Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البقرة - الآية 208

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (208) (البقرة) mp3
لَمَّا بَيَّنَ اللَّه سُبْحَانه النَّاس إِلَى مُؤْمِن وَكَافِر وَمُنَافِق فَقَالَ : كُونُوا عَلَى مِلَّة وَاحِدَة , وَاجْتَمِعُوا عَلَى الْإِسْلَام وَاثْبُتُوا عَلَيْهِ . فَالسِّلْم هُنَا بِمَعْنَى الْإِسْلَام , قَالَهُ مُجَاهِد , وَرَوَاهُ أَبُو مَالِك عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر الْكِنْدِيّ : دَعَوْت عَشِيرَتِي لِلسِّلْمِ لَمَّا رَأَيْتهمْ تَوَلَّوْا مُدْبِرِينَا أَيْ إِلَى الْإِسْلَام لَمَّا اِرْتَدَّتْ كِنْدَة بَعْد وَفَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ الْأَشْعَث بْن قَيْس الْكِنْدِيّ , وَلِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يُؤْمَرُوا قَطُّ بِالدُّخُولِ فِي الْمُسَالَمَة الَّتِي هِيَ الصُّلْح , وَإِنَّمَا قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَجْنَح لِلسِّلْمِ إِذَا جَنَحُوا لَهُ , وَأَمَّا أَنْ يَبْتَدِئ بِهَا فَلَا , قَالَهُ الطَّبَرِيّ . وَقِيلَ : أَمَرَ مَنْ آمَنَ بِأَفْوَاهِهِمْ أَنْ يَدْخُلُوا فِيهِ بِقُلُوبِهِمْ . وَقَالَ طَاوُس وَمُجَاهِد : اُدْخُلُوا فِي أَمْر الدِّين . سُفْيَان الثَّوْرِيّ : فِي أَنْوَاع الْبِرّ كُلّهَا . وَقُرِئَ " السِّلْم " بِكَسْرِ السِّين . قَالَ الْكِسَائِيّ : السِّلْم وَالسَّلْم بِمَعْنًى وَاحِد , وَكَذَا هُوَ عِنْد أَكْثَر الْبَصْرِيِّينَ , وَهُمَا جَمِيعًا يَقَعَانِ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسَالَمَة . وَفَرَّقَ أَبُو عَمْرو بْن الْعَلَاء بَيْنهمَا , فَقَرَأَهَا هُنَا : " اُدْخُلُوا فِي السِّلْم " وَقَالَ هُوَ الْإِسْلَام . وَقَرَأَ الَّتِي فِي " الْأَنْفَال " وَاَلَّتِي فِي سُورَة " مُحَمَّد " صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " السَّلْم " بِفَتْحِ السِّين , وَقَالَ : هِيَ بِالْفَتْحِ الْمُسَالَمَة . وَأَنْكَرَ الْمُبَرِّد هَذِهِ التَّفْرِقَة . وَقَالَ عَاصِم الْجَحْدَرِيّ : السِّلْم الْإِسْلَام , وَالسَّلْم الصُّلْح , وَالسَّلَم الِاسْتِسْلَام . وَأَنْكَرَ مُحَمَّد بْن يَزِيد هَذِهِ التَّفْرِيقَات وَقَالَ : اللُّغَة لَا تُؤْخَذ هَكَذَا , وَإِنَّمَا تُؤْخَذ بِالسَّمَاعِ لَا بِالْقِيَاسِ , وَيَحْتَاج مَنْ فَرَّقَ إِلَى دَلِيل . وَقَدْ حَكَى الْبَصْرِيُّونَ : بَنُو فُلَان سِلْمٌ وَسَلْم وَسَلَم , بِمَعْنًى وَاحِد . قَالَ الْجَوْهَرِيّ : وَالسِّلْم الصُّلْح , يُفْتَح وَيُكْسَر , وَيُذَكَّر وَيُؤَنَّث , وَأَصْله مِنْ الِاسْتِسْلَام وَالِانْقِيَاد , وَلِذَلِكَ قِيلَ لِلصُّلْحِ : سِلْم . قَالَ زُهَيْر : وَقَدْ قُلْتُمَا إِنْ نَدْرِك السِّلْم وَاسِعًا بِمَالٍ وَمَعْرُوف مِنْ الْأَمْر نَسْلَم وَرَجَّحَ الطَّبَرِيّ حَمْل اللَّفْظَة عَلَى مَعْنَى الْإِسْلَام بِمَا تَقَدَّمَ . وَقَالَ حُذَيْفَة بْن الْيَمَان فِي هَذِهِ الْآيَة : الْإِسْلَام ثَمَانِيَة أَسْهُم , الصَّلَاة سَهْم , وَالزَّكَاة سَهْم , وَالصَّوْم سَهْم , وَالْحَجّ سَهْم , وَالْعُمْرَة سَهْم , وَالْجِهَاد سَهْم , وَالْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ سَهْم , وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر سَهْم , وَقَدْ خَابَ مَنْ لَا سَهْم لَهُ فِي الْإِسْلَام . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : ( نَزَلَتْ الْآيَة فِي أَهْل الْكِتَاب , وَالْمَعْنَى , يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بِمُوسَى وَعِيسَى اُدْخُلُوا فِي الْإِسْلَام بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَافَّة ) . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( وَاَلَّذِي نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَا يَسْمَع بِي أَحَد مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة يَهُودِيّ وَلَا نَصْرَانِيّ ثُمَّ يَمُوت وَلَمْ يُؤْمِن بِاَلَّذِي أُرْسِلْت بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَاب النَّار ) . /و ( كَافَّة ) مَعْنَاهُ جَمِيعًا , فَهُوَ نَصْب عَلَى الْحَال مِنْ السَّلْم أَوْ مِنْ ضَمِير الْمُؤْمِنِينَ , وَهُوَ مُشْتَقّ مِنْ قَوْلهمْ : كَفَفْت أَيْ مَنَعْت , أَيْ لَا يَمْتَنِع مِنْكُمْ أَحَد مِنْ الدُّخُول فِي الْإِسْلَام . وَالْكَفّ الْمَنْع , وَمِنْهُ كُفَّة الْقَمِيص - بِالضَّمِّ - لِأَنَّهَا تَمْنَع الثَّوْب مِنْ الِانْتِشَار , وَمِنْهُ كِفَّة الْمِيزَان - بِالْكَسْرِ - الَّتِي تَجْمَع الْمَوْزُون وَتَمْنَعهُ أَنْ يَنْتَشِر , وَمِنْهُ كَفّ الْإِنْسَان الَّذِي يَجْمَع مَنَافِعه وَمَضَارّه , وَكُلّ مُسْتَدِير كِفَّة , وَكُلّ مُسْتَطِيل كَفَّة . وَرَجُل مَكْفُوف الْبَصَر , أَيْ مُنِعَ عَنْ النَّظَر , فَالْجَمَاعَة تُسَمَّى كَافَّة لِامْتِنَاعِهِمْ عَنْ التَّفَرُّق .


" وَلَا تَتَّبِعُوا " نَهْي . " خُطُوَات الشَّيْطَان " مَفْعُول , وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَقَالَ مُقَاتِل : اِسْتَأْذَنَ عَبْد اللَّه بْن سَلَام وَأَصْحَابه بِأَنْ يَقْرَءُوا التَّوْرَاة فِي الصَّلَاة , وَأَنْ يَعْمَلُوا بِبَعْضِ مَا فِي التَّوْرَاة , فَنَزَلَتْ : " وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ " فَإِنَّ اِتِّبَاع السُّنَّة أَوْلَى بَعْد مَا بُعِثَ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ خُطُوَات الشَّيْطَان . وَقِيلَ : لَا تَسْلُكُوا الطَّرِيق الَّذِي يَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ الشَّيْطَان .


ظَاهِر الْعَدَاوَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الدين المعاملة [ صفحات من هدي الأسوة الحسنة صلى الله عليه وسلم ]

    الدين المعاملة : في هذه الصفحات نسلط الضوء على جانب من الجوانب المهمة في حياتنا، وهو المعاملة مع الآخرين، ننهل في تصحيح هذا الجانب من معاملة النبي - صلى الله عليه وسلم - للآخرين، فنحن أحوج ما نكون إلى هذا الهدي مع فساد تعاملنا مع بعضنا، فالدين ليس فقط معاملة مع الله، بل هو معاملة مع الخلق أيضاً، ولئن كانت حقوق الله مبنية على المسامحة فإن حقوق العباد مبنية على المشاحة ، لذا وجب علينا معرفة هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في المعاملة مع الخَلق؛ لنتأسى به، فتنصلح علاقاتنا الأسرية والاجتماعية.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/262007

    التحميل:

  • تراجم لتسعة من الأعلام

    تراجم لتسعة من الأعلام : هذا الكتاب يحتوي على ترجمة لكل واحد من التالية أسماؤهم: 1- العلامة أحمد بن فارس اللغوي. 2- نور الدين محمود الشهيد. 3- شيخ الإسلام أحمد بن تيمية. 4- الشيخ العلامة محمد الخضر حسين. 5- الشيخ العلامة محمد الطاهر بن عاشور. 6- الشيخ العلامة محمد البشير الإبراهيمي. 7- سماحة الشيخ العلامة عبدالرحمن السعدي. 8- سماحة الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ. 9- سماحة الشيخ العلامة عبدالعزيز بن باز - رحمهم الله -.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172586

    التحميل:

  • الاعتدال في الدعوة

    الاعتدال في الدعوة : محاضرة مفرغة.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/144938

    التحميل:

  • أحكام الدفن والقبور

    أحكام الدفن والقبور: في هذا الكتاب ذكر المؤلف الأحاديث المشتركة بين أهل السنة والإمامية في أحكام الدفن، قال المؤلِّف: «منهج العمل في الكتاب: 1- استخرجتُ جهدي - الأحاديث المشتركة في اللفظ - ما أمكن - أو الفحوى، في المسائل التي جرى البحثُ فيها عن الأحاديث المشتركة، من مسائل الدفن والقبور. 2- اقتصر جُلُّ اعتمادي على الكتب المعتمدة المشهورة عند الفريقين، ولم أخرج عن الكتب المشهورة إلا على سبيل الاستئناس والمُصاحبة، بعد ذكر الموجود في المُصنَّفات المشهور مُقدَّمًا. 3- صنَّفتُ الأحاديث على أبواب، وضعتُ تراجمها من لفظي؛ بحيث تكون ترجمةً مختصرةً، حاويةً خلاصةَ المعنى الذي تدلُّ عليه أحاديثُ الباب عمومًا. 4- أردفتُ الأحاديث بالتخريج في نفس المتن ليكون أسهل للقارئ، وأليَق بموضوع الكتاب. 5- وضعتُ فهارسَ أطراف الحديث والرواة، لأحاديث الفريقين. 6- ألحقتُ الكتابَ بثبت المراجع المُستخدمة فيه من كتب الفريقين. 7- كتبتُ مقدمةً لطيفةً، فيها كلمة يسيرة عن الدفنِ وحِكمته وحُكمه، ومنهج العمل في الكتاب».

    الناشر: مركز البحوث في مبرة الآل والأصحاب http://www.almabarrah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/380428

    التحميل:

  • وصف جنات النعيم والطريق الموَصِّل إليها

    في هذه الرسالة وصف جنات النعيم والطريق الموَصِّل إليها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209201

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة