي نَفْسه فِي كُلّ حَال قَبْل الطَّلَاق وَبَعْده , أَيْ عُقْدَة نِكَاحه , فَلَمَّا أَدْخَلَ اللَّام حَذَفَ الْهَاء كَقَوْلِهِ : " فَإِنَّ الْجَنَّة هِيَ الْمَأْوَى " [ النَّازِعَات : 41 ] أَيْ مَأْوَاهُ . قَالَ النَّابِغَة : لَهُمْ شِيمَة لَمْ يُعْطِهَا اللَّه غَيْرهمْ مِنْ الْجُود وَالْأَحْلَام غَيْر عَوَازِب أَيْ أَحْلَامهمْ . وَكَذَلِكَ قَوْله : " عُقْدَة النِّكَاح " أَيْ عُقْدَة نِكَاحه . وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيث قُتَيْبَة بْن سَعِيد حَدَّثَنَا اِبْن لَهِيعَة عَنْ عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلِيّ عُقْدَة النِّكَاح الزَّوْج ) . وَأُسْنِدَ هَذَا عَنْ عَلِيّ وَابْن عَبَّاس وَسَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَشُرَيْح . قَالَ : وَكَذَلِكَ قَالَ نَافِع بْن جُبَيْر وَمُحَمَّد بْن كَعْب وَطَاوُس وَمُجَاهِد وَالشَّعْبِيّ وَسَعِيد بْن جُبَيْر , زَادَ غَيْره وَمُجَاهِد وَالثَّوْرِيّ , وَاخْتَارَهُ أَبُو حَنِيفَة , وَهُوَ الصَّحِيح مِنْ قَوْل الشَّافِعِيّ , كُلّهمْ لَا يَرَى سَبِيلًا لِلْوَلِيِّ عَلَى شَيْء مِنْ صَدَاقهَا , لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْوَلِيّ لَوْ أَبْرَأَ الزَّوْج مِنْ الْمَهْر قَبْل الطَّلَاق لَمْ يَجُزْ فَكَذَلِكَ بَعْده . وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْوَلِيّ لَا يَمْلِك أَنْ يَهَب شَيْئًا مِنْ مَالهَا , وَالْمَهْر مَالهَا . وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مِنْ الْأَوْلِيَاء مَنْ لَا يَجُوز عَفْوهمْ وَهُمْ بَنُو الْعَمّ وَبَنُو الْإِخْوَة , فَكَذَلِكَ الْأَب , وَاَللَّه أَعْلَم . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هُوَ الْوَلِيّ أَسْنَدَهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضًا عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : وَهُوَ قَوْل إِبْرَاهِيم وَعَلْقَمَة وَالْحَسَن , زَادَ غَيْره وَعِكْرِمَة وَطَاوُس وَعَطَاء وَأَبِي الزِّنَاد وَزَيْد بْن أَسْلَم وَرَبِيعَة وَمُحَمَّد بْن كَعْب وَابْن شِهَاب وَالْأَسْوَد بْن يَزِيد وَالشَّعْبِيّ وَقَتَادَة وَمَالِك وَالشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم . فَيَجُوز لِلْأَبِ الْعَفْو عَنْ نِصْف صَدَاق اِبْنَته الْبِكْر إِذَا طُلِّقَتْ , بَلَغَتْ الْمَحِيض أَمْ لَمْ تَبْلُغهُ . قَالَ عِيسَى بْن دِينَار : وَلَا تَرْجِع بِشَيْءٍ مِنْهُ عَلَى أَبِيهَا , وَالدَّلِيل عَلَى أَنَّ الْمُرَاد الْوَلِيّ أَنَّ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى قَالَ فِي أَوَّل الْآيَة : " وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَة فَنِصْف مَا فَرَضْتُمْ " فَذَكَرَ الْأَزْوَاج وَخَاطَبَهُمْ بِهَذَا الْخِطَاب , ثُمَّ قَالَ : " إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ " فَذَكَرَ النِّسْوَان , " أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَة النِّكَاح " فَهُوَ ثَالِث فَلَا يُرَدّ إِلَى الزَّوْج الْمُتَقَدِّم إِلَّا لَوْ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ وُجُود , وَقَدْ وُجِدَ وَهُوَ الْوَلِيّ فَهُوَ الْمُرَاد . قَالَ مَعْنَاهُ مَكِّيّ وَذَكَرَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ . وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ : " إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ " وَمَعْلُوم أَنَّهُ لَيْسَ كُلّ اِمْرَأَة تَعْفُو , فَإِنَّ الصَّغِيرَة وَالْمَحْجُور عَلَيْهَا لَا عَفْو لَهُمَا , فَبَيَّنَ اللَّه الْقِسْمَيْنِ فَقَالَ : " إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ " أَيْ إِنْ كُنَّ لِذَلِكَ أَهْلًا , " أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَة النِّكَاح " وَهُوَ الْوَلِيّ , لِأَنَّ الْأَمْر فِيهِ إِلَيْهِ . وَكَذَلِكَ رَوَى اِبْن وَهْب وَأَشْهَب وَابْن عَبْد الْحَكَم وَابْن الْقَاسِم عَنْ مَالِك أَنَّهُ الْأَب فِي اِبْنَته الْبِكْر وَالسَّيِّد فِي أَمَته . وَإِنَّمَا يَجُوز عَفْو الْوَلِيّ إِذَا كَانَ مِنْ أَهْل السَّدَاد , وَلَا يَجُوز عَفْوه إِذَا كَانَ سَفِيهًا . فَإِنْ قِيلَ : لَا نُسَلِّم أَنَّهُ الْوَلِيّ بَلْ هُوَ الزَّوْج , وَهَذَا الِاسْم أَوْلَى بِهِ ; لِأَنَّهُ أَمْلَك لِلْعَقْدِ مِنْ الْوَلِيّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ . فَالْجَوَاب - أَنَّا لَا نُسَلِّم أَنَّ الزَّوْج أَمْلَك لِلْعَقْدِ مِنْ الْأَب فِي اِبْنَته الْبِكْر , بَلْ أَب الْبِكْر يَمْلِكهُ خَاصَّة دُون الزَّوْج ; لِأَنَّ الْمَعْقُود عَلَيْهِ هُوَ بُضْع الْبِكْر , وَلَا يَمْلِك الزَّوْج أَنْ يَعْقِد عَلَى ذَلِكَ بَلْ الْأَب يَمْلِكهُ . وَقَدْ أَجَازَ شُرَيْح عَفْو الْأَخ عَنْ نِصْف الْمَهْر , وَكَذَلِكَ قَالَ عِكْرِمَة : يَجُوز عَفْو الَّذِي عَقَدَ عُقْدَة النِّكَاح بَيْنهمَا , كَانَ عَمًّا أَوْ أَبًا أَوْ أَخًا , وَإِنْ كَرِهَتْ . وَقَرَأَ أَبُو نَهِيك وَالشَّعْبِيّ " أَوْ يَعْفُو " بِإِسْكَانِ الْوَاو عَلَى التَّشْبِيه بِالْأَلِفِ , وَمِثْله قَوْل الشَّاعِر : فَمَا سَوَّدَتْنِي عَامِر عَنْ وِرَاثَة أَبَى اللَّه أَنْ أَسْمُو بِأُمٍّ وَلَا أَب



اِبْتِدَاء وَخَبَر , وَالْأَصْل تَعْفُوُوا أُسْكِنَتْ الْوَاو الْأُولَى لِثِقَلِ حَرَكَتهَا ثُمَّ حُذِفَتْ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ , وَهُوَ خِطَاب لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاء فِي قَوْل اِبْن عَبَّاس فَغَلَبَ الذُّكُور , وَاللَّام بِمَعْنَى إِلَى , أَيْ أَقْرَب إِلَى التَّقْوَى . وَقَرَأَ الْجُمْهُور " تَعْفُوا " بِالتَّاءِ بِاثْنَتَيْنِ مِنْ فَوْق . وَقَرَأَ أَبُو نَهِيك وَالشَّعْبِيّ " وَأَنْ يَعْفُوا " بِالْيَاءِ , وَذَلِكَ رَاجِع إِلَى الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَة النِّكَاح . قُلْت : وَلَمْ يَقْرَأ " وَأَنْ تَعْفُونَ " بِالتَّاءِ فَيَكُون لِلنِّسَاءِ . وَقَرَأَ الْجُمْهُور " وَلَا تَنْسُوا الْفَضْل " بِضَمِّ الْوَاو , وَكَسَرَهَا يَحْيَى بْن يَعْمَر . وَقَرَأَ عَلِيّ وَمُجَاهِد وَأَبُو حَيْوَة وَابْن أَبِي عَبْلَة " وَلَا تَنَاسَوْا الْفَضْل " وَهِيَ قِرَاءَة مُتَمَكِّنَة الْمَعْنَى , لِأَنَّهُ مَوْضِع تَنَاسٍ لَا نِسْيَان إِلَّا عَلَى التَّشْبِيه . قَالَ مُجَاهِد : الْفَضْل إِتْمَام الرَّجُل الصَّدَاق كُلّه , أَوْ تَرْك الْمَرْأَة النِّصْف الَّذِي لَهَا .



خَبَر فِي ضِمْنه الْوَعْد لِلْمُحْسِنِ وَالْحِرْمَان لِغَيْرِ الْمُحْسِن , أَيْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ عَفْوكُمْ وَاسْتِقْضَاؤُكُمْ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • ضحايا الحب

    ضحايا الحب: يظن بعض الناس أن أصحاب الشريعة وأبناء الملة لا يعرفون الحب، ولا يقدرونه حق قدره، ولا يدرون ما هو، والحقيقة أن هذا وهم وجهل؛ بل الحب العامر أنشودة عذبة في أفواه الصادقين، وقصيدة جميلة في ديوان المحبين، ولكنه حب شريف عفيف، كتبه الصالحون بدموعهم، وسطره الأبرار بدمائهم، فأصبحت أسماؤهم في سجل الخلود معالم للفداء والتضحية والبسالة. وقصدتُ من هذه الرسالة الوقف مع القارئ على جوانب مشرقة، وأطلال موحشة في مسيرة الحب الطويلة، التي بدأها الإنسان في حياة الكبد والنكد، ليسمو إلى حياة الجمال والجلال والكمال، وسوف يمر بك ذكر لضحايا الحب وقتلاه، وستعرف المقصود مما أردت إذا قرأت، وتعلم ما نويت إذا طالعت.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/324352

    التحميل:

  • بدائع المعاني: آيات الصيام تدبر وتحليل

    بدائع المعاني: آيات الصيام تدبر وتحليل: قال المؤلف: «في هذا الكتاب محاولة لتدبر آيات الصيام في سورة البقرة».

    الناشر: مركز التدبر للاستشارات التربوية والتعليمية http://tadabbor.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/332060

    التحميل:

  • لحوم العلماء مسمومة

    لحوم العلماء مسمومة: فإن ثمة موضوعًا مهمًّا جديرًا بالطرح، حقيقًا بأن نتفقَّه فيه لشدة حاجتنا إليه، ولخطورة النتائج المترتبة عليه، وهذا الموضوع طويل، وعناصره كثيرة. وقد جاءت هذه الرسالة المختصرة لتُبيِّن أهمية الموضوع وخطورة الوقوع في أعراض العلماء والدعاة المخلصين؛ لمكانتهم في الدنيا بين الناس، وعند الله - سبحانه وتعالى -. - والكتاب بتقديم سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز - رحمه الله -.

    الناشر: موقع المسلم http://www.almoslim.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/337582

    التحميل:

  • توضيح مقاصد العقيدة الواسطية

    العقيدة الواسطية : رسالة نفيسة لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ذكر فيها جمهور مسائل أصول الدين، ومنهج أهل السنة والجماعة في مصادر التلقي التي يعتمدون عليها في العقائد؛ لذا احتلت مكانة كبيرة بين علماء أهل السنة وطلبة العلم، لما لها من مميزات عدة من حيث اختصار ألفاظها ودقة معانيها وسهولة أسلوبها، وأيضاً ما تميزت به من جمع أدلة أصول الدين العقلية والنقلية؛ لذلك حرص العلماء وطلبة العلم على شرحها وبيان معانيها، ومن هذه الشروح شرح فضيلة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك - حفظه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/311363

    التحميل:

  • شرح العقيدة الواسطية [ خالد المصلح ]

    العقيدة الواسطية: رسالة نفيسة لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ذكر فيها جمهور مسائل أصول الدين، ومنهج أهل السنة والجماعة في مصادر التلقي التي يعتمدون عليها في العقائد؛ لذا احتلت مكانة كبيرة بين علماء أهل السنة وطلبة العلم، لما لها من مميزات عدة من حيث اختصار ألفاظها ودقة معانيها وسهولة أسلوبها، وأيضاً ما تميزت به من جمع أدلة أصول الدين العقلية والنقلية؛ لذا حرص العديد من أهل العلم على شرحها وبيان معانيها، ومن هؤلاء الشيخ خالد المصلح - أثابه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2129

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة