Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 221

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ۗ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا ۚ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ۗ أُولَٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ۖ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ۖ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221) (البقرة) mp3
فِيهِ سَبْع مَسَائِل : الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " وَلَا تَنْكِحُوا " قِرَاءَة الْجُمْهُور بِفَتْحِ التَّاء . وَقُرِئَتْ فِي الشَّاذّ بِالضَّمِّ , كَأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ الْمُتَزَوِّج لَهَا أَنْكَحَهَا مِنْ نَفْسه . وَنَكَحَ أَصْله الْجِمَاع , وَيُسْتَعْمَل فِي التَّزَوُّج تَجَوُّزًا وَاتِّسَاعًا , وَسَيَأْتِي بَيَانه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .

الثَّانِيَة : لَمَّا أَذِنَ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى فِي مُخَالَطَة الْأَيْتَام , وَفِي مُخَالَطَة النِّكَاح بَيَّنَ أَنَّ مُنَاكَحَة الْمُشْرِكِينَ لَا تَصِحّ . وَقَالَ مُقَاتِل : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي أَبِي مَرْثَد الْغَنَوِيّ , وَقِيلَ : فِي مَرْثَد بْن أَبِي مَرْثَد , وَاسْمه كَنَّاز بْن حُصَيْن الْغَنَوِيّ , بَعَثَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّة سِرًّا لِيُخْرِج رَجُلًا مِنْ أَصْحَابه , وَكَانَتْ لَهُ بِمَكَّة اِمْرَأَة يُحِبّهَا فِي الْجَاهِلِيَّة يُقَال لَهَا " عَنَاق " فَجَاءَتْهُ , فَقَالَ لَهَا : إِنَّ الْإِسْلَام حَرَّمَ مَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة , قَالَتْ : فَتَزَوَّجْنِي , قَالَ : حَتَّى أَسْتَأْذِن رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَأْذَنَهُ فَنَهَاهُ عَنْ التَّزَوُّج بِهَا ; لِأَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا وَهِيَ مُشْرِكَة . وَسَيَأْتِي فِي " النُّور " بَيَانه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .

الثَّالِثَة : وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي تَأْوِيل هَذِهِ الْآيَة , فَقَالَتْ طَائِفَة : حَرَّمَ اللَّه نِكَاح الْمُشْرِكَات فِي سُورَة " الْبَقَرَة " ثُمَّ نُسِخَ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَة نِسَاء أَهْل الْكِتَاب , فَأَحَلَّهُنَّ فِي سُورَة " الْمَائِدَة " . وَرُوِيَ هَذَا الْقَوْل عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَبِهِ قَالَ مَالِك بْن أَنَس وَسُفْيَان بْن سَعِيد الثَّوْرِيّ , وَعَبْد الرَّحْمَن بْن عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ . وَقَالَ قَتَادَة وَسَعِيد بْن جُبَيْر : لَفْظ الْآيَة الْعُمُوم فِي كُلّ كَافِرَة , وَالْمُرَاد بِهَا الْخُصُوص فِي الْكِتَابِيَّات , وَبَيَّنَتْ الْخُصُوص آيَة " الْمَائِدَة " وَلَمْ يَتَنَاوَل الْعُمُوم قَطُّ الْكِتَابِيَّات . وَهَذَا أَحَد قَوْلَيْ الشَّافِعِيّ , وَعَلَى الْقَوْل الْأَوَّل يَتَنَاوَلهُنَّ الْعُمُوم , ثُمَّ نَسَخَتْ آيَة " الْمَائِدَة " بَعْض الْعُمُوم . وَهَذَا مَذْهَب مَالِك رَحِمَهُ اللَّه , ذَكَرَهُ اِبْن حَبِيب , وَقَالَ : وَنِكَاح الْيَهُودِيَّة وَالنَّصْرَانِيَّة وَإِنْ كَانَ قَدْ أَحَلَّهُ اللَّه تَعَالَى مُسْتَثْقَل مَذْمُوم . وَقَالَ إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ : ذَهَبَ قَوْم فَجَعَلُوا الْآيَة الَّتِي فِي " الْبَقَرَة " هِيَ النَّاسِخَة , وَاَلَّتِي فِي " الْمَائِدَة " هِيَ الْمَنْسُوخَة , فَحَرَّمُوا نِكَاح كُلّ مُشْرِكَة كِتَابِيَّة أَوْ غَيْر كِتَابِيَّة . قَالَ النَّحَّاس : وَمِنْ الْحُجَّة لِقَائِلِ هَذَا مِمَّا صَحَّ سَنَده مَا حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّد بْن رَيَّان , قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن رُمْح , قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْث عَنْ نَافِع أَنَّ عَبْد اللَّه بْن عُمَر كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ نِكَاح الرَّجُل النَّصْرَانِيَّة أَوْ الْيَهُودِيَّة قَالَ : حَرَّمَ اللَّه الْمُشْرِكَات عَلَى الْمُؤْمِنِينَ , وَلَا أَعْرِف شَيْئًا مِنْ الْإِشْرَاك أَعْظَم مِنْ أَنْ تَقُول الْمَرْأَة رَبّهَا عِيسَى , أَوْ عَبْد مِنْ عِبَاد اللَّه ! . قَالَ النَّحَّاس : وَهَذَا قَوْل خَارِج عَنْ قَوْل الْجَمَاعَة الَّذِينَ تَقُوم بِهِمْ الْحُجَّة , لِأَنَّهُ قَدْ قَالَ بِتَحْلِيلِ نِكَاح نِسَاء أَهْل الْكِتَاب مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ جَمَاعَة , مِنْهُمْ عُثْمَان وَطَلْحَة وَابْن عَبَّاس وَجَابِر وَحُذَيْفَة . وَمِنْ التَّابِعِينَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَالْحَسَن وَمُجَاهِد وَطَاوُس وَعِكْرِمَة وَالشَّعْبِيّ وَالضَّحَّاك , وَفُقَهَاء الْأَمْصَار عَلَيْهِ . وَأَيْضًا فَيَمْتَنِع أَنْ تَكُون هَذِهِ الْآيَة مِنْ سُورَة " الْبَقَرَة " نَاسِخَة لِلْآيَةِ الَّتِي فِي سُورَة " الْمَائِدَة " لِأَنَّ " الْبَقَرَة " مِنْ أَوَّل مَا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ , و " الْمَائِدَة " مِنْ آخِر مَا نَزَلَ . وَإِنَّمَا الْآخَر يَنْسَخ الْأَوَّل , وَأَمَّا حَدِيث اِبْن عُمَر فَلَا حُجَّة فِيهِ ; لِأَنَّ اِبْن عُمَر رَحِمَهُ اللَّه كَانَ رَجُلًا مُتَوَقِّفًا , فَلَمَّا سَمِعَ الْآيَتَيْنِ , فِي وَاحِدَة التَّحْلِيل , وَفِي أُخْرَى التَّحْرِيم وَلَمْ يَبْلُغهُ النَّسْخ تَوَقَّفَ , وَلَمْ يُؤْخَذ عَنْهُ ذِكْر النَّسْخ وَإِنَّمَا تُؤُوِّلَ عَلَيْهِ , وَلَيْسَ يُؤْخَذ النَّاسِخ وَالْمَنْسُوخ بِالتَّأْوِيلِ . وَذَكَرَ اِبْن عَطِيَّة : وَقَالَ اِبْن عَبَّاس فِي بَعْض مَا رُوِيَ عَنْهُ : ( إِنَّ الْآيَة عَامَّة فِي الْوَثَنِيَّات وَالْمَجُوسِيَّات وَالْكِتَابِيَّات , وَكُلّ مَنْ عَلَى غَيْر الْإِسْلَام حَرَام ) , فَعَلَى هَذَا هِيَ نَاسِخَة لِلْآيَةِ الَّتِي فِي " الْمَائِدَة " وَيُنْظَر إِلَى هَذَا قَوْل اِبْن عُمَر فِي الْمُوَطَّإِ : وَلَا أَعْلَم إِشْرَاكًا أَعْظَم مِنْ أَنْ تَقُول الْمَرْأَة رَبّهَا عِيسَى . وَرُوِيَ عَنْ عُمَر أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْن طَلْحَة بْن عُبَيْد اللَّه وَحُذَيْفَة بْن الْيَمَان وَبَيْن كِتَابِيَّتَيْنِ وَقَالَا : نُطَلِّقُ يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ وَلَا تَغْضَب , فَقَالَ : لَوْ جَازَ طَلَاقكُمَا لَجَازَ نِكَاحكُمَا ! وَلَكِنْ أُفَرِّق بَيْنكُمَا صَغْرَة قَمْأَة . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذَا لَا يَسْتَنِد جِيدًا , وَأُسْنِدَ مِنْهُ أَنَّ عُمَر أَرَادَ التَّفْرِيق بَيْنهمَا فَقَالَ لَهُ حُذَيْفَة : أَتَزْعُمُ أَنَّهَا حَرَام فَأُخْلِي سَبِيلهَا يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ ؟ فَقَالَ : لَا أَزْعُم أَنَّهَا حَرَام , وَلَكِنِّي أَخَاف أَنْ تَعَاطَوْا الْمُومِسَات مِنْهُنَّ . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس نَحْو هَذَا . وَذَكَرَ اِبْن الْمُنْذِر جَوَاز نِكَاح الْكِتَابِيَّات عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب , وَمَنْ ذَكَرَ مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فِي قَوْل النَّحَّاس . وَقَالَ فِي آخِر كَلَامه : وَلَا يَصِحّ عَنْ أَحَد مِنْ الْأَوَائِل أَنَّهُ حَرَّمَ ذَلِكَ . وَقَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : وَأَمَّا الْآيَتَانِ فَلَا تَعَارُض بَيْنهمَا , فَإِنَّ ظَاهِر لَفْظ الشِّرْك لَا يَتَنَاوَل أَهْل الْكِتَاب , لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " مَا يَوَدّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْل الْكِتَاب وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّل عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْر مِنْ رَبّكُمْ " [ الْبَقَرَة : 105 ] , وَقَالَ : " لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْل الْكِتَاب وَالْمُشْرِكِينَ " [ الْبَيِّنَة : 1 ] فَفَرَّقَ بَيْنهمْ فِي اللَّفْظ , وَظَاهِر الْعَطْف يَقْتَضِي مُغَايَرَة بَيْن الْمَعْطُوف وَالْمَعْطُوف عَلَيْهِ , وَأَيْضًا فَاسْم الشِّرْك عُمُوم وَلَيْسَ بِنَصٍّ , وَقَوْله تَعَالَى : " وَالْمُحْصَنَات مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب " [ الْمَائِدَة : 5 ] بَعْد قَوْله " وَالْمُحْصَنَات مِنْ الْمُؤْمِنَات " نَصّ , فَلَا تَعَارُض بَيْن الْمُحْتَمَل وَبَيْن مَا لَا يُحْتَمَل . فَإِنْ قِيلَ : أَرَادَ بِقَوْلِهِ : " وَالْمُحْصَنَات مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب مِنْ قَبْلكُمْ " أَيْ أُوتُوا الْكِتَاب مِنْ قَبْلكُمْ وَأَسْلَمُوا , كَقَوْلِهِ " وَإِنَّ مِنْ أَهْل الْكِتَاب لَمَنْ يُؤْمِن بِاَللَّهِ " [ آل عِمْرَان : 199 ] الْآيَة . وَقَوْله : " مِنْ أَهْل الْكِتَاب أُمَّة قَائِمَة " [ آل عِمْرَان : 113 ] الْآيَة . قِيلَ لَهُ : هَذَا خِلَاف نَصّ الْآيَة فِي قَوْله : " وَالْمُحْصَنَات مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب مِنْ قَبْلكُمْ " وَخِلَاف مَا قَالَهُ الْجُمْهُور , فَإِنَّهُ لَا يُشْكِل عَلَى أَحَد جَوَاز التَّزْوِيج مِمَّنْ أَسْلَمَ وَصَارَ مِنْ أَعْيَان الْمُسْلِمِينَ . فَإِنْ قَالُوا : فَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى : " أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّار " فَجَعَلَ الْعِلَّة فِي تَحْرِيم نِكَاحهنَّ الدُّعَاء إِلَى النَّار . وَالْجَوَاب أَنَّ ذَلِكَ عِلَّة لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَلَأَمَة مُؤْمِنَة خَيْر مِنْ مُشْرِكَة " لِأَنَّ الْمُشْرِك يَدْعُو إِلَى النَّار , وَهَذِهِ الْعِلَّة مُطَّرِدَة فِي جَمِيع الْكُفَّار , فَالْمُسْلِم خَيْر مِنْ الْكَافِر مُطْلَقًا , وَهَذَا بَيِّن .

الرَّابِعَة : وَأَمَّا نِكَاح أَهْل الْكِتَاب إِذَا كَانُوا حَرْبًا فَلَا يَحِلّ , وَسُئِلَ اِبْن عَبَّاس عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : لَا يَحِلّ , وَتَلَا قَوْل اللَّه تَعَالَى : " قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِر " [ التَّوْبَة : 29 ] إِلَى قَوْله " صَاغِرُونَ " . قَالَ الْمُحَدِّث : حَدَّثْت بِذَلِكَ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ فَأَعْجَبَهُ . وَكَرِهَ مَالِك تَزَوُّج الْحَرْبِيَّات , لِعِلَّةِ تَرْك الْوَلَد فِي دَار الْحَرْب , وَلِتَصَرُّفِهَا فِي الْخَمْر وَالْخِنْزِير .

الْخَامِسَة : قَوْله تَعَالَى : " وَلَأَمَة مُؤْمِنَة خَيْر مِنْ مُشْرِكَة " إِخْبَار بِأَنَّ الْمُؤْمِنَة الْمَمْلُوكَة خَيْر مِنْ الْمُشْرِكَة , وَإِنْ كَانَتْ ذَات الْحَسَب وَالْمَال . " وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ " فِي الْحُسْن وَغَيْر ذَلِكَ , هَذَا قَوْل الطَّبَرِيّ وَغَيْره . وَنَزَلَتْ فِي خَنْسَاء وَلِيدَة سَوْدَاء كَانَتْ لِحُذَيْفَة بْن الْيَمَان , فَقَالَ لَهَا حُذَيْفَة : يَا خَنْسَاء , قَدْ ذُكِرْت فِي الْمَلَإِ الْأَعْلَى مَعَ سَوَادك وَدَمَامَتك , وَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْرك فِي كِتَابه , فَأَعْتَقَهَا حُذَيْفَة وَتَزَوَّجَهَا . وَقَالَ السُّدِّيّ : نَزَلَتْ فِي عَبْد اللَّه بْن رَوَاحَة , كَانَتْ لَهُ أَمَة سَوْدَاء فَلَطَمَهَا فِي غَضَب ثُمَّ نَدِمَ , فَأَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ , فَقَالَ : ( مَا هِيَ يَا عَبْد اللَّه ) قَالَ : تَصُوم وَتُصَلِّي وَتُحْسِن الْوُضُوء وَتَشْهَد الشَّهَادَتَيْنِ , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( هَذِهِ مُؤْمِنَة ) . فَقَالَ اِبْن رَوَاحَة : لَأُعْتِقَنهَا وَلَأَتَزَوَّجَنهَا , فَفَعَلَ , فَطَعَنَ عَلَيْهِ نَاس مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَقَالُوا : نَكَحَ أَمَة , وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنْ يُنْكَحُوا إِلَى الْمُشْرِكِينَ , وَكَانُوا يَنْكِحُونَهُمْ رَغْبَة فِي أَحْسَابهمْ , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة . وَاَللَّه أَعْلَم .

السَّادِسَة : وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي نِكَاح إِمَاء أَهْل الْكِتَاب , فَقَالَ مَالِك : لَا يَجُوز نِكَاح الْأَمَة الْكِتَابِيَّة . وَقَالَ أَشْهَب فِي كِتَاب مُحَمَّد , فِيمَنْ أَسْلَمَ وَتَحْته أَمَة كِتَابِيَّة : إِنَّهُ لَا يُفَرَّق بَيْنهمَا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه , يَجُوز نِكَاح إِمَاء أَهْل الْكِتَاب . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : دَرَسَنَا الشَّيْخ أَبُو بَكْر الشَّاشِيّ بِمَدِينَةِ السَّلَام قَالَ : اِحْتَجَّ أَصْحَاب أَبِي حَنِيفَة عَلَى جَوَاز نِكَاح الْأَمَة الْكِتَابِيَّة بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَلَأَمَة مُؤْمِنَة خَيْر مِنْ مُشْرِكَة " . وَوَجْه الدَّلِيل مِنْ الْآيَة أَنَّ اللَّه سُبْحَانه خَايَرَ بَيْن نِكَاح الْأَمَة الْمُؤْمِنَة وَالْمُشْرِكَة , فَلَوْلَا أَنَّ نِكَاح الْأَمَة الْمُشْرِكَة جَائِز لَمَا خَايَرَ اللَّه تَعَالَى بَيْنهمَا ; لِأَنَّ الْمُخَايَرَة إِنَّمَا هِيَ بَيْن الْجَائِزَيْنِ لَا بَيْن جَائِز وَمُمْتَنِع , وَلَا بَيْن مُتَضَادَّيْنِ . وَالْجَوَاب أَنَّ الْمُخَايَرَة بَيْن الضِّدَّيْنِ تَجُوز لُغَة وَقُرْآنًا : لِأَنَّ اللَّه سُبْحَانه قَالَ : " أَصْحَاب الْجَنَّة يَوْمئِذٍ خَيْر مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَن مَقِيلًا " [ الْفُرْقَان : 24 ] . وَقَالَ عُمَر فِي رِسَالَته لِأَبِي مُوسَى : " الرُّجُوع إِلَى الْحَقّ خَيْر مِنْ التَّمَادِي فِي الْبَاطِل " . جَوَاب آخَر : قَوْله تَعَالَى : " وَلَأَمَة " لَمْ يَرِد بِهِ الرِّقّ الْمَمْلُوك وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْآدَمِيَّة , وَالْآدَمِيَّات وَالْآدَمِيُّونَ بِأَجْمَعِهِمْ عَبِيد اللَّه وَإِمَاؤُهُ , قَالَهُ الْقَاضِي بِالْبَصْرَةِ أَبُو الْعَبَّاس الْجُرْجَانِيّ .

السَّابِعَة : وَاخْتَلَفُوا فِي نِكَاح نِسَاء الْمَجُوس , فَمَنَعَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة وَالْأَوْزَاعِيّ وَإِسْحَاق مِنْ ذَلِكَ . وَقَالَ اِبْن حَنْبَل : لَا يُعْجِبنِي . وَرُوِيَ أَنَّ حُذَيْفَة بْن الْيَمَان تَزَوَّجَ مَجُوسِيَّة , وَأَنَّ عُمَر قَالَ لَهُ : طَلِّقْهَا . وَقَالَ اِبْن الْقَصَّار : قَالَ بَعْض أَصْحَابنَا : يَجِب عَلَى أَحَد الْقَوْلَيْنِ أَنَّ لَهُمْ كِتَابًا أَنْ تَجُوز مُنَاكَحَتهمْ . وَرَوَى اِبْن وَهْب عَنْ مَالِك أَنَّ الْأَمَة الْمَجُوسِيَّة لَا يَجُوز أَنْ تُوطَأ بِمِلْكِ الْيَمِين , وَكَذَلِكَ الْوَثَنِيَّات وَغَيْرهنَّ مِنْ الْكَافِرَات , وَعَلَى هَذَا جَمَاعَة الْعُلَمَاء , إِلَّا مَا رَوَاهُ يَحْيَى بْن أَيُّوب عَنْ اِبْن جُرَيْج عَنْ عَطَاء وَعَمْرو بْن دِينَار أَنَّهُمَا سُئِلَا عَنْ نِكَاح الْإِمَاء الْمَجُوسِيَّات , فَقَالَا : لَا بَأْس بِذَلِكَ . وَتَأَوَّلَا قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَات " . فَهَذَا عِنْدهمَا عَلَى عَقْد النِّكَاح لَا عَلَى الْأَمَة الْمُشْتَرَاة , وَاحْتَجَّا بِسَبْيِ أَوْطَاس , وَأَنَّ الصَّحَابَة نَكَحُوا الْإِمَاء مِنْهُنَّ بِمِلْكِ الْيَمِين . قَالَ النَّحَّاس : وَهَذَا قَوْل شَاذّ , أَمَّا سَبْي أَوْطَاس فَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون الْإِمَاء أَسْلَمْنَ فَجَازَ نِكَاحهنَّ وَأَمَّا الِاحْتِجَاج بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَات حَتَّى يُؤْمِنَّ " فَغَلَط ; لِأَنَّهُمْ حَمَلُوا النِّكَاح عَلَى الْعَقْد , وَالنِّكَاح فِي اللُّغَة يَقَع عَلَى الْعَقْد وَعَلَى الْوَطْء , فَلَمَّا قَالَ : " وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَات " حَرَّمَ كُلّ نِكَاح يَقَع عَلَى الْمُشْرِكَات مِنْ نِكَاح وَوَطْء . وَقَالَ أَبُو عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ : وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ : سَأَلْت الزُّهْرِيّ عَنْ الرَّجُل يَشْتَرِي الْمَجُوسِيَّة أَيَطَؤُهَا ؟ فَقَالَ : إِذَا شَهِدَتْ أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَطِئَهَا . وَعَنْ يُونُس عَنْ اِبْن شِهَاب قَالَ : لَا يَحِلّ لَهُ أَنْ يَطَأهَا حَتَّى تُسْلِم . قَالَ أَبُو عُمَر : قَوْل اِبْن شِهَاب لَا يَحِلّ لَهُ أَنْ يَطَأهَا حَتَّى تُسْلِم هَذَا - وَهُوَ أَعْلَم النَّاس بِالْمَغَازِي وَالسِّيَر - دَلِيل عَلَى فَسَاد قَوْل مَنْ زَعَمَ أَنَّ سَبْي أَوْطَاس وُطِئْنَ وَلَمْ يُسْلِمْنَ . رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ طَائِفَة مِنْهُمْ عَطَاء وَعَمْرو بْن دِينَار قَالَا : لَا بَأْس بِوَطْءِ الْمَجُوسِيَّة , وَهَذَا لَمْ يَلْتَفِت إِلَيْهِ أَحَد مِنْ الْفُقَهَاء بِالْأَمْصَارِ . وَقَدْ جَاءَ عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ - وَهُوَ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ غَزْوه وَلَا غَزْو أَهْل نَاحِيَته إِلَّا الْفُرْس وَمَا وَرَاءَهُمْ مِنْ خُرَاسَان , وَلَيْسَ مِنْهُمْ أَحَد أَهْل كِتَاب - مَا يُبَيِّن لَك كَيْف كَانَتْ السِّيرَة فِي نِسَائِهِمْ إِذَا سُبِينَ , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن أَسَد , قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن أَحْمَد بْن فِرَاس , قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْد , قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَام عَنْ يُونُس عَنْ الْحَسَن , قَالَ : قَالَ رَجُل لَهُ : يَا أَبَا سَعِيد كَيْف كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ إِذَا سَبَيْتُمُوهُنَّ ؟ قَالَ : كُنَّا نُوَجِّههَا إِلَى الْقِبْلَة وَنَأْمُرهَا أَنْ تُسْلِم وَتَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه , ثُمَّ نَأْمُرهَا أَنْ تَغْتَسِل , وَإِذَا أَرَادَ صَاحِبهَا أَنْ يُصِيبهَا لَمْ يُصِبْهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئهَا . وَعَلَى هَذَا تَأْوِيل جَمَاعَة الْعُلَمَاء فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : " وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَات حَتَّى يُؤْمِنَّ " . أَنَّهُنَّ الْوَثَنِيَّات وَالْمَجُوسِيَّات ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَدْ أَحَلَّ الْكِتَابِيَّات بِقَوْلِهِ : " وَالْمُحْصَنَات مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب مِنْ قَبْلكُمْ " يَعْنِي الْعَفَائِف , لَا مَنْ شُهِرَ زِنَاهَا مِنْ الْمُسْلِمَات . وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَ نِكَاحهَا وَوَطْأَهَا بِمِلْكِ الْيَمِين مَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُنَّ تَوْبَة , لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إِفْسَاد النَّسَب .


قَوْله تَعَالَى : " وَلَا تُنْكِحُوا " أَيْ لَا تُزَوِّجُوا الْمُسْلِمَة مِنْ الْمُشْرِك . وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّة عَلَى أَنَّ الْمُشْرِك لَا يَطَأ الْمُؤْمِنَة بِوَجْهٍ , لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْغَضَاضَة عَلَى الْإِسْلَام . وَالْقُرَّاء عَلَى ضَمّ التَّاء مِنْ " تُنْكِحُوا " .

فِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل بِالنَّصِّ عَلَى أَنْ لَا نِكَاح إِلَّا بِوَلِيٍّ . قَالَ مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن الْحُسَيْن : " النِّكَاح بِوَلِيٍّ فِي كِتَاب اللَّه " , ثُمَّ قَرَأَ " وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ " . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : ثَبَتَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَا نِكَاح إِلَّا بِوَلِيٍّ ) وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي النِّكَاح بِغَيْرِ وَلِيّ , فَقَالَ كَثِير مِنْ أَهْل الْعِلْم : لَا نِكَاح إِلَّا بِوَلِيٍّ , رُوِيَ هَذَا الْحَدِيث عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَعَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَأَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ , وَبِهِ قَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ وَعُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز وَجَابِر بْن زَيْد وَسُفْيَان الثَّوْرِيّ وَابْن أَبِي لَيْلَى وَابْن شُبْرُمَة وَابْن الْمُبَارَك وَالشَّافِعِيّ وَعُبَيْد اللَّه بْن الْحَسَن وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبُو عُبَيْد . قُلْت : وَهُوَ قَوْل مَالِك رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ وَأَبِي ثَوْر وَالطَّبَرِيّ . قَالَ أَبُو عُمَر : حُجَّة مَنْ قَالَ : ( لَا نِكَاح إِلَّا بِوَلِيٍّ ) أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : ( لَا نِكَاح إِلَّا بِوَلِيٍّ ) . رَوَى هَذَا الْحَدِيث شُعْبَة وَالثَّوْرِيّ عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ أَبِي بُرْدَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا , فَمَنْ يَقْبَل الْمَرَاسِيل يَلْزَمهُ قَبُوله , وَأَمَّا مَنْ لَا يَقْبَل الْمَرَاسِيل فَيَلْزَمهُ أَيْضًا , لِأَنَّ الَّذِينَ وَصَلُوهُ مِنْ أَهْل الْحِفْظ وَالثِّقَة . وَمِمَّنْ وَصَلَهُ إِسْرَائِيل وَأَبُو عَوَانَة كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ أَبِي بُرْدَة عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَإِسْرَائِيل وَمَنْ تَابَعَهُ حُفَّاظ , وَالْحَافِظ تُقْبَل زِيَادَته , وَهَذِهِ الزِّيَادَة يَعْضُدهَا أُصُول , قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجهنَّ " [ الْبَقَرَة : 232 ] . وَهَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي مَعْقِل بْن يَسَار إِذْ عَضَلَ أُخْته عَنْ مُرَاجَعَة زَوْجهَا , قَالَهُ الْبُخَارِيّ . وَلَوْلَا أَنَّ لَهُ حَقًّا فِي الْإِنْكَاح مَا نُهِيَ عَنْ الْعَضْل . قُلْت : وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى هَذَا أَيْضًا مِنْ الْكِتَاب قَوْله : " فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلهنَّ " [ النِّسَاء : 25 ] وَقَوْل : " وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ " [ النُّور : 32 ] فَلَمْ يُخَاطِب تَعَالَى بِالنِّكَاحِ غَيْر الرِّجَال , وَلَوْ كَانَ إِلَى النِّسَاء لَذَكَرَهُنَّ . وَسَيَأْتِي بَيَان هَذَا فِي " النُّور " وَقَالَ تَعَالَى حِكَايَة عَنْ شُعَيْب فِي قِصَّة مُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَام : " إِنِّي أُرِيد أَنْ أُنْكِحك " عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي سُورَة " الْقَصَص " . وَقَالَ تَعَالَى : " الرِّجَال قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء " [ النِّسَاء : 34 ] , فَقَدْ تَعَاضَدَ الْكِتَاب وَالسُّنَّة عَلَى أَنْ لَا نِكَاح إِلَّا بِوَلِيٍّ . قَالَ الطَّبَرِيّ : فِي حَدِيث حَفْصَة حِين تَأَيَّمَتْ وَعَقَدَ عُمَر عَلَيْهَا النِّكَاح وَلَمْ تَعْقِدهُ هِيَ إِبْطَال قَوْل مَنْ قَالَ : إِنَّ لِلْمَرْأَةِ الْبَالِغَة الْمَالِكَة لِنَفْسِهَا تَزْوِيج نَفْسهَا وَعَقْد النِّكَاح دُون وَلِيّهَا , وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَهَا لَمْ يَكُنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَدَع خِطْبَة حَفْصَة لِنَفْسِهَا إِذَا كَانَتْ أَوْلَى بِنَفْسِهَا مِنْ أَبِيهَا , وَخَطَبَهَا إِلَى مَنْ لَا يَمْلِك أَمْرهَا وَلَا الْعَقْد عَلَيْهَا , وَفِيهِ بَيَان قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( الْأَيِّم أَحَقّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيّهَا ) أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهَا أَحَقّ بِنَفْسِهَا فِي أَنَّهُ لَا يَعْقِد عَلَيْهَا إِلَّا بِرِضَاهَا , لَا أَنَّهَا أَحَقّ بِنَفْسِهَا فِي أَنْ تَعْقِد عَقْد النِّكَاح عَلَى نَفْسهَا دُون وَلِيّهَا . وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تُزَوِّج الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ وَلَا تُزَوِّج الْمَرْأَة نَفْسهَا فَإِنَّ الزَّانِيَة هِيَ الَّتِي تُزَوِّج نَفْسهَا ) . قَالَ : حَدِيث صَحِيح . وَرَوَى أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيث سُفْيَان عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَيّمَا اِمْرَأَة نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْن وَلِيّهَا فَنِكَاحهَا بَاطِل - ثَلَاث مَرَّات - فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَالْمَهْر لَهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا فَإِنْ تَشَاجَرُوا فَالسُّلْطَان وَلِيّ مَنْ لَا وَلِيّ لَهُ ) وَهَذَا الْحَدِيث صَحِيح . وَلَا اِعْتِبَار بِقَوْلِ اِبْن عُلَيَّة عَنْ اِبْن جُرَيْج أَنَّهُ قَالَ : سَأَلْت عَنْهُ الزُّهْرِيّ فَلَمْ يَعْرِفهُ , وَلَمْ يَقُلْ هَذَا أَحَد عَنْ اِبْن جُرَيْج غَيْر اِبْن عُلَيَّة , وَقَدْ رَوَاهُ جَمَاعَة عَنْ الزُّهْرِيّ لَمْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ , وَلَوْ ثَبَتَ هَذَا عَنْ الزُّهْرِيّ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ حُجَّة ; لِأَنَّهُ قَدْ نَقَلَهُ عَنْهُ ثِقَات , مِنْهُمْ سُلَيْمَان بْن مُوسَى وَهُوَ ثِقَة إِمَام وَجَعْفَر بْن رَبِيعَة , فَلَوْ نَسِيَهُ الزُّهْرِيّ لَمْ يَضُرّهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ النِّسْيَان لَا يُعْصَم مِنْهُ اِبْن آدَم , قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( نَسِيَ آدَم فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّته ) . وَكَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْسَى , فَمَنْ سِوَاهُ أَحْرَى أَنْ يَنْسَى , وَمَنْ حَفِظَ فَهُوَ حُجَّة عَلَى مَنْ نَسِيَ , فَإِذَا رَوَى الْخَبَر ثِقَة فَلَا يَضُرّهُ نِسْيَان مَنْ نَسِيَهُ , هَذَا لَوْ صَحَّ مَا حَكَى اِبْن عُلَيَّة عَنْ اِبْن جُرَيْج , فَكَيْف وَقَدْ أَنْكَرَ أَهْل الْعِلْم ذَلِكَ مِنْ حِكَايَته وَلَمْ يُعَرِّجُوا عَلَيْهَا . قُلْت : وَقَدْ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيث أَبُو حَاتِم مُحَمَّد بْن حِبَّان التَّمِيمِيّ الْبُسْتِيّ فِي الْمُسْنَد الصَّحِيح لَهُ - عَلَى التَّقَاسِيم وَالْأَنْوَاع مِنْ غَيْر وُجُود قَطْع فِي سَنَدهَا , وَلَا ثُبُوت جُرْح فِي نَاقِلهَا - عَنْ حَفْص بْن غِيَاث عَنْ اِبْن جُرَيْج عَنْ سُلَيْمَان بْن مُوسَى عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَا نِكَاح إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْل وَمَا كَانَ مِنْ نِكَاح عَلَى غَيْر ذَلِكَ فَهُوَ بَاطِل فَإِنْ تَشَاجَرُوا فَالسُّلْطَان وَلِيّ مَنْ لَا وَلِيّ لَهُ ) . قَالَ أَبُو حَاتِم : لَمْ يَقُلْ أَحَد فِي خَبَر اِبْن جُرَيْج عَنْ سُلَيْمَان بْن مُوسَى عَنْ الزُّهْرِيّ هَذَا : ( وَشَاهِدَيْ عَدْل ) إِلَّا ثَلَاثَة أَنْفُس : سُوَيْد بْن يَحْيَى الْأُمَوِيّ عَنْ حَفْص بْن غِيَاث وَعَبْد اللَّه بْن عَبْد الْوَهَّاب الْجُمَحِيّ عَنْ خَالِد بْن الْحَارِث وَعَبْد الرَّحْمَن بْن يُونُس الرَّقِّيّ عَنْ عِيسَى بْن يُونُس , وَلَا يَصِحّ فِي الشَّاهِدَيْنِ غَيْر هَذَا الْخَبَر , وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا الْخَبَر فَقَدْ صَرَّحَ الْكِتَاب وَالسُّنَّة بِأَنْ لَا نِكَاح إِلَّا بِوَلِيٍّ , فَلَا مَعْنَى لِمَا خَالَفَهُمَا . وَقَدْ كَانَ الزُّهْرِيّ وَالشَّعْبِيّ يَقُولَانِ : " إِذَا زَوَّجَتْ الْمَرْأَة نَفْسهَا كُفُؤًا بِشَاهِدَيْنِ فَذَلِكَ نِكَاح جَائِز " . وَكَذَلِكَ كَانَ أَبُو حَنِيفَة يَقُول : إِذَا زَوَّجَتْ الْمَرْأَة نَفْسهَا كُفُؤًا بِشَاهِدَيْنِ فَذَلِكَ نِكَاح جَائِز , وَهُوَ قَوْل زُفَر . وَإِنْ زَوَّجَتْ نَفْسهَا غَيْر كُفْء فَالنِّكَاح جَائِز , وَلِلْأَوْلِيَاءِ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنهمَا . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَأَمَّا مَا قَالَهُ النُّعْمَان فَمُخَالِف لِلسُّنَّةِ , خَارِج عَنْ قَوْل أَكْثَر أَهْل الْعِلْم . وَبِالْخَبَرِ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَقُول . وَقَالَ أَبُو يُوسُف : لَا يَجُوز النِّكَاح إِلَّا بِوَلِيٍّ , فَإِنْ سَلَّمَ الْوَلِيّ جَازَ , وَإِنْ أَبَى أَنْ يُسَلِّم وَالزَّوْج كُفْء أَجَازَهُ الْقَاضِي . وَإِنَّمَا يَتِمّ النِّكَاح فِي قَوْله حِين يُجِيزهُ الْقَاضِي , وَهُوَ قَوْل مُحَمَّد بْن الْحَسَن , وَقَدْ كَانَ مُحَمَّد بْن الْحَسَن يَقُول : يَأْمُر الْقَاضِي الْوَلِيّ بِإِجَازَتِهِ , فَإِنْ لَمْ يَفْعَل اِسْتَأْنَفَ عَقْدًا . وَلَا خِلَاف بَيْن أَبِي حَنِيفَة وَأَصْحَابه أَنَّهُ إِذَا أَذِنَ لَهَا وَلِيّهَا فَعَقَدَتْ النِّكَاح بِنَفْسِهَا جَازَ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ : " إِذَا وَلَّتْ أَمْرهَا رَجُلًا فَزَوَّجَهَا كُفُؤًا فَالنِّكَاح جَائِز , وَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُفَرِّق بَيْنهمَا , إِلَّا أَنْ تَكُون عَرَبِيَّة تَزَوَّجَتْ مَوْلًى " , وَهَذَا نَحْو مَذْهَب مَالِك عَلَى مَا يَأْتِي . وَحَمَلَ الْقَائِلُونَ بِمَذْهَبِ الزُّهْرِيّ وَأَبِي حَنِيفَة وَالشَّعْبِيّ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( لَا نِكَاح إِلَّا بِوَلِيٍّ ) عَلَى الْكَمَال لَا عَلَى الْوُجُوب , كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( لَا صَلَاة لِجَارِ الْمَسْجِد إِلَّا فِي الْمَسْجِد ) /و ( لَا حَظّ فِي الْإِسْلَام لِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاة ) . وَاسْتَدَلُّوا عَلَى هَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجهنَّ " [ الْبَقَرَة : 232 ] , وَقَوْله تَعَالَى : " فَلَا جُنَاح عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسهنَّ بِالْمَعْرُوفِ " [ الْبَقَرَة : 234 ] , وَبِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ سِمَاك بْن حَرْب قَالَ : جَاءَ رَجُل إِلَى عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَقَالَ : اِمْرَأَة أَنَا وَلِيّهَا تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ إِذْنِي ؟ فَقَالَ عَلِيّ : يُنْظَر فِيمَا صَنَعَتْ , فَإِنْ كَانَتْ تَزَوَّجَتْ كُفُؤًا أَجَزْنَا ذَلِكَ لَهَا , وَإِنْ كَانَتْ تَزَوَّجَتْ مَنْ لَيْسَ لَهَا بِكُفْءٍ جَعَلْنَا ذَلِكَ إِلَيْك . وَفِي الْمُوَطَّإِ أَنَّ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا زَوَّجَتْ بِنْت أَخِيهَا عَبْد الرَّحْمَن وَهُوَ غَائِب , الْحَدِيث . وَقَدْ رَوَاهُ اِبْن جُرَيْج عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم بْن مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة رِضَى اللَّه عَنْهَا أَنَّهَا أَنْكَحَتْ رَجُلًا هُوَ الْمُنْذِر بْن الزُّبَيْر اِمْرَأَة مِنْ بَنِي أَخِيهَا فَضَرَبَتْ بَيْنهمْ بِسِتْرٍ , ثُمَّ تَكَلَّمَتْ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا الْعَقْد أَمَرَتْ رَجُلًا فَأَنْكَحَ , ثُمَّ قَالَتْ : لَيْسَ عَلَى النِّسَاء إِنْكَاح . فَالْوَجْه فِي حَدِيث مَالِك أَنَّ عَائِشَة قَرَّرَتْ الْمَهْر وَأَحْوَال النِّكَاح , وَتَوَلَّى الْعَقْد أَحَد عَصَبَتهَا , وَنُسِبَ الْعَقْد إِلَى عَائِشَة لَمَّا كَانَ تَقْرِيره إِلَيْهَا .

ذَكَرَ اِبْن خُوَيْز مَنْدَاد : وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَة عَنْ مَالِك فِي الْأَوْلِيَاء , مَنْ هُمْ ؟ فَقَالَ مَرَّة : كُلّ مَنْ وَضَعَ الْمَرْأَة فِي مَنْصِب حَسَن فَهُوَ وَلِيّهَا , سَوَاء كَانَ مِنْ الْعَصَبَة أَوْ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَام أَوْ الْأَجَانِب أَوْ الْإِمَام أَوْ الْوَصِيّ . وَقَالَ مَرَّة : الْأَوْلِيَاء مِنْ الْعَصَبَة , فَمَنْ وَضَعَهَا مِنْهُمْ فِي مَنْصِب حَسَن فَهُوَ وَلِيّ . وَقَالَ أَبُو عُمَر : قَالَ مَالِك فِيمَا ذَكَرَ اِبْن الْقَاسِم عَنْهُ : إِنَّ الْمَرْأَة إِذَا زَوَّجَهَا غَيْر وَلِيّهَا بِإِذْنِهَا فَإِنْ كَانَتْ شَرِيفَة لَهَا فِي النَّاس حَال كَانَ وَلِيّهَا بِالْخِيَارِ فِي فَسْخ النِّكَاح وَإِقْرَاره , وَإِنْ كَانَتْ دَنِيئَة كَالْمُعْتَقَةِ وَالسَّوْدَاء وَالسِّعَايَة والْمَسْلَمَانِيّة , وَمَنْ لَا حَال لَهَا جَازَ نِكَاحهَا , وَلَا خِيَار لِوَلِيِّهَا لِأَنَّ كُلّ وَاحِد كُفْء لَهَا , وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِك أَنَّ الشَّرِيفَة وَالدَّنِيئَة لَا يُزَوِّجهَا إِلَّا وَلِيّهَا أَوْ السُّلْطَان , وَهَذَا الْقَوْل اِخْتَارَهُ اِبْن الْمُنْذِر , قَالَ : وَأَمَّا تَفْرِيق مَالِك بَيْن الْمِسْكِينَة وَاَلَّتِي لَهَا قَدْر فَغَيْر جَائِز ; لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ سَوَّى بَيْن أَحْكَامهمْ فِي الدِّمَاء فَقَالَ : ( الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأ دِمَاؤُهُمْ ) . وَإِذَا كَانُوا فِي الدِّمَاء سَوَاء فَهُمْ فِي غَيْر ذَلِكَ شَيْء وَاحِد . وَقَالَ إِسْمَاعِيل بْن إِسْحَاق : لَمَّا أَمَرَ اللَّه سُبْحَانه بِالنِّكَاحِ جَعَلَ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضهمْ أَوْلِيَاء بَعْض فَقَالَ تَعَالَى : " وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَات بَعْضهمْ أَوْلِيَاء بَعْض " [ التَّوْبَة : 71 ] وَالْمُؤْمِنُونَ فِي الْجُمْلَة هَكَذَا يَرِث بَعْضهمْ بَعْضًا , فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مَاتَ وَلَا وَارِث لَهُ لَكَانَ مِيرَاثه لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ , وَلَوْ جَنَى جِنَايَة لَعَقَلَ عَنْهُ الْمُسْلِمُونَ , ثُمَّ تَكُون وِلَايَة أَقْرَب مِنْ وِلَايَة , وَقَرَابَة أَقْرَب مِنْ قَرَابَة . وَإِذَا كَانَتْ الْمَرْأَة بِمَوْضِعٍ لَا سُلْطَان فِيهِ وَلَا وَلِيّ لَهَا فَإِنَّهَا تُصَيِّر أَمْرهَا إِلَى مَنْ يُوثَق بِهِ مِنْ جِيرَانهَا , فَيُزَوِّجهَا وَيَكُون هُوَ وَلِيّهَا فِي هَذِهِ الْحَال ; لِأَنَّ النَّاس لَا بُدّ لَهُمْ مِنْ التَّزْوِيج , وَإِنَّمَا يَعْمَلُونَ فِيهِ بِأَحْسَن مَا يُمْكِن , وَعَلَى هَذَا قَالَ مَالِك فِي الْمَرْأَة الضَّعِيفَة الْحَال : إِنَّهُ يُزَوِّجهَا مَنْ تُسْنِد أَمْرهَا إِلَيْهِ ; لِأَنَّهَا مِمَّنْ تَضْعُف عَنْ السُّلْطَان فَأَشْبَهَتْ مَنْ لَا سُلْطَان بِحَضْرَتِهَا , فَرَجَعَتْ فِي الْجُمْلَة إِلَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَوْلِيَاؤُهَا , فَأَمَّا إِذَا صَيَّرَتْ أَمْرهَا إِلَى رَجُل وَتَرَكَتْ أَوْلِيَاءَهَا فَإِنَّهَا أَخَذَتْ الْأَمْر مِنْ غَيْر وَجْهه , وَفَعَلَتْ مَا يُنْكِرهُ الْحَاكِم عَلَيْهَا وَالْمُسْلِمُونَ , فَيُفْسَخ ذَلِكَ النِّكَاح مِنْ غَيْر أَنْ يُعْلَم أَنَّ حَقِيقَته حَرَام , لِمَا وَصَفْنَا مِنْ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضهمْ أَوْلِيَاء بَعْض , وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الِاخْتِلَاف , وَلَكِنْ يُفْسَخ لِتَنَاوُلِ الْأَمْر مِنْ غَيْر وَجْهه , وَلِأَنَّهُ أَحْوَط لِلْفُرُوجِ وَلِتَحْصِينِهَا , فَإِذَا وَقَعَ الدُّخُول وَتَطَاوَلَ الْأَمْر وَوَلَدَتْ الْأَوْلَاد وَكَانَ صَوَابًا لَمْ يَجُزْ الْفَسْخ ; لِأَنَّ الْأُمُور إِذَا تَفَاوَتَتْ لَمْ يُرَدّ مِنْهَا إِلَّا الْحَرَام الَّذِي لَا يُشَكّ فِيهِ , وَيُشْبِه مَا فَاتَ مِنْ ذَلِكَ بِحُكْمِ الْحَاكِم إِذَا حَكَمَ بِحُكْمٍ لَمْ يُفْسَخ إِلَّا أَنْ يَكُون خَطَأ لَا شَكّ فِيهِ . وَأَمَّا الشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه فَالنِّكَاح عِنْدهمْ بِغَيْرِ وَلِيّ مَفْسُوخ أَبَدًا قَبْل الدُّخُول وَبَعْده , وَلَا يَتَوَارَثَانِ إِنْ مَاتَ أَحَدهمَا . وَالْوَلِيّ عِنْدهمْ مِنْ فَرَائِض النِّكَاح , لِقِيَامِ الدَّلِيل عِنْدهمْ مِنْ الْكِتَاب وَالسُّنَّة : قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ " [ النُّور : 32 ] كَمَا قَالَ : " فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلهنَّ " [ النِّسَاء : 25 ] , وَقَالَ مُخَاطِبًا لِلْأَوْلِيَاءِ : " فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ " [ الْبَقَرَة : 232 ] . وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( لَا نِكَاح إِلَّا بِوَلِيٍّ ) . وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْن دَنِيَّة الْحَال وَبَيْن الشَّرِيفَة , لِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاء عَلَى أَنْ لَا فَرْق بَيْنهمْ فِي الدِّمَاء , لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأ دِمَاؤُهُمْ ) . وَسَائِر الْأَحْكَام كَذَلِكَ . وَلَيْسَ فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ فَرْق بَيْن الرَّفِيع وَالْوَضِيع فِي كِتَاب وَلَا سُنَّة .

وَاخْتَلَفُوا فِي النِّكَاح يَقَع عَلَى غَيْر وَلِيّ ثُمَّ يُجِيزهُ الْوَلِيّ قَبْل الدُّخُول , فَقَالَ مَالِك وَأَصْحَابه إِلَّا عَبْد الْمَلِك : ذَلِكَ جَائِز , إِذَا كَانَتْ إِجَازَته لِذَلِكَ بِالْقُرْبِ , وَسَوَاء دَخَلَ أَوْ لَمْ يَدْخُل . هَذَا إِذَا عَقَدَ النِّكَاح غَيْر وَلِيّ وَلَمْ تَعْقِدهُ الْمَرْأَة بِنَفْسِهَا , فَإِنْ زَوَّجَتْ الْمَرْأَة نَفْسهَا وَعَقَدَتْ عُقْدَة النِّكَاح مِنْ غَيْر وَلِيّ قَرِيب وَلَا بَعِيد مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ هَذَا النِّكَاح لَا يُقَرّ أَبَدًا عَلَى حَال وَإِنْ تَطَاوَلَ وَوَلَدَتْ الْأَوْلَاد , وَلَكِنَّهُ يَلْحَق الْوَلَد إِنْ دَخَلَ , وَيَسْقُط الْحَدّ , وَلَا بُدّ مِنْ فَسْخ ذَلِكَ النِّكَاح عَلَى كُلّ حَال . وَقَالَ اِبْن نَافِع عَنْ مَالِك : الْفَسْخ فِيهِ بِغَيْرِ طَلَاق .

وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي مَنَازِل الْأَوْلِيَاء وَتَرْتِيبهمْ , فَكَانَ مَالِك يَقُول : أَوَّلهمْ الْبَنُونَ وَإِنْ سَفَلُوا , ثُمَّ الْآبَاء , ثُمَّ الْإِخْوَة لِلْأَبِ وَالْأُمّ , ثُمَّ لِلْأَبِ , ثُمَّ بَنُو الْإِخْوَة لِلْأَبِ وَالْأُمّ , ثُمَّ بَنُو الْإِخْوَة لِلْأَبِ , ثُمَّ الْأَجْدَاد لِلْأَبِ وَإِنْ عَلَوْا , ثُمَّ الْعُمُومَة عَلَى تَرْتِيب الْإِخْوَة , ثُمَّ بَنُوهُمْ عَلَى تَرْتِيب بَنِي الْإِخْوَة وَإِنْ سَفَلُوا , ثُمَّ الْمَوْلَى ثُمَّ السُّلْطَان أَوْ قَاضِيه . وَالْوَصِيّ مُقَدَّم فِي إِنْكَاح الْأَيْتَام عَلَى الْأَوْلِيَاء , وَهُوَ خَلِيفَة الْأَب وَوَكِيله , فَأَشْبَهَ حَاله لَوْ كَانَ الْأَب حَيًّا . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : لَا وِلَايَة لِأَحَدٍ مَعَ الْأَب , فَإِنْ مَاتَ فَالْجَدّ , ثُمَّ أَب أَب الْجَدّ ; لِأَنَّهُمْ كُلّهمْ آبَاء . وَالْوِلَايَة بَعْد الْجَدّ لِلْإِخْوَةِ , ثُمَّ الْأَقْرَب . وَقَالَ الْمُزَنِيّ : قَالَ فِي الْجَدِيد : مَنْ اِنْفَرَدَ بِأُمٍّ كَانَ أَوْلَى بِالنِّكَاحِ , كَالْمِيرَاثِ . وَقَالَ فِي الْقَدِيم : هُمَا سَوَاء . قُلْت : وَرَوَى الْمَدَنِيُّونَ عَنْ مَالِك مِثْل قَوْل الشَّافِعِيّ , وَأَنَّ الْأَب أَوْلَى مِنْ الِابْن , وَهُوَ أَحَد قَوْلَيْ أَبِي حَنِيفَة , حَكَاهُ الْبَاجِيّ . وَرُوِيَ عَنْ الْمُغِيرَة أَنَّهُ قَالَ : " الْجَدّ أَوْلَى مِنْ الْإِخْوَة " , وَالْمَشْهُور مِنْ الْمَذْهَب مَا قَدَّمْنَاهُ . وَقَالَ أَحْمَد : أَحَقّهمْ بِالْمَرْأَةِ أَنْ يُزَوِّجهَا أَبُوهَا , ثُمَّ الِابْن , ثُمَّ الْأَخ , ثُمَّ اِبْنه , ثُمَّ الْعَمّ . وَقَالَ إِسْحَاق : الِابْن أَوْلَى مِنْ الْأَب , كَمَا قَالَهُ مَالِك , وَاخْتَارَهُ اِبْن الْمُنْذِر ; لِأَنَّ عُمَر اِبْن أُمّ سَلَمَة زَوَّجَهَا بِإِذْنِهَا مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قُلْت : أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ عَنْ أُمّ سَلَمَة وَتَرْجَمَ لَهُ ( إِنْكَاح الِابْن أُمّه ) . قُلْت : وَكَثِيرًا مَا يُسْتَدَلّ بِهَذَا عُلَمَاؤُنَا وَلَيْسَ بِشَيْءٍ , وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ مَا ثَبَتَ فِي الصِّحَاح أَنَّ عُمَر بْن أَبِي سَلَمَة قَالَ : كُنْت غُلَامًا فِي حِجْر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَتْ يَدَيَّ تَطِيش فِي الصَّحْفَة , فَقَالَ : ( يَا غُلَام سَمِّ اللَّه وَكُلْ بِيَمِينِك وَكُلْ مِمَّا يَلِيك ) . وَقَالَ أَبُو عُمَر فِي كِتَاب الِاسْتِيعَاب : عُمَر بْن أَبِي سَلَمَة يُكَنَّى أَبَا حَفْص , وُلِدَ فِي السَّنَة الثَّانِيَة مِنْ الْهِجْرَة بِأَرْضِ الْحَبَشَة . وَقِيلَ : إِنَّهُ كَانَ يَوْم قُبِضَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِبْن تِسْع سِنِينَ . قُلْت : وَمَنْ كَانَ سِنّه هَذَا لَا يَصْلُح أَنْ يَكُون وَلِيًّا , وَلَكِنْ ذَكَرَ أَبُو عُمَر أَنَّ لِأَبِي سَلَمَة مِنْ أُمّ سَلَمَة اِبْنًا آخَر اِسْمه سَلَمَة , وَهُوَ الَّذِي عَقَدَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُمّه أُمّ سَلَمَة , وَكَانَ سَلَمَة أَسَنّ مِنْ أَخِيهِ عُمَر بْن أَبِي سَلَمَة , وَلَا أَحْفَظ لَهُ رِوَايَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ رَوَى عَنْهُ عُمَر أَخُوهُ .

وَاخْتَلَفُوا فِي الرَّجُل يُزَوِّج الْمَرْأَة الْأَبْعَد مِنْ الْأَوْلِيَاء - كَذَا وَقَعَ , وَالْأَقْرَب عِبَارَة أَنْ يُقَال : اُخْتُلِفَ فِي الْمَرْأَة يُزَوِّجهَا مِنْ أَوْلِيَائِهَا الْأَبْعَد وَالْأَقْعَد حَاضِر , فَقَالَ الشَّافِعِيّ : النِّكَاح بَاطِل . وَقَالَ مَالِك : النِّكَاح جَائِز . قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : إِنْ لَمْ يُنْكِر الْأَقْعَد شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَلَا رَدَّهُ نَفَذَ , وَإِنْ أَنْكَرَهُ وَهِيَ ثَيِّب أَوْ بِكْر بَالِغ يَتِيمَة وَلَا وَصِيّ لَهَا فَقَدْ اِخْتَلَفَ قَوْل مَالِك وَأَصْحَابه وَجَمَاعَة مِنْ أَهْل الْمَدِينَة فِي ذَلِكَ , فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ : لَا يُرَدّ ذَلِكَ وَيَنْفُذ , لِأَنَّهُ نِكَاح اِنْعَقَدَ بِإِذْنِ وَلِيّ مِنْ الْفَخِذ وَالْعَشِيرَة . وَمَنْ قَالَ هَذَا مِنْهُمْ لَا يَنْفُذ قَالَ : إِنَّمَا جَاءَتْ الرُّتْبَة فِي الْأَوْلِيَاء عَلَى الْأَفْضَل وَالْأَوْلَى , وَذَلِكَ مُسْتَحَبّ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ . وَهَذَا تَحْصِيل مَذْهَب مَالِك عِنْد أَكْثَر أَصْحَابه , وَإِيَّاهُ اِخْتَارَ إِسْمَاعِيل بْن إِسْحَاق وَأَتْبَاعه . وَقِيلَ : يَنْظُر السُّلْطَان فِي ذَلِكَ وَيَسْأَل الْوَلِيّ الْأَقْرَب عَلَى مَا يُنْكِرهُ , ثُمَّ إِنْ رَأَى إِمْضَاءَهُ أَمْضَاهُ , وَإِنْ رَأَى أَنْ يَرُدّهُ رَدَّهُ . وَقِيلَ : بَلْ لِلْأَقْعَدِ رَدّه عَلَى كُلّ حَال ; لِأَنَّهُ حَقّ لَهُ . وَقِيلَ : لَهُ رَدّه وَإِجَازَته مَا لَمْ يَطُلْ مُكْثهَا وَتَلِد الْأَوْلَاد , وَهَذِهِ كُلّهَا أَقَاوِيل أَهْل الْمَدِينَة . فَلَوْ كَانَ الْوَلِيّ الْأَقْرَب مَحْبُوسًا أَوْ سَفِيهًا زَوَّجَهَا مَنْ يَلِيه مِنْ أَوْلِيَائِهَا , وَعُدَّ كَالْمَيِّتِ مِنْهُمْ , وَكَذَلِكَ إِذَا غَابَ الْأَقْرَب مِنْ أَوْلِيَائِهَا غَيْبَة بَعِيدَة أَوْ غَيْبَة لَا يُرْجَى لَهَا أَوْبَة سَرِيعَة زَوَّجَهَا مَنْ يَلِيه مِنْ الْأَوْلِيَاء . وَقَدْ قِيلَ : إِذَا غَابَ أَقْرَب أَوْلِيَائِهَا لَمْ يَكُنْ لِلَّذِي يَلِيه تَزْوِيجهَا , وَيُزَوِّجهَا الْحَاكِم , وَالْأَوَّل قَوْل مَالِك . وَإِذَا كَانَ الْوَلِيَّانِ قَدْ اِسْتَوَيَا فِي الْقُعْدُد وَغَابَ أَحَدهمَا وَفَوَّضَتْ الْمَرْأَة عَقْد نِكَاحهَا إِلَى الْحَاضِر لَمْ يَكُنْ لِلْغَائِبِ إِنْ قَدِمَ نُكْرَتُهُ . وَإِنْ كَانَا حَاضِرَيْنِ فَفَوَّضَتْ أَمْرهَا إِلَى أَحَدهمَا لَمْ يُزَوِّجهَا إِلَّا بِإِذْنِ صَاحِبه , فَإِنْ اِخْتَلَفَا نَظَرَ الْحَاكِم فِي ذَلِكَ , وَأَجَازَ عَلَيْهَا رَأْي أَحْسَنهمَا نَظَرًا لَهَا , رَوَاهُ اِبْن وَهْب عَنْ مَالِك . وَأَمَّا الشَّهَادَة عَلَى النِّكَاح فَلَيْسَتْ بِرُكْنٍ عِنْد مَالِك وَأَصْحَابه , وَيَكْفِي مِنْ ذَلِكَ شُهْرَته وَالْإِعْلَان بِهِ , وَخَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُون نِكَاح سِرّ . قَالَ اِبْن الْقَاسِم عَنْ مَالِك : لَوْ زَوَّجَ بِبَيِّنَةٍ , وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَكْتُمُوا ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ النِّكَاح ; لِأَنَّهُ نِكَاح سِرّ . وَإِنْ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ بَيِّنَة عَلَى غَيْر اِسْتِسْرَار جَازَ , وَأَشْهَدَا فِيمَا يَسْتَقْبِلَانِ . وَرَوَى اِبْن وَهْب عَنْ مَالِك فِي الرَّجُل يَتَزَوَّج الْمَرْأَة بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ وَيَسْتَكْتِمهُمَا قَالَ : يُفَرَّق بَيْنهمَا بِتَطْلِيقَةٍ وَلَا يَجُوز النِّكَاح , وَلَهَا صَدَاقهَا إِنْ كَانَ أَصَابَهَا , وَلَا يُعَاقَب الشَّاهِدَانِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأَصْحَابهمَا : إِذَا تَزَوَّجَهَا بِشَاهِدَيْنِ وَقَالَ لَهُمَا : اُكْتُمَا جَازَ النِّكَاح . قَالَ أَبُو عُمَر : وَهَذَا قَوْل يَحْيَى بْن يَحْيَى اللَّيْثِيّ الْأَنْدَلُسِيّ صَاحِبنَا , قَالَ : كُلّ نِكَاح شَهِدَ عَلَيْهِ رَجُلَانِ فَقَدْ خَرَجَ مِنْ حَدّ السِّرّ , وَأَظُنّهُ حَكَاهُ عَنْ اللَّيْث بْن سَعْد . وَالسِّرّ عِنْد الشَّافِعِيّ وَالْكُوفِيِّينَ وَمَنْ تَابَعَهُمْ : كُلّ نِكَاح لَمْ يَشْهَد عَلَيْهِ رَجُلَانِ فَصَاعِدًا , وَيُفْسَخ عَلَى كُلّ حَال . قُلْت : قَوْل الشَّافِعِيّ أَصَحّ لِلْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : ( لَا نِكَاح إِلَّا بِشَاهِدَيْ عَدْل وَوَلِيّ مُرْشِد ) , وَلَا مُخَالِف لَهُ مِنْ الصَّحَابَة فِيمَا عَلِمْته . وَاحْتَجَّ مَالِك لِمَذْهَبِهِ أَنَّ الْبُيُوع الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّه تَعَالَى فِيهَا الْإِشْهَاد عِنْد الْعَقْد , وَقَدْ قَامَتْ الدَّلَالَة بِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ فَرَائِض الْبُيُوع . وَالنِّكَاح الَّذِي لَمْ يَذْكُر اللَّه تَعَالَى فِيهِ الْأَشْهَاد أَحْرَى بِأَلَّا يَكُون الْإِشْهَاد فِيهِ مِنْ شُرُوطه وَفَرَائِضه , وَإِنَّمَا الْغَرَض الْإِعْلَان وَالظُّهُور لِحِفْظِ الْأَنْسَاب . وَالْإِشْهَاد يَصْلُح بَعْد الْعَقْد لِلتَّدَاعِي وَالِاخْتِلَاف فِيمَا يَنْعَقِد بَيْن الْمُتَنَاكِحِينَ , وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( أَعْلِنُوا النِّكَاح ) . وَقَوْل مَالِك هَذَا قَوْل اِبْن شِهَاب وَأَكْثَر أَهْل الْمَدِينَة . " وَلَعَبْد مُؤْمِن " أَيْ مَمْلُوك " خَيْر مِنْ مُشْرِك " أَيْ حَسِيب . " وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ " أَيْ حَسَبه وَمَاله , حَسَب مَا تَقَدَّمَ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • كشف الشبهات في التوحيد

    كشف الشبهات: رسالة نفيسة كتبها الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - وهي عبارة عن سلسلة شبهات للمشركين وتفنيدها وإبطالها، وفيها بيان توحيد العبادة وتوحيد الألوهية الذي هو حق الله على العباد، وفيها بيان الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية والعبادة.

    الناشر: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1875

    التحميل:

  • رمضانيات من الكتاب والسنة

    رمضانيات من الكتاب والسنة : يحتوي هذا الكتاب على عدة موضوعات منها: - استقبال المسلمين لشهر رمضان. - منهج الإسلام في تشريع الصيام. - قيام رمضان.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/231265

    التحميل:

  • توضيح مقاصد العقيدة الواسطية

    العقيدة الواسطية : رسالة نفيسة لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ذكر فيها جمهور مسائل أصول الدين، ومنهج أهل السنة والجماعة في مصادر التلقي التي يعتمدون عليها في العقائد؛ لذا احتلت مكانة كبيرة بين علماء أهل السنة وطلبة العلم، لما لها من مميزات عدة من حيث اختصار ألفاظها ودقة معانيها وسهولة أسلوبها، وأيضاً ما تميزت به من جمع أدلة أصول الدين العقلية والنقلية؛ لذلك حرص العلماء وطلبة العلم على شرحها وبيان معانيها، ومن هذه الشروح شرح فضيلة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك - حفظه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/311363

    التحميل:

  • أمنيات الموتى

    أمنيات الموتى : فإن لكل إنسان في هذه الحياة أمان كثيرة ومتعددة، وتتفاوت هذه الأماني وتتباين وفقا لاعتبارات عديدة، منها: البيئة التي يعيش فيها الفرد، والفكر الذي تربى عليه، والأقران الذين يحيطون به. ومع هذه الأماني المتباينة لهؤلاء الناس، فإن الجميع تراهم يسعون ويكدحون طوال حياتهم، لتحويل أحلامهم وأمنياتهم إلى واقع، وقد يوفقهم الله تعالى إلى تحقيقها متى بذلوا أسباب ذلك. ولكن هناك فئة من الناس لا يمكنهم تحقيق أمنياتهم، ولا يُنظر في طلباتهم، فمن هم يا ترى؟ ولماذا لا تُحقق أمنياتهم؟ وهل يمكننا مساعدتهم أو تخفيف لوعاتهم؟ أما عن هذه الفئة التي لا يمكنهم تحقيق أمنياتهم، فهم ممن أصبحوا رهائن ذنوب لا يطلقون، وغرباء سفر لا ينتظرون، إنهم الأموات ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فماذا يتمنى الأموات يا ترى؟ ومن يا ترى يستطيع أن يُحدِّثنا عن أمنياتهم، وقد انقطع عنا خبرهم، واندرس ذكرهم؟

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/291299

    التحميل:

  • هل العهد الجديد كلمة الله؟

    هل العهد الجديد كلمة الله؟ : المسيحية تؤمن أن أسفار العهد الجديد هي كلمة الله التي كتبها رجال الله القديسون بإلهام من الروح القدس، وفي هذه الرسالة إجابة على هذا السؤال هل تؤيد الشواهد العلمية والأدلة التاريخية بل والنصوص الكتابية، ما قاله القرآن عن تحريف هذه الكتب وزور نسبتها إلى الله أم أن العهد الجديد سلم من التحريف والتبديل والعبث البشري كما يؤمن النصارى؟

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/228824

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة