Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 210

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (210) (البقرة) mp3
يَعْنِي التَّارِكِينَ الدُّخُول فِي السِّلْم , و " هَلْ " يُرَاد بِهِ هُنَا الْجَحْد , أَيْ مَا يَنْتَظِرُونَ .


نَظَرْته وَانْتَظَرْته بِمَعْنًى . وَالنَّظَر الِانْتِظَار . وَقَرَأَ قَتَادَة وَأَبُو جَعْفَر يَزِيد بْن الْقَعْقَاع وَالضَّحَّاك " فِي ظِلَالٍ مِنْ الْغَمَامِ " . وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَر " وَالْمَلَائِكَةِ " بِالْخَفْضِ عَطْفًا عَلَى الْغَمَام , وَتَقْدِيره مَعَ الْمَلَائِكَة , تَقُول الْعَرَب : أَقْبَلَ الْأَمِير فِي الْعَسْكَر , أَيْ مَعَ الْعَسْكَر . " ظُلَل " جَمْع ظُلَّة فِي التَّكْسِير , كَظُلْمَةٍ وَظُلَم وَفِي التَّسْلِيم ظُلُلَات , وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ : إِذَا الْوَحْش ضَمَّ الْوَحْش فِي ظُلُلَاتِهَا سَوَاقِط مِنْ حَرّ وَقَدْ كَانَ أَظْهَرَا وَظُلَّات وَظِلَال , جَمْع ظِلّ فِي الْكَثِير , وَالْقَلِيل أَظْلَال . وَيَجُوز أَنْ يَكُون ظِلَال جَمْع ظُلَّة , مِثْل قَوْله : قُلَّة وَقِلَال , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : مَمْزُوجَة بِمَاءِ الْقِلَال قَالَ الْأَخْفَش سَعِيد : و " الْمَلَائِكَةِ " بِالْخَفْضِ بِمَعْنًى وَفِي الْمَلَائِكَة . قَالَ : وَالرَّفْع أَجْوَد , كَمَا قَالَ : " هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ الْمَلَائِكَة " [ الْأَنْعَام : 158 ] , " وَجَاءَ رَبّك وَالْمَلَك صَفًّا صَفًّا " [ الْفَجْر : 22 ] . قَالَ الْفَرَّاء : وَفِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه : " هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمْ اللَّه وَالْمَلَائِكَة فِي ظُلَل مِنْ الْغَمَام " . قَالَ قَتَادَة : الْمَلَائِكَة يَعْنِي تَأْتِيهِمْ لِقَبْضِ أَرْوَاحهمْ , وَيُقَال يَوْم الْقِيَامَة , وَهُوَ أَظْهَر . قَالَ أَبُو الْعَالِيَة وَالرَّبِيع : تَأْتِيهِمْ الْمَلَائِكَة فِي ظُلَل مِنْ الْغَمَام , وَيَأْتِيهِمْ اللَّه فِيمَا شَاءَ . وَقَالَ الزَّجَّاج : التَّقْدِير فِي ظُلَل مِنْ الْغَمَام وَمِنْ الْمَلَائِكَة . وَقِيلَ : لَيْسَ الْكَلَام عَلَى ظَاهِره فِي حَقّه سُبْحَانه , وَإِنَّمَا الْمَعْنَى يَأْتِيهِمْ أَمْر اللَّه وَحُكْمه . وَقِيلَ : أَيْ بِمَا وَعَدَهُمْ مِنْ الْحِسَاب وَالْعَذَاب فِي ظُلَل , مِثْل : " فَأَتَاهُمْ اللَّه مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا " [ الْحَشْر : 2 ] أَيْ بِخِذْلَانِهِ إِيَّاهُمْ , هَذَا قَوْل الزَّجَّاج , وَالْأَوَّل قَوْل الْأَخْفَش سَعِيد . وَقَدْ يُحْتَمَل أَنْ يَكُون مَعْنَى الْإِتْيَان رَاجِعًا إِلَى الْجَزَاء , فَسَمَّى الْجَزَاء إِتْيَانًا كَمَا سَمَّى التَّخْوِيف وَالتَّعْذِيب فِي قِصَّة نُمْرُوذ إِتْيَانًا فَقَالَ : " فَأَتَى اللَّه بُنْيَانهمْ مِنْ الْقَوَاعِد فَخَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْف مِنْ فَوْقهمْ " [ النَّحْل : 26 ] . وَقَالَ فِي قِصَّة النَّضِير : " فَأَتَاهُمْ اللَّه مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبهمْ الرُّعْب " , وَقَالَ : " وَإِنْ كَانَ مِثْقَال حَبَّة مِنْ خَرْدَل أَتَيْنَا بِهَا " [ الْأَنْبِيَاء : 47 ] . وَإِنَّمَا اِحْتَمَلَ الْإِتْيَان هَذِهِ الْمَعَانِي لِأَنَّ أَصْل الْإِتْيَان عِنْد أَهْل اللُّغَة هُوَ الْقَصْد إِلَى الشَّيْء , فَمَعْنَى الْآيَة : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يُظْهِر اللَّه تَعَالَى فِعْلًا مِنْ الْأَفْعَال مَعَ خَلْق مِنْ خَلْقه يَقْصِد إِلَى مُجَازَاتهمْ وَيَقْضِي فِي أَمْرهمْ مَا هُوَ قَاضٍ , وَكَمَا أَنَّهُ سُبْحَانه أَحْدَثَ فِعْلًا سَمَّاهُ نُزُولًا وَاسْتِوَاء كَذَلِكَ يُحْدِث فِعْلًا يُسَمِّيه إِتْيَانًا , وَأَفْعَال بِلَا آلَة وَلَا عِلَّة , سُبْحَانه ! وَقَالَ اِبْن عَبَّاس فِي رِوَايَة أَبِي صَالِح : هَذَا مِنْ الْمَكْتُوم الَّذِي لَا يُفَسَّر . وَقَدْ سَكَتَ بَعْضهمْ عَنْ تَأْوِيلهَا , وَتَأَوَّلَهَا بَعْضهمْ كَمَا ذَكَرْنَا . وَقِيلَ : الْفَاء بِمَعْنَى الْبَاء , أَيْ يَأْتِيهِمْ بِظُلَلٍ , وَمِنْهُ الْحَدِيث : ( يَأْتِيهِمْ اللَّه فِي صُورَة ) أَيْ بِصُورَةٍ اِمْتِحَانًا لَهُمْ وَلَا يَجُوز أَنْ يُحْمَل هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ مِمَّا جَاءَ فِي الْقُرْآن وَالْخَبَر عَلَى وَجْه الِانْتِقَال وَالْحَرَكَة وَالزَّوَال ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ صِفَات الْأَجْرَام وَالْأَجْسَام , تَعَالَى اللَّه الْكَبِير الْمُتَعَال , ذُو الْجَلَال وَالْإِكْرَام عَنْ مُمَاثَلَة الْأَجْسَام عُلُوًّا كَبِيرًا . وَالْغَمَام : السَّحَاب الرَّقِيق الْأَبْيَض , سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَغُمّ , أَيْ يَسْتُر , كَمَا تَقَدَّمَ . وَقَرَأَ مُعَاذ بْن جَبَل : " وَقَضَاء الْأَمْر " . وَقَرَأَ يَحْيَى بْن يَعْمَر " وَقُضِيَ الْأُمُور " بِالْجَمْعِ . وَالْجُمْهُور " وَقُضِيَ الْأَمْر " فَالْمَعْنَى وَقَعَ الْجَزَاء وَعُذِّبَ أَهْل الْعِصْيَان . وَقَرَأَ اِبْن عَامِر وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ " تَرْجِع الْأُمُور " عَلَى بِنَاء الْفِعْل لِلْفَاعِلِ , وَهُوَ الْأَصْل , دَلِيله " أَلَا إِلَى اللَّه تَصِير الْأُمُور " [ الشُّورَى : 53 ] , " إِلَى اللَّه مَرْجِعُكُمْ " [ الْمَائِدَة : 48 و 105 ] . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ " تُرْجَع " عَلَى بِنَائِهِ لِلْمَفْعُولِ , وَهِيَ أَيْضًا قِرَاءَة حَسَنَة , دَلِيله " ثُمَّ تُرَدُّونَ " [ التَّوْبَة : 94 ] " ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّه " [ الْأَنْعَام : 62 ] , " وَلَئِنْ رُدِدْت إِلَى رَبِّي " [ الْكَهْف : 36 ] . وَالْقِرَاءَتَانِ حَسَنَتَانِ بِمَعْنًى , وَالْأَصْل الْأَوْلَى , وَبِنَاؤُهُ لِلْمَفْعُولِ تَوَسُّع وَفَرْع , وَالْأُمُور كُلّهَا رَاجِعَة إِلَى اللَّه قَبْل وَبَعْد . وَإِنَّمَا نَبَّهَ بِذِكْرِ ذَلِكَ فِي يَوْم الْقِيَامَة عَلَى زَوَال مَا كَانَ مِنْهَا إِلَى الْمُلُوك فِي الدُّنْيَا .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • أسرار ترتيب القرآن الكريم

    هذا الكتاب يحتوي على بيان أسرار ترتيب القرآن الكريم.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141393

    التحميل:

  • تعليقات على شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي مع بيان موارد الشرح

    العقيدة الطحاوية : متن مختصر صنفه العالم المحدِّث: أبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي، المتوفى سنة 321هـ، وهي عقيدةٌ موافقة في جُلِّ مباحثها لما يعتقده أهل الحديث والأثر، أهل السنة والجماعة، وقد ذَكَرَ عددٌ من أهل العلم أنَّ أتْبَاعَ أئمة المذاهب الأربعة ارتضوها؛ وذلك لأنها اشتملت على أصول الاعتقاد المُتَّفَقِ عليه بين أهل العلم، وذلك في الإجمال لأنَّ ثَمَّ مواضع اُنتُقِدَت عليه. وفي هذه الصفحة ملف يحتوي بحث مكون من قسمين؛ فالقسم الأول: تعليقات على شرح العقيدة الطحاوية، ويصل عددها إلى تسعة وأربعين تعليقاً، وغالبها تعليقات على كلام الشارح - رحمه الله -، وهذه التعليقات إما توضيح وبيان، أو استدراك وتعقيب، أو تصويب عبارة، أو استكمال مسألة، أو تخريج حديث أو أثر، ومنها تعليقات يسيرة على كلام الإمام الطحاوي - رحمه الله - وكذا تعليقات وتعقيبات يسيرة على كلام المحققين: د. عبد الله التركي والشيخ شعيب الأرناؤوط. وأما القسم الآخر فهو مصادر ابن أبي العز الحنفي في شرح العقيدة الطحاوية، ويصل عددها إلى سبع وثمانين ومائة إحالة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/322228

    التحميل:

  • رسالة في الرد على الرافضة

    رسالة في الرد على الرافضة : مختصر مفيد للشيخ محمد بن عبدالوهاب - تغمده الله بالرحمة والرضوان - في بعض قبائح الرافضة الذين رفضوا سنة حبيب الرحمن - صلى الله عليه وسلم - واتبعوا في غالب أمورهم خطوات الشيطان فضلوا وأضلوا عن كثير من موجبات الإيمان بالله وسعوا في البلاد بالفساد والطغيان يتولون أهل النيران ويعادون أصحاب الجنان نسأل الله العفو عن الافتتان من قبائحهم.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/264194

    التحميل:

  • المفيد على كتاب التوحيد

    المفيد على كتاب التوحيد : قال الشارح - أثابه الله - « ألَّف الشيخ - رحمه الله - هذا الكتاب - كتاب التوحيد -؛ لبيان حقيقة التوحيد وشُعَبه وفضائله، وحقوقه ومكملاته، وما يحصل به تحقيقه، ووجوب الدعوة إليه، والتنبيه على حقيقة الشرك وأنواعه كالأكبر والأصغر، والجلي والخفي، وبيان شُعَبـِه وخصاله وخطره، ووجوب الحذر منه كله، قليله وكثيره، دقيقه وجليله وذرائعه، والتنبيه على ذرائعه من البدع وأمور الجاهلية وكبائر الذنوب وغير ذلك من المحرمات التي تنافي التوحيد بالكلية، أو تنقص كماله الواجب، أو تقدح فيه وتضعفه. لذا فهذا الكتاب كتاب عظيم النفع، جليل القدر، غزير العلم، مبارك الأثر، لا يُعلم أنه سبق أن صُنِّف مثله في معناه رغم صغر حجمه؛ لكثرة فوائده وحسن تأثيره على متعلِّميه، فينبغي حفظه وفهمه، والعناية بدراسته، وتأمّل ما فيه من الآيات المحكمات، والأحاديث الصحيحات، والآثار المروية عن السلف الصالح؛ لما فيها من العلم النافع والترغيب في العمل الصالح والهدى المستقيم، والدلالة على توحيد الله تعالى والإخلاص لـه، والتنبيه على بطلان الشرك والبدع وسائر ما حرّم الله تعالى من أنواع ذلك وفروعه ووسائله وما يُوصل إليه ».

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/292933

    التحميل:

  • أخطاء في مفهوم الزواج

    أخطاء في مفهوم الزواج : إن مايفقد الزواج أهميته، وينزع منه بعض بركاته مايقع من أخطاء في مفهومه، ومايكون من تقصير في السبل الموصلة إليه، والحديث في هذا الكتاب إنما هو تعرض لبعض هذه الأخطاء، وذكر لشيء من مظاهر هذا التقصير.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172562

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة