Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 21

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) (البقرة) mp3
قَالَ عَلْقَمَة وَمُجَاهِد : كُلّ آيَة أَوَّلهَا " يَا أَيُّهَا النَّاس " فَإِنَّمَا نَزَلَتْ بِمَكَّة , وَكُلّ آيَة أَوَّلهَا " يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا " فَإِنَّمَا نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ . قُلْت : وَهَذَا يَرُدّهُ أَنَّ هَذِهِ السُّورَة وَالنِّسَاء مَدَنِيَّتَانِ وَفِيهِمَا يَا أَيُّهَا النَّاس . وَأَمَّا قَوْلهمَا فِي " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا " [ النِّسَاء : 19 ] الْآيَة فَصَحِيح . وَقَالَ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر : مَا كَانَ مِنْ حَدّ أَوْ فَرِيضَة فَإِنَّهُ نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ , وَمَا كَانَ مِنْ ذِكْر الْأُمَم وَالْعَذَاب فَإِنَّهُ نَزَلَ بِمَكَّة . وَهَذَا وَاضِح . وَ " يَا " فِي قَوْله : " يَا أَيُّهَا " حَرْف نِدَاء " أَيّ " مُنَادَى مُفْرَد مَبْنِيّ عَلَى الضَّمّ ; لِأَنَّهُ مُنَادَى فِي اللَّفْظ , وَ " هَا " لِلتَّنْبِيهِ . " النَّاس " مَرْفُوع صِفَة لِأَيّ عِنْد جَمَاعَة النَّحْوِيِّينَ , مَا عَدَا الْمَازِنِيّ فَإِنَّهُ أَجَازَ النَّصْب قِيَاسًا عَلَى جَوَازِهِ فِي . يَا هَذَا الرَّجُل . وَقِيلَ : ضُمَّتْ " أَيّ " كَمَا ضُمَّ الْمَقْصُود الْمُفْرَد , وَجَاءُوا بِـ " هَا " عِوَضًا عَنْ يَاء أُخْرَى , وَإِنَّمَا لَمْ يَأْتُوا بِيَاءٍ لِئَلَّا يَنْقَطِع الْكَلَام فَجَاءُوا بِـ " هَا " حَتَّى يَبْقَى الْكَلَام مُتَّصِلًا . قَالَ سِيبَوَيْهِ : كَأَنَّك كَرَّرْت " يَا " مَرَّتَيْنِ وَصَارَ الِاسْم بَيْنَهُمَا , كَمَا قَالُوا : هَا هُوَ ذَا . وَقِيلَ لَمَّا تَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ الْجَمْع بَيْن حَرْفَيْ تَعْرِيف أَتَوْا فِي الصُّورَة بِمُنَادًى مُجَرَّد عَنْ حَرْف تَعْرِيف , وَأَجْرَوْا عَلَيْهِ الْمُعَرَّف بِاللَّامِ الْمَقْصُود بِالنِّدَاءِ , وَالْتَزَمُوا رَفْعه ; لِأَنَّهُ الْمَقْصُود بِالنِّدَاءِ , فَجَعَلُوا إِعْرَابه بِالْحَرَكَةِ الَّتِي كَانَ يَسْتَحِقّهَا لَوْ بَاشَرَهَا النِّدَاء تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ الْمُنَادَى , فَاعْلَمْهُ . وَاخْتُلِفَ مَنْ الْمُرَاد بِالنَّاسِ هُنَا عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدهمَا : الْكُفَّار الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوهُ , يَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله " وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب " [ الْبَقَرَة : 23 ] الثَّانِي : أَنَّهُ عَامّ فِي جَمِيع النَّاس , فَيَكُون خِطَابه لِلْمُؤْمِنِينَ بِاسْتِدَامَةِ الْعِبَادَة , وَلِلْكَافِرِينَ بِابْتِدَائِهَا . وَهَذَا حَسَن . قَوْله تَعَالَى : " اُعْبُدُوا " أَمْر بِالْعِبَادَةِ لَهُ . وَالْعِبَادَة هُنَا عِبَارَة عَنْ تَوْحِيده وَالْتِزَام شَرَائِع دِينِهِ . وَأَصْل الْعِبَادَة الْخُضُوع وَالتَّذَلُّل , يُقَال : طَرِيق مُعَبَّدَة إِذَا كَانَتْ مَوْطُوءَة بِالْأَقْدَامِ . قَالَ طَرَفَة : وَظِيفًا وَظِيفًا فَوْق مَوْر مُعَبَّد وَالْعِبَادَة : الطَّاعَة . وَالتَّعَبُّد : التَّنَسُّك . وَعَبَّدْت فُلَانًا : اِتَّخَذْته عَبْدًا .

خَصَّ تَعَالَى خَلْقه لَهُمْ مِنْ بَيْن سَائِر صِفَاته إِذْ كَانَتْ الْعَرَب مُقِرَّة بِأَنَّ اللَّه خَلَقَهَا , فَذَكَرَ ذَلِكَ حُجَّة عَلَيْهِمْ وَتَقْرِيعًا لَهُمْ . وَقِيلَ : لِيُذَكِّرهُمْ بِذَلِكَ نِعْمَته عَلَيْهِمْ . وَفِي أَصْل الْخَلْق وَجْهَانِ : أَحَدهمَا : التَّقْدِير , يُقَال : خَلَقْت الْأَدِيم لِلسِّقَاءِ إِذَا قَدَّرْته قَبْل الْقَطْع , قَالَ الشَّاعِر : وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْت وَبَعْ ض الْقَوْم يَخْلُق ثُمَّ لَا يَفْرِي وَقَالَ الْحَجَّاج : مَا خَلَقْت إِلَّا فَرَيْت , وَلَا وَعَدْت إِلَّا وَفَّيْت . الثَّانِي : الْإِنْشَاء وَالِاخْتِرَاع وَالْإِبْدَاع , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا " [ الْعَنْكَبُوت : 17 ] .

فَيُقَال إِذَا ثَبَتَ عِنْدهمْ خَلْقهمْ ثَبَتَ عِنْدهمْ خَلْق غَيْرهمْ , فَالْجَوَاب : أَنَّهُ إِنَّمَا يَجْرِي الْكَلَام عَلَى التَّنْبِيه وَالتَّذْكِير لِيَكُونَ أَبْلَغ فِي الْعِظَة , فَذَكَّرَهُمْ مَنْ قَبْلَهُمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ الَّذِي أَمَاتَ مَنْ قَبْلَهُمْ , وَهُوَ خَلَقَهُمْ يُمِيتهُمْ , وَلِيُفَكِّرُوا فِيمَنْ مَضَى قَبْلهمْ كَيْف كَانُوا , وَعَلَى أَيّ الْأُمُور مَضَوْا مِنْ إِهْلَاك مَنْ أَهْلَكَ , وَلِيَعْلَمُوا أَنَّهُمْ يُبْتَلَوْنَ كَمَا اُبْتُلُوا . وَاَللَّه أَعْلَم .

" لَعَلَّ " مُتَّصِلَة بِـ اعْبُدُوا لَا بِـ خَلَقَكُمْ ; لِأَنَّ مَنْ ذَرَأَهُ اللَّه لِجَهَنَّم لَمْ يَخْلُقهُ لِيَتَّقِيَ . وَهَذَا وَمَا كَانَ مِثْله فِيمَا وَرَدَ فِي كَلَام اللَّه تَعَالَى مِنْ قَوْله : " لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ , لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ , لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ , لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ " فِيهِ ثَلَاث تَأْوِيلَات . الْأَوَّل : أَنَّ " لَعَلَّ " عَلَى بَابهَا مِنْ التَّرَجِّي وَالتَّوَقُّع , وَالتَّرَجِّي وَالتَّوَقُّع إِنَّمَا هُوَ فِي حَيِّز الْبَشَر , فَكَأَنَّهُ قِيلَ لَهُمْ : اِفْعَلُوا ذَلِكَ عَلَى الرَّجَاء مِنْكُمْ وَالطَّمَع أَنْ تَعْقِلُوا وَأَنْ تَذَّكَّرُوا وَأَنْ تَتَّقُوا . هَذَا قَوْل سِيبَوَيْهِ وَرُؤَسَاء اللِّسَان قَالَ سِيبَوَيْهِ فِي قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : " اِذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْن إِنَّهُ طَغَى . فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّر أَوْ يَخْشَى " [ طَه : 43 - 44 ] قَالَ مَعْنَاهُ : اِذْهَبَا عَلَى طَمَعكُمَا وَرَجَائِكُمَا أَنْ يَتَذَكَّر أَوْ يَخْشَى . وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْل أَبُو الْمَعَالِي . الثَّانِي : أَنَّ الْعَرَب اِسْتَعْمَلَتْ " لَعَلَّ " مُجَرَّدَة مِنْ الشَّكّ بِمَعْنَى لَام كَيْ . فَالْمَعْنَى لِتَعْقِلُوا وَلِتَذَّكَّرُوا وَلِتَتَّقُوا , وَعَلَى ذَلِكَ يَدُلّ قَوْل الشَّاعِر : وَقُلْتُمْ لَنَا كُفُّوا الْحُرُوب لَعَلَّنَا نَكُفّ وَوَثَّقْتُمْ لَنَا كُلّ مُوَثَّق فَلَمَّا كَفَفْنَا الْحَرْب كَانَتْ عُهُودكُمْ كَلَمْعِ سَرَاب فِي الْمَلَا مُتَأَلِّق الْمَعْنَى : كُفُّوا الْحُرُوب لِنَكُفّ , وَلَوْ كَانَتْ " لَعَلَّ " هُنَا شَكًّا لَمْ يُوَثِّقُوا لَهُمْ كُلّ مُوَثَّق , وَهَذَا الْقَوْل عَنْ قُطْرُب وَالطَّبَرِيّ . الثَّالِث : أَنْ تَكُون " لَعَلَّ " بِمَعْنَى التَّعَرُّض لِلشَّيْءِ , كَأَنَّهُ قِيلَ : اِفْعَلُوا ذَلِكَ مُتَعَرِّضِينَ لِأَنْ تَعْقِلُوا , أَوْ لِأَنْ تَذَّكَّرُوا أَوْ لِأَنْ تَتَّقُوا . وَالْمَعْنَى فِي قَوْله " لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " أَيْ لَعَلَّكُمْ أَنْ تَجْعَلُوا بِقَبُولِ مَا أَمَرَكُمْ اللَّه بِهِ وِقَايَة بَيْنكُمْ وَبَيْن النَّار . وَهَذَا مِنْ قَوْل الْعَرَب : اِتَّقَاهُ بِحَقِّهِ إِذَا اِسْتَقْبَلَهُ بِهِ , فَكَأَنَّهُ جَعَلَ دَفْعه حَقّه إِلَيْهِ وِقَايَة لَهُ مِنْ الْمُطَالَبَة , وَمِنْهُ قَوْل عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : كُنَّا إِذَا اِحْمَرَّ الْبَأْس اِتَّقَيْنَا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَيْ جَعَلْنَاهُ وِقَايَة لَنَا مِنْ الْعَدُوّ . وَقَالَ عَنْتَرَة : وَلَقَدْ كَرَرْت الْمُهْر يَدْمَى نَحْره حَتَّى اِتَّقَتْنِي الْخَيْل بِابْنِي حِذْيَم
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • آداب الفتوى والمفتي والمستفتي

    آداب الفتوى والمفتي والمستفتي : من مقدمة كتاب: المجموع شرح المهذب للإمام النووي - رحمه الله -.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/144923

    التحميل:

  • وصايا ومواعظ في ضوء الكتاب والسنة

    وصايا ومواعظ في ضوء الكتاب والسنة: قال المُصنِّف - رحمه الله -: «فهذا كتابٌ ضمَّنتُه بعضَ الوصايا والمواعِظ رجاءَ أن يستفيدَ به المُسلِمون والمُسلِمات».

    الناشر: موقع الدكتور محمد محيسن http://www.mehesen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/384416

    التحميل:

  • الافتقار إلى الله لب العبودية

    بيان بعض علامات الافتقار إلى الله.

    الناشر: مجلة البيان http://www.albayan-magazine.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205809

    التحميل:

  • ثناء ابن تيمية على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب و أهل البيت

    ثناء ابن تيمية على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب و أهل البيت: جمع لأقوال بن تيمية في الثناء على آل البيت

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/74692

    التحميل:

  • الأدلة العقلية على صدق نبوة خير البرية صلى الله عليه وسلم

    الأدلة العقلية على صدق نبوة خير البرية : فقد جمعت في هذا الكتاب بعض أدلة صدق النبي - صلى الله عليه وسلم - التي بها تتضح نبوته ويتبين صدقه الواضح في كل ما يقول وهذه الأدلة مأخوذة من سيرته وأفعاله ،وأقواله وشهادات الناس – أعداء كانوا أو موافقين- وغيرها من الأدلة العقلية. وكثير من هذه المعاني مأخوذة من كلام الذين أسلموا أو أنصفوا كما سيأتي. ثم أتبعت ذلك بمبحث التدليل على أن القرآن ليس من النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ وفيه أدلة عقلية أخرى على صدق النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإذا ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صادق وأن القرآن من الله - تعالى - وليس منه؛ دل هذا على صدق دين الإسلام وصحته. وأتبعت هذين البحثين بملحق فيه على من أنكر معجزات انشقاق القمر.

    الناشر: مجلة البيان http://www.albayan-magazine.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/168868

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة