Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 229

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229) (البقرة) mp3
فِيهِ سَبْع مَسَائِل : الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " الطَّلَاق مَرَّتَانِ " ثَبَتَ أَنَّ أَهْل الْجَاهِلِيَّة لَمْ يَكُنْ عِنْدهمْ لِلطَّلَاقِ عَدَد , وَكَانَتْ عِنْدهمْ الْعِدَّة مَعْلُومَة مُقَدَّرَة , وَكَانَ هَذَا فِي أَوَّل الْإِسْلَام بُرْهَة , يُطَلِّق الرَّجُل اِمْرَأَته مَا شَاءَ مِنْ الطَّلَاق , فَإِذَا كَادَتْ تَحِلّ مِنْ طَلَاقه رَاجَعَهَا مَا شَاءَ , فَقَالَ رَجُل لِامْرَأَتِهِ عَلَى عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا آوِيك وَلَا أَدَعُك تَحِلِّينَ , قَالَتْ : وَكَيْف ؟ قَالَ : أُطَلِّقك فَإِذَا دَنَا مُضِيّ عِدَّتِك رَاجَعْتُك . فَشَكَتْ الْمَرْأَة ذَلِكَ إِلَى عَائِشَة , فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى هَذِهِ الْآيَة بَيَانًا لِعَدَدِ الطَّلَاق الَّذِي لِلْمَرْءِ فِيهِ أَنْ يَرْتَجِع دُون تَجْدِيد مَهْر وَوَلِيّ , وَنَسَخَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ . قَالَ مَعْنَاهُ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر وَقَتَادَة وَابْن زَيْد وَغَيْرهمْ . وَقَالَ اِبْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَغَيْرهمْ : ( الْمُرَاد بِالْآيَةِ التَّعْرِيف بِسُنَّةِ الطَّلَاق , أَيْ مَنْ طَلَّقَ اِثْنَتَيْنِ فَلْيَتَّقِ اللَّه فِي الثَّالِثَة , فَإِمَّا تَرَكَهَا غَيْر مَظْلُومَة شَيْئًا مِنْ حَقّهَا , وَإِمَّا أَمْسَكَهَا مُحْسِنًا عِشْرَتهَا , وَالْآيَة تَتَضَمَّن هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ ) .

الثَّانِيَة : الطَّلَاق هُوَ حَلّ الْعِصْمَة الْمُنْعَقِدَة بَيْن الْأَزْوَاج بِأَلْفَاظٍ مَخْصُوصَة . وَالطَّلَاق مُبَاح بِهَذِهِ الْآيَة وَبِغَيْرِهَا , وَبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام فِي حَدِيث اِبْن عُمَر : ( فَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ ) وَقَدْ طَلَّقَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَفْصَة ثُمَّ رَاجَعَهَا , خَرَّجَهُ اِبْن مَاجَهْ . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ مَنْ طَلَّقَ اِمْرَأَته طَاهِرًا فِي طُهْر لَمْ يَمَسّهَا فِيهِ أَنَّهُ مُطَلِّق لِلسُّنَّةِ , وَلِلْعِدَّةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّه تَعَالَى بِهَا , وَأَنَّ لَهُ الرَّجْعَة إِذَا كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا قَبْل أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتهَا , فَإِذَا اِنْقَضَتْ فَهُوَ خَاطِب مِنْ الْخُطَّاب . فَدَلَّ الْكِتَاب وَالسُّنَّة وَإِجْمَاع الْأُمَّة عَلَى أَنَّ الطَّلَاق مُبَاح غَيْر مَحْظُور . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَلَيْسَ فِي الْمَنْع مِنْهُ خَبَر يَثْبُت .

الثَّالِثَة : رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ حَدَّثَنِي أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بْن مُوسَى بْن عَلِيّ الدُّولَابِيّ وَيَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَا : حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن عَرَفَة حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن عَيَّاش بْن حُمَيْد بْن مَالِك اللَّخْمِيّ عَنْ مَكْحُول عَنْ مُعَاذ بْن جَبَل قَالَ : قَالَ لِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَا مُعَاذ مَا خَلَقَ اللَّه شَيْئًا عَلَى وَجْه الْأَرْض أَحَبّ إِلَيْهِ مِنْ الْعَتَاق وَلَا خَلَقَ اللَّه تَعَالَى شَيْئًا عَلَى وَجْه الْأَرْض أَبْغَض إِلَيْهِ مِنْ الطَّلَاق فَإِذَا قَالَ الرَّجُل لِمَمْلُوكِهِ أَنْتَ حُرّ إِنْ شَاءَ اللَّه فَهُوَ حُرّ وَلَا اِسْتِثْنَاء لَهُ وَإِذَا قَالَ الرَّجُل لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِق إِنْ شَاءَ اللَّه فَلَهُ اِسْتِثْنَاؤُهُ وَلَا طَلَاق عَلَيْهِ ) . حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مُوسَى بْن عَلِيّ حَدَّثَنَا حُمَيْد بْن الرَّبِيع حَدَّثَنَا يَزِيد بْن هَارُون أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيل بْن عَيَّاش بِإِسْنَادِهِ نَحْوه . قَالَ حُمَيْد قَالَ لِي يَزِيد بْن هَارُون : وَأَيّ حَدِيث لَوْ كَانَ حُمَيْد بْن مَالِك اللَّخْمِيّ مَعْرُوفًا ! قُلْت : هُوَ جَدِّي ! قَالَ يَزِيد : سَرَرْتنِي , الْآن صَارَ حَدِيثًا ! . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَمِمَّنْ رَأَى الِاسْتِثْنَاء فِي الطَّلَاق طَاوُس وَحَمَّاد وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر وَأَصْحَاب الرَّأْي . وَلَا يَجُوز الِاسْتِثْنَاء فِي الطَّلَاق فِي قَوْل مَالِك وَالْأَوْزَاعِيّ , وَهُوَ قَوْل الْحَسَن وَقَتَادَة فِي الطَّلَاق خَاصَّة . قَالَ : وَبِالْقَوْلِ الْأَوَّل أَقُول .

الرَّابِعَة : قَوْله تَعَالَى : " فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ " اِبْتِدَاء , وَالْخَبَر أَمْثَل أَوْ أَحْسَن , وَيَصِحّ أَنْ يَرْتَفِع عَلَى خَبَر اِبْتِدَاء مَحْذُوف , أَيْ فَعَلَيْكُمْ إِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ , أَوْ فَالْوَاجِب عَلَيْكُمْ إِمْسَاك بِمَا يُعْرَف أَنَّهُ الْحَقّ . وَيَجُوز فِي غَيْر الْقُرْآن " فَإِمْسَاكًا " عَلَى الْمَصْدَر . وَمَعْنَى " بِإِحْسَانٍ " أَيْ لَا يَظْلِمهَا شَيْئًا مِنْ حَقّهَا , وَلَا يَتَعَدَّى فِي قَوْل . وَالْإِمْسَاك : خِلَاف الْإِطْلَاق . وَالتَّسْرِيح : إِرْسَال الشَّيْء , وَمِنْهُ تَسْرِيح الشَّعْر , لِيَخْلُص الْبَعْض مِنْ الْبَعْض . وَسَرَّحَ الْمَاشِيَة : أَرْسَلَهَا . وَالتَّسْرِيح يَحْتَمِل لَفْظه مَعْنَيَيْنِ : أَحَدهمَا : تَرْكهَا حَتَّى تَتِمّ الْعِدَّة مِنْ الطَّلْقَة الثَّانِيَة , وَتَكُون أَمْلَك لِنَفْسِهَا , وَهَذَا قَوْل السُّدِّيّ وَالضَّحَّاك . وَالْمَعْنَى الْآخَر أَنْ يُطَلِّقهَا ثَالِثَة فَيُسَرِّحهَا , هَذَا قَوْل مُجَاهِد وَعَطَاء وَغَيْرهمَا , وَهُوَ أَصَحّ لِوُجُوهٍ ثَلَاثَة :

أَحَدهَا : مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ أَنَس أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُول اللَّه , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " الطَّلَاق مَرَّتَانِ " فَلِمَ صَارَ ثَلَاثًا ؟ قَالَ : ( إِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ - فِي رِوَايَة - هِيَ الثَّالِثَة ) . ذَكَرَهُ اِبْن الْمُنْذِر .

الثَّانِي : إِنَّ التَّسْرِيح مِنْ أَلْفَاظ الطَّلَاق , أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ قُرِئَ " إِنْ عَزَمُوا السَّرَاح " .

الثَّالِثَة : أَنَّ فَعَّلَ تَفْعِيلًا يُعْطِي أَنَّهُ أَحْدَثَ فِعْلًا مُكَرَّرًا عَلَى الطَّلْقَة الثَّانِيَة , وَلَيْسَ فِي التَّرْك إِحْدَاث فِعْل يُعَبَّر عَنْهُ بِالتَّفْعِيلِ , قَالَ أَبُو عُمَر : وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ قَوْله تَعَالَى : " أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ " هِيَ الطَّلْقَة الثَّالِثَة بَعْد الطَّلْقَتَيْنِ , وَإِيَّاهَا عَنَى بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلّ لَهُ مِنْ بَعْد حَتَّى تَنْكِح زَوْجًا غَيْره " [ الْبَقَرَة : 230 ] . وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ طَلَّقَ اِمْرَأَته طَلْقَة أَوْ طَلْقَتَيْنِ فَلَهُ مُرَاجَعَتهَا , فَإِنْ طَلَّقَهَا الثَّالِثَة لَمْ تَحِلّ لَهُ حَتَّى تَنْكِح زَوْجًا غَيْره , وَكَانَ هَذَا مِنْ مُحْكَم الْقُرْآن الَّذِي لَمْ يُخْتَلَف فِي تَأْوِيله . وَقَدْ رُوِيَ مِنْ أَخْبَار الْعُدُول مِثْل ذَلِكَ أَيْضًا : حَدَّثَنَا سَعِيد بْن نَصْر قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِم بْن أَصْبَغ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن وَضَّاح قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة عَنْ إِسْمَاعِيل بْن سُمَيْع عَنْ أَبِي رَزِين قَالَ : جَاءَ رَجُل إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه , أَرَأَيْت قَوْل اللَّه تَعَالَى : " الطَّلَاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ " فَأَيْنَ الثَّالِثَة ؟ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ ) . وَرَوَاهُ الثَّوْرِيّ وَغَيْره عَنْ إِسْمَاعِيل بْن سُمَيْع عَنْ أَبِي رَزِين مِثْله . قُلْت : وَذَكَرَ الْكِيَا الطَّبَرِيّ هَذَا الْخَبَر وَقَالَ : إِنَّهُ غَيْر ثَابِت مِنْ جِهَة النَّقْل , وَرَجَّحَ قَوْل الضَّحَّاك وَالسُّدِّيّ , وَأَنَّ الطَّلْقَة الثَّالِثَة إِنَّمَا هِيَ مَذْكُورَة فِي مَسَاق الْخِطَاب فِي قَوْله تَعَالَى : " فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلّ لَهُ مِنْ بَعْد حَتَّى تَنْكِح زَوْجًا غَيْره " [ الْبَقَرَة : 230 ] . فَالثَّالِثَة مَذْكُورَة فِي صُلْب هَذَا الْخِطَاب , مُفِيدَة لِلْبَيْنُونَةِ الْمُوجِبَة لِلتَّحْرِيمِ إِلَّا بَعْد زَوْج , فَوَجَبَ حَمْل قَوْله : " أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ " عَلَى فَائِدَة مُجَدَّدَة , وَهُوَ وُقُوع الْبَيْنُونَة بِالثِّنْتَيْنِ عِنْد اِنْقِضَاء الْعِدَّة , وَعَلَى أَنَّ الْمَقْصُود مِنْ الْآيَة بَيَان عَدَد الطَّلَاق الْمُوجِب لِلتَّحْرِيمِ , وَنُسِخَ مَا كَانَ جَائِزًا مِنْ إِيقَاع الطَّلَاق بِلَا عَدَد مَحْصُور , فَلَوْ كَانَ قَوْله : " أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ " هُوَ الثَّالِثَة لَمَا أَبَانَ عَنْ الْمَقْصِد فِي إِيقَاع التَّحْرِيم بِالثَّلَاثِ , إِذْ لَوْ اِقْتَصَرَ عَلَيْهِ لَمَا دَلَّ عَلَى وُقُوع الْبَيْنُونَة الْمُحَرِّمَة لَهَا إِلَّا بَعْد زَوْج , وَإِنَّمَا عُلِمَ التَّحْرِيم بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلّ لَهُ مِنْ بَعْد حَتَّى تَنْكِح زَوْجًا غَيْره " . فَوَجَبَ أَلَّا يَكُون مَعْنَى قَوْله : " أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ " الثَّالِثَة , وَلَوْ كَانَ قَوْله : " أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ " بِمَعْنَى الثَّالِثَة كَانَ قَوْله عَقِيب ذَلِكَ : " فَإِنْ طَلَّقَهَا " الرَّابِعَة , لِأَنَّ الْفَاء لِلتَّعْقِيبِ , وَقَدْ اِقْتَضَى طَلَاقًا مُسْتَقْبِلًا بَعْد مَا تَقَدَّمَ ذِكْره , فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى : " أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ " هُوَ تَرْكهَا حَتَّى تَنْقَضِي عِدَّتهَا .

الْخَامِسَة : تَرْجَمَ الْبُخَارِيّ عَلَى هَذِهِ الْآيَة " بَاب مَنْ أَجَازَ الطَّلَاق الثَّلَاث بِقَوْلِهِ تَعَالَى : الطَّلَاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ " وَهَذَا إِشَارَة مِنْهُ إِلَى أَنَّ هَذَا التَّعْدِيد إِنَّمَا هُوَ فُسْحَة لَهُمْ , فَمَنْ ضَيَّقَ عَلَى نَفْسه لَزِمَهُ . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَاتَّفَقَ أَئِمَّة الْفَتْوَى عَلَى لُزُوم إِيقَاع الطَّلَاق الثَّلَاث فِي كَلِمَة وَاحِدَة , وَهُوَ قَوْل جُمْهُور السَّلَف , وَشَذَّ طَاوُس وَبَعْض أَهْل الظَّاهِر إِلَى أَنَّ طَلَاق الثَّلَاث فِي كَلِمَة وَاحِدَة يَقَع وَاحِدَة , وَيُرْوَى هَذَا عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق وَالْحَجَّاج بْن أَرْطَاة . وَقِيلَ عَنْهُمَا : لَا يَلْزَم مِنْهُ شَيْء , وَهُوَ قَوْل مُقَاتِل . وَيُحْكَى عَنْ دَاوُد أَنَّهُ قَالَ لَا يَقَع . وَالْمَشْهُور عَنْ الْحَجَّاج بْن أَرْطَاة وَجُمْهُور السَّلَف وَالْأَئِمَّة أَنَّهُ لَازِم وَاقِع ثَلَاثًا . وَلَا فَرْق بَيْن أَنْ يُوقِع ثَلَاثًا مُجْتَمِعَة فِي كَلِمَة أَوْ مُتَفَرِّقَة فِي كَلِمَات , فَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْهُ شَيْء فَاحْتَجَّ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى : " وَالْمُطَلَّقَات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَة قُرُوء " [ الْبَقَرَة : 228 ] . وَهَذَا يَعُمّ كُلّ مُطَلَّقَة إِلَّا مَا خَصَّ مِنْهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَقَالَ : " الطَّلَاق مَرَّتَانِ " وَالثَّالِثَة " فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ " . وَمَنْ طَلَّقَ ثَلَاثًا فِي كَلِمَة فَلَا يَلْزَم , إِذْ هُوَ غَيْر مَذْكُور فِي الْقُرْآن . وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ وَاقِع وَاحِدَة فَاسْتَدَلَّ بِأَحَادِيث ثَلَاثَة : أَحَدهَا : حَدِيث اِبْن عَبَّاس مِنْ رِوَايَة طَاوُس وَأَبِي الصَّهْبَاء وَعِكْرِمَة . وَثَانِيهَا : حَدِيث اِبْن عُمَر عَلَى رِوَايَة مَنْ رَوَى ( أَنَّهُ طَلَّقَ اِمْرَأَته ثَلَاثًا , وَأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام أَمَرَهُ بِرَجْعَتِهَا وَاحْتُسِبَتْ لَهُ وَاحِدَة ) . وَثَالِثهَا : ( أَنَّ رُكَانَة طَلَّقَ اِمْرَأَته ثَلَاثًا فَأَمَرَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجْعَتِهَا , وَالرَّجْعَة تَقْتَضِي وُقُوع وَاحِدَة ) . وَالْجَوَاب عَنْ الْأَحَادِيث مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيّ أَنَّ سَعِيد بْن جُبَيْر وَمُجَاهِدًا وَعَطَاء وَعَمْرو بْن دِينَار وَمَالِك بْن الْحُوَيْرِث وَمُحَمَّد بْن إِيَاس بْن الْبُكَيْر وَالنُّعْمَان بْن أَبِي عَيَّاش رَوَوْا عَنْ اِبْن عَبَّاس ( فِيمَنْ طَلَّقَ اِمْرَأَته ثَلَاثًا أَنَّهُ قَدْ عَصَى رَبّه وَبَانَتْ مِنْهُ اِمْرَأَته , وَلَا يَنْكِحهَا إِلَّا بَعْد زَوْج ) , وَفِيمَا رَوَاهُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة عَنْ اِبْن عَبَّاس مِمَّا يُوَافِق الْجَمَاعَة مَا يَدُلّ عَلَى وَهْن رِوَايَة طَاوُس وَغَيْره , وَمَا كَانَ اِبْن عَبَّاس لِيُخَالِف الصَّحَابَة إِلَى رَأْي نَفْسه . قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : وَرِوَايَة طَاوُس وَهْمٌ وَغَلَط لَمْ يَعْرُج عَلَيْهَا أَحَد مِنْ فُقَهَاء الْأَمْصَار بِالْحِجَازِ وَالشَّام وَالْعِرَاق وَالْمَشْرِق وَالْمَغْرِب , وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ أَبَا الصَّهْبَاء لَا يُعْرَف فِي مَوَالِي اِبْن عَبَّاس . قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيد الْبَاجِيّ : " وَعِنْدِي أَنَّ الرِّوَايَة عَنْ اِبْن طَاوُس بِذَلِكَ صَحِيحَة , فَقَدْ رَوَى عَنْهُ الْأَئِمَّة : مَعْمَر وَابْن جُرَيْج وَغَيْرهمَا , وَابْن طَاوُس إِمَام . وَالْحَدِيث الَّذِي يُشِيرُونَ إِلَيْهِ هُوَ مَا رَوَاهُ اِبْن طَاوُس عَنْ أَبِيهِ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : ( كَانَ الطَّلَاق عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْر وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَة عُمَر بْن الْخَطَّاب طَلَاق الثَّلَاث وَاحِدَة , فَقَالَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : إِنَّ النَّاس قَدْ اِسْتَعْجَلُوا فِي أَمْر كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاة , فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ ! فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ ) . وَمَعْنَى الْحَدِيث أَنَّهُمْ كَانُوا يُوقِعُونَ طَلْقَة وَاحِدَة بَدَل إِيقَاع النَّاس الْآن ثَلَاث تَطْلِيقَات , وَيَدُلّ عَلَى صِحَّة هَذَا التَّأْوِيل أَنَّ عُمَر قَالَ : إِنَّ النَّاس قَدْ اِسْتَعْجَلُوا فِي أَمْر كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاة , فَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ أَنْ أَحْدَثُوا فِي الطَّلَاق اِسْتِعْجَال أَمْر كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاة , فَلَوْ كَانَ حَالهمْ ذَلِكَ فِي أَوَّل الْإِسْلَام فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَالَهُ , وَلَا عَابَ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ اِسْتَعْجَلُوا فِي أَمْر كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاة . وَتَدُلّ عَلَى صِحَّة هَذَا التَّأْوِيل مَا رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس مِنْ غَيْر طَرِيق أَنَّهُ ( أَفْتَى بِلُزُومِ الطَّلَاق الثَّلَاث لِمَنْ أَوْقَعهَا مُجْتَمِعَة ) , فَإِنْ كَانَ هَذَا مَعْنَى حَدِيث اِبْن طَاوُس فَهُوَ الَّذِي قُلْنَاهُ , وَإِنْ حُمِلَ حَدِيث اِبْن عَبَّاس عَلَى مَا يَتَأَوَّل فِيهِ مَنْ لَا يَعْبَأ بِقَوْلِهِ فَقَدْ رَجَعَ اِبْن عَبَّاس إِلَى قَوْل الْجَمَاعَة وَانْعَقَدَ بِهِ الْإِجْمَاع , وَدَلِيلنَا مِنْ جِهَة الْقِيَاس أَنَّ هَذَا طَلَاق أَوْقَعَهُ مَنْ يَمْلِكهُ فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمهُ , أَصْل ذَلِكَ إِذَا أَوْقَعَهُ مُفْرَدًا " . قُلْت : مَا تَأَوَّلَهُ الْبَاجِيّ هُوَ الَّذِي ذَكَرَ مَعْنَاهُ الْكِيَا الطَّبَرِيّ عَنْ عُلَمَاء الْحَدِيث , أَيْ إِنَّهُمْ كَانُوا يُطَلِّقُونَ طَلْقَة وَاحِدَة هَذَا الَّذِي يُطَلِّقُونَ ثَلَاثًا , أَيْ مَا كَانُوا يُطَلِّقُونَ فِي كُلّ قُرْء طَلْقَة , وَإِنَّمَا كَانُوا يُطَلِّقُونَ فِي جَمِيع الْعِدَّة وَاحِدَة إِلَى أَنْ تَبِين وَتَنْقَضِي الْعِدَّة . وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّد عَبْد الْوَهَّاب : مَعْنَاهُ أَنَّ النَّاس كَانُوا يَقْتَصِرُونَ عَلَى طَلْقَة وَاحِدَة , ثُمَّ أَكْثَرُوا أَيَّام عُمَر مِنْ إِيقَاع الثَّلَاث . قَالَ الْقَاضِي : وَهَذَا هُوَ الْأَشْبَه بِقَوْلِ الرَّاوِي : إِنَّ النَّاس فِي أَيَّام عُمَر اِسْتَعْجَلُوا الثَّلَاث فَعَجَّلَ عَلَيْهِمْ , مَعْنَاهُ أَلْزَمَهُمْ حُكْمهَا . وَأَمَّا حَدِيث اِبْن عُمَر فَإِنَّ الدَّارَقُطْنِيّ رَوَى عَنْ أَحْمَد بْن صُبَيْح عَنْ طَرِيف بْن نَاصِح عَنْ مُعَاوِيَة بْن عَمَّار الدُّهْنِيّ عَنْ أَبِي الزُّبَيْر قَالَ : سَأَلْت اِبْن عُمَر عَنْ رَجُل طَلَّقَ اِمْرَأَته ثَلَاثًا وَهِيَ حَائِض , فَقَالَ لِي : أَتَعْرِفُ اِبْن عُمَر ؟ قُلْت : نَعَمْ , قَالَ : طَلَّقْت اِمْرَأَتِي ثَلَاثًا عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ حَائِض فَرَدَّهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى السُّنَّة . فَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : كُلّهمْ مِنْ الشِّيعَة , وَالْمَحْفُوظ أَنَّ اِبْن عُمَر طَلَّقَ اِمْرَأَته وَاحِدَة فِي الْحَيْض . قَالَ عُبَيْد اللَّه : وَكَانَ تَطْلِيقه إِيَّاهَا فِي الْحَيْض وَاحِدَة غَيْر أَنَّهُ خَالَفَ السُّنَّة . وَكَذَلِكَ قَالَ صَالِح بْن كَيْسَان وَمُوسَى بْن عُقْبَة وَإِسْمَاعِيل بْن أُمَيَّة وَلَيْث بْن سَعْد وَابْن أَبِي ذِئْب وَابْن جُرَيْج وَجَابِر وَإِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم بْن عُقْبَة عَنْ نَافِع : أَنَّ اِبْن عُمَر طَلَّقَ تَطْلِيقَة وَاحِدَة . وَكَذَا قَالَ الزُّهْرِيّ عَنْ سَالِم عَنْ أَبِيهِ وَيُونُس بْن جُبَيْر وَالشَّعْبِيّ وَالْحَسَن . وَأَمَّا حَدِيث رُكَانَة فَقِيلَ : إِنَّهُ حَدِيث مُضْطَرِب مُنْقَطِع , لَا يَسْتَنِد مِنْ وَجْه يُحْتَجّ بِهِ , رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيث اِبْن جُرَيْج عَنْ بَعْض بَنِي أَبِي رَافِع , وَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يُحْتَجّ بِهِ , عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَقَالَ فِيهِ : إِنَّ رُكَانَة بْن عَبْد يَزِيد طَلَّقَ اِمْرَأَته ثَلَاثًا , فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَرْجِعْهَا ) . وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا مِنْ طُرُق عَنْ نَافِع بْن عُجَيْر أَنَّ رُكَانَة بْن عَبْد يَزِيد طَلَّقَ اِمْرَأَته الْبَتَّة فَاسْتَحْلَفَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَرَادَ بِهَا ؟ فَحَلَفَ مَا أَرَادَ إِلَّا وَاحِدَة , فَرَدَّهَا إِلَيْهِ . فَهَذَا اِضْطِرَاب فِي الِاسْم وَالْفِعْل , وَلَا يُحْتَجّ بِشَيْءٍ مِنْ مِثْل هَذَا . قُلْت : قَدْ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيث مِنْ طُرُق الدَّارَقُطْنِيّ فِي سُنَنه , قَالَ فِي بَعْضهَا : " حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن مِرْدَاس حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد السِّجِسْتَانِيّ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عَمْرو بْن السَّرْح وَأَبُو ثَوْر إِبْرَاهِيم بْن خَالِد الْكَلْبِيّ وَآخَرُونَ قَالُوا : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إِدْرِيس الشَّافِعِيّ حَدَّثَنِي عَمِّي مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن شَافِع عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَلِيّ بْن السَّائِب عَنْ نَافِع بْن عُجَيْر بْن عَبْد يَزِيد : أَنَّ رُكَانَة بْن عَبْد يَزِيد طَلَّقَ اِمْرَأَته سُهَيْمَة الْمُزَنِيَّة الْبَتَّة , فَأَخْبَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ , فَقَالَ : وَاَللَّه مَا أَرَدْت إِلَّا وَاحِدَة , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَاَللَّه مَا أَرَدْت إِلَّا وَاحِدَة ) ؟ فَقَالَ رُكَانَة : وَاَللَّه مَا أَرَدْت بِهَا إِلَّا وَاحِدَة , فَرَدَّهَا إِلَيْهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَطَلَّقَهَا الثَّانِيَة فِي زَمَان عُمَر بْن الْخَطَّاب , وَالثَّالِثَة فِي زَمَان عُثْمَان . قَالَ أَبُو دَاوُد : هَذَا حَدِيث صَحِيح . فَاَلَّذِي صَحَّ مِنْ حَدِيث رُكَانَة أَنَّهُ طَلَّقَ اِمْرَأَته الْبَتَّة لَا ثَلَاثًا , وَطَلَاق الْبَتَّة قَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فَسَقَطَ الِاحْتِجَاج وَالْحَمْد لِلَّهِ , وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَالَ أَبُو عُمَر : رِوَايَة الشَّافِعِيّ لِحَدِيثِ رُكَانَة عَنْ عَمّه أَتَمّ , وَقَدْ زَادَ زِيَادَة لَا تَرُدّهَا الْأُصُول , فَوَجَبَ قَبُولهَا لِثِقَةِ نَاقِلِيهَا , وَالشَّافِعِيّ وَعَمّه وَجَدّه أَهْل بَيْت رُكَانَة , كُلّهمْ مِنْ بَنِي عَبْد الْمُطَّلِب بْن عَبْد مَنَاف وَهُمْ أَعْلَم بِالْقِصَّةِ الَّتِي عَرَضَتْ لَهُمْ . [ فَصْل ] ذَكَرَ أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن مُغِيث الطُّلَيْطِلِيّ هَذِهِ الْمَسْأَلَة فِي وَثَائِقه فَقَالَ : الطَّلَاق يَنْقَسِم عَلَى ضَرْبَيْنِ : طَلَاق سُنَّة , وَطَلَاق بِدْعَة . فَطَلَاق السُّنَّة هُوَ الْوَاقِع عَلَى الْوَجْه الَّذِي نَدَبَ الشَّرْع إِلَيْهِ . وَطَلَاق الْبِدْعَة نَقِيضه , وَهُوَ أَنْ يُطَلِّقهَا فِي حَيْض أَوْ نِفَاس أَوْ ثَلَاثًا فِي كَلِمَة وَاحِدَة , فَإِنْ فَعَلَ لَزِمَهُ الطَّلَاق . ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم بَعْد إِجْمَاعهمْ عَلَى أَنَّهُ مُطَلِّق , كَمْ يَلْزَمهُ مِنْ الطَّلَاق , فَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَابْن مَسْعُود : ( يَلْزَمهُ طَلْقَة وَاحِدَة ) , وَقَالَهُ اِبْن عَبَّاس , وَقَالَ : ( قَوْله ثَلَاثًا لَا مَعْنَى لَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُطَلِّق ثَلَاث مَرَّات وَإِنَّمَا يَجُوز قَوْله فِي ثَلَاث إِذَا كَانَ مُخْبِرًا عَمَّا مَضَى فَيَقُول : طَلَّقْت ثَلَاثًا فَيَكُون مُخْبِرًا عَنْ ثَلَاثَة أَفْعَال كَانَتْ مِنْهُ فِي ثَلَاثَة أَوْقَات , كَرَجُلٍ قَالَ : قَرَأْت أَمْس سُورَة كَذَا ثَلَاث مَرَّات فَذَلِكَ يَصِحّ , وَلَوْ قَرَأَهَا مَرَّة وَاحِدَة فَقَالَ : قَرَأْتهَا ثَلَاث مَرَّات كَانَ كَاذِبًا . وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ بِاَللَّهِ ثَلَاثًا يُرَدِّد الْحَلِف كَانَتْ ثَلَاثَة أَيْمَان , وَأَمَّا لَوْ حَلَفَ فَقَالَ : أَحْلِف بِاَللَّهِ ثَلَاثًا لَمْ يَكُنْ حَلَفَ إِلَّا يَمِينًا وَاحِدَة وَالطَّلَاق مِثْله ) . وَقَالَهُ الزُّبَيْر بْن الْعَوَّام وَعَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف . وَرُوِّينَا ذَلِكَ كُلّه عَنْ اِبْن وَضَّاح , وَبِهِ قَالَ مِنْ شُيُوخ قُرْطُبَة اِبْن زِنْبَاع شَيْخ هَدْي وَمُحَمَّد بْن تَقِيّ بْن مَخْلَد وَمُحَمَّد بْن عَبْد السَّلَام الْحُسَنِيّ فَرِيد وَقْته وَفَقِيه عَصْره وَأَصْبَغ بْن الْحُبَاب وَجَمَاعَة سِوَاهُمْ . وَكَانَ مِنْ حُجَّة اِبْن عَبَّاس أَنَّ اللَّه تَعَالَى فَرَّقَ فِي كِتَابه لَفْظ الطَّلَاق فَقَالَ عَزَّ اِسْمه : " الطَّلَاق مَرَّتَانِ " يُرِيد أَكْثَر الطَّلَاق الَّذِي يَكُون بَعْده الْإِمْسَاك بِالْمَعْرُوفِ وَهُوَ الرَّجْعَة فِي الْعِدَّة . وَمَعْنَى قَوْله : " أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ " يُرِيد تَرْكهَا بِلَا اِرْتِجَاع حَتَّى تَنْقَضِي عِدَّتهَا , وَفِي ذَلِكَ إِحْسَان إِلَيْهَا إِنْ وَقَعَ نَدَم بَيْنهمَا , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّه يُحْدِث بَعْد ذَلِكَ أَمْرًا " [ الطَّلَاق : 1 ] يُرِيد النَّدَم عَلَى الْفُرْقَة وَالرَّغْبَة فِي الرَّجْعَة , وَمَوْقِع الثَّلَاث غَيْر حَسَن ; لِأَنَّ فِيهِ تَرْك الْمَنْدُوحَة الَّتِي وَسَّعَ اللَّه بِهَا وَنَبَّهَ عَلَيْهَا , فَذِكْر اللَّه سُبْحَانه الطَّلَاقَ مُفَرَّقًا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا جُمِعَ أَنَّهُ لَفْظ وَاحِد , وَقَدْ يُخَرَّج بِقِيَاسٍ مِنْ غَيْر مَا مَسْأَلَة مِنْ الْمُدَوَّنَة مَا يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ , مِنْ ذَلِكَ قَوْل الْإِنْسَان : مَالِي صَدَقَة فِي الْمَسَاكِين أَنَّ الثُّلُث يُجْزِيه مِنْ ذَلِكَ . وَفِي الْإِشْرَاف لِابْنِ الْمُنْذِر : وَكَانَ سَعِيد بْن جُبَيْر وَطَاوُس وَأَبُو الشَّعْثَاء وَعَطَاء وَعَمْرو بْن دِينَار يَقُولُونَ : مَنْ طَلَّقَ الْبِكْر ثَلَاثًا فَهِيَ وَاحِدَة . قُلْت : وَرُبَّمَا اِعْتَلُّوا فَقَالُوا : غَيْر الْمَدْخُول بِهَا لَا عِدَّة عَلَيْهَا , فَإِذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِق ثَلَاثًا فَقَدْ بَانَتْ بِنَفْسِ فَرَاغه مِنْ قَوْله : أَنْتِ طَالِق , فَيَرِد " ثَلَاثًا " عَلَيْهَا وَهَى بَائِن فَلَا يُؤَثِّر شَيْئًا , وَلِأَنَّ قَوْله : أَنْتِ طَالِق مُسْتَقِلّ بِنَفْسِهِ , فَوَجَبَ أَلَّا تَقِف الْبَيْنُونَة فِي غَيْر الْمَدْخُول بِهَا عَلَى مَا يَرِد بَعْده , أَصْله إِذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِق .

السَّادِسَة : اِسْتَدَلَّ الشَّافِعِيّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ " وَقَوْله : " وَسَرِّحُوهُنَّ " [ الْأَحْزَاب : 49 ] عَلَى أَنَّ هَذَا اللَّفْظ مِنْ صَرِيح الطَّلَاق . وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي هَذَا الْمَعْنَى , فَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّد إِلَى أَنَّ الصَّرِيح مَا تَضَمَّنَ لَفْظ الطَّلَاق عَلَى أَيّ وَجْه , مِثْل أَنْ يَقُول : أَنْتِ طَالِق , أَوْ أَنْتِ مُطَلَّقَة , أَوْ قَدْ طَلَّقْتُك , أَوْ الطَّلَاق لَهُ لَازِم , وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ أَلْفَاظ الطَّلَاق مِمَّا يُسْتَعْمَل فِيهِ فَهُوَ كِنَايَة , وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَة . وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَن : صَرِيح أَلْفَاظ الطَّلَاق كَثِيرَة , وَبَعْضهَا أَبْيَن مِنْ بَعْض : الطَّلَاق وَالسَّرَاح وَالْفِرَاق وَالْحَرَام وَالْخَلِيَّة وَالْبَرِّيَّة . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : الصَّرِيح ثَلَاثَة أَلْفَاظ , وَهُوَ مَا وَرَدَ بِهِ الْقُرْآن مِنْ لَفْظ الطَّلَاق وَالسَّرَاح وَالْفِرَاق , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ " [ الطَّلَاق : 2 ] وَقَالَ : " أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ " وَقَالَ : " فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ " [ الطَّلَاق : 1 ] . قُلْت : , وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَالطَّلَاق عَلَى ضَرْبَيْنِ : صَرِيح وَكِنَايَة , فَالصَّرِيح مَا ذَكَرْنَا , وَالْكِنَايَة مَا عَدَاهُ , وَالْفَرْق بَيْنهمَا أَنَّ الصَّرِيح لَا يَفْتَقِر إِلَى نِيَّة , بَلْ بِمُجَرَّدِ اللَّفْظ يَقَع الطَّلَاق , وَالْكِنَايَة تَفْتَقِر إِلَى نِيَّة , وَالْحُجَّة لِمَنْ قَالَ : إِنَّ الْحَرَام وَالْخَلِيَّة وَالْبَرِّيَّة مِنْ صَرِيح الطَّلَاق كَثْرَة اِسْتِعْمَالهَا فِي الطَّلَاق حَتَّى عُرِفَتْ بِهِ , فَصَارَتْ بَيِّنَة وَاضِحَة فِي إِيقَاع الطَّلَاق , كَالْغَائِطِ الَّذِي وُضِعَ لِلْمُطْمَئِنِّ مِنْ الْأَرْض , ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ عَلَى وَجْه الْمَجَاز فِي إِتْيَان قَضَاء الْحَاجَة , فَكَانَ فِيهِ أَبْيَن وَأَظْهَر وَأَشْهَر مِنْهُ فِيمَا وُضِعَ لَهُ , وَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتنَا مِثْله . ثُمَّ إِنَّ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز قَدْ قَالَ : " لَوْ كَانَ الطَّلَاق أَلْفًا مَا أَبْقَتْ الْبَتَّة مِنْهُ شَيْئًا , فَمَنْ قَالَ : الْبَتَّة , فَقَدْ رَمَى الْغَايَة الْقُصْوَى " أَخْرَجَهُ مَالِك . وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ عَلِيّ قَالَ : ( الْخَلِيَّة وَالْبَرِّيَّة وَالْبَتَّة وَالْبَائِن وَالْحَرَام ثَلَاث , لَا تَحِلّ لَهُ حَتَّى تَنْكِح زَوْجًا غَيْره ) . وَقَدْ جَاءَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَنَّ الْبَتَّة ثَلَاث , مِنْ طَرِيق فِيهِ لِين ) , خَرَّجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ . وَسَيَأْتِي عِنْد قَوْله تَعَالَى : " وَلَا تَتَّخِذُوا آيَات اللَّه هُزُوًا " [ الْبَقَرَة : 231 ] إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .

السَّابِعَة : لَمْ يَخْتَلِف الْعُلَمَاء فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : قَدْ طَلَّقْتُك , إِنَّهُ مِنْ صَرِيح الطَّلَاق فِي الْمَدْخُول بِهَا وَغَيْر الْمَدْخُول بِهَا , فَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ طَالِق فَهِيَ وَاحِدَة إِلَّا أَنْ يَنْوِي أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ . فَإِنْ نَوَى اِثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا لَزِمَهُ مَا نَوَاهُ , فَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَهِيَ وَاحِدَة تَمْلِك الرَّجْعَة . وَلَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِق , وَقَالَ : أَرَدْت مِنْ وَثَاق لَمْ يُقْبَل قَوْله وَلَزِمَهُ , إِلَّا أَنْ يَكُون هُنَاكَ مَا يَدُلّ عَلَى صِدْقه . وَمَنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِق وَاحِدَة , لَا رَجْعَة لِي عَلَيْك فَقَوْله : " لَا رَجْعَة لِي عَلَيْك " بَاطِل , وَلَهُ الرَّجْعَة لِقَوْلِهِ وَاحِدَة ; لِأَنَّ الْوَاحِدَة لَا تَكُون ثَلَاثًا , فَإِنْ نَوَى بِقَوْلِهِ : " لَا رَجْعَة لِي عَلَيْك " ثَلَاثًا فَهِيَ ثَلَاث عِنْد مَالِك . وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : قَدْ فَارَقْتُك , أَوْ سَرَّحْتُك , أَوْ أَنْتِ خَلِيَّة , أَوْ بَرِّيَّة , أَوْ بَائِن , أَوْ حَبْلك عَلَى غَارِبك , أَوْ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَام , أَوْ اِلْحَقِي بِأَهْلِك , أَوْ قَدْ وَهَبْتُك لِأَهْلِك , أَوْ قَدْ خَلَّيْت سَبِيلك , أَوْ لَا سَبِيل لِي عَلَيْك , فَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَبُو يُوسُف : هُوَ طَلَاق بَائِن , وَرُوِيَ عَنْ اِبْن مَسْعُود وَقَالَ : ( إِذَا قَالَ الرَّجُل لِامْرَأَتِهِ اِسْتَقِلِّي بِأَمْرِك , أَوْ أَمْرك لَك , أَوْ اِلْحَقِي بِأَهْلِك فَقَبِلُوهَا فَوَاحِدَة بَائِنَة ) . وَرُوِيَ عَنْ مَالِك فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : قَدْ فَارَقْتُك , أَوْ سَرَّحْتُك , أَنَّهُ مِنْ صَرِيح الطَّلَاق , كَقَوْلِهِ : أَنْتِ طَالِق . وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كِنَايَة يُرْجَع فِيهَا إِلَى نِيَّة قَائِلهَا , وَيُسْأَل مَا أَرَادَ مِنْ الْعَدَد , مَدْخُولًا بِهَا كَانَتْ أَوْ غَيْر مَدْخُول بِهَا . قَالَ اِبْن الْمَوَّاز : وَأَصَحّ قَوْلَيْهِ فِي الَّتِي لَمْ يُدْخَل بِهَا أَنَّهَا وَاحِدَة , إِلَّا أَنْ يَنْوِي أَكْثَر , وَقَالَهُ اِبْن الْقَاسِم وَابْن عَبْد الْحَكَم . وَقَالَ أَبُو يُوسُف : هِيَ ثَلَاث , وَمِثْله خَلَعْتُك , أَوْ لَا مِلْك لِي عَلَيْك . وَأَمَّا سَائِر الْكِنَايَات فَهِيَ ثَلَاث عِنْد مَالِك فِي كُلّ مَنْ دُخِلَ بِهَا لَا يَنْوِي فِيهَا قَائِلهَا , وَيُنْوَى فِي غَيْر الْمَدْخُول بِهَا . فَإِنْ حَلَفَ وَقَالَ أَرَدْت وَاحِدَة كَانَ خَاطِبًا مِنْ الْخُطَّاب , لِأَنَّهُ لَا يُخَلِّي الْمَرْأَة الَّتِي قَدْ دَخَلَ بِهَا زَوْجهَا وَلَا يُبِينهَا وَلَا يُبْرِيهَا إِلَّا ثَلَاث تَطْلِيقَات . وَاَلَّتِي لَمْ يُدْخَل بِهَا يُخَلِّيهَا وَيُبْرِيهَا وَيُبِينهَا الْوَاحِدَة . وَقَدْ رَوَى مَالِك وَطَائِفَة مِنْ أَصْحَابه , وَهُوَ قَوْل جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْمَدِينَة , أَنَّهُ يَنْوِي فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظ كُلّهَا وَيَلْزَمهُ مِنْ الطَّلَاق مَا نَوَى . وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ فِي الْبَتَّة خَاصَّة مِنْ بَيْن سَائِر الْكِنَايَات أَنَّهُ لَا يَنْوِي فِيهَا لَا فِي الْمَدْخُول بِهَا وَلَا فِي غَيْر الْمَدْخُول بِهَا . وَقَالَ الثَّوْرِيّ وَأَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه : لَهُ نِيَّته فِي ذَلِكَ كُلّه , فَإِنْ نَوَى ثَلَاثًا فَهِيَ ثَلَاث , وَإِنْ نَوَى وَاحِدَة فَهِيَ وَاحِدَة بَائِنَة وَهِيَ أَحَقّ بِنَفْسِهَا . وَإِنْ نَوَى اِثْنَتَيْنِ فَهِيَ وَاحِدَة . وَقَالَ زُفَر : إِنْ نَوَى اِثْنَتَيْنِ فَهِيَ اِثْنَتَانِ . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : هُوَ فِي ذَلِكَ كُلّه غَيْر مُطَلِّق حَتَّى يَقُول : أَرَدْت بِمَخْرَجِ الْكَلَام مِنِّي طَلَاقًا فَيَكُون مَا نَوَى . فَإِنْ نَوَى دُون الثَّلَاث كَانَ رَجْعِيًّا , وَلَوْ طَلَّقَهَا وَاحِدَة بَائِنَة كَانَتْ رَجْعِيَّة . وَقَالَ إِسْحَاق : كُلّ كَلَام يُشْبِه الطَّلَاق فَهُوَ مَا نَوَى مِنْ الطَّلَاق . وَقَالَ أَبُو ثَوْر : هِيَ تَطْلِيقَة رَجْعِيَّة وَلَا يُسْأَل عَنْ نِيَّته . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن مَسْعُود ( أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى طَلَاقًا بَائِنًا إِلَّا فِي خُلْع أَوْ إِيلَاء ) وَهُوَ الْمَحْفُوظ عَنْهُ , قَالَهُ أَبُو عُبَيْد . وَقَدْ تَرْجَمَ الْبُخَارِيّ " بَاب إِذَا قَالَ فَارَقْتُك أَوْ سَرَّحْتُك أَوْ الْبَرِّيَّة أَوْ الْخَلِيَّة أَوْ مَا عَنَى بِهِ الطَّلَاق فَهُوَ عَلَى نِيَّته " . وَهَذَا مِنْهُ إِشَارَة إِلَى قَوْل الْكُوفِيِّينَ وَالشَّافِعِيّ وَإِسْحَاق فِي قَوْله : أَوْ مَا عَنَى بِهِ مِنْ الطَّلَاق " وَالْحُجَّة فِي ذَلِكَ أَنَّ كُلّ كَلِمَة تَحْتَمِل أَنْ تَكُون طَلَاقًا أَوْ غَيْر طَلَاق فَلَا يَجُوز أَنْ يَلْزَم بِهَا الطَّلَاق إِلَّا أَنْ يَقُول الْمُتَكَلِّم : إِنَّهُ أَرَادَ بِهَا الطَّلَاق فَيَلْزَمهُ ذَلِكَ بِإِقْرَارِهِ , وَلَا يَجُوز إِبْطَال النِّكَاح لِأَنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى صِحَّته بِيَقِينٍ . قَالَ أَبُو عُمَر : وَاخْتَلَفَ قَوْل مَالِك فِي مَعْنَى قَوْل الرَّجُل لِامْرَأَتِهِ : اِعْتَدِّي , أَوْ قَدْ خَلَّيْتُك , أَوْ حَبْلك عَلَى غَارِبك , فَقَالَ مَرَّة : لَا يَنْوِي فِيهَا وَهِيَ ثَلَاث . وَقَالَ مَرَّة : يَنْوِي فِيهَا كُلّهَا , فِي الْمَدْخُول بِهَا وَغَيْر الْمَدْخُول بِهَا , وَبِهِ أَقُول . قُلْت : مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُور , وَمَا رُوِيَ عَنْ مَالِك أَنَّهُ يَنْوِي فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظ وَيُحْكَم عَلَيْهِ بِذَلِكَ هُوَ الصَّحِيح , لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الدَّلِيل , وَلِلْحَدِيثِ الصَّحِيح الَّذِي خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرهمْ عَنْ يَزِيد بْن رُكَانَة : أَنَّ رُكَانَة بْن عَبْد يَزِيد طَلَّقَ اِمْرَأَته سُهَيْمَة الْبَتَّة فَأَخْبَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ , فَقَالَ : ( آللَّه مَا أَرَدْت إِلَّا وَاحِدَة ) ؟ فَقَالَ رُكَانَة : وَاَللَّه مَا أَرَدْت إِلَّا وَاحِدَة , فَرَدَّهَا إِلَيْهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ اِبْن مَاجَهْ : سَمِعْت أَبَا الْحَسَن الطَّنَافِسِيّ يَقُول : مَا أَشْرَف هَذَا الْحَدِيث ! وَقَالَ مَالِك فِي الرَّجُل يَقُول لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّم وَلَحْم الْخِنْزِير : أَرَاهَا الْبَتَّة وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّة , فَلَا تَحِلّ إِلَّا بَعْد زَوْج . وَفِي قَوْل الشَّافِعِيّ : إِنْ أَرَادَ طَلَاقًا فَهُوَ طَلَاق , وَمَا أَرَادَ مِنْ عَدَد الطَّلَاق , وَإِنْ لَمْ يُرِدْ طَلَاقًا فَلَيْسَ بِشَيْءٍ بَعْد أَنْ يَحْلِف . وَقَالَ أَبُو عُمَر : أَصْل هَذَا الْبَاب فِي كُلّ كِنَايَة عَنْ الطَّلَاق , مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ - لِلَّتِي تَزَوَّجَهَا حِين قَالَتْ : أَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْك - : ( قَدْ عُذْت بِمُعَاذٍ اِلْحَقِي بِأَهْلِك ) . فَكَانَ ذَلِكَ طَلَاقًا . وَقَالَ كَعْب بْن مَالِك لِامْرَأَتِهِ حِين أَمَرَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاعْتِزَالِهَا : اِلْحَقِي بِأَهْلِك فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَلَاقًا , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَة مُفْتَقِرَة إِلَى النِّيَّة , وَأَنَّهَا لَا يُقْضَى فِيهَا إِلَّا بِمَا يَنْوِي اللَّافِظ بِهَا , وَكَذَلِكَ سَائِر الْكِنَايَات الْمُحْتَمَلَات لِلْفِرَاقِ وَغَيْره . وَاَللَّه أَعْلَم . وَأَمَّا الْأَلْفَاظ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ أَلْفَاظ الطَّلَاق وَلَا يُكَنَّى بِهَا عَنْ الْفِرَاق , فَأَكْثَر الْعُلَمَاء لَا يُوقِعُونَ بِشَيْءٍ مِنْهَا طَلَاقًا وَإِنْ قَصَدَهُ الْقَائِل . وَقَالَ مَالِك : كُلّ مَنْ أَرَادَ الطَّلَاق بِأَيِّ لَفْظ كَانَ لَزِمَهُ الطَّلَاق حَتَّى بِقَوْلِهِ كُلِي وَاشْرَبِي وَقُومِي وَاقْعُدِي , وَلَمْ يُتَابِع مَالِكًا عَلَى ذَلِكَ إِلَّا أَصْحَابه .


" أَنْ " فِي مَوْضِع رَفْع ب " لَا يَحِلّ " . وَالْآيَة خِطَاب لِلْأَزْوَاجِ , نُهُوا أَنْ يَأْخُذُوا مِنْ أَزْوَاجهمْ شَيْئًا عَلَى وَجْه الْمُضَارَّة , وَهَذَا هُوَ الْخُلْع الَّذِي لَا يَصِحّ إِلَّا بِأَلَّا يَنْفَرِد الرَّجُل بِالضَّرَرِ , وَخَصَّ بِالذِّكْرِ مَا آتَى الْأَزْوَاج نِسَاءَهُمْ ; لِأَنَّ الْعُرْف بَيْن النَّاس أَنْ يَطْلُب الرَّجُل عِنْد الشِّقَاق وَالْفَسَاد مَا خَرَجَ مِنْ يَده لَهَا صَدَاقًا وَجِهَازًا , فَلِذَلِكَ خُصَّ بِالذِّكْرِ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ قَوْله " وَلَا يَحِلّ " فَصْل مُعْتَرِض بَيْن قَوْله تَعَالَى : " الطَّلَاق مَرَّتَانِ " وَبَيْن قَوْله : " فَإِنْ طَلَّقَهَا " . وَالْجُمْهُور عَلَى أَنَّ أَخْذ الْفِدْيَة عَلَى الطَّلَاق جَائِز . وَأَجْمَعُوا عَلَى تَحْظِير أَخْذ مَا لَهَا إِلَّا أَنْ يَكُون النُّشُوز وَفَسَاد الْعِشْرَة مِنْ قِبَلِهَا . وَحَكَى اِبْن الْمُنْذِر عَنْ النُّعْمَان أَنَّهُ قَالَ : إِذَا جَاءَ الظُّلْم وَالنُّشُوز مِنْ قِبَله وَخَالَعَتْهُ فَهُوَ جَائِز مَاضٍ وَهُوَ آثِم , لَا يَحِلّ لَهُ مَا صَنَعَ , وَلَا يُجْبَر عَلَى رَدّ مَا أَخَذَهُ . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَهَذَا مِنْ قَوْله خِلَاف ظَاهِر كِتَاب اللَّه , وَخِلَاف الْخَبَر الثَّابِت عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَخِلَاف مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ عَامَّة أَهْل الْعِلْم مِنْ ذَلِكَ , وَلَا أَحْسَب أَنْ لَوْ قِيلَ لِأَحَدٍ : اِجْهَدْ نَفْسك فِي طَلَب الْخَطَإِ مَا وَجَدَ أَمْرًا أَعْظَم مِنْ أَنْ يَنْطِق الْكِتَاب بِتَحْرِيمِ شَيْء ثُمَّ يُقَابِلهُ مُقَابِل بِالْخِلَافِ نَصًّا , فَيَقُول : بَلْ يَجُوز ذَلِكَ : وَلَا يُجْبَر عَلَى رَدّ مَا أَخَذَ . قَالَ أَبُو الْحَسَن بْن بَطَّال : وَرَوَى اِبْن الْقَاسِم عَنْ مَالِك مِثْله . وَهَذَا الْقَوْل خِلَاف ظَاهِر كِتَاب اللَّه تَعَالَى , وَخِلَاف حَدِيث اِمْرَأَة ثَابِت , وَسَيَأْتِي .


حَرَّمَ اللَّه تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَة أَلَّا يَأْخُذ إِلَّا بَعْد الْخَوْف أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه , وَأَكَّدَ التَّحْرِيم بِالْوَعِيدِ لِمَنْ تَعَدَّى الْحَدّ . وَالْمَعْنَى أَنْ يَظُنّ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا بِنَفْسِهِ أَلَّا يُقِيم حَقّ النِّكَاح لِصَاحِبِهِ حَسَب مَا يَجِب عَلَيْهِ فِيهِ لِكَرَاهَةٍ يَعْتَقِدهَا , فَلَا حَرَج عَلَى الْمَرْأَة أَنْ تَفْتَدِي , وَلَا حَرَج عَلَى الزَّوْج أَنْ يَأْخُذ . وَالْخِطَاب لِلزَّوْجَيْنِ . وَالضَّمِير فِي " أَنْ يَخَافَا " لَهُمَا , و " أَلَّا يُقِيمَا " مَفْعُول بِهِ . و " خِفْت " يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُول وَاحِد . ثُمَّ قِيلَ : هَذَا الْخَوْف هُوَ بِمَعْنَى الْعِلْم , أَيْ أَنْ يَعْلَمَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه , وَهُوَ مِنْ الْخَوْف الْحَقِيقِيّ , وَهُوَ الْإِشْفَاق مِنْ وُقُوع الْمَكْرُوه , وَهُوَ قَرِيب مِنْ مَعْنَى الظَّنّ . ثُمَّ قِيلَ : " إِلَّا أَنْ يَخَافَا " اِسْتِثْنَاء مُنْقَطِع , أَيْ لَكِنْ إِنْ كَانَ مِنْهُنَّ نُشُوز فَلَا جُنَاح عَلَيْكُمْ فِي أَخْذ الْفِدْيَة . وَقَرَأَ حَمْزَة " إِلَّا أَنْ يُخَافَا " بِضَمِّ الْيَاء عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله , وَالْفَاعِل مَحْذُوف وَهُوَ الْوُلَاة وَالْحُكَّام , وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْد . قَالَ : لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ " فَإِنْ خِفْتُمْ " قَالَ : فَجَعَلَ الْخَوْف لِغَيْرِ الزَّوْجَيْنِ , وَلَوْ أَرَادَ الزَّوْجَيْنِ لَقَالَ : فَإِنْ خَافَا , وَفِي هَذَا حُجَّة لِمَنْ جَعَلَ الْخُلْع إِلَى السُّلْطَان . قُلْت : وَهُوَ قَوْل سَعِيد بْن جُبَيْر وَالْحَسَن وَابْن سِيرِينَ . وَقَالَ شُعْبَة : قُلْت لِقَتَادَة : عَمَّنْ أَخَذَ الْحَسَن الْخُلْع إِلَى السُّلْطَان ؟ قَالَ : عَنْ زِيَاد , وَكَانَ وَالِيًا لِعُمَر وَعَلِيّ . قَالَ النَّحَّاس : وَهَذَا مَعْرُوف عَنْ زِيَاد , وَلَا مَعْنَى لِهَذَا الْقَوْل لِأَنَّ الرَّجُل إِذَا خَالَعَ اِمْرَأَته فَإِنَّمَا هُوَ عَلَى مَا يَتَرَاضَيَانِ بِهِ , وَلَا يُجْبِرهُ السُّلْطَان عَلَى ذَلِكَ , وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : هَذَا إِلَى السُّلْطَان . وَقَدْ أُنْكِرَ اِخْتِيَار أَبِي عُبَيْد وَرُدَّ , وَمَا عَلِمْت فِي اِخْتِيَاره شَيْئًا أَبْعَد مِنْ هَذَا الْحَرْف ; لِأَنَّهُ لَا يُوجِبهُ الْإِعْرَاب وَلَا اللَّفْظ وَلَا الْمَعْنَى . أَمَّا الْإِعْرَاب فَإِنَّ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود قَرَأَ " إِلَّا أَنْ يَخَافَا " تَخَافُوا , فَهَذَا فِي الْعَرَبِيَّة إِذَا رُدَّ إِلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله قِيلَ : إِلَّا أَنْ يَخَاف . وَأَمَّا اللَّفْظ فَإِنْ كَانَ عَلَى لَفْظ " يَخَافَا " وَجَبَ أَنْ يُقَال : فَإِنْ خِيفَ . وَإِنْ كَانَ عَلَى لَفْظ " فَإِنْ خِفْتُمْ " وَجَبَ أَنْ يُقَال : إِلَّا أَنْ تَخَافُوا . وَأَمَّا الْمَعْنَى فَإِنَّهُ يَبْعُد أَنْ يُقَال : لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا , إِلَّا أَنْ يَخَاف غَيْركُمْ وَلَمْ يَقُلْ جَلَّ وَعَزَّ : فَلَا جُنَاح عَلَيْكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا لَهُ مِنْهَا فِدْيَة , فَيَكُون الْخُلْع إِلَى السُّلْطَان . قَالَ الطَّحَاوِيّ : وَقَدْ صَحَّ عَنْ عُمَر وَعُثْمَان وَابْن عُمَر جَوَازه دُون السُّلْطَان , وَكَمَا جَازَ الطَّلَاق وَالنِّكَاح دُون السُّلْطَان فَكَذَلِكَ الْخُلْع , وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور مِنْ الْعُلَمَاء .



أَيْ عَلَى أَنْ لَا يُقِيمَا .



أَيْ فِيمَا يَجِب عَلَيْهِمَا مِنْ حُسْن الصُّحْبَة وَجَمِيل الْعِشْرَة . وَالْمُخَاطَبَة لِلْحُكَّامِ وَالْمُتَوَسِّطِينَ لِمِثْلِ هَذَا الْأَمْر وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاكِمًا . وَتَرْك إِقَامَة حُدُود اللَّه هُوَ اِسْتِخْفَاف الْمَرْأَة بِحَقِّ زَوْجهَا , وَسُوء طَاعَتهَا إِيَّاهُ , قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَمَالِك بْن أَنَس وَجُمْهُور الْفُقَهَاء . وَقَالَ الْحَسَن بْن أَبِي الْحَسَن وَقَوْم مَعَهُ : إِذَا قَالَتْ الْمَرْأَة لَا أُطِيع لَك أَمْرًا , وَلَا أَغْتَسِل لَك مِنْ جَنَابَة , وَلَا أَبَرّ لَك قَسَمًا , حَلَّ الْخُلْع . وَقَالَ الشَّعْبِيّ : " أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه " أَلَّا يُطِيعَا اللَّه , وَذَلِكَ أَنَّ الْمُغَاضَبَة تَدْعُو إِلَى تَرْك الطَّاعَة . وَقَالَ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح : يَحِلّ الْخُلْع وَالْأَخْذ أَنْ تَقُول الْمَرْأَة لِزَوْجِهَا : إِنِّي أَكْرَهك وَلَا أُحِبّك , وَنَحْو هَذَا



رَوَى الْبُخَارِيّ مِنْ حَدِيث أَيُّوب عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ اِمْرَأَة ثَابِت بْن قَيْس أَتَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُول اللَّه , ثَابِت بْن قَيْس مَا أَعْتِب عَلَيْهِ فِي خُلُق وَلَا دِين وَلَكِنْ لَا أُطِيقهُ ! فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَته ) ؟ قَالَتْ : نَعَمْ . وَأَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ عَنْ قَتَادَة عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ جَمِيلَة بِنْت سَلُول أَتَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : وَاَللَّه مَا أَعِيب عَلَى ثَابِت فِي دِين وَلَا خُلُق وَلَكِنِّي أَكْرَه الْكُفْر فِي الْإِسْلَام , لَا أُطِيقهُ بُغْضًا ! فَقَالَ لَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَته ) ؟ قَالَتْ : نَعَمْ . فَأَمَرَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْخُذ مِنْهَا حَدِيقَته وَلَا يَزْدَاد . فَيُقَال : إِنَّهَا كَانَتْ تُبْغِضهُ أَشَدّ الْبُغْض , وَكَانَ يُحِبّهَا أَشَدّ الْحُبّ , فَفَرَّقَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنهمَا بِطَرِيقِ الْخُلْع , فَكَانَ أَوَّل خُلْع فِي الْإِسْلَام . رَوَى عِكْرِمَة عَنْ اِبْ
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • تعليقات على رسالة: «واجبنا نحو ما أمرنا الله به»

    تعليقات على رسالة: «واجبنا نحو ما أمرنا الله به»: قال المُصنِّف - حفظه الله -: «فموضوعُ هذه الرسالة عظيمٌ للغاية، يحتاجُ إليه كلُّ مسلمٍ ومُسلِمة، ألا وهو: «واجبُنا نحو ما أمرنا الله به»؛ ما الذي يجبُ علينا نحوَ ما أُمِرنا به في كتابِ ربِّنا وسنةِ نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم -؟».

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/381124

    التحميل:

  • إظهار الحق والصواب في حكم الحجاب

    قال المؤلف: أما بعد: فهذه رسالة في «إظهار الحق والصواب في حكم الحجاب، والتبرج، والسفور، وخلوة الأجنبي بالمرأة، وسفر المرأة بدون محرم، والاختلاط»، وقد قسمتها إلى مباحث على النحو الآتي: المبحث الأول: الحجاب. المبحث الثاني: التبرج. المبحث الثالث: السفور. المبحث الرابع: الخلوة بالمرأة. المبحث الخامس: سفر المرأة بدون محرم. المبحث السادس: شبه دعاة السفور، والرد عليها. المبحث السابع: الفتاوى المحققة المعتمدة في الحجاب والسفور. المبحث الثامن: الاختلاط.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/364920

    التحميل:

  • الاستشراق ومكانته بين المذاهب الفكرية المعاصرة

    الاستشراق ومكانته بين المذاهب الفكرية المعاصرة: هذا الكتاب المختصر عن أهمية دراسة الاستشراق وموقعه بين المذاهب الفكرية المعاصرة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/343848

    التحميل:

  • الفتور: المظاهر - الأسباب - العلاج

    الفتور: المظاهر - الأسباب - العلاج: كثيرٌ ممن يستقيمون على منهج الله ومنهج رسوله - صلى الله عليه وسلم - يُصابون بالفتور والكسل عن طاعة الله واتباع سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - والدعوة إلى ذلك، وهذه الظاهرة لها مظاهرها، وأسبابها، وكيفية الوقاية منها. وفي هذا الكتاب بيان هذه الأمور حول موضوع الفتور.

    الناشر: موقع المسلم http://www.almoslim.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/337253

    التحميل:

  • رسائل في حكم الاحتفال بالمولد النبوى

    رسائل في حكم الاحتفال بالمولد النبوى [ نسخة مصورة ] : مجلدان من 977 صفحة، يحتويان على سبعة رسائل في بيان حكم الاحتفال بالمولد النبوي وهي: 1- المورد في عمل المولد، للشيخ تاج الدين الفاكهاني. 2- حكم الاحتفال بالمولد النبوي والرد على من أجازه : للشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ. 3- حكم الإحتفال بالمولد النبوي : للشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز. 4 - الرد القوي على الرفاعي والمجهول وابن علوي وبيان أخطائهم في المولد النبوي : للشيخ حمود بن عبد الله التويجري. 5- الإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف : للشيخ أبي بكر الجزائري. 6 - القول الفصل في حكم التوسل بخير الرسل : للشيخ إسماعيل محمد الأنصاري. 7 - الاحتفال بالمولد بين الإتباع والإبتداع : للشيخ محمد بن سعيد بن شقير.

    الناشر: الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء بالرياض http://www.alifta.com - دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172280

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة