Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 237

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ۚ وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237) (البقرة) mp3
" وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْل أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَة فَنِصْف مَا فَرَضْتُمْ " اِخْتَلَفَ النَّاس فِي هَذِهِ الْآيَة , فَقَالَتْ فِرْقَة مِنْهَا مَالِك وَغَيْره : إِنَّهَا مُخْرِجَة الْمُطَلَّقَة بَعْد الْفَرْض مِنْ حُكْم التَّمَتُّع , إِذْ يَتَنَاوَلهَا قَوْله تَعَالَى : " وَمَتِّعُوهُنَّ " . وَقَالَ اِبْن الْمُسَيِّب : نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَة الْآيَة الَّتِي فِي [ الْأَحْزَاب ] لِأَنَّ تِلْكَ تَضَمَّنَتْ تَمْتِيع كُلّ مَنْ لَمْ يُدْخَل بِهَا . وَقَالَ قَتَادَة : نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَة الْآيَة الَّتِي قَبْلهَا .

قُلْت : قَوْل سَعِيد وَقَتَادَة فِيهِ نَظَر , إِذْ شُرُوط النَّسْخ غَيْر مَوْجُودَة وَالْجَمْع مُمْكِن . وَقَالَ اِبْن الْقَاسِم فِي الْمُدَوَّنَة : كَانَ الْمَتَاع لِكُلِّ مُطَلَّقَة بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاع بِالْمَعْرُوفِ " [ الْبَقَرَة : 241 ] وَلِغَيْرِ الْمَدْخُول بِهَا بِالْآيَةِ الَّتِي فِي سُورَة [ الْأَحْزَاب ] فَاسْتَثْنَى اللَّه تَعَالَى الْمَفْرُوض لَهَا قَبْل الدُّخُول بِهَا بِهَذِهِ الْآيَة , وَأَثْبَتَ لِلْمَفْرُوضِ لَهَا نِصْف مَا فَرَضَ فَقَطْ . وَقَالَ فَرِيق مِنْ الْعُلَمَاء مِنْهُمْ أَبُو ثَوْر : الْمُتْعَة لِكُلِّ مُطَلَّقَة عُمُومًا , وَهَذِهِ الْآيَة إِنَّمَا بَيَّنَتْ أَنَّ الْمَفْرُوض لَهَا تَأْخُذ نِصْف مَا فُرِضَ لَهَا , وَلَمْ يَعْنِ بِالْآيَةِ إِسْقَاط مُتْعَتهَا , بَلْ لَهَا الْمُتْعَة وَنِصْف الْمَفْرُوض .

" فَنِصْف مَا فَرَضْتُمْ " أَيْ فَالْوَاجِب نِصْف مَا فَرَضْتُمْ , أَيْ مِنْ الْمَهْر فَالنِّصْف لِلزَّوْجِ وَالنِّصْف لِلْمَرْأَةِ بِإِجْمَاعٍ . وَالنِّصْف الْجُزْء مِنْ اِثْنَيْنِ , فَيُقَال : نَصَفَ الْمَاء الْقَدَح أَيْ بَلَغَ نِصْفه . وَنَصَفَ الْإِزَار السَّاق , وَكُلّ شَيْء بَلَغَ نِصْف غَيْره فَقَدْ نَصَفَهُ . وَقَرَأَ الْجُمْهُور " فَنِصْفُ " بِالرَّفْعِ . وَقَرَأَتْ فِرْقَة " فَنِصْفَ " بِنَصْبِ الْفَاء , الْمَعْنَى فَادْفَعُوا نِصْف . وَقَرَأَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَزَيْد بْن ثَابِت " فَنُصْف " بِضَمِّ النُّون فِي جَمِيع الْقُرْآن وَهِيَ لُغَة . وَكَذَلِكَ رَوَى الْأَصْمَعِيّ قِرَاءَة عَنْ أَبِي عَمْرو بْن الْعَلَاء يُقَال : نِصْف وَنُصْف وَنَصِيف , , لُغَات ثَلَاث فِي النِّصْف , وَفِي الْحَدِيث : ( لَوْ أَنَّ أَحَدكُمْ أَنْفَقَ مِثْل أَحَد ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدّ أَحَدهمْ وَلَا نَصِيفه ) أَيْ نِصْفه . وَالنَّصِيف أَيْضًا الْقِنَاع .

إِذَا أَصْدَقَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْل الدُّخُول وَنَمَا الصَّدَاق فِي يَدهَا فَقَالَ مَالِك : كُلّ عَرَض أَصْدَقَهَا أَوْ عَبْد فَنَمَاؤُهُمَا لَهُمَا جَمِيعًا وَنُقْصَانه بَيْنهمَا , وَتَوَاهُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا لَيْسَ عَلَى الْمَرْأَة مِنْهُ شَيْء . فَإِنْ أَصْدَقهَا عَيْنًا ذَهَبًا أَوْ وَرِقًا فَاشْتَرَتْ بِهِ عَبْدًا أَوْ دَارًا أَوْ اِشْتَرَتْ بِهِ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْره طِيبًا أَوْ شُوَارًا أَوْ غَيْر ذَلِكَ مِمَّا لَهَا التَّصَرُّف فِيهِ لِجِهَازِهَا وَصَلَاح شَأْنهَا فِي بَقَائِهَا مَعَهُ فَذَلِكَ كُلّه بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَصْدَقَهَا إِيَّاهُ , وَنَمَاؤُهُ وَنُقْصَانه بَيْنهمَا . وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْل الدُّخُول لَمْ يَكُنْ لَهَا إِلَّا نِصْفه , وَلَيْسَ عَلَيْهَا أَنْ تَغْرَم لَهُ نِصْف مَا قَبَضَتْهُ مِنْهُ , وَإِنْ اِشْتَرَتْ بِهِ أَوْ مِنْهُ شَيْئًا تَخْتَصّ بِهِ فَعَلَيْهَا أَنْ تَغْرَم لَهُ نِصْف صَدَاقهَا الَّذِي قَبَضَتْ مِنْهُ , وَكَذَلِكَ لَوْ اِشْتَرَتْ مِنْ غَيْره عَبْدًا أَوْ دَارًا بِالْأَلْفِ الَّذِي أَصْدَقَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْل الدُّخُول رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ الْأَلْف .

لَا خِلَاف أَنَّ مَنْ دَخَلَ بِزَوْجَتِهِ ثُمَّ مَاتَ عَنْهَا وَقَدْ سَمَّى لَهَا أَنَّ لَهَا ذَلِكَ الْمُسَمَّى كَامِلًا وَالْمِيرَاث , وَعَلَيْهَا الْعِدَّة .

وَاخْتَلَفُوا فِي الرَّجُل يَخْلُو بِالْمَرْأَةِ وَلَمْ يُجَامِعهَا حَتَّى فَارَقَهَا , فَقَالَ الْكُوفِيُّونَ وَمَالِك : عَلَيْهِ جَمِيع الْمَهْر , وَعَلَيْهَا الْعِدَّة , لِخَبَرِ اِبْن مَسْعُود قَالَ : قَضَى الْخُلَفَاء الرَّاشِدُونَ فِيمَنْ أَغْلَقَ بَابًا أَوْ أَرْخَى سِتْرًا أَنَّ لَهَا الْمِيرَاث وَعَلَيْهَا الْعِدَّة , وَرُوِيَ مَرْفُوعًا خَرَّجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَسَيَأْتِي فِي [ النِّسَاء ] . وَالشَّافِعِيّ لَا يُوجِب مَهْرًا كَامِلًا , وَلَا عِدَّة إِذَا لَمْ يَكُنْ دُخُول , لِظَاهِرِ الْقُرْآن . قَالَ شُرَيْح : لَمْ أَسْمَع اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى ذَكَرَ فِي كِتَابه بَابًا وَلَا سِتْرًا , إِذَا زَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَمَسّهَا فَلَهَا نِصْف الصَّدَاق , وَهُوَ مَذْهَب اِبْن عَبَّاس وَسَيَأْتِي مَا لِعُلَمَائِنَا فِي هَذَا فِي سُورَة [ النِّسَاء ] إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى عِنْد قَوْله تَعَالَى : " وَقَدْ أَفْضَى بَعْضكُمْ إِلَى بَعْض " [ النِّسَاء : 21 ] .

" إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ " اِسْتِثْنَاء مُنْقَطِع ; لِأَنَّ عَفْوهنَّ عَنْ النِّصْف لَيْسَ مِنْ جِنْس أَخْذهنَّ . و " يَعْفُونَ " مَعْنَاهُ يَتْرُكْنَ وَيَصْفَحْنَ , وَوَزْنه يَفْعَلْنَ . وَالْمَعْنَى إِلَّا أَنْ يَتْرُكْنَ النِّصْف الَّذِي وَجَبَ لَهُنَّ عِنْد الزَّوْج , وَلَمْ تَسْقُط النُّون مَعَ " أَنْ " ; لِأَنَّ جَمْع الْمُؤَنَّث فِي الْمُضَارِع عَلَى حَالَة وَاحِدَة فِي الرَّفْع وَالنَّصْب وَالْجَزْم , فَهِيَ ضَمِير وَلَيْسَتْ بِعَلَامَةِ إِعْرَاب فَلِذَلِكَ لَمْ تَسْقُط , وَلِأَنَّهُ لَوْ سَقَطَتْ النُّون لَاشْتَبَهَ بِالْمُذَكَّرِ . وَالْعَافِيَات فِي هَذِهِ الْآيَة كُلّ اِمْرَأَة تَمْلِك أَمْر نَفْسهَا , فَأَذِنَ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى لَهُنَّ فِي إِسْقَاطه بَعْد وُجُوبه , إِذْ جَعَلَهُ خَالِص حَقّهنَّ , فَيَتَصَرَّفْنَ فِيهِ بِالْإِمْضَاءِ وَالْإِسْقَاط كَيْف شِئْنَ , إِذَا مَلَكْنَ أَمْر أَنْفُسهنَّ وَكُنَّ بَالِغَات عَاقِلَات رَاشِدَات . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَجَمَاعَة مِنْ الْفُقَهَاء وَالتَّابِعِينَ : وَيَجُوز عَفْو الْبِكْر الَّتِي لَا وَلِيّ لَهَا , وَحَكَاهُ سَحْنُون فِي الْمُدَوَّنَة عَنْ غَيْر اِبْن الْقَاسِم بَعْد أَنْ ذُكِرَ لِابْنِ الْقَاسِم أَنَّ وَضْعهَا نِصْف الصَّدَاق لَا يَجُوز . وَأَمَّا الَّتِي فِي حِجْر أَب أَوْ وَصِيّ فَلَا يَجُوز وَضْعهَا لِنِصْفِ صَدَاقهَا قَوْلًا وَاحِدًا , وَلَا خِلَاف فِيهِ فِيمَا أَعْلَم .

" أَوْ يَعْفُو الَّذِي بِيَدِهِ " مَعْطُوف عَلَى الْأَوَّل مَبْنِيّ , وَهَذَا مُعْرَب . وَقَرَأَ الْحَسَن " أَوْ يَعْفُو " سَاكِنَة الْوَاو , كَأَنَّهُ اِسْتَثْقَلَ الْفَتْحَة فِي الْوَاو . وَاخْتَلَفَ النَّاس فِي الْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ " فَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ جُبَيْر بْن مُطْعِم أَنَّهُ تَزَوَّجَ اِمْرَأَة مِنْ بَنِي نَصْر فَطَلَّقَهَا قَبْل أَنْ يَدْخُل بِهَا , فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا بِالصَّدَاقِ كَامِلًا وَقَالَ : أَنَا أَحَقّ بِالْعَفْوِ مِنْهَا , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ " وَأَنَا أَحَقّ بِالْعَفْوِ مِنْهَا . وَتَأَوَّلَ قَوْله تَعَالَى : " أَوْ يَعْفُو الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَة النِّكَاح " يَعْنِي نَفْسه فِي كُلّ حَال قَبْل الطَّلَاق وَبَعْده , أَيْ عُقْدَة نِكَاحه , فَلَمَّا أَدْخَلَ اللَّام حَذَفَ الْهَاء كَقَوْلِهِ : " فَإِنَّ الْجَنَّة هِيَ الْمَأْوَى " [ النَّازِعَات : 41 ] أَيْ مَأْوَاهُ . قَالَ النَّابِغَة : لَهُمْ شِيمَة لَمْ يُعْطِهَا اللَّه غَيْرهمْ مِنْ الْجُود وَالْأَحْلَام غَيْر عَوَازِب أَيْ أَحْلَامهمْ . وَكَذَلِكَ قَوْله : " عُقْدَة النِّكَاح " أَيْ عُقْدَة نِكَاحه . وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيث قُتَيْبَة بْن سَعِيد حَدَّثَنَا اِبْن لَهِيعَة عَنْ عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلِيّ عُقْدَة النِّكَاح الزَّوْج ) . وَأُسْنِدَ هَذَا عَنْ عَلِيّ وَابْن عَبَّاس وَسَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَشُرَيْح . قَالَ : وَكَذَلِكَ قَالَ نَافِع بْن جُبَيْر وَمُحَمَّد بْن كَعْب وَطَاوُس وَمُجَاهِد وَالشَّعْبِيّ وَسَعِيد بْن جُبَيْر , زَادَ غَيْره وَمُجَاهِد وَالثَّوْرِيّ , وَاخْتَارَهُ أَبُو حَنِيفَة , وَهُوَ الصَّحِيح مِنْ قَوْل الشَّافِعِيّ , كُلّهمْ لَا يَرَى سَبِيلًا لِلْوَلِيِّ عَلَى شَيْء مِنْ صَدَاقهَا , لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْوَلِيّ لَوْ أَبْرَأَ الزَّوْج مِنْ الْمَهْر قَبْل الطَّلَاق لَمْ يَجُزْ فَكَذَلِكَ بَعْده . وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْوَلِيّ لَا يَمْلِك أَنْ يَهَب شَيْئًا مِنْ مَالهَا , وَالْمَهْر مَالهَا . وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مِنْ الْأَوْلِيَاء مَنْ لَا يَجُوز عَفْوهمْ وَهُمْ بَنُو الْعَمّ وَبَنُو الْإِخْوَة , فَكَذَلِكَ الْأَب , وَاَللَّه أَعْلَم . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هُوَ الْوَلِيّ أَسْنَدَهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضًا عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : وَهُوَ قَوْل إِبْرَاهِيم وَعَلْقَمَة وَالْحَسَن , زَادَ غَيْره وَعِكْرِمَة وَطَاوُس وَعَطَاء وَأَبِي الزِّنَاد وَزَيْد بْن أَسْلَم وَرَبِيعَة وَمُحَمَّد بْن كَعْب وَابْن شِهَاب وَالْأَسْوَد بْن يَزِيد وَالشَّعْبِيّ وَقَتَادَة وَمَالِك وَالشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم . فَيَجُوز لِلْأَبِ الْعَفْو عَنْ نِصْف صَدَاق اِبْنَته الْبِكْر إِذَا طُلِّقَتْ , بَلَغَتْ الْمَحِيض أَمْ لَمْ تَبْلُغهُ . قَالَ عِيسَى بْن دِينَار : وَلَا تَرْجِع بِشَيْءٍ مِنْهُ عَلَى أَبِيهَا , وَالدَّلِيل عَلَى أَنَّ الْمُرَاد الْوَلِيّ أَنَّ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى قَالَ فِي أَوَّل الْآيَة : " وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَة فَنِصْف مَا فَرَضْتُمْ " فَذَكَرَ الْأَزْوَاج وَخَاطَبَهُمْ بِهَذَا الْخِطَاب , ثُمَّ قَالَ : " إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ " فَذَكَرَ النِّسْوَان , " أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَة النِّكَاح " فَهُوَ ثَالِث فَلَا يُرَدّ إِلَى الزَّوْج الْمُتَقَدِّم إِلَّا لَوْ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ وُجُود , وَقَدْ وُجِدَ وَهُوَ الْوَلِيّ فَهُوَ الْمُرَاد . قَالَ مَعْنَاهُ مَكِّيّ وَذَكَرَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ . وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ : " إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ " وَمَعْلُوم أَنَّهُ لَيْسَ كُلّ اِمْرَأَة تَعْفُو , فَإِنَّ الصَّغِيرَة وَالْمَحْجُور عَلَيْهَا لَا عَفْو لَهُمَا , فَبَيَّنَ اللَّه الْقِسْمَيْنِ فَقَالَ : " إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ " أَيْ إِنْ كُنَّ لِذَلِكَ أَهْلًا , " أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَة النِّكَاح " وَهُوَ الْوَلِيّ , لِأَنَّ الْأَمْر فِيهِ إِلَيْهِ . وَكَذَلِكَ رَوَى اِبْن وَهْب وَأَشْهَب وَابْن عَبْد الْحَكَم وَابْن الْقَاسِم عَنْ مَالِك أَنَّهُ الْأَب فِي اِبْنَته الْبِكْر وَالسَّيِّد فِي أَمَته . وَإِنَّمَا يَجُوز عَفْو الْوَلِيّ إِذَا كَانَ مِنْ أَهْل السَّدَاد , وَلَا يَجُوز عَفْوه إِذَا كَانَ سَفِيهًا . فَإِنْ قِيلَ : لَا نُسَلِّم أَنَّهُ الْوَلِيّ بَلْ هُوَ الزَّوْج , وَهَذَا الِاسْم أَوْلَى بِهِ ; لِأَنَّهُ أَمْلَك لِلْعَقْدِ مِنْ الْوَلِيّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ . فَالْجَوَاب - أَنَّا لَا نُسَلِّم أَنَّ الزَّوْج أَمْلَك لِلْعَقْدِ مِنْ الْأَب فِي اِبْنَته الْبِكْر , بَلْ أَب الْبِكْر يَمْلِكهُ خَاصَّة دُون الزَّوْج ; لِأَنَّ الْمَعْقُود عَلَيْهِ هُوَ بُضْع الْبِكْر , وَلَا يَمْلِك الزَّوْج أَنْ يَعْقِد عَلَى ذَلِكَ بَلْ الْأَب يَمْلِكهُ . وَقَدْ أَجَازَ شُرَيْح عَفْو الْأَخ عَنْ نِصْف الْمَهْر , وَكَذَلِكَ قَالَ عِكْرِمَة : يَجُوز عَفْو الَّذِي عَقَدَ عُقْدَة النِّكَاح بَيْنهمَا , كَانَ عَمًّا أَوْ أَبًا أَوْ أَخًا , وَإِنْ كَرِهَتْ . وَقَرَأَ أَبُو نَهِيك وَالشَّعْبِيّ " أَوْ يَعْفُو " بِإِسْكَانِ الْوَاو عَلَى التَّشْبِيه بِالْأَلِفِ , وَمِثْله قَوْل الشَّاعِر : فَمَا سَوَّدَتْنِي عَامِر عَنْ وِرَاثَة أَبَى اللَّه أَنْ أَسْمُو بِأُمٍّ وَلَا أَب



اِبْتِدَاء وَخَبَر , وَالْأَصْل تَعْفُوُوا أُسْكِنَتْ الْوَاو الْأُولَى لِثِقَلِ حَرَكَتهَا ثُمَّ حُذِفَتْ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ , وَهُوَ خِطَاب لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاء فِي قَوْل اِبْن عَبَّاس فَغَلَبَ الذُّكُور , وَاللَّام بِمَعْنَى إِلَى , أَيْ أَقْرَب إِلَى التَّقْوَى . وَقَرَأَ الْجُمْهُور " تَعْفُوا " بِالتَّاءِ بِاثْنَتَيْنِ مِنْ فَوْق . وَقَرَأَ أَبُو نَهِيك وَالشَّعْبِيّ " وَأَنْ يَعْفُوا " بِالْيَاءِ , وَذَلِكَ رَاجِع إِلَى الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَة النِّكَاح . قُلْت : وَلَمْ يَقْرَأ " وَأَنْ تَعْفُونَ " بِالتَّاءِ فَيَكُون لِلنِّسَاءِ . وَقَرَأَ الْجُمْهُور " وَلَا تَنْسُوا الْفَضْل " بِضَمِّ الْوَاو , وَكَسَرَهَا يَحْيَى بْن يَعْمَر . وَقَرَأَ عَلِيّ وَمُجَاهِد وَأَبُو حَيْوَة وَابْن أَبِي عَبْلَة " وَلَا تَنَاسَوْا الْفَضْل " وَهِيَ قِرَاءَة مُتَمَكِّنَة الْمَعْنَى , لِأَنَّهُ مَوْضِع تَنَاسٍ لَا نِسْيَان إِلَّا عَلَى التَّشْبِيه . قَالَ مُجَاهِد : الْفَضْل إِتْمَام الرَّجُل الصَّدَاق كُلّه , أَوْ تَرْك الْمَرْأَة النِّصْف الَّذِي لَهَا .



خَبَر فِي ضِمْنه الْوَعْد لِلْمُحْسِنِ وَالْحِرْمَان لِغَيْرِ الْمُحْسِن , أَيْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ عَفْوكُمْ وَاسْتِقْضَاؤُكُمْ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • كيف نستقبل شهر رمضان المبارك؟

    هذه الرسالة تتحدث عن كيفية استقبال شهر رمضان المبارك، مع بيان بعض الملاحظات والتنبيهات على أخطاء بعض الصائمين والقائمين في شهر رمضان.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/231258

    التحميل:

  • تناقضات

    هذه محاضرة للشيخ عبدالعزيز السدحان فرغها في كتاب الأخ إبراهيم السبتي وأعاد صياغتها الأخ بندر الشويقي، وتحدث الشيخ فيها عن أربعة وثلاثين مسألة يكون فيها تناقض شرعي بين الناس، بعد ذكر أسباب ذلك، ومن أمثلتها الفتوى مع قلة العلم، وتزويج تارك الصلاة وترك غيره، والتعامل مع الخادمات بقسوة في الطعام والشراب والتساهل معها في كشف الوجه، إلى غير ذلك...

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/261643

    التحميل:

  • من بدائع القصص النبوي الصحيح

    من بدائع القصص النبوي الصحيح: فإن النفوس تحب القصص، وتتأثر بها؛ لذلك تجد في القرآن أنواعًا من القصص النافع، وهو من أحسن القصص. وكان من حكمة الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن اقتدى بكتاب ربه، فقص علينا من الأنباء السابقة ما فيه العِبَر، باللفظ الفصيح والبيـان العذب البليغ، ويمتاز بأنه واقعي وليس بخيالي. ولما كان بعض شبابنا قد مالوا إلى القصص الأجنبي الضار، إذ أكثره جنسي مائع أو بوليسي مجرم، يوقعهم في الفاحشة والانحراف كما يريده أعداء الإسلام؛ رأينا أن نقدم لهم نماذج من القصص الديني الصحيح؛ فان فيها تهذيب الأخلاق، وتقريب الشباب من الدين. وفي هذا الكتاب نموذج من بدائع القصص النبوي، وهي مختارة من الأحاديث الصحيحة، جعلها الكاتب على شكل حوار، ومشاهد، حتى كأنك ترى وقائع القصة أمامك، وجعل لكل قصة عبرة في آخرها للاستفادة منها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1894

    التحميل:

  • أسئلة وأجوبة في الإيمان والكفر

    أسئلة وأجوبة في الإيمان والكفر: بعض الأسئلة التي عرضت على فضيلة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله الراجحي - حفظه الله - في مسائل الإيمان والكفر، وأجاب عليها بهذه الأجوبة، نسأل الله أن ينفع بها وأن يجعلها في موازين حسناته.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1951

    التحميل:

  • النجوم الزاهرة في القراءات العشر المُتواترة وتوجيهها من طريقَي الشاطبية والدرة

    النجوم الزاهرة في القراءات العشر المُتواترة وتوجيهها من طريقَي الشاطبية والدرة: ثال المُصنِّف - رحمه الله -: «لما رأيتُ طلابَ معاهد القراءات، وطلاب المعاهد الأزهرية في مصر الحبيبة، وسائر المسلمين في جميع الأقطار الإسلامية الشقيقة في حاجةٍ إلى كتابٍ في «القراءات العشر من طريقَي الشاطبية والدرة» يستعينون به على إعداد دروسهم في الجانب العلمي التطبيقي؛ ألَّفتُ هذا الكتاب .. وقد سلَكتُ في تصنيفهِ المسلكَ الذي اتبعتُه في مُؤلَّفاتي؛ مثل: 1- المُهذَّب في القراءات العشر وتوجيهها من طريق الشاطبية. 2- الإرشادات الجليَّة في القراءات السبع من طريق الشاطبية. 3- التذكرة في القراءات الثلاث من طريق الدرَّة».

    الناشر: موقع الدكتور محمد محيسن http://www.mehesen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/384392

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة