Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 220

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۗ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ ۖ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ ۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220) (البقرة) mp3
قِيلَ : فِي الْكَلَام تَقْدِيم وَتَأْخِير , أَيْ كَذَلِكَ يُبَيِّن اللَّه لَكُمْ الْآيَات فِي أَمْر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَزَوَالهَا وَفَنَائِهَا فَتَزْهَدُونَ فِيهَا , وَفِي إِقْبَال الْآخِرَة وَبَقَائِهَا فَتَرْغَبُونَ فِيهَا .

قَوْله تَعَالَى : " وَيَسْأَلُونَك عَنْ الْيَتَامَى " إِلَى قَوْله " حَكِيم " رَوَى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : ( لَمَّا أَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : " وَلَا تَقْرَبُوا مَال الْيَتِيم إِلَّا بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَن " [ الْأَنْعَام : 152 ] و " إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا " [ النِّسَاء : 10 ] الْآيَة , اِنْطَلَقَ مَنْ كَانَ عِنْده يَتِيم فَعَزَلَ طَعَامه مِنْ طَعَامه وَشَرَابه مِنْ شَرَابه فَجَعَلَ يُفْضِل مِنْ طَعَامه فَيَحْبِس لَهُ , حَتَّى يَأْكُلهُ أَوْ يَفْسُد , فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ , فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : " وَيَسْأَلُونَك عَنْ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاح لَهُمْ خَيْر " الْآيَة , فَخَلَطُوا طَعَامهمْ بِطَعَامِهِ وَشَرَابهمْ بِشَرَابِهِ ) , لَفْظ أَبِي دَاوُد . وَالْآيَة مُتَّصِلَة بِمَا قَبْل ; لِأَنَّهُ اِقْتَرَنَ بِذِكْرِ الْأَمْوَال الْأَمْر بِحِفْظِ أَمْوَال الْيَتَامَى . وَقِيلَ : إِنَّ السَّائِل عَبْد اللَّه بْن رَوَاحَة . وَقِيلَ : كَانَتْ الْعَرَب تَتَشَاءَم بِمُلَابَسَةِ أَمْوَال الْيَتَامَى فِي مُؤَاكَلَتهمْ , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة .

لَمَّا أَذِنَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ فِي مُخَالَطَة الْأَيْتَام مَعَ قَصْد الْإِصْلَاح بِالنَّظَرِ إِلَيْهِمْ وَفِيهِمْ كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى جَوَاز التَّصَرُّف فِي مَال الْيَتِيم , تَصَرُّف الْوَصِيّ فِي الْبَيْع وَالْقِسْمَة وَغَيْر ذَلِكَ , عَلَى الْإِطْلَاق لِهَذِهِ الْآيَة . فَإِذَا كَفَلَ الرَّجُل الْيَتِيم وَحَازَهُ وَكَانَ فِي نَظَره جَازَ عَلَيْهِ فِعْله وَإِنْ لَمْ يُقَدِّمهُ وَالٍ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْآيَة مُطْلَقَة وَالْكَفَالَة وِلَايَة عَامَّة . لَمْ يُؤْثَر عَنْ أَحَد مِنْ الْخُلَفَاء أَنَّهُ قَدَّمَ أَحَدًا عَلَى يَتِيم مَعَ وُجُودهمْ فِي أَزْمِنَتهمْ , وَإِنَّمَا كَانُوا يَقْتَصِرُونَ عَلَى كَوْنهمْ عِنْدهمْ .

تَوَاتَرَتْ الْآثَار فِي دَفْع مَال الْيَتِيم مُضَارَبَة وَالتِّجَارَة فِيهِ , وَفِي جَوَاز خَلْط مَاله بِمَالِهِ دَلَالَة عَلَى جَوَاز التَّصَرُّف فِي مَاله بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاء إِذَا وَافَقَ الصَّلَاح , وَجَوَاز دَفْعه مُضَارَبَة , إِلَى غَيْر ذَلِكَ عَلَى مَا نَذْكُرهُ مُبَيَّنًا . وَاخْتُلِفَ فِي عَمَله هُوَ قِرَاضًا , فَمَنَعَهُ أَشْهَب , وَقَاسَهُ عَلَى مَنْعه مِنْ أَنْ يَبِيع لَهُمْ مِنْ نَفْسه أَوْ يَشْتَرِي لَهَا . وَقَالَ غَيْره : إِذَا أَخَذَهُ عَلَى جُزْء مِنْ الرِّبْح بِنِسْبَةِ قِرَاض مِثْله فِيهِ أُمْضِيَ , كَشِرَائِهِ شَيْئًا لِلْيَتِيمِ بِتَعَقُّبٍ فَيَكُون أَحْسَن لِلْيَتِيمِ . قَالَ مُحَمَّد بْن عَبْد الْحَكَم : وَلَهُ أَنْ يَبِيع لَهُ بِالدَّيْنِ إِنْ رَأَى ذَلِكَ نَظَرًا . قَالَ اِبْن كِنَانَة : وَلَهُ أَنْ يُنْفِق فِي عُرْس الْيَتِيم مَا يَصْلُح مِنْ صَنِيع وَطِيب , وَمَصْلَحَته بِقَدْرِ حَاله وَحَال مَنْ يُزَوِّج إِلَيْهِ , وَبِقَدْرِ كَثْرَة مَاله . قَالَ : وَكَذَلِكَ فِي خِتَانه , فَإِنْ خَشِيَ أَنْ يُتَّهَم رَفَعَ ذَلِكَ إِلَى السُّلْطَان فَيَأْمُرهُ بِالْقَصْدِ , وَكُلّ مَا فَعَلَهُ عَلَى وَجْه النَّظَر فَهُوَ جَائِز , وَمَا فَعَلَهُ عَلَى وَجْه الْمُحَابَاة وَسُوء النَّظَر فَلَا يَجُوز . وَدَلَّ الظَّاهِر عَلَى أَنَّ وَلِيّ الْيَتِيم يُعَلِّمهُ أَمْر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة , وَيَسْتَأْجِر لَهُ وَيُؤَاجِرهُ مِمَّنْ يُعَلِّمهُ الصِّنَاعَات . وَإِذَا وُهِبَ لِلْيَتِيمِ شَيْء فَلِلْوَصِيِّ أَنْ يَقْبِضهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِصْلَاح . وَسَيَأْتِي لِهَذَا مَزِيد بَيَان فِي " النِّسَاء " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .

وَلِمَا يُنْفِقهُ الْوَصِيّ وَالْكَفِيل مِنْ مَال الْيَتِيم حَالَتَانِ : حَال يُمْكِنهُ الْإِشْهَاد عَلَيْهِ , فَلَا يُقْبَل قَوْله إِلَّا بِبَيِّنَةٍ . وَحَالَة لَا يُمْكِنهُ الْإِشْهَاد عَلَيْهِ فَقَوْله مَقْبُول بِغَيْرِ بَيِّنَة , فَمَهْمَا اِشْتَرَى مِنْ الْعَقَار وَمَا جَرَتْ الْعَادَة بِالتَّوَثُّقِ فِيهِ لَمْ يُقْبَل قَوْله بِغَيْرِ بَيِّنَة . قَالَ اِبْن خُوَيْز مَنْدَاد : وَلِذَلِكَ فَرَّقَ أَصْحَابنَا بَيْن أَنْ يَكُون الْيَتِيم فِي دَار الْوَصِيّ يُنْفِق عَلَيْهِ فَلَا يُكَلَّف الْإِشْهَاد عَلَى نَفَقَته وَكِسْوَته ; لِأَنَّهُ يَتَعَذَّر عَلَيْهِ الْإِشْهَاد عَلَى مَا يَأْكُلهُ وَيَلْبَسهُ فِي كُلّ وَقْت , وَلَكِنْ إِذَا قَالَ : أَنْفَقْت نَفَقَة لِسَنَةٍ قُبِلَ مِنْهُ , وَبَيْن أَنْ يَكُون عِنْد أُمّه أَوْ حَاضِنَته فَيَدَّعِي الْوَصِيّ أَنَّهُ كَانَ يُنْفِق عَلَيْهِ , أَوْ كَانَ يُعْطِي الْأُمّ أَوْ الْحَاضِنَة النَّفَقَة وَالْكِسْوَة فَلَا يُقْبَل قَوْله عَلَى الْأُمّ أَوْ الْحَاضِنَة إِلَّا بِبَيِّنَةٍ أَنَّهَا كَانَتْ تَقْبِض ذَلِكَ لَهُ مُشَاهَرَة أَوْ مُسَانَاة .

وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الرَّجُل يُنْكِح نَفْسه مِنْ يَتِيمَته , وَهَلْ لَهُ أَنْ يَشْتَرِي لِنَفْسِهِ مِنْ مَال يَتِيمه أَوْ يَتِيمَته ؟ فَقَالَ مَالِك : وِلَايَة النِّكَاح بِالْكَفَالَةِ وَالْحَضَانَة أَقْوَى مِنْهَا بِالْقَرَابَةِ , حَتَّى قَالَ فِي الْأَعْرَاب الَّذِينَ يُسَلِّمُونَ أَوْلَادهمْ فِي أَيَّام الْمَجَاعَة : إِنَّهُمْ يَنْكِحُونَهُمْ إِنْكَاحهمْ , فَأَمَّا إِنْكَاح الْكَافِل وَالْحَاضِن لِنَفْسِهِ فَيَأْتِي فِي " النِّسَاء " بَيَانه , إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَأَمَّا الشِّرَاء مِنْهُ فَقَالَ مَالِك : يَشْتَرِي فِي مَشْهُور الْأَقْوَال , وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَة : لَهُ أَنْ يَشْتَرِي مَال الطِّفْل الْيَتِيم لِنَفْسِهِ بِأَكْثَر مِنْ ثَمَن الْمِثْل ; لِأَنَّهُ إِصْلَاح دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِر الْقُرْآن . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : لَا يَجُوز ذَلِكَ فِي النِّكَاح وَلَا فِي الْبَيْع , لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُر فِي الْآيَة التَّصَرُّف , بَلْ قَالَ : " إِصْلَاح لَهُمْ خَيْر " مِنْ غَيْر أَنْ يَذْكُر فِيهِ الَّذِي يَجُوز لَهُ النَّظَر . وَأَبُو حَنِيفَة يَقُول : إِذَا كَانَ الْإِصْلَاح خَيْرًا فَيَجُوز تَزْوِيجه وَيَجُوز أَنْ يُزَوَّج مِنْهُ . وَالشَّافِعِيّ لَا يَرَى فِي التَّزْوِيج إِصْلَاحًا إِلَّا مِنْ جِهَة دَفْع الْحَاجَة , وَلَا حَاجَة قَبْل الْبُلُوغ . وَأَحْمَد بْن حَنْبَل يُجَوِّز لِلْوَصِيِّ التَّزْوِيج لِأَنَّهُ إِصْلَاح . وَالشَّافِعِيّ يُجَوِّز لِلْجَدِّ التَّزْوِيج مَعَ الْوَصِيّ , وَلِلْأَبِ فِي حَقّ وَلَده الَّذِي مَاتَتْ أُمّه لَا بِحُكْمِ هَذِهِ الْآيَة . وَأَبُو حَنِيفَة يُجَوِّز لِلْقَاضِي تَزْوِيج الْيَتِيم بِظَاهِرِ الْقُرْآن . وَهَذِهِ الْمَذَاهِب نَشَأَتْ مِنْ هَذِهِ الْآيَة , فَإِنْ ثَبَتَ كَوْن التَّزْوِيج إِصْلَاحًا فَظَاهِر الْآيَة يَقْتَضِي جَوَازه . وَيَجُوز أَنْ يَكُون مَعْنَى قَوْله تَعَالَى : " وَيَسْأَلُونَك عَنْ الْيَتَامَى " أَيْ يَسْأَلك الْقِوَام عَلَى الْيَتَامَى الْكَافِلُونَ لَهُمْ , وَذَلِكَ مُجْمَل لَا يُعْلَم مِنْهُ عَيْن الْكَافِل وَالْقَيِّم وَمَا يُشْتَرَط فِيهِ مِنْ الْأَوْصَاف . فَإِنْ قِيلَ : يَلْزَم تَرْك مَالِك أَصْله فِي التُّهْمَة وَالذَّرَائِع إِذْ جُوِّزَ لَهُ الشِّرَاء مِنْ يَتِيمه , فَالْجَوَاب أَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَم , وَإِنَّمَا يَكُون ذَلِكَ ذَرِيعَة فِيمَا يُؤَدَّى مِنْ الْأَفْعَال الْمَحْظُورَة إِلَى مَحْظُورَة مَنْصُوص عَلَيْهَا , وَأَمَّا هَاهُنَا فَقَدْ أَذِنَ اللَّه سُبْحَانه فِي صُورَة الْمُخَالَطَة , وَوَكَلَ الْحَاضِنِينَ فِي ذَلِكَ إِلَى أَمَانَتهمْ بِقَوْلِهِ : " وَاَللَّه يَعْلَم الْمُفْسِد مِنْ الْمُصْلِح " وَكُلّ أَمْر مَخُوف وَكَلَ اللَّه سُبْحَانه الْمُكَلَّف إِلَى أَمَانَته لَا يُقَال فِيهِ : إِنَّهُ يَتَذَرَّع إِلَى مَحْظُور بِهِ فَيُمْنَع مِنْهُ , كَمَا جَعَلَ اللَّه النِّسَاء مُؤْتَمَنَات عَلَى فُرُوجهنَّ , مَعَ عَظِيم مَا يَتَرَتَّب عَلَى قَوْلهنَّ فِي ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَام , وَيَرْتَبِط بِهِ مِنْ الْحِلّ وَالْحُرْمَة وَالْأَنْسَاب , وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكْذِبْنَ . وَكَانَ طَاوُس إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْء مِنْ أَمْر الْيَتَامَى قَرَأَ : " وَاَللَّه يَعْلَم الْمُفْسِد مِنْ الْمُصْلِح " . وَكَانَ اِبْن سِيرِينَ أَحَبّ الْأَشْيَاء إِلَيْهِ فِي مَال الْيَتِيم أَنْ يَجْتَمِع نُصَحَاؤُهُ فَيَنْظُرُونَ الَّذِي هُوَ خَيْر لَهُ , ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ . وَفِي هَذَا دَلَالَة عَلَى جَوَاز الشِّرَاء مِنْهُ لِنَفْسِهِ , كَمَا ذَكَرْنَا . وَالْقَوْل الْآخَر أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْوَلِيِّ أَنْ يَشْتَرِي مِمَّا تَحْت يَده شَيْئًا , لِمَا يَلْحَقهُ فِي ذَلِكَ مِنْ التُّهْمَة إِلَّا أَنْ يَكُون الْبَيْع فِي ذَلِكَ بَيْع سُلْطَان فِي مَلَإٍ مِنْ النَّاس . وَقَالَ مُحَمَّد بْن عَبْد الْحَكَم : لَا يَشْتَرِي مِنْ التَّرِكَة , وَلَا بَأْس أَنْ يَدُسّ مَنْ يَشْتَرِي لَهُ مِنْهَا إِذَا لَمْ يَعْلَم أَنَّهُ مِنْ قِبَله .

قَوْله تَعَالَى : " وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانكُمْ " هَذِهِ الْمُخَالَطَة كَخَلْطِ الْمِثْل بِالْمِثْلِ كَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْد : مُخَالَطَة الْيَتَامَى أَنْ يَكُون لِأَحَدِهِمْ الْمَال وَيَشُقّ عَلَى كَافِله أَنْ يُفْرِد طَعَامه عَنْهُ , وَلَا يَجِد بُدًّا مِنْ خَلْطه بِعِيَالِهِ فَيَأْخُذ مِنْ مَال الْيَتِيم مَا يَرَى أَنَّهُ كَافِيه بِالتَّحَرِّي فَيَجْعَلهُ مَعَ نَفَقَة أَهْله , وَهَذَا قَدْ يَقَع فِيهِ الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان , فَجَاءَتْ هَذِهِ الْآيَة النَّاسِخَة بِالرُّخْصَةِ فِيهِ . قَالَ أَبُو عُبَيْد : وَهَذَا عِنْدِي أَصْل لِمَا يَفْعَلهُ الرُّفَقَاء فِي الْأَسْفَار فَإِنَّهُمْ يَتَخَارَجُونَ النَّفَقَات بَيْنهمْ بِالسَّوِيَّةِ , وَقَدْ يَتَفَاوَتُونَ فِي قِلَّة الْمَطْعَم وَكَثْرَته , وَلَيْسَ كُلّ مَنْ قَلَّ مَطْعَمه تَطِيب نَفْسه بِالتَّفَضُّلِ عَلَى رَفِيقه , فَلَمَّا كَانَ هَذَا فِي أَمْوَال الْيَتَامَى وَاسِعًا كَانَ فِي غَيْرهمْ أَوْسَع , وَلَوْلَا ذَلِكَ لَخِفْت أَنْ يُضَيَّق فِيهِ الْأَمْر عَلَى النَّاس .

قَوْله تَعَالَى : " فَإِخْوَانكُمْ " خَبَر لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوف , أَيْ فَهُمْ إِخْوَانكُمْ , وَالْفَاء جَوَاب الشَّرْط . وَقَوْله تَعَالَى : " وَاَللَّه يَعْلَم الْمُفْسِد مِنْ الْمُصْلِح " تَحْذِير , أَيْ يَعْلَم الْمُفْسِد لِأَمْوَالِ الْيَتَامَى مِنْ الْمُصْلِح لَهَا , فَيُجَازِي كُلًّا عَلَى إِصْلَاحه وَإِفْسَاده .


رَوَى الْحَكَم عَنْ مِقْسَم عَنْ اِبْن عَبَّاس : " وَلَوْ شَاءَ اللَّه لَأَعْنَتَكُمْ " قَالَ : ( لَوْ شَاءَ لَجَعَلَ مَا أَصَبْتُمْ مِنْ أَمْوَال الْيَتَامَى مُوبِقًا ) . وَقِيلَ : " لَأَعْنَتَكُمْ " لَأَهْلَكَكُمْ , عَنْ الزَّجَّاج وَأَبِي عُبَيْدَة . وَقَالَ الْقُتَبِيّ : لَضَيَّقَ عَلَيْكُمْ وَشَدَّدَ , وَلَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ إِلَّا التَّسْهِيل عَلَيْكُمْ . وَقِيلَ : أَيْ لَكَلَّفَكُمْ مَا يَشْتَدّ عَلَيْكُمْ أَدَاؤُهُ وَأَثَّمَكُمْ فِي مُخَالَطَتهمْ , كَمَا فَعَلَ بِمَنْ كَانَ قَبْلكُمْ , وَلَكِنَّهُ خَفَّفَ عَنْكُمْ . وَالْعَنَت : الْمَشَقَّة , وَقَدْ عَنِتَ وَأَعْنَتَهُ غَيْره . وَيُقَال لِلْعَظْمِ الْمَجْبُور إِذَا أَصَابَهُ شَيْء فَهَاضَهُ : قَدْ أَعْنَتَهُ , فَهُوَ عَنِت وَمُعْنِت . وَعَنِتَتْ الدَّابَّة تَعْنَت عَنَتًا : إِذَا حَدَثَ فِي قَوَائِمهَا كَسْر بَعْد جَبْر لَا يُمْكِنهَا مَعَهُ جَرْي . وَأَكَمَة عَنُوت : شَاقَّة الْمَصْعَد . وَقَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ : أَصْل الْعَنَت التَّشْدِيد , فَإِذَا قَالَتْ الْعَرَب : فُلَان يَتَعَنَّت فُلَانًا وَيُعْنِتهُ فَمُرَادهَا يُشَدِّد عَلَيْهِ وَيُلْزِمهُ مَا يَصْعُب عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ , ثُمَّ نُقِلَتْ إِلَى مَعْنَى الْهَلَاك . وَالْأَصْل مَا وَصَفْنَا .


أَيْ لَا يَمْتَنِع عَلَيْهِ شَيْء .


يَتَصَرَّف فِي مُلْكه بِمَا يُرِيد لَا حَجْر عَلَيْهِ , جَلَّ وَتَعَالَى عُلُوًّا كَبِيرًا .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • توحيد الكلمة على كلمة التوحيد

    توحيد الكلمة على كلمة التوحيد: رسالة مختصرة تبين أن الطريق الوحيد لوحدة صف المسلمين هو جمعهم على كلمة التوحيد.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/314874

    التحميل:

  • الحج .. آداب وأسرار ومشاهد

    الحج .. آداب وأسرار ومشاهد : يحتوي هذا الكتاب على بيان بعض آداب الحج، ومنافعه ودروسه، وبيان بعض مشاهد الحج مثل مشهد التقوى، والمراقبة، والصبر، والشكر ... إلخ

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172674

    التحميل:

  • شرح كشف الشبهات [ خالد المصلح ]

    كشف الشبهات : رسالة نفيسة كتبها الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - وهي عبارة عن سلسلة شبهات للمشركين وتفنيدها وإبطالها، وفيها بيان توحيد العبادة وتوحيد الألوهية الذي هو حق الله على العباد، وفيها بيان الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية والعبادة، وقد قام عدد من أهل العلم بشرحها وبيان مقاصدها، وفي هذه الصفحة تفريغ للدروس التي ألقاها الشيخ خالد المصلح.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/305088

    التحميل:

  • صلة الأرحام في ضوء الكتاب والسنة

    صلة الأرحام في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في «صلة الأرحام» بيَّنت فيها مفهوم صلة الأرحام، لغةً واصطلاحًا، ومفهوم قطيعة الأرحام لغةً واصطلاحًا، ثم ذكرت الأدلة من الكتاب والسنة الدالة على وجوب صلة الأرحام، وتحريم قطيعة الأرحام».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/276147

    التحميل:

  • أحاديث دينية وثقافية في ضوء الكتاب والسنة

    أحاديث دينية وثقافية في ضوء الكتاب والسنة: قال المُصنِّف - رحمه الله -: «فهذه مجموعةٌ من الموضوعات العلمية، جعلتُها تحت عنوان: «أحاديث دينية وثقافية في ضوء الكتاب والسنة».

    الناشر: موقع الدكتور محمد محيسن http://www.mehesen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/384366

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة