Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 230

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ۗ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۗ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230) (البقرة) mp3
فِيهِ إِحْدَى عَشْرَة مَسْأَلَة : الْأُولَى : اِحْتَجَّ بَعْض مَشَايِخ خُرَاسَان مِنْ الْحَنَفِيَّة بِهَذِهِ الْآيَة عَلَى أَنَّ الْمُخْتَلِعَة يَلْحَقهَا الطَّلَاق , قَالُوا : فَشَرَعَ اللَّه سُبْحَانه صَرِيح الطَّلَاق بَعْد الْمُفَادَاة بِالطَّلَاقِ ; لِأَنَّ الْفَاء حَرْف تَعْقِيب , فَيَبْعُد أَنْ يَرْجِع إِلَى قَوْله : " الطَّلَاق مَرَّتَانِ " لِأَنَّ الَّذِي تَخَلَّلَ مِنْ الْكَلَام يَمْنَع بِنَاء قَوْله " فَإِنْ طَلَّقَهَا " عَلَى قَوْله " الطَّلَاق مَرَّتَانِ " بَلْ الْأَقْرَب عَوْده عَلَى مَا يَلِيه كَمَا فِي الِاسْتِثْنَاء وَلَا يَعُود إِلَى مَا تَقَدَّمَهُ إِلَّا بِدَلَالَةٍ , كَمَا أَنَّ قَوْله تَعَالَى : " وَرَبَائِبكُمْ اللَّاتِي فِي حُجُوركُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ " [ النِّسَاء : 23 ] فَصَارَ مَقْصُورًا عَلَى مَا يَلِيه غَيْر عَائِد عَلَى مَا تَقَدَّمَهُ حَتَّى لَا يُشْتَرَط الدُّخُول فِي أُمَّهَات النِّسَاء . وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الطَّلَاق بَعْد الْخُلْع فِي الْعِدَّة , فَقَالَتْ طَائِفَة : إِذَا خَالَعَ الرَّجُل زَوْجَته ثُمَّ طَلَّقَهَا وَهِيَ فِي الْعِدَّة لَحِقَهَا الطَّلَاق مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّة , كَذَلِكَ قَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَشُرَيْح وَطَاوُس وَالنَّخَعِيّ وَالزُّهْرِيّ وَالْحَكَم وَحَمَّاد وَالثَّوْرِيّ وَأَصْحَاب الرَّأْي . وَفِيهِ قَوْل ثَانٍ وَهُوَ ( أَنَّ الطَّلَاق لَا يَلْزَمهَا ) , وَهُوَ قَوْل اِبْن عَبَّاس وَابْن الزُّبَيْر وَعِكْرِمَة وَالْحَسَن وَجَابِر بْن زَيْد وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبِي ثَوْر , وَهُوَ قَوْل مَالِك إِلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ : إِنْ اِفْتَدَتْ مِنْهُ عَلَى أَنْ يُطَلِّقهَا ثَلَاثًا مُتَتَابِعًا نَسَقًا حِين طَلَّقَهَا فَذَلِكَ ثَابِت عَلَيْهِ , وَإِنْ كَانَ بَيْن ذَلِكَ صُمَات فَمَا أَتْبَعَهُ بَعْد الصُّمَات فَلَيْسَ بِشَيْءٍ , وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّ نَسَق الْكَلَام بَعْضه عَلَى بَعْض مُتَّصِلًا يُوجِب لَهُ حُكْمًا وَاحِدًا , وَكَذَلِكَ إِذَا اِتَّصَلَ الِاسْتِثْنَاء بِالْيَمِينِ بِاَللَّهِ أَثَّر وَثَبَتَ لَهُ حُكْم الِاسْتِثْنَاء , وَإِذَا اِنْفَصَلَ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعَلُّق بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْكَلَام .

الثَّانِيَة : الْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " فَإِنْ طَلَّقَهَا " الطَّلْقَة الثَّالِثَة " فَلَا تَحِلّ لَهُ مِنْ بَعْد حَتَّى تَنْكِح زَوْجًا غَيْره " . وَهَذَا مُجْمَع عَلَيْهِ لَا خِلَاف فِيهِ . وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يَكْفِي مِنْ النِّكَاح , وَمَا الَّذِي يُبِيح التَّحْلِيل , فَقَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَمَنْ وَافَقَهُ : مُجَرَّد الْعَقْد كَافٍ . وَقَالَ الْحَسَن بْن أَبِي الْحَسَن : لَا يَكْفِي مُجَرَّد الْوَطْء حَتَّى يَكُون إِنْزَال . وَذَهَبَ الْجُمْهُور مِنْ الْعُلَمَاء وَالْكَافَّة مِنْ الْفُقَهَاء إِلَى أَنَّ الْوَطْء كَافٍ فِي ذَلِكَ , وَهُوَ اِلْتِقَاء الْخِتَانَيْنِ الَّذِي يُوجِب الْحَدّ وَالْغُسْل , وَيُفْسِد الصَّوْم وَالْحَجّ وَيُحْصِن الزَّوْجَيْنِ وَيُوجِب كَمَال الصَّدَاق . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : مَا مَرَّتْ بِي فِي الْفِقْه مَسْأَلَة أَعْسَر مِنْهَا , وَذَلِكَ أَنَّ مِنْ أُصُول الْفِقْه أَنَّ الْحُكْم هَلْ يَتَعَلَّق بِأَوَائِل الْأَسْمَاء أَوْ بِأَوَاخِرِهَا ؟ فَإِنْ قُلْنَا : إِنَّ الْحُكْم يَتَعَلَّق بِأَوَائِل الْأَسْمَاء لَزِمَنَا أَنْ نَقُول بِقَوْلِ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب . وَإِنْ قُلْنَا : إِنَّ الْحُكْم يَتَعَلَّق بِأَوَاخِر الْأَسْمَاء لَزِمَنَا أَنْ نَشْتَرِط الْإِنْزَال مَعَ مَغِيب الْحَشَفَة فِي الْإِحْلَال , لِأَنَّهُ آخِر ذَوْق الْعُسَيْلَة عَلَى مَا قَالَهُ الْحَسَن . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَمَعْنَى ذَوْق الْعُسَيْلَة هُوَ الْوَطْء , وَعَلَى هَذَا جَمَاعَة الْعُلَمَاء إِلَّا سَعِيد بْن الْمُسَيِّب قَالَ : أَمَّا النَّاس فَيَقُولُونَ : لَا تَحِلّ لِلْأَوَّلِ حَتَّى يُجَامِعهَا الثَّانِي , وَأَنَا أَقُول : إِذَا تَزَوَّجَهَا زَوَاجًا صَحِيحًا لَا يُرِيد بِذَلِكَ إِحْلَالهَا فَلَا بَأْس أَنْ يَتَزَوَّجهَا الْأَوَّل . وَهَذَا قَوْل لَا نَعْلَم أَحَدًا وَافَقَهُ عَلَيْهِ إِلَّا طَائِفَة مِنْ الْخَوَارِج , وَالسُّنَّة مُسْتَغْنًى بِهَا عَمَّا سِوَاهَا . قُلْت : وَقَدْ قَالَ بِقَوْلِ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب سَعِيد بْن جُبَيْر , ذَكَرَهُ النَّحَّاس فِي كِتَاب " مَعَانِي الْقُرْآن " لَهُ . قَالَ : وَأَهْل الْعِلْم عَلَى أَنَّ النِّكَاح هَاهُنَا الْجِمَاع ; لِأَنَّهُ قَالَ : " زَوْجًا غَيْره " فَقَدْ تَقَدَّمَتْ الزَّوْجِيَّة فَصَارَ النِّكَاح الْجِمَاع , إِلَّا سَعِيد بْن جُبَيْر فَإِنَّهُ قَالَ : النِّكَاح هَاهُنَا التَّزَوُّج الصَّحِيح إِذَا لَمْ يُرِدْ إِحْلَالهَا . قُلْت : وَأَظُنّهُمَا لَمْ يَبْلُغهُمَا حَدِيث الْعُسَيْلَة أَوْ لَمْ يَصِحّ عِنْدهمَا فَأَخَذَا بِظَاهِرِ الْقُرْآن , وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : " حَتَّى تَنْكِح زَوْجًا غَيْره " وَاَللَّه أَعْلَم . رَوَى الْأَئِمَّة وَاللَّفْظ لِلدَّارَقُطْنِيّ عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا طَلَّقَ الرَّجُل اِمْرَأَته ثَلَاثًا لَا تَحِلّ لَهُ حَتَّى تَنْكِح زَوْجًا غَيْره وَيَذُوق كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا عُسَيْلَة صَاحِبه ) . قَالَ بَعْض عُلَمَاء الْحَنَفِيَّة : مَنْ عَقَدَ عَلَى مَذْهَب سَعِيد بْن الْمُسَيِّب فَلِلْقَاضِي أَنْ يَفْسَخهُ , وَلَا يُعْتَبَر فِيهِ خِلَافه لِأَنَّهُ خَارِج عَنْ إِجْمَاع الْعُلَمَاء . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَيُفْهَم مِنْ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( حَتَّى يَذُوق كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا عُسَيْلَة صَاحِبه ) اِسْتِوَاؤُهُمَا فِي إِدْرَاك لَذَّة الْجِمَاع , وَهُوَ حُجَّة لِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ عِنْدنَا فِي أَنَّهُ لَوْ وَطِئَهَا نَائِمَة أَوْ مُغْمًى عَلَيْهَا لَمْ تَحِلّ لِمُطَلِّقِهَا ; لِأَنَّهَا لَمْ تُذَقْ الْعُسَيْلَة إِذْ لَمْ تُدْرِكهَا .

الثَّالِثَة : رَوَى النَّسَائِيّ عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ : ( لَعَنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَاشِمَة وَالْمُسْتَوْشِمَة وَالْوَاصِلَة وَالْمُسْتَوْصِلَة وَآكِل الرِّبَا وَمُؤَكِّله وَالْمُحَلِّل وَالْمُحَلَّل لَهُ ) . وَرَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود قَالَ : ( لَعَنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُحَلِّل وَالْمُحَلَّل لَهُ ) . وَقَالَ : هَذَا حَدِيث حَسَن صَحِيح . وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيث عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْر وَجْه . وَالْعَمَل عَلَى هَذَا عِنْد أَهْل الْعِلْم مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مِنْهُمْ عُمَر بْن الْخَطَّاب وَعُثْمَان بْن عَفَّان وَعَبْد اللَّه بْن عُمَر وَغَيْرهمْ , وَهُوَ قَوْل الْفُقَهَاء مِنْ التَّابِعِينَ , وَبِهِ يَقُول سُفْيَان الثَّوْرِيّ وَابْن الْمُبَارَك وَالشَّافِعِيّ وَمَالِك وَأَحْمَد وَإِسْحَاق , وَسَمِعْت الْجَارُود يَذْكُر عَنْ وَكِيع أَنَّهُ قَالَ بِهَذَا , وَقَالَ : يَنْبَغِي أَنْ يُرْمَى بِهَذَا الْبَاب مِنْ قَوْل أَصْحَاب الرَّأْي . وَقَالَ سُفْيَان : إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُل الْمَرْأَة لِيُحِلّهَا ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يُمْسِكهَا فَلَا تَحِلّ لَهُ حَتَّى يُزَوِّجهَا بِنِكَاحٍ جَدِيد . قَالَ أَبُو عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ : اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي نِكَاح الْمُحَلِّل , فَقَالَ مَالِك , الْمُحَلِّل لَا يُقِيم عَلَى نِكَاحه حَتَّى يَسْتَقْبِل نِكَاحًا جَدِيدًا , فَإِنْ أَصَابَهَا فَلَهَا مَهْر مِثْلهَا , وَلَا تَحِلّهَا إِصَابَته لِزَوْجِهَا الْأَوَّل , وَسَوَاء عَلِمَا أَوْ لَمْ يَعْلَمَا إِذَا تَزَوَّجَهَا لِيُحِلّهَا , وَلَا يَقَرّ عَلَى نِكَاحه وَيُفْسَخ , وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ . وَفِيهِ قَوْل ثَانٍ رُوِيَ عَنْ الثَّوْرِيّ فِي نِكَاح الْخِيَار وَالْمُحَلِّل أَنَّ النِّكَاح جَائِز وَالشَّرْط بَاطِل , وَهُوَ قَوْل اِبْن أَبِي لَيْلَى فِي ذَلِكَ وَفِي نِكَاح الْمُتْعَة . وَرُوِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيّ فِي نِكَاح الْمُحَلِّل : بِئْسَ مَا صَنَعَ وَالنِّكَاح جَائِز . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمَّد : النِّكَاح جَائِز إِنْ دَخَلَ بِهَا , وَلَهُ أَنْ يُمْسِكهَا إِنْ شَاءَ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة مَرَّة هُوَ وَأَصْحَابه : لَا تَحِلّ لِلْأَوَّلِ إِنْ تَزَوَّجَهَا لِيُحِلّهَا , وَمَرَّة قَالُوا : تَحِلّ لَهُ بِهَذَا النِّكَاح إِذَا جَامَعَهَا وَطَلَّقَهَا . وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ نِكَاح هَذَا الزَّوْج صَحِيح , وَأَنَّ لَهُ أَنْ يُقِيم عَلَيْهِ . وَفِيهِ قَوْل ثَالِث - قَالَ الشَّافِعِيّ : إِذَا قَالَ أَتَزَوَّجك لِأُحِلّك ثُمَّ لَا نِكَاح بَيْننَا بَعْد ذَلِكَ فَهَذَا ضَرْب مِنْ نِكَاح الْمُتْعَة , وَهُوَ فَاسِد لَا يَقَرّ عَلَيْهِ وَيُفْسَخ , وَلَوْ وَطِئَ عَلَى هَذَا لَمْ يَكُنْ تَحْلِيلًا . فَإِنْ تَزَوَّجَهَا تَزَوُّجًا مُطْلَقًا لَمْ يَشْتَرِط وَلَا اُشْتُرِطَ عَلَيْهِ التَّحْلِيل فَلِلشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ فِي كِتَابه الْقَدِيم : أَحَدهمَا مِثْل قَوْل مَالِك , وَالْآخَر مِثْل قَوْل أَبِي حَنِيفَة . وَلَمْ يَخْتَلِف قَوْله فِي كِتَابه الْجَدِيد الْمِصْرِيّ أَنَّ النِّكَاح صَحِيح إِذَا لَمْ يُشْتَرَط , وَهُوَ قَوْل دَاوُد . قُلْت : وَحَكَى الْمَاوَرْدِيّ عَنْ الشَّافِعِيّ أَنَّهُ إِنْ شَرَطَ التَّحْلِيل قَبْل الْعَقْد صَحَّ النِّكَاح وَأَحَلَّهَا لِلْأَوَّلِ , وَإِنْ شَرَطَاهُ فِي الْعَقْد بَطَلَ النِّكَاح وَلَمْ يُحِلّهَا لِلْأَوَّلِ , قَالَ : وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ . وَقَالَ الْحَسَن وَإِبْرَاهِيم : إِذَا هَمَّ أَحَد الثَّلَاثَة بِالتَّحْلِيلِ فَسَدَ النِّكَاح , وَهَذَا تَشْدِيد . وَقَالَ سَالِم وَالْقَاسِم : لَا بَأْس أَنْ يَتَزَوَّجهَا لِيُحِلّهَا إِذَا لَمْ يَعْلَم الزَّوْجَانِ وَهُوَ مَأْجُور , وَبِهِ قَالَ رَبِيعَة وَيَحْيَى بْن سَعِيد , وَقَالَهُ دَاوُد بْن عَلِيّ لَمْ يَظْهَر ذَلِكَ فِي اِشْتِرَاطه فِي حِين الْعَقْد .

الرَّابِعَة : مَدَار جَوَاز نِكَاح التَّحْلِيل عِنْد عُلَمَائِنَا عَلَى الزَّوْج النَّاكِح , وَسَوَاء شَرَطَ ذَلِكَ أَوْ نَوَاهُ , وَمَتَى كَانَ شَيْء مِنْ ذَلِكَ فَسَدَ نِكَاحه وَلَمْ يُقَرّ عَلَيْهِ , وَلَمْ يَحْلِلْ وَطْؤُهُ الْمَرْأَة لِزَوْجِهَا . وَعِلْمُ الزَّوْج الْمُطَلِّق وَجَهْله فِي ذَلِكَ سَوَاء . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّ النَّاكِح لَهَا لِذَلِكَ تَزَوَّجَهَا أَنْ يَتَنَزَّه عَنْ مُرَاجَعَتهَا , وَلَا يُحِلّهَا عِنْد مَالِك إِلَّا نِكَاح رَغْبَة لِحَاجَتِهِ إِلَيْهَا , وَلَا يُقْصَد بِهِ التَّحْلِيل , وَيَكُون وَطْؤُهُ لَهَا وَطْئًا مُبَاحًا : لَا تَكُون صَائِمَة وَلَا مُحْرِمَة وَلَا فِي حَيْضَتهَا , وَيَكُون الزَّوْج بَالِغًا مُسْلِمًا . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : إِذَا أَصَابَهَا بِنِكَاحٍ صَحِيح وَغَيَّبَ الْحَشَفَة فِي فَرْجهَا فَقَدْ ذَاقَا الْعُسَيْلَة , وَسَوَاء فِي ذَلِكَ قَوِيّ النِّكَاح وَضَعِيفه , وَسَوَاء أَدْخَلَهُ بِيَدِهِ أَمْ بِيَدِهَا , وَكَانَ مِنْ صَبِيّ أَوْ مُرَاهِق أَوْ مَجْبُوب بَقِيَ لَهُ مَا يُغَيِّبهُ كَمَا يُغَيِّب غَيْر الْخَصِيّ , وَسَوَاء أَصَابَهَا الزَّوْج مُحْرِمَة أَوْ صَائِمَة , وَهَذَا كُلّه - عَلَى مَا وَصَفَ الشَّافِعِيّ - قَوْل أَبِي حَنِيفَة وَأَصْحَابه وَالثَّوْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَالْحَسَن بْن صَالِح , وَقَوْل بَعْض أَصْحَاب مَالِك .

الْخَامِسَة : قَالَ اِبْن حَبِيب : وَإِنْ تَزَوَّجَهَا فَإِنْ أَعْجَبَتْهُ أَمْسَكَهَا , وَإِلَّا كَانَ قَدْ اِحْتَسَبَ فِي تَحْلِيلهَا الْأَجْر لَمْ يَجُزْ , لِمَا خَالَطَ نِكَاحه مِنْ نِيَّة التَّحْلِيل , وَلَا تَحِلّ بِذَلِكَ لِلْأَوَّلِ .

السَّادِسَة : وَطْء السَّيِّد لِأَمَتِهِ الَّتِي قَدْ بَتَّ زَوْجهَا طَلَاقهَا لَا يُحِلّهَا , إِذْ لَيْسَ بِزَوْجٍ , رُوِيَ عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب , وَهُوَ قَوْل عُبَيْدَة وَمَسْرُوق وَالشَّعْبِيّ وَإِبْرَاهِيم وَجَابِر بْن زَيْد وَسُلَيْمَان بْن يَسَار وَحَمَّاد بْن أَبِي سُلَيْمَان وَأَبِي الزِّنَاد , وَعَلَيْهِ جَمَاعَة فُقَهَاء الْأَمْصَار . وَيُرْوَى عَنْ عُثْمَان وَزَيْد بْن ثَابِت وَالزُّبَيْر خِلَاف ذَلِكَ , وَأَنَّهُ يُحِلّهَا إِذَا غَشِيَهَا سَيِّدهَا غَشَيَانًا لَا يُرِيد بِذَلِكَ مُخَادَعَة وَلَا إِحْلَالًا , وَتَرْجِع إِلَى زَوْجهَا بِخِطْبَةٍ وَصَدَاق . وَالْقَوْل الْأَوَّل أَصَحّ , لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " حَتَّى تَنْكِح زَوْجًا غَيْره " وَالسَّيِّد إِنَّمَا تَسَلَّطَ بِمِلْكِ الْيَمِين وَهَذَا وَاضِح .

السَّابِعَة : فِي مُوَطَّإِ مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَسُلَيْمَان بْن يَسَار سُئِلَا عَنْ رَجُل زَوَّجَ عَبْدًا لَهُ جَارِيَة لَهُ فَطَلَّقَهَا الْعَبْد الْبَتَّة ثُمَّ وَهَبَهَا سَيِّدهَا لَهُ هَلْ تَحِلّ لَهُ بِمِلْكِ الْيَمِين ؟ فَقَالَا : لَا تَحِلّ لَهُ حَتَّى تَنْكِح زَوْجًا غَيْره .

الثَّامِنَة : رُوِيَ عَنْ مَالِك أَنَّهُ سَأَلَ اِبْن شِهَاب عَنْ رَجُل كَانَتْ تَحْته أَمَة مَمْلُوكَة فَاشْتَرَاهَا وَقَدْ كَانَ طَلَّقَهَا وَاحِدَة , فَقَالَ : تَحِلّ لَهُ بِمِلْكِ يَمِينه مَا لَمْ يَبِتّ طَلَاقهَا , فَإِنْ بَتَّ طَلَاقهَا فَلَا تَحِلّ لَهُ بِمِلْكِ يَمِينه حَتَّى تَنْكِح زَوْجًا غَيْره . قَالَ أَبُو عُمَر : وَعَلَى هَذَا جَمَاعَة الْعُلَمَاء وَأَئِمَّة الْفَتْوَى : مَالِك وَالثَّوْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر . وَكَانَ اِبْن عَبَّاس وَعَطَاء وَطَاوُس وَالْحَسَن يَقُولُونَ : ( إِذَا اِشْتَرَاهَا الَّذِي بَتَّ طَلَاقهَا حَلَّتْ لَهُ بِمِلْكِ الْيَمِين ) , عَلَى عُمُوم قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : " أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ " [ النِّسَاء : 3 ] . قَالَ أَبُو عُمَر : وَهَذَا خَطَأ مِنْ الْقَوْل ; لِأَنَّ قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : " أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ " لَا يُبِيح الْأُمَّهَات وَلَا الْأَخَوَات , فَكَذَلِكَ سَائِر الْمُحَرَّمَات .

التَّاسِعَة : إِذَا طَلَّقَ الْمُسْلِم زَوْجَته الذِّمِّيَّة ثَلَاثًا فَنَكَحَهَا ذِمِّيّ وَدَخَلَ بِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا , فَقَالَتْ طَائِفَة : الذِّمِّيّ زَوْج لَهَا , وَلَهَا أَنْ تَرْجِع إِلَى الْأَوَّل , هَكَذَا قَالَ الْحَسَن وَالزُّهْرِيّ وَسُفْيَان الثَّوْرِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو عُبَيْد وَأَصْحَاب الرَّأْي . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَكَذَلِكَ نَقُول ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ : " حَتَّى تَنْكِح زَوْجًا غَيْره " وَالنَّصْرَانِيّ زَوْج . وَقَالَ مَالِك وَرَبِيعَة : لَا يُحِلّهَا .

الْعَاشِرَة : النِّكَاح الْفَاسِد لَا يُحِلّ الْمُطَلَّقَة ثَلَاثًا فِي قَوْل الْجُمْهُور . مَالِك وَالثَّوْرِيّ . وَالشَّافِعِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأَصْحَاب الرَّأْي وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبِي عُبَيْد , كُلّهمْ يَقُولُونَ : لَا تَحِلّ لِلزَّوْجِ الْأَوَّل إِلَّا بِنِكَاحٍ صَحِيح , وَكَانَ الْحَكَم يَقُول : هُوَ زَوْج . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : لَيْسَ بِزَوْجٍ ; لِأَنَّ أَحْكَام الْأَزْوَاج فِي الظِّهَار وَالْإِيلَاء وَاللِّعَان غَيْر ثَابِتَة بَيْنهمَا . وَأَجْمَعَ كُلّ مَنْ يُحْفَظ عَنْهُ مِنْ أَهْل الْعِلْم أَنَّ الْمَرْأَة إِذَا قَالَتْ لِلزَّوْجِ الْأَوَّل : قَدْ تَزَوَّجْت وَدَخَلَ عَلَيَّ زَوْجِي وَصَدَّقَهَا أَنَّهَا تَحِلّ لِلْأَوَّلِ . قَالَ الشَّافِعِيّ : وَالْوَرَع أَلَّا يَفْعَل إِذَا وَقَعَ فِي نَفْسه أَنَّهَا كَذَبَتْهُ .

الْحَادِيَة عَشْرَة : جَاءَ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب فِي هَذَا الْبَاب تَغْلِيظ شَدِيد وَهُوَ قَوْله : ( لَا أَوُتَى بِمُحَلِّلٍ وَلَا مُحَلَّل لَهُ إِلَّا رَجَمْتهمَا ) . وَقَالَ اِبْن عُمَر : التَّحْلِيل سِفَاح , وَلَا يَزَالَانِ زَانِيَيْنِ وَلَوْ أَقَامَا عِشْرِينَ سَنَة . قَالَ أَبُو عُمَر : لَا يَحْتَمِل قَوْل عُمَر إِلَّا التَّغْلِيظ ; لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ وَضَعَ الْحَدّ عَنْ الْوَاطِئ فَرْجًا حَرَامًا قَدْ جَهِلَ تَحْرِيمه وَعَذَرَهُ بِالْجَهَالَةِ , فَالتَّأْوِيل أَوْلَى بِذَلِكَ وَلَا خِلَاف أَنَّهُ لَا رَجْم عَلَيْهِ .



قَوْله تَعَالَى : " فَإِنْ طَلَّقَهَا " يُرِيد الزَّوْج الثَّانِي . " فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا " أَيْ الْمَرْأَة وَالزَّوْج الْأَوَّل , قَالَهُ اِبْن عَبَّاس , وَلَا خِلَاف فِيهِ . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْم عَلَى أَنَّ الْحُرّ إِذَا طَلَّقَ زَوْجَته ثَلَاثًا ثُمَّ اِنْقَضَتْ عِدَّتهَا وَنَكَحَتْ زَوْجًا آخَر وَدَخَلَ بِهَا ثُمَّ فَارَقَهَا وَانْقَضَتْ عِدَّتهَا ثُمَّ نَكَحَتْ زَوْجهَا الْأَوَّل أَنَّهَا تَكُون عِنْده عَلَى ثَلَاث تَطْلِيقَات . وَاخْتَلَفُوا فِي الرَّجُل يُطَلِّق اِمْرَأَته تَطْلِيقَة أَوْ تَطْلِيقَتَيْنِ ثُمَّ تَتَزَوَّج غَيْره ثُمَّ تَرْجِع إِلَى زَوْجهَا الْأَوَّل , فَقَالَتْ طَائِفَة : تَكُون عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقهَا , وَكَذَلِكَ قَالَ الْأَكَابِر مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عُمَر بْن الْخَطَّاب وَعَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَأُبَيّ بْن كَعْب وَعِمْرَان بْن حُصَيْن وَأَبُو هُرَيْرَة . وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ زَيْد بْن ثَابِت وَمُعَاذ بْن جَبَل وَعَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاص , وَبِهِ قَالَ عُبَيْدَة السَّلْمَانِيّ وَسَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ وَمَالِك وَسُفْيَان الثَّوْرِيّ وَابْن أَبِي لَيْلَى وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبُو عُبَيْد وَأَبُو ثَوْر وَمُحَمَّد بْن الْحَسَن وَابْن نَصْر . وَفِيهِ قَوْل ثَانٍ وَهُوَ ( أَنَّ النِّكَاح جَدِيد وَالطَّلَاق جَدِيد ) , هَذَا قَوْل اِبْن عُمَر وَابْن عَبَّاس , وَبِهِ قَالَ عَطَاء وَالنَّخَعِيّ وَشُرَيْح وَالنُّعْمَان وَيَعْقُوب . وَذَكَرَ أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة وَوَكِيع عَنْ الْأَعْمَش عَنْ إِبْرَاهِيم قَالَ : كَانَ أَصْحَاب عَبْد اللَّه يَقُولُونَ : أَيَهْدِمُ الزَّوْج الثَّلَاث , وَلَا يَهْدِم الْوَاحِدَة وَالِاثْنَتَيْنِ ! قَالَ : وَحَدَّثَنَا حَفْص عَنْ حَجَّاج عَنْ طَلْحَة عَنْ إِبْرَاهِيم أَنَّ أَصْحَاب عَبْد اللَّه كَانُوا يَقُولُونَ : يَهْدِم الزَّوْج الْوَاحِدَة وَالِاثْنَتَيْنِ كَمَا يَهْدِم الثَّلَاث , إِلَّا عُبَيْدَة فَإِنَّهُ قَالَ : هِيَ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقهَا , ذَكَرَهُ أَبُو عُمَر . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَبِالْقَوْلِ الْأَوَّل أَقُول . وَفِيهِ قَوْل ثَالِث وَهُوَ : إِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا الْأَخِير فَطَلَاق جَدِيد وَنِكَاح جَدِيد , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا فَعَلَى مَا بَقِيَ , هَذَا قَوْل إِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ .



شَرْط . قَالَ طَاوُس : إِنْ ظَنَّا أَنَّ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا يُحْسِن عِشْرَة صَاحِبه . وَقِيلَ : حُدُود اللَّه فَرَائِضه , أَيْ إِذَا عَلِمَا أَنَّهُ يَكُون بَيْنهمَا الصَّلَاح بِالنِّكَاحِ الثَّانِي , فَمَتَى عَلِمَ الزَّوْج أَنَّهُ يَعْجِز عَنْ نَفَقَة زَوْجَته أَوْ صَدَاقهَا أَوْ شَيْء مِنْ حُقُوقهَا الْوَاجِبَة عَلَيْهِ فَلَا يَحِلّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجهَا حَتَّى يُبَيِّنْ لَهَا , أَوْ يَعْلَم مِنْ نَفْسه الْقُدْرَة عَلَى أَدَاء حُقُوقهَا , وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ بِهِ عِلَّة تَمْنَعهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاع كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّن , كَيْلَا يَغُرّ الْمَرْأَة مِنْ نَفْسه . وَكَذَلِكَ لَا يَجُوز أَنْ يَغُرّهَا بِنَسَبٍ يَدَّعِيه وَلَا مَال لَهُ وَلَا صِنَاعَة يَذْكُرهَا وَهُوَ كَاذِب فِيهَا . وَكَذَلِكَ يَجِب عَلَى الْمَرْأَة إِذَا عَلِمَتْ مِنْ نَفْسهَا الْعَجْز عَنْ قِيَامهَا بِحُقُوقِ الزَّوْج , أَوْ كَانَ بِهَا عِلَّة تَمْنَع الِاسْتِمْتَاع مِنْ جُنُون أَوْ جُذَام أَوْ بَرَص أَوْ دَاء فِي الْفَرْج لَمْ يَجُزْ لَهَا أَنْ تَغُرّهُ , وَعَلَيْهَا أَنْ تُبَيِّن لَهُ مَا بِهَا مِنْ ذَلِكَ , كَمَا يَجِب عَلَى بَائِع السِّلْعَة أَنْ يُبَيِّن مَا بِسِلْعَتِهِ مِنْ الْعُيُوب , وَمَتَى وَجَدَ أَحَد الزَّوْجَيْنِ بِصَاحِبِهِ عَيْبًا فَلَهُ الرَّدّ , فَإِنْ كَانَ الْعَيْب بِالرَّجُلِ فَلَهَا الصَّدَاق إِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا , وَإِنْ لَمْ يَدْخُل بِهَا فَلَهَا نِصْفه . وَإِنْ كَانَ الْعَيْب بِالْمَرْأَةِ رَدَّهَا الزَّوْج وَأَخَذَ مَا كَانَ أَعْطَاهَا مِنْ الصَّدَاق , وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَ اِمْرَأَة مِنْ بَنِي بَيَاضَة فَوَجَدَ بِكَشْحِهَا بَرَصًا فَرَدَّهَا وَقَالَ : ( دَلَّسْتُمْ عَلَيَّ ) . وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَة عَنْ مَالِك فِي اِمْرَأَة الْعِنِّين إِذَا سَلَّمَتْ نَفْسهَا ثُمَّ فُرِّقَ بَيْنهمَا بِالْعُنَّةِ , فَقَالَ مَرَّة : لَهَا جَمِيع الصَّدَاق , وَقَالَ مَرَّة : لَهَا نِصْف الصَّدَاق , وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى اِخْتِلَاف قَوْله : بِمَ تَسْتَحِقّ الصَّدَاق بِالتَّسْلِيمِ أَوْ الدُّخُول ؟ قَوْلَانِ . قَالَ اِبْن خُوَيْز مَنْدَاد : وَاخْتَلَفَ أَصْحَابنَا هَلْ عَلَى الزَّوْجَة خِدْمَة أَوْ لَا ؟ فَقَالَ بَعْض أَصْحَابنَا : لَيْسَ عَلَى الزَّوْجَة خِدْمَة , وَذَلِكَ أَنَّ الْعَقْد يَتَنَاوَل الِاسْتِمْتَاع لَا الْخِدْمَة , أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَيْسَ بِعَقْدِ إِجَارَة وَلَا تَمَلّك رَقَبَة , وَإِنَّمَا هُوَ عَقْد عَلَى الِاسْتِمْتَاع , وَالْمُسْتَحَقّ بِالْعَقْدِ هُوَ الِاسْتِمْتَاع دُون غَيْره , فَلَا تُطَالَب بِأَكْثَر مِنْهُ , أَلَا تَرَى إِلَى قَوْله تَعَالَى : " فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا " [ النِّسَاء : 34 ] . وَقَالَ بَعْض أَصْحَابنَا : عَلَيْهَا خِدْمَة مِثْلهَا , فَإِنْ كَانَتْ شَرِيفَة الْمَحَلّ لِيَسَارِ أُبُوَّة أَوْ تَرَفُّه فَعَلَيْهَا التَّدْبِير لِلْمَنْزِلِ وَأَمْر الْخَادِم , وَإِنْ كَانَتْ مُتَوَسِّطَة الْحَال فَعَلَيْهَا أَنْ تَفْرِش الْفِرَاش وَنَحْو ذَلِكَ , وَإِنْ كَانَتْ دُون ذَلِكَ فَعَلَيْهَا أَنْ تَقُمّ الْبَيْت وَتَطْبُخ وَتَغْسِل . وَإِنْ كَانَتْ مِنْ نِسَاء الْكُرْد وَالدَّيْلَم وَالْجَبَل فِي بَلَدهنَّ كُلِّفَتْ مَا يُكَلَّفهُ نِسَاؤُهُمْ , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ : " وَلَهُنَّ مِثْل الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ " [ الْبَقَرَة : 228 ] . وَقَدْ جَرَى عُرْف الْمُسْلِمِينَ فِي بُلْدَانهمْ فِي قَدِيم الْأَمْر وَحَدِيثه بِمَا ذَكَرْنَا , أَلَا تَرَى أَنَّ أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه كَانُوا يَتَكَلَّفُونَ الطَّحِين وَالْخَبِيز وَالطَّبْخ وَفَرْش الْفِرَاش وَتَقْرِيب الطَّعَام وَأَشْبَاه ذَلِكَ , وَلَا نَعْلَم اِمْرَأَة اِمْتَنَعَتْ مِنْ ذَلِكَ , وَلَا يَسُوغ لَهَا الِامْتِنَاع , بَلْ كَانُوا يَضْرِبُونَ نِسَاءَهُمْ إِذَا قَصَّرْنَ فِي ذَلِكَ , وَيَأْخُذُونَهُنَّ بِالْخِدْمَةِ , فَلَوْلَا أَنَّهَا مُسْتَحِقَّة لَمَا طَالَبُوهُنَّ ذَلِكَ .


حُدُود اللَّه : مَا مَنَعَ مِنْهُ , وَالْحَدّ مَانِع مِنْ الِاجْتِزَاء عَلَى الْفَوَاحِش , وَأَحَدَّتْ الْمَرْأَة : اِمْتَنَعَتْ مِنْ الزِّينَة , وَرَجُل مَحْدُود : مَمْنُوع مِنْ الْخَيْر , وَالْبَوَّاب حَدَّاد أَيْ مَانِع . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا مُسْتَوْفًى . وَإِنَّمَا قَالَ : " لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ " لِأَنَّ الْجَاهِل إِذَا كَثُرَ لَهُ أَمْره وَنَهْيه فَإِنَّهُ لَا يَحْفَظهُ وَلَا يَتَعَاهَدهُ . وَالْعَالِم يَحْفَظ وَيَتَعَاهَد , فَلِهَذَا الْمَعْنَى خَاطَبَ الْعُلَمَاء وَلَمْ يُخَاطِب الْجُهَّال .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • صلاة المسافر في ضوء الكتاب والسنة

    صلاة المسافر في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في صلاة المسافر بيّنت فيها: مفهوم السفر والمسافر، وأنواع السفر، وآدابه، والأصل في قصر الصلاة في السفر، وأنه أفضل من الإتمام، ومسافة قصر الصلاة في السفر، وأن المسافر يقصر إذا خرج عن جميع عامر بيوت قريته، ومدى إقامة المسافر التي يقصر فيها الصلاة، وقصر الصلاة في منى لأهل مكة وغيرهم من الحجاج، وجواز التطوع على المركوب في السفر، وأن السنة ترك الرواتب في السفر إلا سنة الفجر والوتر، وحكم صلاة المقيم خلف المسافر، والمسافر خلف المقيم، وحكم نية القصر والجمع والموالاة بين الصلاتين المجموعتين، ورخص السفر، وأحكام الجمع، وأنواعه، ودرجاته، سواء كان ذلك في السفر أو الحضر .. ».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1925

    التحميل:

  • يوم الغضب هل بدأ بانتفاضة رجب؟

    يوم الغضب هل بدأ بانتفاضة رجب؟: هذا الكتاب بشرى للمستضعفين في الأرض المحتلة خاصة وللمسلمين عامة، فقد بيّن الأسباب الداعية لانتفاضة رجب، ثم قام بقراءة تفسيرية لنبوءات التوراة عن نهاية دولة إسرائيل، مع توضيح الصفات اليهودية من الأسفار والأناجيل، وتقديم بعض المفاتيح المجانية لأهل الكتاب؛ لحل التناقضات الموجودة عندهم في تأويل نبوءاتهم، فقد ذكر أن هناك نصوصاً في الأناجيل والأسفار تحتوي على أحداث هائلة، ولكنها أصبحت غامضة ومحيرة بسبب التحريف للكتب المقدسة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/340497

    التحميل:

  • إلى الزوجين

    إلى الزوجين: يُوجِّه المؤلف في هذه الرسالة النصائح المتنوعة للزوجة لتؤلِّف قلب زوجها، وتنال رضاه، ومن ثَمَّ رضى ربها - سبحانه وتعالى -، ثم وجَّه نصائح أخرى مهمة للزوج ليكتمل بناء الأسرة، ويسعد الزوجان في حياتهما في ظل طاعة الله - عز وجل -، وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وقسَّمها إلى فصولٍ مُنوَّعة، بأسلوبٍ نثريٍّ مُشوِّق جذَّاب.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/287909

    التحميل:

  • رسالة إلى المتقاعدين

    رسالة إلى المتقاعدين : يشكل التقاعد نقطة تحول هامة في حياة الفرد، خصوصاً بعد فترة طويلة من ممارسة عمل معين ملأ عليه حياته، وأعطاه دوره ومكانته الاجتماعية؛ فالعمل ليس مهماً من حيث توفير دخل ثابت للفرد وأسرته فقط، وإنما له دوره النفسي الهام. فالعاطل عن العمل حتى لو توفر له الدخل المادي المناسب يعاني من عدم الإحساس بالكفاءة وأهميته الاجتماعية، وقد يرافق ذلك ازدياد في المشاكل الأسرية داخل الأسرة. وإن في التقاعد معنى ضمنياً بأن المجتمع بدأ يستغني عن الفرد وخدماته، ومن ثَمَّ فإن وجوده سيكون بعد ذلك عالة على غيره، لذلك فقد أثبتت الدراسات النفسية والطبية أن مستوى الانحدار في الصحة الجسمية والنفسية يكون أشد سرعة في السنوات اللاحقة للتقاعد منها في السنوات التي سبقت التقاعد، وفي هذه الرسالة بعض النصائح والتوجيهات المهمة لمن بلغ سن التقاعد؛ لإشاعة الفكر العملي لأولئك الإخوة؛ للفت نظرهم للعمل في المجالات الخيرة النافعة ديناً ودنياً.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/66479

    التحميل:

  • حقوق غير المسلمين في بلاد الإسلام

    يقول ول ديوارانت: «لقد كان أهل الذمة المسيحيون والزردشتيون واليهود والصابئون يتمتعون في عهد الخلافة الأموية بدرجة من التسامح لا نجد نظيراً لها في البلاد المسيحية في هذه الأيام؛ فلقد كانوا أحراراً في ممارسة شعائر دينهم، واحتفظوا بكنائسهم ومعابدهم، وكانوا يتمتعون بحكم ذاتي يخضعون فيه لعلمائهم وقضاتهم وقوانينهم». فهذه المعاملة الحسنة التي أبداها المسلمون لمخالفي دينهم ليست طارئة أو غريبة، بل هي منطلقة من أسس دين الإسلام نفسه الذي يقوم على أساسين راسخين في هذا هما: الأساس الأول: حفظ كرامة الإنسان لكونه إنساناً، والأساس الآخر: كفالة حرية الاعتقاد. ولكننا اليوم نسمع أصواتاً متعالية تتهم الإسلام وأهله بانتهاك حقوق الإنسان خاصة مع غير المسلمين؛ دون أدلة ولا براهين. لذلك جاء هذا الكتاب (حقوق غير المسلمين في بلاد الإسلام) كي يعرف غير المسلمين حقوقهم؛ فيدركوا ما ينبغي لهم، ولا يتجاوزوه إلى ما ليس لهم، فيطالبوا به دون وجه حق، ولكي يعرف المسلمون حقوقهم غيرهم؛ فلا يظلموهم ببخسهم إياها كلها أو بعضها.

    الناشر: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/351217

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة