Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 224

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (224) (البقرة) mp3
فِيهِ ثَلَاث مَسَائِل : الْأُولَى : قَالَ الْعُلَمَاء : لَمَّا أَمَرَ اللَّه تَعَالَى بِالْإِنْفَاقِ وَصُحْبَة الْأَيْتَام وَالنِّسَاء بِجَمِيلِ الْمُعَاشَرَة قَالَ : لَا تَمْتَنِعُوا عَنْ شَيْء مِنْ الْمَكَارِم تَعَلُّلًا بِأَنَّا حَلَفْنَا أَلَّا نَفْعَل كَذَا , قَالَ مَعْنَاهُ اِبْن عَبَّاس وَالنَّخَعِيّ وَمُجَاهِد وَالرَّبِيع وَغَيْرهمْ . قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : ( هُوَ الرَّجُل يَحْلِف أَلَّا يَبِرّ وَلَا يَصِل وَلَا يُصْلِح بَيْن النَّاس , فَيُقَال لَهُ : بَرّ , فَيَقُول : قَدْ حَلَفْت ) . وَقَالَ بَعْض الْمُتَأَوِّلِينَ : الْمَعْنَى وَلَا تَحْلِفُوا بِاَللَّهِ كَاذِبِينَ إِذَا أَرَدْتُمْ الْبِرّ وَالتَّقْوَى وَالْإِصْلَاح , فَلَا يَحْتَاج إِلَى تَقْدِير " لَا " بَعْد " أَنْ " . وَقِيلَ : الْمَعْنَى لَا تَسْتَكْثِرُوا مِنْ الْيَمِين بِاَللَّهِ فَإِنَّهُ أَهْيَب لِلْقُلُوبِ , وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : " وَاحْفَظُوا أَيْمَانكُمْ " [ الْمَائِدَة : 89 ] . وَذَمَّ مَنْ كَثَّرَ الْيَمِين فَقَالَ تَعَالَى : " وَلَا تُطِعْ كُلّ حَلَّاف مَهِين " [ الْقَلَم : 10 ] . وَالْعَرَب تَمْتَدِح بِقِلَّةِ الْأَيْمَان , حَتَّى قَالَ قَائِلهمْ : قَلِيل الْأَلَايَا حَافِظ لِيَمِينِهِ وَإِنْ صَدَرَتْ مِنْهُ الْأَلِيَّة بَرَّت وَعَلَى هَذَا " أَنْ تَبَرُّوا " مَعْنَاهُ : أَقِلُّوا الْأَيْمَان لِمَا فِيهِ مِنْ الْبِرّ وَالتَّقْوَى , فَإِنَّ الْإِكْثَار يَكُون مَعَهُ الْحِنْث وَقِلَّة رَعْي لِحَقِّ اللَّه تَعَالَى , وَهَذَا تَأْوِيل حَسَن . مَالِك بْن أَنَس : بَلَغَنِي أَنَّهُ الْحَلِف بِاَللَّهِ فِي كُلّ شَيْء . وَقِيلَ : الْمَعْنَى لَا تَجْعَلُوا الْيَمِين مُبْتَذَلَة فِي كُلّ حَقّ وَبَاطِل : وَقَالَ الزَّجَّاج وَغَيْره : مَعْنَى الْآيَة أَنْ يَكُون الرَّجُل إِذَا طُلِبَ مِنْهُ فِعْل خَيْر اِعْتَلَّ بِاَللَّهِ فَقَالَ : عَلَيَّ يَمِين , وَهُوَ لَمْ يَحْلِف الْقُتَبِيّ : الْمَعْنَى إِذَا حَلَفْتُمْ عَلَى أَلَّا تَصِلُوا أَرْحَامكُمْ وَلَا تَتَصَدَّقُوا وَلَا تُصْلِحُوا , وَعَلَى أَشْبَاه ذَلِكَ مِنْ أَبْوَاب الْبِرّ فَكَفِّرُوا الْيَمِين . قُلْت : وَهَذَا حَسَن لِمَا بَيَّنَّاهُ , وَهُوَ الَّذِي يَدُلّ عَلَى سَبَب النُّزُول , عَلَى مَا نُبَيِّنهُ فِي الْمَسْأَلَة بَعْد هَذَا .

الثَّانِيَة : قِيلَ : نَزَلَتْ بِسَبَبِ الصِّدِّيق إِذْ حَلَفَ أَلَّا يُنْفِق عَلَى مِسْطَح حِين تَكَلَّمَ فِي عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا , كَمَا فِي حَدِيث الْإِفْك , وَسَيَأْتِي بَيَانه فِي " النُّور " , عَنْ اِبْن جُرَيْج . وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي الصِّدِّيق أَيْضًا حِين حَلَفَ أَلَّا يَأْكُل مَعَ الْأَضْيَاف . وَقِيلَ نَزَلَتْ فِي عَبْد اللَّه بْن رَوَاحَة حِين حَلَفَ أَلَّا يُكَلِّم بَشِير بْن النُّعْمَان وَكَانَ خَتْنه عَلَى أُخْته , وَاَللَّه أَعْلَم .

الثَّالِثَة : " عُرْضَة لِأَيْمَانِكُمْ " أَيْ نَصْبًا , عَنْ الْجَوْهَرِيّ . وَفُلَان عُرْضَة ذَاكَ , أَيْ عُرْضَة لِذَلِكَ , أَيْ مُقْرِن لَهُ قَوِيّ عَلَيْهِ . وَالْعُرْضَة : الْهِمَّة . قَالَ : هُمْ الْأَنْصَار عُرْضَتهَا اللِّقَاء وَفُلَان عُرْضَة لِلنَّاسِ : لَا يَزَالُونَ يَقَعُونَ فِيهِ . وَجَعَلْت فُلَانًا عُرْضَة لِكَذَا أَيْ نَصَبْته لَهُ , وَقِيلَ : الْعُرْضَة مِنْ الشِّدَّة وَالْقُوَّة , وَمِنْهُ قَوْلهمْ لِلْمَرْأَةِ : عُرْضَة لِلنِّكَاحِ , إِذَا صَلَحَتْ لَهُ وَقَوِيَتْ عَلَيْهِ , وَلِفُلَانٍ عُرْضَةٌ : أَيْ قُوَّة عَلَى السَّفَر وَالْحَرْب , قَالَ كَعْب بْن زُهَيْر : مَنْ كَانَ نَضَّاخَة الذِّفْرَى إِذَا عَرِقَتْ عُرْضَتهَا طَامِس الْأَعْلَام مَجْهُول وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر : فَهَذِي لِأَيَّامِ الْحُرُوب وَهَذِهِ لِلْهَوِيِّ وَهَذِي عُرْضَة لِارْتِحَالِنَا أَيْ عُدَّة . وَقَالَ آخَر : فَلَا تَجْعَلنِي عُرْضَة لِلَّوَائِمِ وَقَالَ أَوْس بْن حَجَر : وَأَدْمَاء مِثْل الْفَحْل يَوْمًا عُرْضَتهَا لِرَحْلِي وَفِيهَا هِزَّة وَتَقَاذُف وَالْمَعْنَى : لَا تَجْعَلُوا الْيَمِين بِاَللَّهِ قُوَّة لِأَنْفُسِكُمْ , وَعُدَّة فِي الِامْتِنَاع مِنْ الْبِرّ .


مُبْتَدَأ وَخَبَره مَحْذُوف , أَيْ الْبِرّ وَالتَّقْوَى وَالْإِصْلَاح أَوْلَى وَأَمْثَل , مِثْل " طَاعَة وَقَوْل مَعْرُوف " [ مُحَمَّد : 21 ] عَنْ الزَّجَّاج وَالنَّحَّاس . وَقِيلَ : مَحَلّه النَّصْب , أَيْ لَا تَمْنَعكُمْ الْيَمِين بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الْبِرّ وَالتَّقْوَى وَالْإِصْلَاح , عَنْ الزَّجَّاج أَيْضًا . وَقِيلَ : مَفْعُول مِنْ أَجْله . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَلَّا تَبَرُّوا , فَحَذَفَ " لَا " , كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " يُبَيِّن اللَّه لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا " [ النِّسَاء : 176 ] أَيْ لِئَلَّا تَضِلُّوا , قَالَهُ الطَّبَرِيّ وَالنَّحَّاس . وَوَجْه رَابِع مِنْ وُجُوه النَّصْب : كَرَاهَة أَنْ تَبَرُّوا , ثُمَّ حُذِفَتْ , ذَكَرَهُ النَّحَّاس وَالْمَهْدَوِيّ . وَقِيلَ : هُوَ فِي مَوْضِع خَفْض عَلَى قَوْل الْخَلِيل وَالْكِسَائِيّ , التَّقْدِير : فِي أَنْ تَبَرُّوا , فَأُضْمِرَتْ " فِي " وَخُفِضَتْ بِهَا .


أَيْ لِأَقْوَالِ الْعِبَاد .

بِنِيَّاتِهِمْ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • القواعد والأصول الجامعة والفروق والتقاسيم البديعة النافعة

    القواعد والأصول الجامعة والفروق والتقاسيم البديعة النافعة : ذكر فيها - رحمه الله - جملة من القواعد الفقهية المهمة ثم قام بشرحها وتبين أدلتها وأمثلتها بأسلوب سهل ميسر، ثم أتبعه بجملة من الفروق الفقهية يبين فيها الفروق الصحيحة من الضعيفة. اعتنى بتحقيقه : الشيخ خالد بن علي بن محمد المشيقح - أثابه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205540

    التحميل:

  • جوامع الدعاء

    جوامع الدعاء: تحتوي هذه الرسالة على خمسة فصول بعد المقدمة وهي: الأول: في حق الدعاء وفضله. الثاني: في شروط الدعاء وآدابه. الثالث: في أحوال مختصة بالإجابة. الرابع: في أدعية مختارة من القرآن الكريم. الخامس: في أدعية مختارة من السنة المطهرة. - قدم لهذه الرسالة فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين - حفظه الله -.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/166513

    التحميل:

  • عالم النبات

    عالم النبات : يحتوي هذا الكتاب على بحثين: الأول: إختلاط الماء بالأرض الهامدة: د. قطب عامر فرغلي. ثانياً: نبات المحاصيل: د. السيد محمد زيدان.

    الناشر: الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة http://www.eajaz.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/193675

    التحميل:

  • محاسن الصدق ومساوئ الكذب

    في هذه الرسالة بيان بعض محاسن الصدق ومساوئ الكذب.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209197

    التحميل:

  • أهمية دراسة التوحيد

    أهمية دراسة التوحيد: مما لا يخفى على أحدٍ من المسلمين ما للتوحيد من منزلة؛ فإن به حياة الفرد والجماعة والخلق، وعليه مدار السعادة في الدارين، وهو معقِد الاستقامة، والثابت الأساس لأمن الحياة الإنسانية وتغيُّراتها، وصِمام أمانها، ونواة نموها، وحدود غايتها، فلا يصلح شأن التعليم قط إلا والتوحيد اسم بارز على أول وأهم مناهجه، يتغذَّى به طلابُ العلم، ويُؤسِّسون على مبادئه وترعاه فيهم مراحل التعليم المتتابعة تمام الرعاية. وقد رتَّب المؤلِّف الكلام في بيان أهمية دراسة التوحيد على الخطة التالية: التمهيد: وفيه عرض لمفهوم التوحيد. المبحث الأول: أهمية التوحيد في ذاته. وفيه مطالب: المطلب الأول: كونه حق الله تعالى. المطلب الثاني: كونه على خلق الخلق. المطلب الثالث: كونه قضية الوجود. المبحث الثاني: ضرورة الخلق إلى التوحيد. وفيه مطلبان: المطلب الأول: فطرية التألُّه. المطلب الثاني: ضرورة الخلق إلى التألُّه لله وحده. المبحث الثالث: شدة حاجة المسلمين اليوم لدراسة التوحيد. وفيه مطالب: المطلب الأول: الجهل الواقع بالتوحيد علمًا وسلوكًا. المطلب الثاني: المشكلات العامة الحالَّة بالمسلمين. المطلب الثالث: حاجة العصر إلى التزام المسلمين بالتوحيد الحق علمًا وسلوكًا.

    الناشر: الجمعية العلمية السعودية لعلوم العقيدة والأديان والفرق والمذاهب www.aqeeda.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/331927

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة